الخليج بين متطلبات الموقع وأزمات الواقع
::cck::2575::/cck::
::introtext::
لم يكن إعصار (جونو) الذي ضرب سلطنة عمان وأجزاء من دولة الامارات إلا معبراً طبيعياً عن متطلبات الموقع الجغرافي لهذه المنطقة، وإذا كانت حالة الإعصار حالة مؤقتة تسببت في كارثة على الحياة البشرية في سلطنة عمان وأجزاء من الإمارات، فإن متطلبات الموقع حالة دائمة بآثارها السلبية والإيجابية، فموقع الخليج فرض عليه جوار (كتل) بشرية ضخمة تتمثل في ملايين البشر تضمهم ثلاث دول كبرى في المنطقة وهي الهند وباكستان وإيران، و يزيد سكان هذه الدول على المليار ونصف المليار من البشر الذين ينظرون إلى الشاطئ الآخر من المنطقة بثرائه المادي وفقره البشري نظرة المتطلع تارة والمستفيد تارة أخرى
::/introtext::
::fulltext::
لم يكن إعصار (جونو) الذي ضرب سلطنة عمان وأجزاء من دولة الامارات إلا معبراً طبيعياً عن متطلبات الموقع الجغرافي لهذه المنطقة، وإذا كانت حالة الإعصار حالة مؤقتة تسببت في كارثة على الحياة البشرية في سلطنة عمان وأجزاء من الإمارات، فإن متطلبات الموقع حالة دائمة بآثارها السلبية والإيجابية، فموقع الخليج فرض عليه جوار (كتل) بشرية ضخمة تتمثل في ملايين البشر تضمهم ثلاث دول كبرى في المنطقة وهي الهند وباكستان وإيران، و يزيد سكان هذه الدول على المليار ونصف المليار من البشر الذين ينظرون إلى الشاطئ الآخر من المنطقة بثرائه المادي وفقره البشري نظرة المتطلع تارة والمستفيد تارة أخرى.لا شك في أن صور هذه النظرة لا تتوقف عند الآلاف المهاجرة بحثاً عن العمل في هذه المنطقة الغنية ، فذلك أمر يتكرر في كثير من المواقع المشابهة، فهناك زحف بشري إفريقي (فقير) نحو أوروبا (الغنية) لم تمنعه قوارب الموت للمهاجرين غير الشرعيين، كما أن المشهد ذاته يتكرر على شواطئ أستراليا الشمالية حين تقذف أمواج البحر بآلاف المهاجرين أو الباحثين عن الحياة الجديدة في هذه القارة، كما تقف طوابير المهاجرين الشرعيين وغير الشرعيين على الحدود الجنوبية للولايات المتحدة الأمريكية والقادمين من القارة الفقيرة جنوباً أي من أمريكا اللاتينية.إن مثل هذه الهجرة يمكن استيعابها والتعامل معها، وهذا ما استطاعت دول الخليج حتى الآن أن تحققه، فعلى الرغم من صيحات المتشائمين من الباحثين وأساتذة الجامعات، من الآثار السلبية لهذه العمالة، إلا أن صوت الاقتصاد يغطي على كل تلك الأصوات، فهو لا يرى في الحالة إلا مهاجرين أغنياء يأتون بالاستثمار أو عمال فقراء يسهمون في البناء دون التفات إلى أي صورة أخرى لهذه العمالة، وقد استخدمت سياسة استيعاب العمالة الوافدة في منطقة الخليج كصورة لإسهام دول المنطقة في مساعدة دول الجوار وتنميتها و(دفع شرها) وإذا كانت العمالة تشكل أحد متطلبات الموقع، فإن له متطلبات أخرى، فدول الجوار الثلاث لها رؤيتها السياسية والاقتصادية القائمة على مصالحها، وإذا كانت إيران قد كشفت عن هذه الرؤية منذ عهد الشاه السابق وقبل قيام النظام الجمهوري، فإن الهند وباكستان مازالتا تصدران المصالح دون المبادئ، بل كانتا إلى جوار المنطقة في بعض المراحل الحرجة من تاريخها خاصة بالنسبة لباكستان، و للارتباط الديني أثر في ذلك، إلا أن ذلك لا يمنع من القول إن هذه المواقف السياسية تجاه المنطقة ليست (ميثاقاً) لا يمكن نقضه، فالهند تتطلع إلى دور إقليمي ودولي يترافق مع انتعاشها الاقتصادي، فهي تملك مقومات الدولة القوية أو الكبرى سواء كان ذلك في قوتها الاقتصادية المتنامية، أو كتلتها البشرية المتزايدة، أو سلاحها النووي، وفوق كل ذلك استقرارها السياسي والأمني الذي أثبت كفاءته خلال الستين سنة الماضية، وإذا كان الهنود يتميزون بالطيبة والسماحة، فإن ذلك مرده إلى قيمهم الأخلاقية والاجتماعية لا إلى إمكاناتهم وقدراتهم العسكرية والسياسية، ومن هنا يمكن أن نتصور المرحلة المقبلة بدور سياسي أكبر للهند في المنطقة خاصة بعد ترتيب أوراقها مع الولايات المتحدة وانتهاء عهد الابن المدلل للسياسة الأمريكية في المنطقة أي باكستان، وبسبب حالة الإرهاب السائدة في المنطقة فقد وجدت الولايات المتحدة في الهند شريكاً يمكن الوثوق به، وقادراً على القيام بالأدوار المطلوبة لا على المستوى العسكري. وإن كان ذلك لم يحن وقته بعد، ولكن على المستوى السياسي فإن الهند مهيأة للقيام بأدوار كثيرة، كما أن الهند هي العدو الذي لابد منه للصين فتاريخ العلاقة بينهما لا ينبئ بمستقبل أفضل، إضافة إلى توجه السياسة الخارجية الأمريكية لإسناد دور بديل للقوى الإقليمية (الصديقة) مثل الدور الذي أسند لإثيوبيا في الصومال، والذي أثبت نجاحه وقابليته للتكرار في أي منطقة أخرى، ومثل ذلك ما تحاوله الولايات المتحدة في أفغانستان من إسناد معظم الأعمال العسكرية إلى قوة التحالف الدولي هناك.وإذا كانت الهند لم تهيئ بعد للقيام بدور البديل العسكري فإن الأدوار الأخرى أصبحت مهيأة لها بل مطلوبة لا من الخارج فقط بل من الداخل، وهذا يفرض على دول الخليج دراسة حالة التحول الملاصقة لها والتعامل معها باعتبارها مستجداً جديداً لم تكشف أوراقه بعد، أما باكستان وأفغانستان، فعلى الرغم من عدم تشكيلها قوة إقليمية مؤثرة وخاصة أفغانستان فإن رذاذ إعصارها يصل إلى المنطقة، فلا تزال حالة عدم استقرار الأمن وبروز ظاهرة الإرهاب واحتضانها جغرافياً في كل الدولتين تشكل هاجساً أمنياً وبشرياً لدول المنطقة التي لا تخفي قلقها من عدم الاستقرار في أفغانستان وانتعاش حالة الرفض للوجود الأجنبي فيها والذي تمثله حركة طالبان المدعومة من تنظيم القاعدة، وامتداد التعاطف معها إلى باكستان التي لم تشهد هي الأخرى استقراراً سياسياً وأمنياً منذ انقلاب الجنرال مشرف واستيلائه على الحكم وعدم حسم معركته مع القوى السياسية داخلياً ومع قوى العنف خارجياً، ودخول كل من باكستان وأفغانستان في صراع سياسي وأحياناً عسكري فتح المجال للقوى المعارضة المسلحة لأن تجد لها منفذاً وتعاطفاً في كل الجانبين.كل ذلك يجعل منطقة الخليج في ترقب مقلق على الرغم من دعمها المتواصل للجنرال مشرف في باكستان وزميله (كرزاي) في أفغانستان، ويتمثل هذا القلق فيما تكتشفه القوى الأمنية في دول المنطقة من خلايا مسلحة تابعة للقاعدة أو متأثرة بأفكارها التي تمتد إلى باكستان وأفغانستان أو تتلقى أوامرها من هناك. إن استقرار باكستان وأفغانستان هو جزء من استقرار المنطقة لكن ذلك يعتمد على الوضع الداخلي لكلتا الدولتين وهو وضع تشتبك فيه المصالح الداخلية من قبلية ومذهبية وسياسية مع المصالح خارجية دولية وإقليمية.أما الكتلة الضاغطة الأخرى فهي إيران، وهي أكثر الكتل تأثيراً في المنطقة، خاصة أن إيران ترسم لنفسها دوراً عالمياً وليس إقليمياً فقط، وهذا ما عبر عنه الرئيس الإيراني محمود أحمدي نجاد في كلمته التي وجهها إلى مجلس الأمن طالباً منهم أن يتعاملوا مع إيران باعتبارها دولة كبرى، لذا فإن دور إيران الإقليمي ليس إلا جزءاً من طموحها (العالمي)، لذا فهي تنظر إلى المنطقة كجزء أو مقدمة لدورها الآخر خاصة أن إيران تملك وسائل الضغط المختلفة، فالكتلة السكانية التي تجاوزت السبعين مليوناً يقابلها الثلث في منطقة الخليج وإذا فصلنا منها القوى العاملة فإنها لا تعادل سوى عشر السكان في إيران، إضافة إلى ذلك المساحة الواسعة والتعدد العرقي والثقافي والمذهبي والجغرافي، وهي عوامل يمكن النظر إليها كعوامل ضعف أو عوامل قوة، لكن إيران لديها من الإمكانات العسكرية ما يضاهي قوة دول الخليج مجتمعة، وقد وصلت في إنتاجها إلى مرحلة تصنيع الصواريخ بعيدة المدى واستخدام الغواصات والقوة العسكرية البشرية الضاربة التي صمدت عند تأسيسها في حرب استمرت ثماني سنوات مع العراق مما أكسبها خبرة وتجربة، وإلى جانب القوة العسكرية فإن إيران تلعب دوراً كبيراً في المنطقة، فلأول مرة منذ اتفاقية ( سايكس بيكو) التي مزقت المنطقة العربية تجلس قوتان غير عربيتين (إيران والولايات المتحدة الأمريكية) لتقرير مصير بلد عربي هو العراق، وهذا يشير إلى مدى ما وصل إليه الدور الإيراني في المنطقة مع تراجع أو عجز الدور العربي، وخاصة دول الخليج وهي الأقرب للشأن العراقي، إلا أن إيران استطاعت أن تفرض وجودها في المنطقة لا على مستوى العراق بل على مستوى المنطقة العربية بصفة عامة، ولا أدل على ذلك من الدور الإيراني في لبنان الذي لم يعد خافياً على أحد، ووصل إلى تحذير إيران لـ (إسرائيل) من التدخل في الشأن اللبناني، كما أن الأصوات المرتفعة في اليمن تشير إلى دور(إيراني) في مشكلة (الحوثيين) بمنطقة صعدة شمال اليمن على الرغم من نفي إيران لأي دور هناك!كل ذلك يحدد اتجاهات السياسة الخارجية نحو الإقليم (الخليج) الذي لم يحدد موقفه من العلاقة مع (الجارة) إيران، فدول منظومة مجلس التعاون الخليجي ليست لها رؤية ـ جماعية ـ واضحة للعلاقة مع إيران منذ قيام الثورة الإيرانية وحتى الآن، إذ اتسمت هذه العلاقة بأنها فعل رد للموقف الإيراني، أي أنه ليس موقفاً محدداً نابعاً من استراتيجية واضحة، وإنما هو وليد اللحظة والموقف، فحين يصل الإصلاحيون أو المعتدلون أمثال رفسنجاني وخاتمي إلى الحكم في إيران ترتفع وتيرة العلاقة مع إيران حتى تصل إلى مستوى عقد الاتفاقيات الأمنية المشتركة، وحين يتغير الجالسون على كراسي القيادة، ويصل المتشددون أو المحافظون مثل أحمدي نجاد تتراجع هذه العلاقة إلى أدنى مستوياتها مما خلخل هذه العلاقة على المستوى القطري، فالدول الخليجية على الرغم من البيانات المشتركة لاجتماعات وزراء خارجيتها إلا أنها تنفرد بسياسات أحادية مع إيران، تتفاوت بين القضايا الخلافية كالعلاقة بين الإمارات وإيران المحكومة باحتلال إيران لجزر الإمارات الثلاث، التي تجد الدعم الكامل من مجلس التعاون، بينما تنمو العلاقات بين دول خليجية أخرى مع إيران بصورة مطردة، وقد دخلت قضية العراق كمؤثر جديد في رسم العلاقة الخليجية-الإيرانية.إن الدور المتنامي لإيران في المنطقة لم يؤثر في مجموعة مجلس التعاون ولا على المجموعة العربية فيغير من طبيعة هذه العلاقة ، أو يعيد بلورتها برؤيتة جديدة ،في حين يمضي راسم السياسة الإيرانية في التوغل الاستراتيجي داخل المنطقة مستثمراً الصراعات العربية تارة، وهشاشة المواقف تارة أخرى، ولعل العراق خير نموذج لهذا الاختراق. إن الدول العربية ـ غير الخليجية ـ بعيدة نوعاً ما من تأثيرات الموقع في رسم العلاقة مع إيران إلا أن دول الخليج تتحمل الضغط (الجيو-سياسي) عليها، وعلى الرغم من ذلك فلا تزال سياسة هذه الدول مع إيران كما كانت عليه خلال ربع القرن الماضي أي بطريقة التعامل مع الواقع لا مع المتوقع.وإذا كانت تأثيرات المحيط الخارجي في دول الخليج تأثيرات ضاغطة ومؤثرة فلا أقل منها الواقع الداخلي لهذه المنطقة التي تشهد حراكاً سريعاً ومتنامياً ومتعدد الأوجه، فعلى المستوى الاقتصادي شهدت المنطقة انتعاشاً واضحاً بسبب ارتفاع عائدات النفط الذي تجاوزت مبيعاته كافة التوقعات حتى (سال لعاب) العالم الخارجي لهذه العائدات، على الرغم من التأثيرات السلبية لها، إذ إن زيادة هذه العائدات صاحبتها آثار لا تقل عن آثار إعصار (جونو) فقد ارتفع التضخم بصورة لم تشهدها دول المنطقة من قبل، وإذا كانت نسبة التضخم تتفاوت من دولة إلى أخرى من دول المنطقة إلا أنها جميعاً تعيش هذه الحالة، فقد ارتفعت نسبة التضخم في عُمان ـ وهي أقل الدول الخليجية في ذلك ـ من0.8 في المائة إلى 1.8 في المائة خلال الفترة من (2001 – 2005) تليها البحرين بنسبة من 1.2 في المائة إلى 2.6 في المائة ثم السعودية بنسبة من0.0 في المائة إلى 2.8 في المائة ثم الكويت بنسبة من 1.8 في المائة إلى 4.1 في المائة ثم قطر من 0.8 في المائة إلى 8.8 في المائة ثم الإمارات بنسبة 2.8 في المائة إلى 10.4 في المائة وهي نسبة لم تشهدها أية دولة في العالم خلال الفترة نفسها أي ما بين 200.1 – 2005 فالولايات المتحدة الأمريكية ارتفعت فيها نسبة التضخم خلال الفترة نفسها من 2.8 في المائة إلى 3.4 في المائة أما بريطانيا فقد ارتفعت النسبة من 1.8 في المائة إلى 2.8 في المائة . وقد صاحب هذه الزيادة في نسبة التضخم ارتفاع أسعار السلع والخدمات مما ألقى بكاهله على المواطنين والمقيمين في هذه الدول، فالتضخم يسلب منهم آمالهم في الادخار أو رفع مستوى معيشتهم، لذا فهم لا يرون آثار الزيادة في عائدات النفط إلا عبئاً على حياتهم، خاصة أن معظم احتياجات دول الخليج من البنية الأساسية (التحتية) قد استكملت أو كادت تستكمل مما يشير إلى أن الفائض في عائدات النفط لا يتوجه إلى البنية الأساسية. كما أن مجتمعات الخليج ارتبطت (نفسياً) مع الحروب عند كل ارتفاع في عائدات النفط وهذا ما حدث عند ارتفاع أسعار النفط منتصف السبعينات، وازدادت عائداته فجاءت الحرب العراقية-الإيرانية لتلتهم تلك العائدات.وجاء احتلال العراق للكويت ليمتص ما تجمع من عائدات النفط خلال فترة الثمانينات، ثم جاء احتلال القوات الأمريكية ومن معها للعراق ليسلب المنطقة عائداتها من النفط خلال التسعينات وها هي العائدات تتراكم مؤذنة بحرب جديدة لا يعلم أحد من الناس متى ستبدأ وأين ستنتهي، لقد مرت المنطقة بوفرة مالية وانتعاش اقتصادي خلال الثلاثين سنة الماضية، لكن واقع المنطقة وموقعها كانا يؤثران في هذا الانتعاش على الرغم مما تحقق من تنمية لا تغيب عن المراقب.وإذا كان الانتعاش الاقتصادي سلاحاً ذا حدين، فإن الحالة الأمنية للمنطقة ذات حد واحد، إذ لم تهدأ المنطقة خارجياً بسبب الحروب إلا وتنشأ حالة من التوتر الأمني الداخلي خاصة مع انتعاش ظاهرة الإرهاب التي تعد جديدة بالنسبة للمنطقة، فلم تشهد منطقة الخليج خلال عقودها الماضية أي صورة من صور الإرهاب هذا باستثناء الصراعات القبلية التي سادت المنطقة خلال النصف الأول من القرن الماضي ، لكن مع قيام الدولة المدنية الحديثة شهدت دول المنطقة استقراراً ترجع معظم أسبابه إلى عدم وجود صراعات سياسية، كما كان عليه الحال في الدول العربية الأخرى، إلا أن التواصل مع الآخر لم يمنع المنطقة من التأثر بالحركات السياسية العربية سواء كانت في صورتها القومية أو الإسلامية ومع انحسار المد القومي وصعود الظاهرة الإسلامية بدءاً من سبعينات القرن الماضي لم تشهد المنطقة أي صورة للعنف ، إذ إن الصبغة الإسلامية العامة للمجتمعات الخليجية كانت تمنع (تولد) العنف والتشدد، لكن مع دخول المنطقة حالة التجاذب والصراعات الدولية والمحلية والداخلية كحرب أفغانستان والحرب الإيرانية-العراقية واحتلال الكويت ثم العراق، دفع بالمنطقة إلى أتون الصراعات، وأصبحت جزءاً من المحيط حولها فانتقلت ظاهرة العنف والإرهاب إلى قلب هذه الدول، وعلى الرغم من العزلة المجتمعية لظاهرة الإرهاب إلا أنها تجد لها محاضن جديدة في كل مرة، فإذا كانت أفغانستان أرضاً (للجهاد) ضد الروس، فإن الجهاد لا يتوقف عندهم فقط، بل هو حالة مستمرة كما يتصور أصحاب هذا الفكر، ولذلك كان لابد من البحث عن هذه المحاضن في البوسنة تارة، وفي الصومال تارة أخرى، وفي ألبانيا ثالثة، ثم كانت الفرصة المواتية في العراق، حيث اجتمعت كل الأسباب (المغرية) للمواجهة سواء كانت هذه الأسباب سياسية أو عسكرية أو مذهبية أو جغرافية أو غيرها من الأسباب التي لا تعدم حركات العنف أو الجهاد إيجادها، وفي كل مرة تستقبل الدول العربية ـ والخليجية من بينها ـ (العائدين) الذين لا يتوقفون عند حدود الجغرافيا، فهناك العائدون من أفغانستان والعائدون من البوسنة والعائدون من ألبانيا وأخيراً سيكون في المنطقة (العائدون من العراق)، ومع كل العائدين تنتقل روح العنف التي لا تلبث أن تبحث عن محضن جديد، أو تصنعه بنفسها داخل مجتمعاتها. إن ظاهرة الإرهاب والعنف في المنطقة يختلط فيها كثير من المفاهيم إذ لا يمكن فصل فكرة مقاومة المحتل في العراق عن فكرة العنف ولا فكرة مساندة الأجنبي المحتل عن الوطني المدافع عن وطنه ولا فكرة المقارنة المشروعة عن العنف غير المشروع ولا العنف الداخلي عن العنف الخارجي، وقد أدى هذا الخلط إلى وجود قابلية لدى بعض أبناء المنطقة لظاهرة العنف أو الإرهاب خاصة حين تتم تغذية هذه الظاهرة بآراء وأفكار وفتاوى دينية يتم توظيفها لصالح الظاهرة، أو يتم إسقاط وقائع تاريخية على وقائع معاصرة لتحقيق النتيجة ذاتها.لقد حُصرت معالجة ظاهرة العنف والإرهاب بالمعالجة الأمنية أو الإعلامية، ومع أهمية ذلك إلا أن جذور الظاهرة لم يتم استئصالها، أي معالجة فكر العنف غير المشروع أو الإرهاب ضد الأبرياء فكل المحاولات في هذا الجانب لا تتجاوز التحذير أو بيان موقف الإسلام أو الوعظ والتنبيه من خطورة الظاهرة، أما ما يطرح من فكر لهذه الظاهرة فلا يزال بعيداً عن المعالجة، لذا فإن ظاهرة العنف والإرهاب تنتعش بين فترة وأخرى مستغلة ظرفاً داخلياً أو خارجياً لتثبت حضورها الميداني، لكنها لا تتوقف عن ممارسة العنف أو الإرهاب بصورة نهائية بل تبحث في كل مرة عن زمن جديد أو أرض جديدة، وقد أثر ذلك في الوضع السياسي الداخلي لدول المنطقة، فتراجعت دعوات الإصلاح والمشاركة والديمقراطية أو بدأت تطل باستحياء على واقع المنطقة ، إذ لا تسمح الظروف الداخلية أو الخارجية بالحديث عن أي إصلاحات سياسية في المنطقة، فلا صوت يعلو على صوت مواجهة الإرهاب! فكل شيء معطل في مسيرة الإصلاح السياسي بسبب ذلك، خاصة أن المحاولات التي جرت في بعض الدول أثبتت أن الإصلاح والديمقراطية لن يأتي إلا بالقوى المعارضة وهي في هذه الحالة القوى الإسلامية (المعتدلة) أو التي تؤمن بالعمل السلمي والمشاركة السياسية والديمقراطية. ولعل ما أفرزته تجربة البحرين في المشاركة، وهي الأحدث على مستوى دول المنطقة، أثبت أن القوى الأخرى غير مهيئة لأن تجلس على كراسي المشاركة، فقد غلب على البرلمان البحريني الحضور السياسي الإسلامي من كلا الطرفين (السنة والشيعة)، ولولا خصوصية البحرين في التوازن الطائفي والتي تفترض أن يتخذ كل طرف موقفاً يوازن فيه الطرف الآخر لأصبح البرلمان البحريني برلماناً معارضاً بصفة عامة، على الرغم من اتفاق الجميع على المحافظة على حركة الإصلاح السياسي التي بدأها ملك البحرين، وأن هذه الإصلاحات هي التي سمحت لكافة القوى بالحضور السياسي على أرض البحرين، وسمحت كذلك للقوى التي تصنف على أنها معارضة بالجلوس على كراسي البرلمان، وإذا كان للبحرين هذه الخصوصية فإن بقية دول الخليج لا تتمتع بهذه الخصوصية مما لا يحصنها من أن تكون الحياة السياسية لديها ذات لون واحد في الغالب، لذلك آثرت السلامة الديمقراطية، وأرجأت أو روضت الدعوات للإصلاح السياسي في المنطقة حتى يحين موعد مناسب لها وليس هناك من ضرر في أن يتأخر هذا الموعد أو يلغى تماماً.ٍٍٍٍٍٍلقد تميزت المنطقة خلال السنوات الأخيرة بتأجيل كثير من الأمور، وخاصة المشكلات التي تواجهها والتي قد تسبب لها قلقاً داخلياً أو خارجياً، ونجحت في تأخير وقوع الكوارث، لكنها لم تستطع أن تمنع وقوعها. فواجهت آثارها المدمرة على المستوى الاقتصادي والسياسي والأمني بل الاجتماعي والبيئي وهي مقبلة على مرحلة جديدة، يقف فيها المشروع النووي الإيراني وعراق ما بعد الاحتلال، والحرب الاقتصادية الباردة الجديدة وغيرها من التحديات في المقدمة وعليها أن تستعد للتعامل مع هذه المتغيرات ولا تنتظر وقوعها، فالكوارث لا يمكن منعها ولكن يمكن التعامل معها.
::/fulltext::
|
Getting your Trinity Audio player ready...
|
::cck::2575::/cck::
::introtext::
لم يكن إعصار (جونو) الذي ضرب سلطنة عمان وأجزاء من دولة الامارات إلا معبراً طبيعياً عن متطلبات الموقع الجغرافي لهذه المنطقة، وإذا كانت حالة الإعصار حالة مؤقتة تسببت في كارثة على الحياة البشرية في سلطنة عمان وأجزاء من الإمارات، فإن متطلبات الموقع حالة دائمة بآثارها السلبية والإيجابية، فموقع الخليج فرض عليه جوار (كتل) بشرية ضخمة تتمثل في ملايين البشر تضمهم ثلاث دول كبرى في المنطقة وهي الهند وباكستان وإيران، و يزيد سكان هذه الدول على المليار ونصف المليار من البشر الذين ينظرون إلى الشاطئ الآخر من المنطقة بثرائه المادي وفقره البشري نظرة المتطلع تارة والمستفيد تارة أخرى
::/introtext::
::fulltext::
لم يكن إعصار (جونو) الذي ضرب سلطنة عمان وأجزاء من دولة الامارات إلا معبراً طبيعياً عن متطلبات الموقع الجغرافي لهذه المنطقة، وإذا كانت حالة الإعصار حالة مؤقتة تسببت في كارثة على الحياة البشرية في سلطنة عمان وأجزاء من الإمارات، فإن متطلبات الموقع حالة دائمة بآثارها السلبية والإيجابية، فموقع الخليج فرض عليه جوار (كتل) بشرية ضخمة تتمثل في ملايين البشر تضمهم ثلاث دول كبرى في المنطقة وهي الهند وباكستان وإيران، و يزيد سكان هذه الدول على المليار ونصف المليار من البشر الذين ينظرون إلى الشاطئ الآخر من المنطقة بثرائه المادي وفقره البشري نظرة المتطلع تارة والمستفيد تارة أخرى.لا شك في أن صور هذه النظرة لا تتوقف عند الآلاف المهاجرة بحثاً عن العمل في هذه المنطقة الغنية ، فذلك أمر يتكرر في كثير من المواقع المشابهة، فهناك زحف بشري إفريقي (فقير) نحو أوروبا (الغنية) لم تمنعه قوارب الموت للمهاجرين غير الشرعيين، كما أن المشهد ذاته يتكرر على شواطئ أستراليا الشمالية حين تقذف أمواج البحر بآلاف المهاجرين أو الباحثين عن الحياة الجديدة في هذه القارة، كما تقف طوابير المهاجرين الشرعيين وغير الشرعيين على الحدود الجنوبية للولايات المتحدة الأمريكية والقادمين من القارة الفقيرة جنوباً أي من أمريكا اللاتينية.إن مثل هذه الهجرة يمكن استيعابها والتعامل معها، وهذا ما استطاعت دول الخليج حتى الآن أن تحققه، فعلى الرغم من صيحات المتشائمين من الباحثين وأساتذة الجامعات، من الآثار السلبية لهذه العمالة، إلا أن صوت الاقتصاد يغطي على كل تلك الأصوات، فهو لا يرى في الحالة إلا مهاجرين أغنياء يأتون بالاستثمار أو عمال فقراء يسهمون في البناء دون التفات إلى أي صورة أخرى لهذه العمالة، وقد استخدمت سياسة استيعاب العمالة الوافدة في منطقة الخليج كصورة لإسهام دول المنطقة في مساعدة دول الجوار وتنميتها و(دفع شرها) وإذا كانت العمالة تشكل أحد متطلبات الموقع، فإن له متطلبات أخرى، فدول الجوار الثلاث لها رؤيتها السياسية والاقتصادية القائمة على مصالحها، وإذا كانت إيران قد كشفت عن هذه الرؤية منذ عهد الشاه السابق وقبل قيام النظام الجمهوري، فإن الهند وباكستان مازالتا تصدران المصالح دون المبادئ، بل كانتا إلى جوار المنطقة في بعض المراحل الحرجة من تاريخها خاصة بالنسبة لباكستان، و للارتباط الديني أثر في ذلك، إلا أن ذلك لا يمنع من القول إن هذه المواقف السياسية تجاه المنطقة ليست (ميثاقاً) لا يمكن نقضه، فالهند تتطلع إلى دور إقليمي ودولي يترافق مع انتعاشها الاقتصادي، فهي تملك مقومات الدولة القوية أو الكبرى سواء كان ذلك في قوتها الاقتصادية المتنامية، أو كتلتها البشرية المتزايدة، أو سلاحها النووي، وفوق كل ذلك استقرارها السياسي والأمني الذي أثبت كفاءته خلال الستين سنة الماضية، وإذا كان الهنود يتميزون بالطيبة والسماحة، فإن ذلك مرده إلى قيمهم الأخلاقية والاجتماعية لا إلى إمكاناتهم وقدراتهم العسكرية والسياسية، ومن هنا يمكن أن نتصور المرحلة المقبلة بدور سياسي أكبر للهند في المنطقة خاصة بعد ترتيب أوراقها مع الولايات المتحدة وانتهاء عهد الابن المدلل للسياسة الأمريكية في المنطقة أي باكستان، وبسبب حالة الإرهاب السائدة في المنطقة فقد وجدت الولايات المتحدة في الهند شريكاً يمكن الوثوق به، وقادراً على القيام بالأدوار المطلوبة لا على المستوى العسكري. وإن كان ذلك لم يحن وقته بعد، ولكن على المستوى السياسي فإن الهند مهيأة للقيام بأدوار كثيرة، كما أن الهند هي العدو الذي لابد منه للصين فتاريخ العلاقة بينهما لا ينبئ بمستقبل أفضل، إضافة إلى توجه السياسة الخارجية الأمريكية لإسناد دور بديل للقوى الإقليمية (الصديقة) مثل الدور الذي أسند لإثيوبيا في الصومال، والذي أثبت نجاحه وقابليته للتكرار في أي منطقة أخرى، ومثل ذلك ما تحاوله الولايات المتحدة في أفغانستان من إسناد معظم الأعمال العسكرية إلى قوة التحالف الدولي هناك.وإذا كانت الهند لم تهيئ بعد للقيام بدور البديل العسكري فإن الأدوار الأخرى أصبحت مهيأة لها بل مطلوبة لا من الخارج فقط بل من الداخل، وهذا يفرض على دول الخليج دراسة حالة التحول الملاصقة لها والتعامل معها باعتبارها مستجداً جديداً لم تكشف أوراقه بعد، أما باكستان وأفغانستان، فعلى الرغم من عدم تشكيلها قوة إقليمية مؤثرة وخاصة أفغانستان فإن رذاذ إعصارها يصل إلى المنطقة، فلا تزال حالة عدم استقرار الأمن وبروز ظاهرة الإرهاب واحتضانها جغرافياً في كل الدولتين تشكل هاجساً أمنياً وبشرياً لدول المنطقة التي لا تخفي قلقها من عدم الاستقرار في أفغانستان وانتعاش حالة الرفض للوجود الأجنبي فيها والذي تمثله حركة طالبان المدعومة من تنظيم القاعدة، وامتداد التعاطف معها إلى باكستان التي لم تشهد هي الأخرى استقراراً سياسياً وأمنياً منذ انقلاب الجنرال مشرف واستيلائه على الحكم وعدم حسم معركته مع القوى السياسية داخلياً ومع قوى العنف خارجياً، ودخول كل من باكستان وأفغانستان في صراع سياسي وأحياناً عسكري فتح المجال للقوى المعارضة المسلحة لأن تجد لها منفذاً وتعاطفاً في كل الجانبين.كل ذلك يجعل منطقة الخليج في ترقب مقلق على الرغم من دعمها المتواصل للجنرال مشرف في باكستان وزميله (كرزاي) في أفغانستان، ويتمثل هذا القلق فيما تكتشفه القوى الأمنية في دول المنطقة من خلايا مسلحة تابعة للقاعدة أو متأثرة بأفكارها التي تمتد إلى باكستان وأفغانستان أو تتلقى أوامرها من هناك. إن استقرار باكستان وأفغانستان هو جزء من استقرار المنطقة لكن ذلك يعتمد على الوضع الداخلي لكلتا الدولتين وهو وضع تشتبك فيه المصالح الداخلية من قبلية ومذهبية وسياسية مع المصالح خارجية دولية وإقليمية.أما الكتلة الضاغطة الأخرى فهي إيران، وهي أكثر الكتل تأثيراً في المنطقة، خاصة أن إيران ترسم لنفسها دوراً عالمياً وليس إقليمياً فقط، وهذا ما عبر عنه الرئيس الإيراني محمود أحمدي نجاد في كلمته التي وجهها إلى مجلس الأمن طالباً منهم أن يتعاملوا مع إيران باعتبارها دولة كبرى، لذا فإن دور إيران الإقليمي ليس إلا جزءاً من طموحها (العالمي)، لذا فهي تنظر إلى المنطقة كجزء أو مقدمة لدورها الآخر خاصة أن إيران تملك وسائل الضغط المختلفة، فالكتلة السكانية التي تجاوزت السبعين مليوناً يقابلها الثلث في منطقة الخليج وإذا فصلنا منها القوى العاملة فإنها لا تعادل سوى عشر السكان في إيران، إضافة إلى ذلك المساحة الواسعة والتعدد العرقي والثقافي والمذهبي والجغرافي، وهي عوامل يمكن النظر إليها كعوامل ضعف أو عوامل قوة، لكن إيران لديها من الإمكانات العسكرية ما يضاهي قوة دول الخليج مجتمعة، وقد وصلت في إنتاجها إلى مرحلة تصنيع الصواريخ بعيدة المدى واستخدام الغواصات والقوة العسكرية البشرية الضاربة التي صمدت عند تأسيسها في حرب استمرت ثماني سنوات مع العراق مما أكسبها خبرة وتجربة، وإلى جانب القوة العسكرية فإن إيران تلعب دوراً كبيراً في المنطقة، فلأول مرة منذ اتفاقية ( سايكس بيكو) التي مزقت المنطقة العربية تجلس قوتان غير عربيتين (إيران والولايات المتحدة الأمريكية) لتقرير مصير بلد عربي هو العراق، وهذا يشير إلى مدى ما وصل إليه الدور الإيراني في المنطقة مع تراجع أو عجز الدور العربي، وخاصة دول الخليج وهي الأقرب للشأن العراقي، إلا أن إيران استطاعت أن تفرض وجودها في المنطقة لا على مستوى العراق بل على مستوى المنطقة العربية بصفة عامة، ولا أدل على ذلك من الدور الإيراني في لبنان الذي لم يعد خافياً على أحد، ووصل إلى تحذير إيران لـ (إسرائيل) من التدخل في الشأن اللبناني، كما أن الأصوات المرتفعة في اليمن تشير إلى دور(إيراني) في مشكلة (الحوثيين) بمنطقة صعدة شمال اليمن على الرغم من نفي إيران لأي دور هناك!كل ذلك يحدد اتجاهات السياسة الخارجية نحو الإقليم (الخليج) الذي لم يحدد موقفه من العلاقة مع (الجارة) إيران، فدول منظومة مجلس التعاون الخليجي ليست لها رؤية ـ جماعية ـ واضحة للعلاقة مع إيران منذ قيام الثورة الإيرانية وحتى الآن، إذ اتسمت هذه العلاقة بأنها فعل رد للموقف الإيراني، أي أنه ليس موقفاً محدداً نابعاً من استراتيجية واضحة، وإنما هو وليد اللحظة والموقف، فحين يصل الإصلاحيون أو المعتدلون أمثال رفسنجاني وخاتمي إلى الحكم في إيران ترتفع وتيرة العلاقة مع إيران حتى تصل إلى مستوى عقد الاتفاقيات الأمنية المشتركة، وحين يتغير الجالسون على كراسي القيادة، ويصل المتشددون أو المحافظون مثل أحمدي نجاد تتراجع هذه العلاقة إلى أدنى مستوياتها مما خلخل هذه العلاقة على المستوى القطري، فالدول الخليجية على الرغم من البيانات المشتركة لاجتماعات وزراء خارجيتها إلا أنها تنفرد بسياسات أحادية مع إيران، تتفاوت بين القضايا الخلافية كالعلاقة بين الإمارات وإيران المحكومة باحتلال إيران لجزر الإمارات الثلاث، التي تجد الدعم الكامل من مجلس التعاون، بينما تنمو العلاقات بين دول خليجية أخرى مع إيران بصورة مطردة، وقد دخلت قضية العراق كمؤثر جديد في رسم العلاقة الخليجية-الإيرانية.إن الدور المتنامي لإيران في المنطقة لم يؤثر في مجموعة مجلس التعاون ولا على المجموعة العربية فيغير من طبيعة هذه العلاقة ، أو يعيد بلورتها برؤيتة جديدة ،في حين يمضي راسم السياسة الإيرانية في التوغل الاستراتيجي داخل المنطقة مستثمراً الصراعات العربية تارة، وهشاشة المواقف تارة أخرى، ولعل العراق خير نموذج لهذا الاختراق. إن الدول العربية ـ غير الخليجية ـ بعيدة نوعاً ما من تأثيرات الموقع في رسم العلاقة مع إيران إلا أن دول الخليج تتحمل الضغط (الجيو-سياسي) عليها، وعلى الرغم من ذلك فلا تزال سياسة هذه الدول مع إيران كما كانت عليه خلال ربع القرن الماضي أي بطريقة التعامل مع الواقع لا مع المتوقع.وإذا كانت تأثيرات المحيط الخارجي في دول الخليج تأثيرات ضاغطة ومؤثرة فلا أقل منها الواقع الداخلي لهذه المنطقة التي تشهد حراكاً سريعاً ومتنامياً ومتعدد الأوجه، فعلى المستوى الاقتصادي شهدت المنطقة انتعاشاً واضحاً بسبب ارتفاع عائدات النفط الذي تجاوزت مبيعاته كافة التوقعات حتى (سال لعاب) العالم الخارجي لهذه العائدات، على الرغم من التأثيرات السلبية لها، إذ إن زيادة هذه العائدات صاحبتها آثار لا تقل عن آثار إعصار (جونو) فقد ارتفع التضخم بصورة لم تشهدها دول المنطقة من قبل، وإذا كانت نسبة التضخم تتفاوت من دولة إلى أخرى من دول المنطقة إلا أنها جميعاً تعيش هذه الحالة، فقد ارتفعت نسبة التضخم في عُمان ـ وهي أقل الدول الخليجية في ذلك ـ من0.8 في المائة إلى 1.8 في المائة خلال الفترة من (2001 – 2005) تليها البحرين بنسبة من 1.2 في المائة إلى 2.6 في المائة ثم السعودية بنسبة من0.0 في المائة إلى 2.8 في المائة ثم الكويت بنسبة من 1.8 في المائة إلى 4.1 في المائة ثم قطر من 0.8 في المائة إلى 8.8 في المائة ثم الإمارات بنسبة 2.8 في المائة إلى 10.4 في المائة وهي نسبة لم تشهدها أية دولة في العالم خلال الفترة نفسها أي ما بين 200.1 – 2005 فالولايات المتحدة الأمريكية ارتفعت فيها نسبة التضخم خلال الفترة نفسها من 2.8 في المائة إلى 3.4 في المائة أما بريطانيا فقد ارتفعت النسبة من 1.8 في المائة إلى 2.8 في المائة . وقد صاحب هذه الزيادة في نسبة التضخم ارتفاع أسعار السلع والخدمات مما ألقى بكاهله على المواطنين والمقيمين في هذه الدول، فالتضخم يسلب منهم آمالهم في الادخار أو رفع مستوى معيشتهم، لذا فهم لا يرون آثار الزيادة في عائدات النفط إلا عبئاً على حياتهم، خاصة أن معظم احتياجات دول الخليج من البنية الأساسية (التحتية) قد استكملت أو كادت تستكمل مما يشير إلى أن الفائض في عائدات النفط لا يتوجه إلى البنية الأساسية. كما أن مجتمعات الخليج ارتبطت (نفسياً) مع الحروب عند كل ارتفاع في عائدات النفط وهذا ما حدث عند ارتفاع أسعار النفط منتصف السبعينات، وازدادت عائداته فجاءت الحرب العراقية-الإيرانية لتلتهم تلك العائدات.وجاء احتلال العراق للكويت ليمتص ما تجمع من عائدات النفط خلال فترة الثمانينات، ثم جاء احتلال القوات الأمريكية ومن معها للعراق ليسلب المنطقة عائداتها من النفط خلال التسعينات وها هي العائدات تتراكم مؤذنة بحرب جديدة لا يعلم أحد من الناس متى ستبدأ وأين ستنتهي، لقد مرت المنطقة بوفرة مالية وانتعاش اقتصادي خلال الثلاثين سنة الماضية، لكن واقع المنطقة وموقعها كانا يؤثران في هذا الانتعاش على الرغم مما تحقق من تنمية لا تغيب عن المراقب.وإذا كان الانتعاش الاقتصادي سلاحاً ذا حدين، فإن الحالة الأمنية للمنطقة ذات حد واحد، إذ لم تهدأ المنطقة خارجياً بسبب الحروب إلا وتنشأ حالة من التوتر الأمني الداخلي خاصة مع انتعاش ظاهرة الإرهاب التي تعد جديدة بالنسبة للمنطقة، فلم تشهد منطقة الخليج خلال عقودها الماضية أي صورة من صور الإرهاب هذا باستثناء الصراعات القبلية التي سادت المنطقة خلال النصف الأول من القرن الماضي ، لكن مع قيام الدولة المدنية الحديثة شهدت دول المنطقة استقراراً ترجع معظم أسبابه إلى عدم وجود صراعات سياسية، كما كان عليه الحال في الدول العربية الأخرى، إلا أن التواصل مع الآخر لم يمنع المنطقة من التأثر بالحركات السياسية العربية سواء كانت في صورتها القومية أو الإسلامية ومع انحسار المد القومي وصعود الظاهرة الإسلامية بدءاً من سبعينات القرن الماضي لم تشهد المنطقة أي صورة للعنف ، إذ إن الصبغة الإسلامية العامة للمجتمعات الخليجية كانت تمنع (تولد) العنف والتشدد، لكن مع دخول المنطقة حالة التجاذب والصراعات الدولية والمحلية والداخلية كحرب أفغانستان والحرب الإيرانية-العراقية واحتلال الكويت ثم العراق، دفع بالمنطقة إلى أتون الصراعات، وأصبحت جزءاً من المحيط حولها فانتقلت ظاهرة العنف والإرهاب إلى قلب هذه الدول، وعلى الرغم من العزلة المجتمعية لظاهرة الإرهاب إلا أنها تجد لها محاضن جديدة في كل مرة، فإذا كانت أفغانستان أرضاً (للجهاد) ضد الروس، فإن الجهاد لا يتوقف عندهم فقط، بل هو حالة مستمرة كما يتصور أصحاب هذا الفكر، ولذلك كان لابد من البحث عن هذه المحاضن في البوسنة تارة، وفي الصومال تارة أخرى، وفي ألبانيا ثالثة، ثم كانت الفرصة المواتية في العراق، حيث اجتمعت كل الأسباب (المغرية) للمواجهة سواء كانت هذه الأسباب سياسية أو عسكرية أو مذهبية أو جغرافية أو غيرها من الأسباب التي لا تعدم حركات العنف أو الجهاد إيجادها، وفي كل مرة تستقبل الدول العربية ـ والخليجية من بينها ـ (العائدين) الذين لا يتوقفون عند حدود الجغرافيا، فهناك العائدون من أفغانستان والعائدون من البوسنة والعائدون من ألبانيا وأخيراً سيكون في المنطقة (العائدون من العراق)، ومع كل العائدين تنتقل روح العنف التي لا تلبث أن تبحث عن محضن جديد، أو تصنعه بنفسها داخل مجتمعاتها. إن ظاهرة الإرهاب والعنف في المنطقة يختلط فيها كثير من المفاهيم إذ لا يمكن فصل فكرة مقاومة المحتل في العراق عن فكرة العنف ولا فكرة مساندة الأجنبي المحتل عن الوطني المدافع عن وطنه ولا فكرة المقارنة المشروعة عن العنف غير المشروع ولا العنف الداخلي عن العنف الخارجي، وقد أدى هذا الخلط إلى وجود قابلية لدى بعض أبناء المنطقة لظاهرة العنف أو الإرهاب خاصة حين تتم تغذية هذه الظاهرة بآراء وأفكار وفتاوى دينية يتم توظيفها لصالح الظاهرة، أو يتم إسقاط وقائع تاريخية على وقائع معاصرة لتحقيق النتيجة ذاتها.لقد حُصرت معالجة ظاهرة العنف والإرهاب بالمعالجة الأمنية أو الإعلامية، ومع أهمية ذلك إلا أن جذور الظاهرة لم يتم استئصالها، أي معالجة فكر العنف غير المشروع أو الإرهاب ضد الأبرياء فكل المحاولات في هذا الجانب لا تتجاوز التحذير أو بيان موقف الإسلام أو الوعظ والتنبيه من خطورة الظاهرة، أما ما يطرح من فكر لهذه الظاهرة فلا يزال بعيداً عن المعالجة، لذا فإن ظاهرة العنف والإرهاب تنتعش بين فترة وأخرى مستغلة ظرفاً داخلياً أو خارجياً لتثبت حضورها الميداني، لكنها لا تتوقف عن ممارسة العنف أو الإرهاب بصورة نهائية بل تبحث في كل مرة عن زمن جديد أو أرض جديدة، وقد أثر ذلك في الوضع السياسي الداخلي لدول المنطقة، فتراجعت دعوات الإصلاح والمشاركة والديمقراطية أو بدأت تطل باستحياء على واقع المنطقة ، إذ لا تسمح الظروف الداخلية أو الخارجية بالحديث عن أي إصلاحات سياسية في المنطقة، فلا صوت يعلو على صوت مواجهة الإرهاب! فكل شيء معطل في مسيرة الإصلاح السياسي بسبب ذلك، خاصة أن المحاولات التي جرت في بعض الدول أثبتت أن الإصلاح والديمقراطية لن يأتي إلا بالقوى المعارضة وهي في هذه الحالة القوى الإسلامية (المعتدلة) أو التي تؤمن بالعمل السلمي والمشاركة السياسية والديمقراطية. ولعل ما أفرزته تجربة البحرين في المشاركة، وهي الأحدث على مستوى دول المنطقة، أثبت أن القوى الأخرى غير مهيئة لأن تجلس على كراسي المشاركة، فقد غلب على البرلمان البحريني الحضور السياسي الإسلامي من كلا الطرفين (السنة والشيعة)، ولولا خصوصية البحرين في التوازن الطائفي والتي تفترض أن يتخذ كل طرف موقفاً يوازن فيه الطرف الآخر لأصبح البرلمان البحريني برلماناً معارضاً بصفة عامة، على الرغم من اتفاق الجميع على المحافظة على حركة الإصلاح السياسي التي بدأها ملك البحرين، وأن هذه الإصلاحات هي التي سمحت لكافة القوى بالحضور السياسي على أرض البحرين، وسمحت كذلك للقوى التي تصنف على أنها معارضة بالجلوس على كراسي البرلمان، وإذا كان للبحرين هذه الخصوصية فإن بقية دول الخليج لا تتمتع بهذه الخصوصية مما لا يحصنها من أن تكون الحياة السياسية لديها ذات لون واحد في الغالب، لذلك آثرت السلامة الديمقراطية، وأرجأت أو روضت الدعوات للإصلاح السياسي في المنطقة حتى يحين موعد مناسب لها وليس هناك من ضرر في أن يتأخر هذا الموعد أو يلغى تماماً.ٍٍٍٍٍٍلقد تميزت المنطقة خلال السنوات الأخيرة بتأجيل كثير من الأمور، وخاصة المشكلات التي تواجهها والتي قد تسبب لها قلقاً داخلياً أو خارجياً، ونجحت في تأخير وقوع الكوارث، لكنها لم تستطع أن تمنع وقوعها. فواجهت آثارها المدمرة على المستوى الاقتصادي والسياسي والأمني بل الاجتماعي والبيئي وهي مقبلة على مرحلة جديدة، يقف فيها المشروع النووي الإيراني وعراق ما بعد الاحتلال، والحرب الاقتصادية الباردة الجديدة وغيرها من التحديات في المقدمة وعليها أن تستعد للتعامل مع هذه المتغيرات ولا تنتظر وقوعها، فالكوارث لا يمكن منعها ولكن يمكن التعامل معها.
::/fulltext::
::cck::2575::/cck::
