الطاقات الوطنية المُعَطلة في دول الخليج!؟
::cck::2573::/cck::
::introtext::
كل دولة من دول الخليج العربي لها خصوصياتها ولها مشكلاتها ولها توجهاتها في ما يتعلق بالشأن العام الداخلي أو الخارجي، فهنالك دول لديها مشكلات تتعلق بالأقليات المعزولة على أساس مذهبي، وهنالك دول فيها مشكلات تتعلق بمنح الجنسية أو عدم منحها.
::/introtext::
::fulltext::
كل دولة من دول الخليج العربي لها خصوصياتها ولها مشكلاتها ولها توجهاتها في ما يتعلق بالشأن العام الداخلي أو الخارجي، فهنالك دول لديها مشكلات تتعلق بالأقليات المعزولة على أساس مذهبي، وهنالك دول فيها مشكلات تتعلق بمنح الجنسية أو عدم منحها.في الوقت ذاته توجد دول ليس لديها أي مشكلات في منح الجنسية؛ بحيث أصبح منح الجنسية – رغم أنه أمر سيادي – مثل منح رخصة السياقة، بل مثل منح الجنسية في بعض دول أمريكا اللاتينية. دول لديها عمالة سائبة ودول تعاني من كثرة المشروعات والمؤسسات، ولكن ليس لخدمة المواطنين، ذلك أن بعض هذه المؤسسات تجتذب موظفين من الخارج، وتمنحهم أعلى الرواتب، وتضع شروطاً تعجيزية أمام المواطنين. ولعلنا نستذكر هنا سياسات طفت على السطح قبل عشرين عاماً وهي توطين الوظائف. وظهرت مصطلحات جديدة في أدبياتنا المحلية مثل: السَعودة – البحرنة – التقطير – التعمين.. وهكذا، لكن هذه المصطلحات تلاشت ولم يعد لها ذكر.المشكلة الكبرى التي قد تشترك فيها معظم دول الخليج هي إحالة المواطنين المؤهلين إلى التقاعد قبل السن القانونية؛ وهم في سن العطاء. أو أن يتم وضع مواطنين بعينهم من المثقفين أو المبدعين في لائحة المحرومين من التوظيف؛ رغم أنهم يحملون مؤهلات عليا في مجال تخصصاتهم. ولقد لاحظتُ هذه المشكلة في أكثر من بلد خليجي.والسبب في رأيي هو ضيق الأفق؛ ودأبُ هذه الدول على سماع الكلام المُنمق المُمَجٍد المدّاح؛ لذلك ما إن يطلّ أحد المصلحين برأسه – على المجتمع – بفكرة جديدة تكشف عيباً في هذا الجهاز أو تلك المؤسسة حتى تقوم الدنيا؛ وتتم محاصرة هذا المواطن بشتى الطرق. فأولاً يتم إقصاؤه من عمله – رغم حاجة العمل المُلحّة له – ويودع المنزل كي يتحطم ويسير باتجاه الموت البطيء ولا أحد يسأل عنه! ثانياً يتم تعميم اسمه على كل المؤسسات كي ترفض توظيفه وإن كانت بحاجة إلى خبراته، وهذه المؤسسات توظف خبرات متواضعة من الخارج وتكلفها الملايين! ثالثاً: يُحرم هذا المواطن من حرية التعبير عن مشكلته في وسائل الإعلام المحلية؛ وإن جاهر بالمشكلة في إعلام خارجي زاد ذلك من (الغضبة المُضرية) عليه وقد تتعقد حياته ويُهدد بقطع رزق عياله.وفي المجال الإعلامي بالذات لدينا طاقات محلية خبرت العمل الإعلامي ودرسته في أرقى الجامعات. كما أدّت هذه الطاقات خدمات جليلة للدولة؛ وبدلاً من الاستفادة من هذه الطاقات في المؤسسات الجديدة التي تنشئها الدول – ولو كمستشارين – يتم إقصاؤهم وإيداعهم التقاعد بلا رحمة وبلا أدنى موجبات حقوق الإنسان. في الوقت ذاته يتم تسليم أجهزة خطيرة مثل الإذاعة والتلفزيون إلى مواطنين بعيدين كل البعد عن المجال الإعلامي؛ وبعضهم لا يعرف قواعد اللغة العربية ولا يفرق بين (سارتر) و (رينالدو)؛ أو بين (قناة السويس) و قناة (استاكيوز)؛ وبعضهم لا يعرف وهو يشاهد أو يسمع المذيعات وهن يمارسن أحطّ الإساءة لقواعد اللغة أو قواعد المهنية الإعلامية؛ ولا يرفع الهاتف كي يصحح ما اقترفنه من أخطاء. ذلك أن فاقد الشيء لا يعطيه. وللأسف فإن بعض الدول في المنطقة لا تفرق بين الالتزام المهني وتصرفات (أهل الثقة) الذين يكونون غير جديرين بتلك الثقة! بل يكتشفونهم بعد خراب البصرة.في الوقت ذاته هنالك دول خليجية على النقيض من الأخرى، فنجدها لا تفرّط في أية موهبة أو خبرة، بل نلاحظ وجود مسؤولين إعلاميين تجاوزوا سن التقاعد وما زالوا في مناصبهم؛ لأن الدولة تثق بخبراتهم وتغطيتهم للشأن الإعلامي؛ في الوقت الذي تجهّز الدولة فريق الصف الثاني لتسلم زمام الأمور بعد حين؛ وهذه سياسة حكيمة نأمل تعميمها على كل دول الخليج. بل الملاحظ أن بعض المؤسسات الإعلامية الخاصة في دول الخليج تستفيد من الطاقات الوطنية وتجتذبها من المؤسسات الرسمية وتجزل لها العطاء، بل تقوم هذه المؤسسة بتكريم هؤلاء الإعلاميين و(ترِزّهم) كما نقول في أدبياتنا الشعبية.ونحن نسمع يومياً عن موظفين – في مؤسسات إعلامية خليجية لا يمتلكون نصف مؤهلات وخبرات المواطنين- نجدهم يرتكبون أخطاء قاتلة في المجال الإعلامي؛ لكن الإدارة السامية (راضية) عنهم؛ بل لا يتحرك لها وازع من ضمير لمحاسبتهم؛ رغم أنهم يتقاضون أضعاف ما يتقاضاه المواطن (المركون) في منزله. وأيضاً نحن تتم استضافتنا في قنوات مهمة نجد المذيعة لا تستطيع قراءة نصف سطر من سؤال دون اللجوء إلى جهاز القراءة على الكاميرا (Auto-queue). وشاهدت أنا شخصياً لقاءً مع مذيعة في محطة عربية كانت تقرأ الأسئلة من يافطات بحجم متر في متر، وأربكت الضيوف الأربعة الذين استضافتهم؛ وكانت تناقش موضوع مجلس التعاون من دون أن تدرسه جيداً فظهرت الحلقة بائسة وميتة. وعلمت فيما بعد أن هذه المذيعة تتقاضى راتب 50 ألف درهم مع سكن فخم؛ بل إن زوجها أيضاً قد أصبح في يوم وليلة مذيعاً في المحطة نفسها ويتقاضى نفس راتبها! فهل نحن نُلام عندما نتحدث عن المهنية؟ وهل نحن نُلام أيضاً عندما نتمنى لمؤسساتنا النجاح وعدم الوقوع في فخاخ بعض الضعفاء الذين يصورون للمسؤول أنهم (فطاحل) هذا الزمن، وعند أول تجربة يفشلون؛ لكن من هو المسؤول الذي يكتشف أخطاءهم؟ تلك هي المشكلة.إننا أمام مشكلة تتوسع دوائرها مع الزمن. ولا يوجد من يسمع أحاديث هذه المشكلة وتعقيداتها. بل لا أحد يُحاسب الآخرين عن مستوى الأداء أو حجم المصروفات التي تفرغ من خزينة الدولة للصرف على توجهات إعلامية تبدو غاية في السطحية والانفلات والخروج على المهنية الإعلامية. فهل يمكن استيعاب دفع مبلغ 18 ألف ريال أو درهم لموظف – في مؤسسة إعلامية- خبرته العملية لا تتجاوز العامين وفي مجال بعيد عن الإعلام؛ وكذلك تأجير منزل له بقيمة 15 ألف ريال أو درهم؛ مع مخصصات السفر والانتدابات. أي أن هذا الشاب الذي لا يتجاوز عمره 28 عاماً يكلف المؤسسة ثلاثة أضعاف ما يمكن أن يكلفها مواطن له خبرة تزيد على الثلاثين عاماً في مجال الإعلام المُتخصص! ثم إن المواطن لا يكلف المؤسسة سكناً ولا تذاكر سفر ولا تأميناً صحياً، كما أن المواطن المؤهل سوف يزيد الإنتاجية، ويدعم المهنية، ويوفر على المؤسسة الإعلامية الوقت والجهد حتى يتعلم ذاك الشاب – الذي كانت واسطته قوية فيتحول من موظف في شركة الألياف البصرية إلى منتج تلفزيوني- في يوم وليلة. بينما المواطن الذي صرفت الدولة على تعليمه العالي مئات الآلاف تتحطم آماله ويودع التقاعد وهو في سن العطاء!نحن لا نود التباكي على الواقع المرير، كما أننا لا نحسد أو نلوم الشباب الذين تلوح لهم الفرصة هنا أو هناك من دون أن يخبروا العمل الإعلامي أو يعانوا ما عاناه الجيل السابق بل دون أن تتاح لهم الفرصة لدراسة هذا العلم الواسع والدقيق. لكننا نود أن يكون الناتج جيداً ومفيداً للمتلقين. فالمذيع الذي لا يريد تعلم اللغة العربية كيف يمكن أن يكون مذيعاً جيداً؟ والمخرج الذي ليست لديه شهية للإبداع بل ومَلكة للإبداع كيف يمكن أن يكون مخرجاً مبدعاً؟ ونحن نعرف أن للإخراج مدارس واتجاهات بل و( جنوناً) أيضاً! والمعد الذي ليست لديه ثقافة عامة تؤهله للبت في النص من دون اللجوء إلى المراجع أو (السرقة) من الإنترنت كما يحدث حالياً مع المذيعين والمذيعات الشباب في إذاعات الـ (F.M.). وهنالك تجاوزات كثيرة نلحظها في وسائلنا الإعلامية وكلها بسبب قلة الثقافة والتكالب وأخذ الأمور على عواهنها من دون مسؤولية أو مصداقية مع الذات ومع الآخر. وطالما أن المدير لا يُلم ولا يحاسب فليكن الحبل على الغارب.لكننا نعتقد أن الحل المناسب للاستفادة من الكفاءات الخليجية المؤهلة المُعَطلة في بعض دول الخليج هو قيام إحدى المؤسسات بحصر تلك الكفاءات ووضعها على شبكة الإنترنت مع السِيَر الذاتية لها ونوعية تخصصاتها؛ لتكون في متناول الدول والمؤسسات الأخرى؛ وبذلك تتم الاستفادة من تلك الطاقات المؤهلة والمُعطلة في بلدها لسبب أو آخر.وقد يكون من المفيد أن يعمل أكاديمي سعودي في جامعة إماراتية؛ ويعمل إعلامي قطري في مؤسسة إعلامية كويتية؛ ويعمل طبيب إماراتي في مستشفى عماني.. وهكذا.والقضية هنا أن المواطن المؤهل (المغضوب عليه) ليس بالضرورة أن يكون سيئاً أو مجرماً أو فاشلاً، بل قد يكون حظه العاثر قد وضعه في عين أحد المقربين – الذي لا يمتلك خبراته وإبداعاته – فشوّهَ سمعته لدى (الكبار) وتم وضعه في لائحة المغضوب عليهم، أو أن يكون قال كلمة في وسيلة إعلامية تم تفسيرها تفسيراً سلبياً بأنها ضد مصلحة الوطن أو إحدى شخصيات هذا الوطن.. هكذا بكل سهولة.أخيراً إن الإشكالية في إنسان الخليج أنه لم يتعود على أن يحمل أمتعته الشخصية على ظهره ويغادر جغرافيته وإن كانت هذه الجغرافية تلهب جسده ليل نهار. لقد تعوّد هذا الإنسان على العز والدلال؛ ولكن يبدو أن وقت العز والدلال قد تغيّر؛ ولابد للمواطن أن يتواجه مع حقيقة جديدة تحتم عليه أن يغيّر ثقافته؛ ويترك مصطلحات العيب والكرامة والأنفة؛ بل المواطن (الأولى) بالرعاية؛ أو أنه (أغلى الثروات) كما يقولون في خطاباتهم العصماء.
::/fulltext::
|
Getting your Trinity Audio player ready...
|
::cck::2573::/cck::
::introtext::
كل دولة من دول الخليج العربي لها خصوصياتها ولها مشكلاتها ولها توجهاتها في ما يتعلق بالشأن العام الداخلي أو الخارجي، فهنالك دول لديها مشكلات تتعلق بالأقليات المعزولة على أساس مذهبي، وهنالك دول فيها مشكلات تتعلق بمنح الجنسية أو عدم منحها.
::/introtext::
::fulltext::
كل دولة من دول الخليج العربي لها خصوصياتها ولها مشكلاتها ولها توجهاتها في ما يتعلق بالشأن العام الداخلي أو الخارجي، فهنالك دول لديها مشكلات تتعلق بالأقليات المعزولة على أساس مذهبي، وهنالك دول فيها مشكلات تتعلق بمنح الجنسية أو عدم منحها.في الوقت ذاته توجد دول ليس لديها أي مشكلات في منح الجنسية؛ بحيث أصبح منح الجنسية – رغم أنه أمر سيادي – مثل منح رخصة السياقة، بل مثل منح الجنسية في بعض دول أمريكا اللاتينية. دول لديها عمالة سائبة ودول تعاني من كثرة المشروعات والمؤسسات، ولكن ليس لخدمة المواطنين، ذلك أن بعض هذه المؤسسات تجتذب موظفين من الخارج، وتمنحهم أعلى الرواتب، وتضع شروطاً تعجيزية أمام المواطنين. ولعلنا نستذكر هنا سياسات طفت على السطح قبل عشرين عاماً وهي توطين الوظائف. وظهرت مصطلحات جديدة في أدبياتنا المحلية مثل: السَعودة – البحرنة – التقطير – التعمين.. وهكذا، لكن هذه المصطلحات تلاشت ولم يعد لها ذكر.المشكلة الكبرى التي قد تشترك فيها معظم دول الخليج هي إحالة المواطنين المؤهلين إلى التقاعد قبل السن القانونية؛ وهم في سن العطاء. أو أن يتم وضع مواطنين بعينهم من المثقفين أو المبدعين في لائحة المحرومين من التوظيف؛ رغم أنهم يحملون مؤهلات عليا في مجال تخصصاتهم. ولقد لاحظتُ هذه المشكلة في أكثر من بلد خليجي.والسبب في رأيي هو ضيق الأفق؛ ودأبُ هذه الدول على سماع الكلام المُنمق المُمَجٍد المدّاح؛ لذلك ما إن يطلّ أحد المصلحين برأسه – على المجتمع – بفكرة جديدة تكشف عيباً في هذا الجهاز أو تلك المؤسسة حتى تقوم الدنيا؛ وتتم محاصرة هذا المواطن بشتى الطرق. فأولاً يتم إقصاؤه من عمله – رغم حاجة العمل المُلحّة له – ويودع المنزل كي يتحطم ويسير باتجاه الموت البطيء ولا أحد يسأل عنه! ثانياً يتم تعميم اسمه على كل المؤسسات كي ترفض توظيفه وإن كانت بحاجة إلى خبراته، وهذه المؤسسات توظف خبرات متواضعة من الخارج وتكلفها الملايين! ثالثاً: يُحرم هذا المواطن من حرية التعبير عن مشكلته في وسائل الإعلام المحلية؛ وإن جاهر بالمشكلة في إعلام خارجي زاد ذلك من (الغضبة المُضرية) عليه وقد تتعقد حياته ويُهدد بقطع رزق عياله.وفي المجال الإعلامي بالذات لدينا طاقات محلية خبرت العمل الإعلامي ودرسته في أرقى الجامعات. كما أدّت هذه الطاقات خدمات جليلة للدولة؛ وبدلاً من الاستفادة من هذه الطاقات في المؤسسات الجديدة التي تنشئها الدول – ولو كمستشارين – يتم إقصاؤهم وإيداعهم التقاعد بلا رحمة وبلا أدنى موجبات حقوق الإنسان. في الوقت ذاته يتم تسليم أجهزة خطيرة مثل الإذاعة والتلفزيون إلى مواطنين بعيدين كل البعد عن المجال الإعلامي؛ وبعضهم لا يعرف قواعد اللغة العربية ولا يفرق بين (سارتر) و (رينالدو)؛ أو بين (قناة السويس) و قناة (استاكيوز)؛ وبعضهم لا يعرف وهو يشاهد أو يسمع المذيعات وهن يمارسن أحطّ الإساءة لقواعد اللغة أو قواعد المهنية الإعلامية؛ ولا يرفع الهاتف كي يصحح ما اقترفنه من أخطاء. ذلك أن فاقد الشيء لا يعطيه. وللأسف فإن بعض الدول في المنطقة لا تفرق بين الالتزام المهني وتصرفات (أهل الثقة) الذين يكونون غير جديرين بتلك الثقة! بل يكتشفونهم بعد خراب البصرة.في الوقت ذاته هنالك دول خليجية على النقيض من الأخرى، فنجدها لا تفرّط في أية موهبة أو خبرة، بل نلاحظ وجود مسؤولين إعلاميين تجاوزوا سن التقاعد وما زالوا في مناصبهم؛ لأن الدولة تثق بخبراتهم وتغطيتهم للشأن الإعلامي؛ في الوقت الذي تجهّز الدولة فريق الصف الثاني لتسلم زمام الأمور بعد حين؛ وهذه سياسة حكيمة نأمل تعميمها على كل دول الخليج. بل الملاحظ أن بعض المؤسسات الإعلامية الخاصة في دول الخليج تستفيد من الطاقات الوطنية وتجتذبها من المؤسسات الرسمية وتجزل لها العطاء، بل تقوم هذه المؤسسة بتكريم هؤلاء الإعلاميين و(ترِزّهم) كما نقول في أدبياتنا الشعبية.ونحن نسمع يومياً عن موظفين – في مؤسسات إعلامية خليجية لا يمتلكون نصف مؤهلات وخبرات المواطنين- نجدهم يرتكبون أخطاء قاتلة في المجال الإعلامي؛ لكن الإدارة السامية (راضية) عنهم؛ بل لا يتحرك لها وازع من ضمير لمحاسبتهم؛ رغم أنهم يتقاضون أضعاف ما يتقاضاه المواطن (المركون) في منزله. وأيضاً نحن تتم استضافتنا في قنوات مهمة نجد المذيعة لا تستطيع قراءة نصف سطر من سؤال دون اللجوء إلى جهاز القراءة على الكاميرا (Auto-queue). وشاهدت أنا شخصياً لقاءً مع مذيعة في محطة عربية كانت تقرأ الأسئلة من يافطات بحجم متر في متر، وأربكت الضيوف الأربعة الذين استضافتهم؛ وكانت تناقش موضوع مجلس التعاون من دون أن تدرسه جيداً فظهرت الحلقة بائسة وميتة. وعلمت فيما بعد أن هذه المذيعة تتقاضى راتب 50 ألف درهم مع سكن فخم؛ بل إن زوجها أيضاً قد أصبح في يوم وليلة مذيعاً في المحطة نفسها ويتقاضى نفس راتبها! فهل نحن نُلام عندما نتحدث عن المهنية؟ وهل نحن نُلام أيضاً عندما نتمنى لمؤسساتنا النجاح وعدم الوقوع في فخاخ بعض الضعفاء الذين يصورون للمسؤول أنهم (فطاحل) هذا الزمن، وعند أول تجربة يفشلون؛ لكن من هو المسؤول الذي يكتشف أخطاءهم؟ تلك هي المشكلة.إننا أمام مشكلة تتوسع دوائرها مع الزمن. ولا يوجد من يسمع أحاديث هذه المشكلة وتعقيداتها. بل لا أحد يُحاسب الآخرين عن مستوى الأداء أو حجم المصروفات التي تفرغ من خزينة الدولة للصرف على توجهات إعلامية تبدو غاية في السطحية والانفلات والخروج على المهنية الإعلامية. فهل يمكن استيعاب دفع مبلغ 18 ألف ريال أو درهم لموظف – في مؤسسة إعلامية- خبرته العملية لا تتجاوز العامين وفي مجال بعيد عن الإعلام؛ وكذلك تأجير منزل له بقيمة 15 ألف ريال أو درهم؛ مع مخصصات السفر والانتدابات. أي أن هذا الشاب الذي لا يتجاوز عمره 28 عاماً يكلف المؤسسة ثلاثة أضعاف ما يمكن أن يكلفها مواطن له خبرة تزيد على الثلاثين عاماً في مجال الإعلام المُتخصص! ثم إن المواطن لا يكلف المؤسسة سكناً ولا تذاكر سفر ولا تأميناً صحياً، كما أن المواطن المؤهل سوف يزيد الإنتاجية، ويدعم المهنية، ويوفر على المؤسسة الإعلامية الوقت والجهد حتى يتعلم ذاك الشاب – الذي كانت واسطته قوية فيتحول من موظف في شركة الألياف البصرية إلى منتج تلفزيوني- في يوم وليلة. بينما المواطن الذي صرفت الدولة على تعليمه العالي مئات الآلاف تتحطم آماله ويودع التقاعد وهو في سن العطاء!نحن لا نود التباكي على الواقع المرير، كما أننا لا نحسد أو نلوم الشباب الذين تلوح لهم الفرصة هنا أو هناك من دون أن يخبروا العمل الإعلامي أو يعانوا ما عاناه الجيل السابق بل دون أن تتاح لهم الفرصة لدراسة هذا العلم الواسع والدقيق. لكننا نود أن يكون الناتج جيداً ومفيداً للمتلقين. فالمذيع الذي لا يريد تعلم اللغة العربية كيف يمكن أن يكون مذيعاً جيداً؟ والمخرج الذي ليست لديه شهية للإبداع بل ومَلكة للإبداع كيف يمكن أن يكون مخرجاً مبدعاً؟ ونحن نعرف أن للإخراج مدارس واتجاهات بل و( جنوناً) أيضاً! والمعد الذي ليست لديه ثقافة عامة تؤهله للبت في النص من دون اللجوء إلى المراجع أو (السرقة) من الإنترنت كما يحدث حالياً مع المذيعين والمذيعات الشباب في إذاعات الـ (F.M.). وهنالك تجاوزات كثيرة نلحظها في وسائلنا الإعلامية وكلها بسبب قلة الثقافة والتكالب وأخذ الأمور على عواهنها من دون مسؤولية أو مصداقية مع الذات ومع الآخر. وطالما أن المدير لا يُلم ولا يحاسب فليكن الحبل على الغارب.لكننا نعتقد أن الحل المناسب للاستفادة من الكفاءات الخليجية المؤهلة المُعَطلة في بعض دول الخليج هو قيام إحدى المؤسسات بحصر تلك الكفاءات ووضعها على شبكة الإنترنت مع السِيَر الذاتية لها ونوعية تخصصاتها؛ لتكون في متناول الدول والمؤسسات الأخرى؛ وبذلك تتم الاستفادة من تلك الطاقات المؤهلة والمُعطلة في بلدها لسبب أو آخر.وقد يكون من المفيد أن يعمل أكاديمي سعودي في جامعة إماراتية؛ ويعمل إعلامي قطري في مؤسسة إعلامية كويتية؛ ويعمل طبيب إماراتي في مستشفى عماني.. وهكذا.والقضية هنا أن المواطن المؤهل (المغضوب عليه) ليس بالضرورة أن يكون سيئاً أو مجرماً أو فاشلاً، بل قد يكون حظه العاثر قد وضعه في عين أحد المقربين – الذي لا يمتلك خبراته وإبداعاته – فشوّهَ سمعته لدى (الكبار) وتم وضعه في لائحة المغضوب عليهم، أو أن يكون قال كلمة في وسيلة إعلامية تم تفسيرها تفسيراً سلبياً بأنها ضد مصلحة الوطن أو إحدى شخصيات هذا الوطن.. هكذا بكل سهولة.أخيراً إن الإشكالية في إنسان الخليج أنه لم يتعود على أن يحمل أمتعته الشخصية على ظهره ويغادر جغرافيته وإن كانت هذه الجغرافية تلهب جسده ليل نهار. لقد تعوّد هذا الإنسان على العز والدلال؛ ولكن يبدو أن وقت العز والدلال قد تغيّر؛ ولابد للمواطن أن يتواجه مع حقيقة جديدة تحتم عليه أن يغيّر ثقافته؛ ويترك مصطلحات العيب والكرامة والأنفة؛ بل المواطن (الأولى) بالرعاية؛ أو أنه (أغلى الثروات) كما يقولون في خطاباتهم العصماء.
::/fulltext::
::cck::2573::/cck::
