مشروع الربط المائي. . هل يشكل البديل الأمثل لتحقيق الأمن المائي الخليجي؟
::cck::2550::/cck::
::introtext::
تولي دول مجلس التعاون أهمية كبيرة لقضية المياه، لما تعانيه هذه الدول من ندرة في المياه، لذا فإن التعاون الجماعي لإيجاد حلول لهذه المشكلة يشكل أهمية استراتيجية لها، وفي هذا السياق بحث وزراء المياه بدول المجلس في اجتماعهم الدوري الرابع يوم 17/9/2005 سبل تعزيز التعاون والتكامل بين دول المجلس في مجال المياه، وذلك عبر عدة خيارات من بينها استكمال دراسة مشروع الربط المائي الخليجي، واختيار مياه التحلية كخيار استراتيجي، وترشيد استهلاك المياه.
::/introtext::
::fulltext::
تولي دول مجلس التعاون أهمية كبيرة لقضية المياه، لما تعانيه هذه الدول من ندرة في المياه، لذا فإن التعاون الجماعي لإيجاد حلول لهذه المشكلة يشكل أهمية استراتيجية لها، وفي هذا السياق بحث وزراء المياه بدول المجلس في اجتماعهم الدوري الرابع يوم 17/9/2005 سبل تعزيز التعاون والتكامل بين دول المجلس في مجال المياه، وذلك عبر عدة خيارات من بينها استكمال دراسة مشروع الربط المائي الخليجي، واختيار مياه التحلية كخيار استراتيجي، وترشيد استهلاك المياه.
وهذه الخيارات ترتبط بالأساس بثلاث إشكاليات تؤطر مشكلة المياه في دول مجلس التعاون الخليجي بشكل عام: الإشكالية الأولى يفرضها الموقع الجغرافي وطبيعة المناخ الجاف السائد، والإشكالية الثانية تفرضها التكنولوجيا وتكلفتها المرتفعة لإيجاد البديل، والإشكالية الثالثة سببها الممارسات وأنماط الاستهلاك الخاطئة.
بالنسبة للإشكالية الأولى فترتبط بتدني مصادر المياه المتجددة، حيث تعاني دول المجلس من شح مصادر المياه الطبيعية المتجددة، حيث تقع في منطقة من العالم تتسم بندرة الأمطار وعدم انتظام سقوطها، ومعدلات تبخر عالية، مما يؤدي إلى محدودية المياه المتجددة فيها.
أما الإشكالية الثانية فتتعلق بتكلفة المصدر البديل، حيث إن تنمية مصادر بديلة كالمياه المحلاة لأغراض الشرب تأتي لتحقيق هدفين، أولهما : تحقيق خفض مهم في مستوى استهلاك المياه الجوفية التي تمثل الآن نحو 48 في المائة من مجمل المياه المخلوطة لأغراض الاستخدام. ثانيهما : تحسين نوعية المياه الموزعة التي وصلت إلى درجة من الملوحة لم تعد في بعض عناصرها تتواكب مع المواصفات الوطنية والعالمية المتعددة.
وترتبط الإشكالية الثالثة بنمط الاستهلاك وكيفية التعامل مع المصدر المائي المحدود، وتجيء هنا مشكلة الإسراف الشديد في استهلاك المياه، حيث تشير الإحصاءات إلى ارتفاع الطلب على المياه في جميع دول المجلس من 6 مليارات متر مكعب عام 1980 إلى أكثر من 23 مليار متر مكعب في عام 2000، طبقاً لتقرير الأمم المتحدة الصادر عام 2003، مما أدى إلى وجود عجز مائي يصل إلى حوالي 15.7 مليار متر مكعب تتم تغطيته بواسطة سحب المياه الجوفية والتوسع في بناء محطات التحلية، إلا أن التحدي الأهم في ذلك هو خفض معدل استهلاك الفرد الخليجي للمياه، حيث كشف تقرير لمنظمة الخليج للاستشارات الصناعية أن استهلاك مياه الشرب للأغراض المنزلية في دول الخليج قد زاد من مليار و169 مليون متر مكعب في عام 1985 إلى 3 مليارات و219 مليون متر مكعب في عام 1990. ويتوقع أن يبلغ 8 مليارات و855 مليون متر مكعب بحلول عام 2010. وبشكل عام فإن متوسط استهلاك الفرد في منطقة الخليج من المياه يبلغ حوالي 1035 متراً مكعباً سنوياً، وإذا ما استمر هذا المعدل من الاستهلاك فإن دول المجلس ستكون في حاجة إلى ما يقارب 49 مليار متر مكعب من المياه سنوياً بحلول عام 2025.
ويعتبر مشروع الربط المائي بين دول المجلس من المشاريع الحيوية المهمة وأحد الخيارات الاستراتيجية الجديدة لدول المنطقة، ففي حال تنفيذه سيساهم في تزويدها بالمياه أثناء فترة الطوارئ والكوارث التي قد تتعرض لها أي دولة من دول المنطقة، خاصة في حالات التلوث حيث ستتم الاستعانة بمياه البحر الأحمر وشط العرب، كما أن المشروع سيساهم في حل مشكلة المياه في المنطقة فضلاً عن رفع كمية الاحتياطي والمخزون الاستراتيجي.
ويعتبر مشروع الربط المائي أحد المشاريع الرائدة التي تتبناها الأمانة العامة لمجلس التعاون الخليجي تنفيذاً لتوجيهات المجلس الأعلى لدول الخليج العربية الساعي دائما إلى تآلف وترابط دول المجلس من خلال تبني المشاريع التي توفر الأمن والرخاء لمواطنيها.
وقد عهد إلى الشركة الاستشارية الفرنسية (سوجريه) دراسة جدوى مشروع الربط المائي الخليجي، و قدمت الشركة خمسة خيارات مختلفة لمشروع الربط المائي بالنسبة إلى محطات الإنتاج ومسارات وخطوط النقل بين مختلف المناطق في دول مجلس التعاون، وتمت دراسة تأثير كل خيار بالنسبة إلى الوضع المائي فيها بحسب حالات التشغيل العادية وحالات الطوارئ التي تتوقف فيها جميع محطات الإنتاج عن العمل في منطقة معينة لمدة تصل إلى 30 يوماً وكمية المياه المتوافرة لكل دولة في هذه الحالات بحسب أوضاع التشغيل في الوضع الاعتيادي وفي حال الطوارئ.
وحسب الدراسة التي أعدتها الشركة، فإن الخيار الأنسب والأفضل من الناحية الفنية والاقتصادية لتنفيذ مشروع الربط المائي يتمثل في إنشاء محطات للتحلية في المنطقة الشمالية من الخليج العربي وفي المنطقة الجنوبية منه ومحطات تطل على خليج عُمان، وفي هذا الخيار سيتم ربط جميع دول الخليج العربية والمنطقة الشرقية فقط من المملكة العربية السعودية ووضع أنبوب مزدوج من مسقط إلى الكويت ومن قطر إلى البحرين بطاقة تتراوح بين 54 و140 مليون جالون يومياً (قطر 1000 مم إلى 1600 مم). وبناء على دراسة تقييم الفائدة مع اعتبار التكلفة الإنتاجية لوحدة المياه المحلاة بـ 0.85 دولار للمتر المكعب و10 في المائة احتياطي المستغنى عنه، يحقق الخيار أعلاه عائداً يصل إلى 8.4 في المائة مقارنة بـ 4.8 في المائة و5.3 للخيارات الأخرى.
وتم تشكيل لجنة فنية من الدول الأعضاء لمتابعة مراحل الدراسة وإجازة التقارير الفنية عن كل مرحلة من المراحل الخمس من الدراسة بعد التأكد من استيفاء الشركة لكافة الشروط المرجعية المطلوبة لإنجاز هذا المشروع على الوجـه الأكمل بما يحقق الأهداف والطموحات المتوخاة من تنفيذه.
ويعتمد مشروع الربط المائي بين دول المجلس على الجدوى الاقتصادية له، ويرتكز بالأساس على إنشاء محطات التحلية فقط، وهذا يعني أن ثمة ترابطاً وثيقاً بين المشروع ومشاريع تحلية المياه في دول المجلس، الأمر الذي يثير بدوره التساؤل حول جدوى مشاريع تحلية المياه والتوسع فيها مستقبلاً.
من المعروف أن دول مجلس التعاون تعتمد في توفير المياه بشكل أساسي على تحلية المياه المالحة، حيث تحتل المركز الأول عالمياً في إنتاج مياه البحر المحلاة بحجم إنتاج يصل إلى أكثر من 12 مليون متر مكعب يومياً.
وعملت دول المجلس على تذليل الصعوبات التي تواجهها صناعة التحلية من النواحي الفنية والاقتصادية مع التركيز على جهود البحث العلمي في هذه الصناعة محلياً، والارتقاء بها لتواكب الاحتياجات المتزايدة في الطلب على المياه فيها، وقامت بتطبيق بعض الإجراءات والخطوات
لتخفيض تكلفة المياه المحلاه ولمعالجة المشكلات التي تواجهها، وتم تحويل مركز الأبحاث والتطوير التابع للمؤسسة العامة لتحلية المياه المالحة في المملكة العربية السعودية إلى مركز إقليمي يخدم جميع دول مجلس التعاون في مجال الأبحاث وتطوير تقنية التحلية، ويتمتع هذا المركز بسمعة جيدة على المستوى العالمي وسبق له الحصول على أفضل بحث علمي عام 1999، في مؤتمر جمعية التحلية العالمية في سان دييغو بالولايات المتحدة الأمريكية.
وبلغ إجمالي ما أنفقته دول المجلس الست لإقامة محطات لتحلية المياه المالحة 40 مليار دولار بما في ذلك التكاليف الخاصة بالتشغيل والصيانة، مما أوجد قاعدة صناعية كبيرة للمياه المحلاة، وعملت على ضخ أموال إضافية لتطوير التقنيات الخاصة بتحلية المياه في المنطقة، حيث بلغ عدد محطات تحلية المياه في دول المجلس أكثر من 60 محطة تنتج 672 مليار جالون سنوياً، وتشكل هذه الطاقة 50 في المائة تقريباً من إجمالي الطاقة الإنتاجية للمياه المحلاة في العالم، مما يضع دول المجلس على رأس قائمة البلدان المعتمدة بصورة شبه كاملة على هذه المياه لتلبية احتياجاتها السكانية والتنموية، كما باتت هذه التقنية توفر ما بين 50-90 في المائة من مياه الشرب في دول المجلس. ويقدر خبراء البنك الدولي تكلفة مشروعات التحلية المقررة في هذه الدول خلال السنوات المقبلة بقيمة تتجاوز خمسة مليارات دولار وهو رقم ضخم جداً بالنظر إلى التكنولوجيا المستخدمة للتحلية زيادة على الطاقة المكثفة المستخدمة فيها.
و تنتج دول مجلس التعاون كميات كبيرة من المياه المحلاة، فعلى سبيل المثال بلغ عدد محطات التحلية في المملكة العربية السعودية 28 محطة على الساحلين الشرقي والغربي بتكلفة إجمالية تتجاوز 17.3 مليار دولار تنتج أكثر من 2.5 مليون متر مكعب من المياه المحلاة يومياً، وتعد المملكة أكبر منتج للمياه المحلاة في العالم بنصيب يقارب ثلث إجمالي الإنتاج، ويقدر في الوقت الحاضر بحوالي 2.17 مليون متر مكعب يومياً (827 مليون متر مكعب عام 2001) تغطي أكثر من 70 في المائة من احتياجات مياه الشرب، كما تخطط الحكومة لإقامة 22 مشروعاً للتحلية، منها 16 مشروعاً على ساحل البحر الأحمر، و6 مشروعات على ساحل الخليج العربي، إلى جانب دراسة وتصميم 13 مشروعاً لنقل المياه المحلاة، وتنتج السعودية وحدها أكثر من مجموع ما تنتجه دول الخليج الأخرى من المياه المحلاة وذلك بسبب مساحتها وعدد سكانها الكبير، كما توجد في المملكة أهم محطة تحلية للمياه في العالم وهي محطة (الجبيل) الموجودة على ساحل الخليج وتبلغ طاقتها 800 ألف متر مكعب يومياً، وتأتي الإمارات في المرتبة الثانية من حيث تحلية المياه على مستوى العالم، حيث يصل إنتاجها السنوي إلى حوالي 446 مليون متر مكعب سنوياً تسهم بنسبة 80 في المائة من الاحتياجات المائية للبلاد، مقارنة بـ 110 ملايين متر مكعب في قطر، ويتزايد اعتماد الدول الأخرى على هذه التقنية.
ورغم ذلك الاعتماد الكبير من قبل الدول الخليجية على تقنية تحلية المياه إلا أن هناك العديد من السلبيات التي قد تعوق ـ من وجهة نظر البعض ـ استمرار التوسع في إنشاء محطات التحلية، وأبرز هذه السلبيات أنه بالإضافة إلى سعر التحلية العالي فإن محطات التحلية تؤثر سلباً في البيئة المحيطة من خلال تلوث هواء المناطق الحضرية بالأحماض المنبعثة في الهواء وتلوث مياه البحر بواسطة تصريف المحلول المتخلف عن عملية التحلية بإلقائه ثانية في
البحر والذي يحتوي على تركيز ملحي ودرجة حرارة عاليين. ومن السلبيات الأخرى أن محطات التحلية ـ الساحلية ـ يلزمها شبكات إمداد ضخمة لإيصال المياه الصالحة المنتجة فيها إلى المناطق البعيدة، كما أن بناء محطات التحلية يخلق حالة من التبعية التكنولوجية مع الأطراف التي توفر مثل هذه المحطات، ويشير البعض إلى أن أكثر من نصف مجموع الطاقة الإنتاجية لمياه التحلية يستخدم تقنية تم تطويرها في نهاية الخمسينات وبداية الستينات وهي تقنية (التطاير) متعدد المراحل في حين أن ثلث الطاقة العالمية تستخدم تقنية التناضح العكسي الغشائية التي تم تطويرها في السبعينات وانتشرت في الثمانينات، ويكشف ذلك أنه رغم التوسع الكبير في السعات الإنتاجية وعدد المحطات إلا انه لم يطرأ تطور جوهري على كفاءة وأنواع التقنيات المستخدمة في إنتاج المياه المحلاة.
لكن رغم هذه السلبيات المشار إليها، فإن خيار تحلية المياه يعد الأسلوب الأمثل لدول مجلس التعاون الخليجي لاعتبارات عديدة، في مقدمتها: عدم وجود مصادر المياه السطحية والجوفية الكافية كماً وكيفاً، والتوسع السكاني والعمراني إلى جانب مجموعة الإمكانات والخبرات التي توفرت في تلك البلدان على مدار العقدين الأخيرين، كما أن هذه الدول تسعى إلى ضمان أمنها المائي بأيديها خاصة أن مشروعات التعاون المائي في المنطقة لم تجد لها صيغة عملية حتى الآن.
ومما يعزز جهود الدول الخليجية في الاستمرار في إنتاج المياه المحلاة أنه من المتوقع في المستقبل تعويض التكلفة المرتفعة لتكنولوجيا التحلية بما تبشر به عمليات هجينة ابتكارية مثل عمليات العزل الكيماوي (الامتصاص أو التبادل الأيوني) بالاقتران مع عمليات فيزيائية تمثل التقنية بواسطة الأغشية، وقد تؤدي هذه التكنولوجيا الى تحلية قرابة 100 في المائة من المياه التي تعالجها المحطات مما يزيد من كفاءة أدائها في المستقبل. ومن لغط القول الحديث عن أن تحلية المياه مكلفة جداً دون الأخذ في الاعتبار الأوضاع السياسية والجغرافية واقتصاديات موارد المياه البديلة، فعلى سبيل المثال فإن العديد من الدول تفضل أن تتوفر لديها موارد مائية ذاتية تفي بكافة احتياجاتها مهما كان الثمن، وقد طرحت أفكار عديدة لنقل المياه بواسطة الأنابيب وعبر أقطار متعددة، ولكن لم يطبق أي منها لاعتبارات اقتصادية أو سياسية أو جغرافيـة.
وعلى أي حال إذا كان مشروع الربط المائي المزمع تنفيذه يمثل أهمية كبيرة لهذه الدول، ويمثل خطوة مهمة على طريق تحقيق الأمن المائي الخليجي فيجب ألا يكون الخيار الوحيد المطروح، فدول مجلس التعاون باتت في حاجة إلى استخدام حزمة من السياسات المشتركة في موضوع المياه دون المراهنة على بديل واحد لتحقيق أمنها المائي، وهذا يتطلب منها تنسيق السياسات المائية من أجل بلوغ الهدف المنشود والانتقال من مرحلة التعاون إلى مرحلة التكامل في هذا المجال الحيوي والمهم لأمنها القومي.
::/fulltext::
|
Getting your Trinity Audio player ready...
|
::cck::2550::/cck::
::introtext::
تولي دول مجلس التعاون أهمية كبيرة لقضية المياه، لما تعانيه هذه الدول من ندرة في المياه، لذا فإن التعاون الجماعي لإيجاد حلول لهذه المشكلة يشكل أهمية استراتيجية لها، وفي هذا السياق بحث وزراء المياه بدول المجلس في اجتماعهم الدوري الرابع يوم 17/9/2005 سبل تعزيز التعاون والتكامل بين دول المجلس في مجال المياه، وذلك عبر عدة خيارات من بينها استكمال دراسة مشروع الربط المائي الخليجي، واختيار مياه التحلية كخيار استراتيجي، وترشيد استهلاك المياه.
::/introtext::
::fulltext::
تولي دول مجلس التعاون أهمية كبيرة لقضية المياه، لما تعانيه هذه الدول من ندرة في المياه، لذا فإن التعاون الجماعي لإيجاد حلول لهذه المشكلة يشكل أهمية استراتيجية لها، وفي هذا السياق بحث وزراء المياه بدول المجلس في اجتماعهم الدوري الرابع يوم 17/9/2005 سبل تعزيز التعاون والتكامل بين دول المجلس في مجال المياه، وذلك عبر عدة خيارات من بينها استكمال دراسة مشروع الربط المائي الخليجي، واختيار مياه التحلية كخيار استراتيجي، وترشيد استهلاك المياه.
وهذه الخيارات ترتبط بالأساس بثلاث إشكاليات تؤطر مشكلة المياه في دول مجلس التعاون الخليجي بشكل عام: الإشكالية الأولى يفرضها الموقع الجغرافي وطبيعة المناخ الجاف السائد، والإشكالية الثانية تفرضها التكنولوجيا وتكلفتها المرتفعة لإيجاد البديل، والإشكالية الثالثة سببها الممارسات وأنماط الاستهلاك الخاطئة.
بالنسبة للإشكالية الأولى فترتبط بتدني مصادر المياه المتجددة، حيث تعاني دول المجلس من شح مصادر المياه الطبيعية المتجددة، حيث تقع في منطقة من العالم تتسم بندرة الأمطار وعدم انتظام سقوطها، ومعدلات تبخر عالية، مما يؤدي إلى محدودية المياه المتجددة فيها.
أما الإشكالية الثانية فتتعلق بتكلفة المصدر البديل، حيث إن تنمية مصادر بديلة كالمياه المحلاة لأغراض الشرب تأتي لتحقيق هدفين، أولهما : تحقيق خفض مهم في مستوى استهلاك المياه الجوفية التي تمثل الآن نحو 48 في المائة من مجمل المياه المخلوطة لأغراض الاستخدام. ثانيهما : تحسين نوعية المياه الموزعة التي وصلت إلى درجة من الملوحة لم تعد في بعض عناصرها تتواكب مع المواصفات الوطنية والعالمية المتعددة.
وترتبط الإشكالية الثالثة بنمط الاستهلاك وكيفية التعامل مع المصدر المائي المحدود، وتجيء هنا مشكلة الإسراف الشديد في استهلاك المياه، حيث تشير الإحصاءات إلى ارتفاع الطلب على المياه في جميع دول المجلس من 6 مليارات متر مكعب عام 1980 إلى أكثر من 23 مليار متر مكعب في عام 2000، طبقاً لتقرير الأمم المتحدة الصادر عام 2003، مما أدى إلى وجود عجز مائي يصل إلى حوالي 15.7 مليار متر مكعب تتم تغطيته بواسطة سحب المياه الجوفية والتوسع في بناء محطات التحلية، إلا أن التحدي الأهم في ذلك هو خفض معدل استهلاك الفرد الخليجي للمياه، حيث كشف تقرير لمنظمة الخليج للاستشارات الصناعية أن استهلاك مياه الشرب للأغراض المنزلية في دول الخليج قد زاد من مليار و169 مليون متر مكعب في عام 1985 إلى 3 مليارات و219 مليون متر مكعب في عام 1990. ويتوقع أن يبلغ 8 مليارات و855 مليون متر مكعب بحلول عام 2010. وبشكل عام فإن متوسط استهلاك الفرد في منطقة الخليج من المياه يبلغ حوالي 1035 متراً مكعباً سنوياً، وإذا ما استمر هذا المعدل من الاستهلاك فإن دول المجلس ستكون في حاجة إلى ما يقارب 49 مليار متر مكعب من المياه سنوياً بحلول عام 2025.
ويعتبر مشروع الربط المائي بين دول المجلس من المشاريع الحيوية المهمة وأحد الخيارات الاستراتيجية الجديدة لدول المنطقة، ففي حال تنفيذه سيساهم في تزويدها بالمياه أثناء فترة الطوارئ والكوارث التي قد تتعرض لها أي دولة من دول المنطقة، خاصة في حالات التلوث حيث ستتم الاستعانة بمياه البحر الأحمر وشط العرب، كما أن المشروع سيساهم في حل مشكلة المياه في المنطقة فضلاً عن رفع كمية الاحتياطي والمخزون الاستراتيجي.
ويعتبر مشروع الربط المائي أحد المشاريع الرائدة التي تتبناها الأمانة العامة لمجلس التعاون الخليجي تنفيذاً لتوجيهات المجلس الأعلى لدول الخليج العربية الساعي دائما إلى تآلف وترابط دول المجلس من خلال تبني المشاريع التي توفر الأمن والرخاء لمواطنيها.
وقد عهد إلى الشركة الاستشارية الفرنسية (سوجريه) دراسة جدوى مشروع الربط المائي الخليجي، و قدمت الشركة خمسة خيارات مختلفة لمشروع الربط المائي بالنسبة إلى محطات الإنتاج ومسارات وخطوط النقل بين مختلف المناطق في دول مجلس التعاون، وتمت دراسة تأثير كل خيار بالنسبة إلى الوضع المائي فيها بحسب حالات التشغيل العادية وحالات الطوارئ التي تتوقف فيها جميع محطات الإنتاج عن العمل في منطقة معينة لمدة تصل إلى 30 يوماً وكمية المياه المتوافرة لكل دولة في هذه الحالات بحسب أوضاع التشغيل في الوضع الاعتيادي وفي حال الطوارئ.
وحسب الدراسة التي أعدتها الشركة، فإن الخيار الأنسب والأفضل من الناحية الفنية والاقتصادية لتنفيذ مشروع الربط المائي يتمثل في إنشاء محطات للتحلية في المنطقة الشمالية من الخليج العربي وفي المنطقة الجنوبية منه ومحطات تطل على خليج عُمان، وفي هذا الخيار سيتم ربط جميع دول الخليج العربية والمنطقة الشرقية فقط من المملكة العربية السعودية ووضع أنبوب مزدوج من مسقط إلى الكويت ومن قطر إلى البحرين بطاقة تتراوح بين 54 و140 مليون جالون يومياً (قطر 1000 مم إلى 1600 مم). وبناء على دراسة تقييم الفائدة مع اعتبار التكلفة الإنتاجية لوحدة المياه المحلاة بـ 0.85 دولار للمتر المكعب و10 في المائة احتياطي المستغنى عنه، يحقق الخيار أعلاه عائداً يصل إلى 8.4 في المائة مقارنة بـ 4.8 في المائة و5.3 للخيارات الأخرى.
وتم تشكيل لجنة فنية من الدول الأعضاء لمتابعة مراحل الدراسة وإجازة التقارير الفنية عن كل مرحلة من المراحل الخمس من الدراسة بعد التأكد من استيفاء الشركة لكافة الشروط المرجعية المطلوبة لإنجاز هذا المشروع على الوجـه الأكمل بما يحقق الأهداف والطموحات المتوخاة من تنفيذه.
ويعتمد مشروع الربط المائي بين دول المجلس على الجدوى الاقتصادية له، ويرتكز بالأساس على إنشاء محطات التحلية فقط، وهذا يعني أن ثمة ترابطاً وثيقاً بين المشروع ومشاريع تحلية المياه في دول المجلس، الأمر الذي يثير بدوره التساؤل حول جدوى مشاريع تحلية المياه والتوسع فيها مستقبلاً.
من المعروف أن دول مجلس التعاون تعتمد في توفير المياه بشكل أساسي على تحلية المياه المالحة، حيث تحتل المركز الأول عالمياً في إنتاج مياه البحر المحلاة بحجم إنتاج يصل إلى أكثر من 12 مليون متر مكعب يومياً.
وعملت دول المجلس على تذليل الصعوبات التي تواجهها صناعة التحلية من النواحي الفنية والاقتصادية مع التركيز على جهود البحث العلمي في هذه الصناعة محلياً، والارتقاء بها لتواكب الاحتياجات المتزايدة في الطلب على المياه فيها، وقامت بتطبيق بعض الإجراءات والخطوات
لتخفيض تكلفة المياه المحلاه ولمعالجة المشكلات التي تواجهها، وتم تحويل مركز الأبحاث والتطوير التابع للمؤسسة العامة لتحلية المياه المالحة في المملكة العربية السعودية إلى مركز إقليمي يخدم جميع دول مجلس التعاون في مجال الأبحاث وتطوير تقنية التحلية، ويتمتع هذا المركز بسمعة جيدة على المستوى العالمي وسبق له الحصول على أفضل بحث علمي عام 1999، في مؤتمر جمعية التحلية العالمية في سان دييغو بالولايات المتحدة الأمريكية.
وبلغ إجمالي ما أنفقته دول المجلس الست لإقامة محطات لتحلية المياه المالحة 40 مليار دولار بما في ذلك التكاليف الخاصة بالتشغيل والصيانة، مما أوجد قاعدة صناعية كبيرة للمياه المحلاة، وعملت على ضخ أموال إضافية لتطوير التقنيات الخاصة بتحلية المياه في المنطقة، حيث بلغ عدد محطات تحلية المياه في دول المجلس أكثر من 60 محطة تنتج 672 مليار جالون سنوياً، وتشكل هذه الطاقة 50 في المائة تقريباً من إجمالي الطاقة الإنتاجية للمياه المحلاة في العالم، مما يضع دول المجلس على رأس قائمة البلدان المعتمدة بصورة شبه كاملة على هذه المياه لتلبية احتياجاتها السكانية والتنموية، كما باتت هذه التقنية توفر ما بين 50-90 في المائة من مياه الشرب في دول المجلس. ويقدر خبراء البنك الدولي تكلفة مشروعات التحلية المقررة في هذه الدول خلال السنوات المقبلة بقيمة تتجاوز خمسة مليارات دولار وهو رقم ضخم جداً بالنظر إلى التكنولوجيا المستخدمة للتحلية زيادة على الطاقة المكثفة المستخدمة فيها.
و تنتج دول مجلس التعاون كميات كبيرة من المياه المحلاة، فعلى سبيل المثال بلغ عدد محطات التحلية في المملكة العربية السعودية 28 محطة على الساحلين الشرقي والغربي بتكلفة إجمالية تتجاوز 17.3 مليار دولار تنتج أكثر من 2.5 مليون متر مكعب من المياه المحلاة يومياً، وتعد المملكة أكبر منتج للمياه المحلاة في العالم بنصيب يقارب ثلث إجمالي الإنتاج، ويقدر في الوقت الحاضر بحوالي 2.17 مليون متر مكعب يومياً (827 مليون متر مكعب عام 2001) تغطي أكثر من 70 في المائة من احتياجات مياه الشرب، كما تخطط الحكومة لإقامة 22 مشروعاً للتحلية، منها 16 مشروعاً على ساحل البحر الأحمر، و6 مشروعات على ساحل الخليج العربي، إلى جانب دراسة وتصميم 13 مشروعاً لنقل المياه المحلاة، وتنتج السعودية وحدها أكثر من مجموع ما تنتجه دول الخليج الأخرى من المياه المحلاة وذلك بسبب مساحتها وعدد سكانها الكبير، كما توجد في المملكة أهم محطة تحلية للمياه في العالم وهي محطة (الجبيل) الموجودة على ساحل الخليج وتبلغ طاقتها 800 ألف متر مكعب يومياً، وتأتي الإمارات في المرتبة الثانية من حيث تحلية المياه على مستوى العالم، حيث يصل إنتاجها السنوي إلى حوالي 446 مليون متر مكعب سنوياً تسهم بنسبة 80 في المائة من الاحتياجات المائية للبلاد، مقارنة بـ 110 ملايين متر مكعب في قطر، ويتزايد اعتماد الدول الأخرى على هذه التقنية.
ورغم ذلك الاعتماد الكبير من قبل الدول الخليجية على تقنية تحلية المياه إلا أن هناك العديد من السلبيات التي قد تعوق ـ من وجهة نظر البعض ـ استمرار التوسع في إنشاء محطات التحلية، وأبرز هذه السلبيات أنه بالإضافة إلى سعر التحلية العالي فإن محطات التحلية تؤثر سلباً في البيئة المحيطة من خلال تلوث هواء المناطق الحضرية بالأحماض المنبعثة في الهواء وتلوث مياه البحر بواسطة تصريف المحلول المتخلف عن عملية التحلية بإلقائه ثانية في
البحر والذي يحتوي على تركيز ملحي ودرجة حرارة عاليين. ومن السلبيات الأخرى أن محطات التحلية ـ الساحلية ـ يلزمها شبكات إمداد ضخمة لإيصال المياه الصالحة المنتجة فيها إلى المناطق البعيدة، كما أن بناء محطات التحلية يخلق حالة من التبعية التكنولوجية مع الأطراف التي توفر مثل هذه المحطات، ويشير البعض إلى أن أكثر من نصف مجموع الطاقة الإنتاجية لمياه التحلية يستخدم تقنية تم تطويرها في نهاية الخمسينات وبداية الستينات وهي تقنية (التطاير) متعدد المراحل في حين أن ثلث الطاقة العالمية تستخدم تقنية التناضح العكسي الغشائية التي تم تطويرها في السبعينات وانتشرت في الثمانينات، ويكشف ذلك أنه رغم التوسع الكبير في السعات الإنتاجية وعدد المحطات إلا انه لم يطرأ تطور جوهري على كفاءة وأنواع التقنيات المستخدمة في إنتاج المياه المحلاة.
لكن رغم هذه السلبيات المشار إليها، فإن خيار تحلية المياه يعد الأسلوب الأمثل لدول مجلس التعاون الخليجي لاعتبارات عديدة، في مقدمتها: عدم وجود مصادر المياه السطحية والجوفية الكافية كماً وكيفاً، والتوسع السكاني والعمراني إلى جانب مجموعة الإمكانات والخبرات التي توفرت في تلك البلدان على مدار العقدين الأخيرين، كما أن هذه الدول تسعى إلى ضمان أمنها المائي بأيديها خاصة أن مشروعات التعاون المائي في المنطقة لم تجد لها صيغة عملية حتى الآن.
ومما يعزز جهود الدول الخليجية في الاستمرار في إنتاج المياه المحلاة أنه من المتوقع في المستقبل تعويض التكلفة المرتفعة لتكنولوجيا التحلية بما تبشر به عمليات هجينة ابتكارية مثل عمليات العزل الكيماوي (الامتصاص أو التبادل الأيوني) بالاقتران مع عمليات فيزيائية تمثل التقنية بواسطة الأغشية، وقد تؤدي هذه التكنولوجيا الى تحلية قرابة 100 في المائة من المياه التي تعالجها المحطات مما يزيد من كفاءة أدائها في المستقبل. ومن لغط القول الحديث عن أن تحلية المياه مكلفة جداً دون الأخذ في الاعتبار الأوضاع السياسية والجغرافية واقتصاديات موارد المياه البديلة، فعلى سبيل المثال فإن العديد من الدول تفضل أن تتوفر لديها موارد مائية ذاتية تفي بكافة احتياجاتها مهما كان الثمن، وقد طرحت أفكار عديدة لنقل المياه بواسطة الأنابيب وعبر أقطار متعددة، ولكن لم يطبق أي منها لاعتبارات اقتصادية أو سياسية أو جغرافيـة.
وعلى أي حال إذا كان مشروع الربط المائي المزمع تنفيذه يمثل أهمية كبيرة لهذه الدول، ويمثل خطوة مهمة على طريق تحقيق الأمن المائي الخليجي فيجب ألا يكون الخيار الوحيد المطروح، فدول مجلس التعاون باتت في حاجة إلى استخدام حزمة من السياسات المشتركة في موضوع المياه دون المراهنة على بديل واحد لتحقيق أمنها المائي، وهذا يتطلب منها تنسيق السياسات المائية من أجل بلوغ الهدف المنشود والانتقال من مرحلة التعاون إلى مرحلة التكامل في هذا المجال الحيوي والمهم لأمنها القومي.
::/fulltext::
::cck::2550::/cck::
