العرب وإيران ومهمة ملأ الفراغ الاستراتيجي

::cck::2577::/cck::
::introtext::

لعلها المفارقة العجيبة الفريدة من نوعها في التاريخ السياسي العالمي أن يجلس سفير دولة عظمى بل سفير الدولة التي لا ترى نفسها إلا الدولة العظمى الوحيدة في العالم وهي أمريكا إلى جانب سفير دولة (صغرى) يفترض أنها (مارقة) كانت حتى الأمس القريب قد صنفت من قبل رئيس الدولة العظمى المعنية ضمن (مثلث الشر) والتي تنتظر دورها في السقوط أولاً على يد أبطال نشر الديمقراطية في العالم ثم لتلتحق بالدولة الديمقراطية (المثال)

::/introtext::
::fulltext::

لعلها المفارقة العجيبة الفريدة من نوعها في التاريخ السياسي العالمي أن يجلس سفير دولة عظمى بل سفير الدولة التي لا ترى نفسها إلا الدولة العظمى الوحيدة في العالم وهي أمريكا إلى جانب سفير دولة (صغرى) يفترض أنها (مارقة) كانت حتى الأمس القريب قد صنفت من قبل رئيس الدولة العظمى المعنية ضمن (مثلث الشر) والتي تنتظر دورها في السقوط أولاً على يد أبطال نشر الديمقراطية في العالم ثم لتلتحق بالدولة الديمقراطية (المثال). العراق هو الدولة التي زعمت الدولة العظمى أنها ستبنيها على أنقاض الدولة الاستبدادية السابقة التي أطاحت بها بالمناسبة ليس بسبب استبدادها بل بذريعة خطرها على الأمن الدولي أولاً والأمن الإقليمي ثانياً والأمن العراقي الداخلي ثالثاً! لتطلب منها، أي من الدولة (المارقة والشريرة) ماذا؟ تطلب منها المساعدة والمساندة في إعادة الأمن والاستقرار إلى الدولة المثال! بعد أن فشلت فشلاً ذريعاً في مهمتها المعلنة.إن السفير ريان كروكر حاول في اجتماعه الثلاثي أن يلقي اللوم على دول الجوار بالطبع وفي المقدمة منها إيران في فشل أمريكا في استتباب الأمن العراقي، وبما أنه محشور بالزمان وبضغط الرأي العام الأمريكي وبالمنافسين لرئيسه من الحزب الديمقراطي، وأيضاً من الرأي العام الداخلي العراقي الذي بدأ يضيق ذرعاً بالاحتلال، وبالتالي لابد له مهما طال الزمن معه أن يعد حقائبه للرحيل لاعتبارات أمريكية داخلية وعراقية باتت ملحة، فإنه لم يكن يملك الكثير من أوراق المناورة في المفاوضات مع سفير دولة تعتبر الجارة الأهم للعراق أولاً، والدائمة البقاء إلى جانبه كيفما تغيرت الأحوال ثانياً، وغير المستعجلة على أي شيء في العراق بما فيه أمر انسحاب قوات الاحتلال منه ثالثاً، والعميقة الترابط بالنسيج العراقي الداخلي رابعاً فإن السفير الإيراني حسن كاظمي قمي بالمقابل شعر بأنه في بيته بمعنى أنه تصرف وكأنه غير مستعجل على شيء حتى المطالبة برحيل قوات الاحتلال، ناهيك عن امتلاكه أغلب أوراق اللعبة الداخلية العراقية والإقليمية، إضافة إلى تقاطع الكثير من وجهات نظر بلاده حول العراق مع وجهات النظر الدولية بل والأمريكية الداخلية.إن إيران وإن لم تطرح ضرورة جدولة انسحاب المحتل وبشكل ملح باعتباره أم المشكلات، لكنها طرحت ضرورة المشاركة الإقليمية الفعالة في أي حل لعراق المستقبل، ما يعني ضرورة إشراك الحليفة سوريا ودول الجوار الخليجي وتركيا ومصر والجامعة العربية التي بدأت سلسلة مشاورات جدية معها حول أكثر من ملف إقليمي ساخن في مقدمته العراق وذلك أثناء اجتماعات مكثفة عقدها المسؤولون المعنيون بالملفات الإقليمية مع هشام يوسف الموفد الخاص لعمرو موسى إلى طهران مؤخراً وأخيراً ضرورة إشراك كل الأطراف الدولية المعنية ما يجعل الأحادية الأمريكية التي اتبعت حتى الآن في معالجة الملف العراقي تتجه إلى مزيد من الانكفاء.لقد كان لقاءً بارداً وجافاً إذن بين خصمين غير متكافئين في المسرح الدولي، الغلبة فيه ربما لأول مرة للأصغر والأطول بالاً.لقد أثبتت تجربة العراق أن الغلبة العسكرية لا تولد بالضرورة غلبة سياسية، وأن فقدان الوضوح في الاستراتيجية يولد فراغاً، وبما أن الفراغ أمر لا يمكن أن يدوم ولا معنى له في المنطق فإن هذا الفراغ سرعان ما يملؤه خصمك مهما كان صغيراً ومهما استهنت به، والنتيجة ستكون التسليم ببعض ما كنت ترفضه عندما كنت في أوج صعودك. وهكذا كانت المفاوضات مع طهران أشبه بالعلقم الذي لا بد منه لإدارة ظلت حتى آخر لحظة ترفض الإذعان لتناوله. طهران من جهتها التي لم تحسن الظن يوماً بالأمريكيين، ولا يعتقد أحد بأنها غيرت من نظرتها من اجتماع واحد تراها مستعجلة على أمر آخر تعتبره أكثر أهمية من الاجتماع بالأمريكيين ألا وهو استثمار هذا الاجتماع في تحسين صورتها لدى أصدقاء أمريكا التقليديين أو أصدقائها الجدد، فالأنباء التي تتردد في الأروقة الخلفية في طهران تتحدث عن تحضيرات تجرى على قدم وساق لتأمين زيارة مفاجئة للرئيس أحمدي نجاد إلى مصر ربما حتى قبل إعادة العلاقات الدبلوماسية الكاملة معها أو في سياق مثل هذا الحدث الذي سيكون تاريخياً بكل المعايير والمستويات. هذا بالإضافة إلى التسريع في إعادة تفعيل المبادرة المشتركة مع المملكة العربية السعودية حول لبنان وأخيراً وليس آخراً ربما القفز في الهواء باتجاه فرنسا ساركوزي (البوشي الهوى) سواء من الباب اللبناني أو الباب النووي.ليس من باب الأدب البروتوكولي أن يصر الإيرانيون على أن يكون اجتماعهم الأول مع الأمريكيين في بغداد بالذات وبحضور المالكي تحديداً، فبالرغم من أنهم غير راضين على المالكي تماماً مثلهم مثل الأمريكيين، لكنهم أرادوا أن يبلغوا الأمريكيين، وبحضور المالكي شخصياً، بأن الانقلاب على العملية السياسية وإسقاط المالكي بطريقة (غير ديمقراطية) كما كان يتردد بقوة قبل الاجتماع خط أحمر لن تقبل به طهران، وهذه النقطة كافية وحدها أن تحرج الأمريكي الذي ظل يردد على امتداد السنوات الأربع الماضية ضرورة (تعميم الديمقراطية) في المنطقة، وتجعله في الموقف الأضعف في المفاوضات أمام حليفه العراقي لاسيما إذا ما عرفنا أن الإيراني يفضل مرشحين آخرين كثيراً غير المالكي، لكنه يناور به كورقة لا تزال رابحة أمام البعثي (المتلون) والمرشح المفضل لدى الأمريكي رئيس الوزراء السابق إياد علاوي.إنها مرة أخرى دبلوماسية حياكة السجاد التي تفاجئ الكاوبوي الأمريكي المستعجل على إنجاز مهمة الانسحاب المشرف بأي ثمن كان. ليست طهران وحدها هي اليوم من تتحدى وتتمرد على المارد الأمريكي! فها هي سوريا لم تعد تبالي كثيراً بما يقوله عنها الأمريكيون بل وترد عليهم عندما ينتقدونها بجواب تهكمي ينم عن استخفاف واضح بالقول فلتهتم أمريكا بما لديها من مشكلات كذلك بدأت تفعل الكثير من الدول (الصغيرة) الأخرى التي صرنا نسمع منها مبادرات وإجراءات تنم عن استقلالية واضحة في القرار على أكثر من صعيد اقتصادي ومالي وأمني وإذا كان هذا حال الدول الصغرى، فعن الدول الكبرى حدّث ولا حرج من الصين وألمانيا وصولاً إلى روسيا التي باتت تهددها بحرب باردة جديدة. فضلاً عن الحديث المتكرر عن احتمال أن (تتحول أوروبا إلى برميل بارود) إذا ما أصرت واشنطن على مشروعها للدرع الصاروخية! إنه زمن (الصغار) الذين يعرفون كيف ومتى يتم ملء الفراغ الاستراتيجي! ومن جهة أخرى فإن ثمة جدلاً واسعاً يدور في الأروقة الخلفية للدبلوماسية العربية حول مستقبل العراق في حال قررت أمريكا الانسحاب منه والدور الإيراني المرتقب لملء الفراغ الذي سينتج عن مثل هذا الانسحاب. والكلام في هذا السياق كثير قسم منه يتسرب على شكل تحذيرات بعض النخبة الملتصقة بالحاكم العربي والتي تكتب بشكل شبه يومي عن (أخطار تسليم أمريكا العراق للإيرانيين) وقسم آخر لا يظهر إلى العلن، لكنك تسمعه بقوة كلما دخلت في نقاشات (مكاشفة) مع دبلوماسيين عرب مقيمين في طهران أو منتشرين في الوطن العربي الكبير والذي يمكن تلخيصه حول مخاطر (تقاسم نفوذ) أمريكي – إيراني في العراق على حساب الأمن القومي العربي. أما العراقيون، وهم أصحاب الشأن كما يفترض، فهم منقسمون بين جماعة الحكم والحكومة والذين يأخذون على العرب بالإجمال بأنهم (خذلوهم) أو كحد أدنى تركوهم للريح. وجماعة الرفض لمبدأ العملية السياسية في ظل الاحتلال أو من ينخرطون في نشاطات المقاومة فهم يأخذون على العرب بأنهم هم من سهّل للاحتلال، وباع العراق للأجنبي، وجلس اليوم يتباكى عليه) بعد أن أصبح اليوم ساحة تجاذب بين الأمريكيين والإيرانيين. الإيرانيون من جهتهم يقولون إنه لم يكن أمامهم عشية قرار الغزو الغاشم إلا الوقوف موقف ما سموه وقتها (الحياد الفاعل) أو الإيجابي أي بما افترضوا أنه يخدم خلاص العراقيين من حكم الطاغية من دون التورط في خطيئة العدوان تماماً كما هم مجبرون اليوم على (مراعاة ومداراة جماعة الحكومة إلى حين إنجاز مهمة جلاء الاحتلال. وهذا هو الذي أكسبهم ولا يزال هذا الدور الأساسي في العراق الجديد.ونحن من جهتنا كمراقبين، كنا ولا نزال، نقول للإخوة العرب إن الأدوار تؤخذ ولا تعطى من قبل أحد لسواد عينيه! وأنه في عالم السياسة لا معنى ولا مكان للفراغ، وعندما تفشل قوة مهما عظمت في ملء فراغ ما، تملؤه قوة أخرى مهما (صغرت) فكيف بدولة إقليمية باتت كبرى مثل إيران؟ السؤال المركزي الآن هو هل إن الأمن القومي الإيراني و(الاقتدار الإيراني) تالياً يشكل خطراً على الأمن القومي العربي؟ أم أنه امتداد طبيعي للأمن القومي العربي ورصيد إضافي للأمة العربية التي هي اليوم أحوج ما تكون إلى صديق وصديق قوي، ويجلس إلى طاولة المفاوضات مع الأمريكي بشكل متكافئ؟ بعض الدبلوماسية العربية تقترب من ملامسة الواقعية في هذا السياق إلا أن البعض الآخر منها لا يزال يعيش الأحلام الوردية التي ترسمها له بعض النخب العربية المنبهرة بالسلوك الامبراطوري الأمريكي واقتراب ما يسميه (الامبراطورية الإيرانية) مرة وبالنفوذ الإيراني مرة أخرى من نهاياته الحتمية على يد الامبراطور الأمريكي باعتباره القوة العاليمة الأعظم في العالم التي لا تقبل الهزيمة أو الفشل! إنني كمراقب إيراني أو عربي لا أعرف في الحقيقة رؤية أفضل من الرؤية الواقعية التي يفترض بها أن تضع القوة الإيرانية أو (الورقة الإيرانية) بمثابة الرصيد الاحتياطي كحد أدنى إن لم يكن الرصيد الفعال والجاهز للعب دور المحفز والداعم لكل قضايا العرب في لعبة الأمم التي تحاول الإجهاز على القوتين الإيرانية والعربية على حد سواء. فالحد الأدنى من الحكمة والدراية يقول (ألزموهم بما ألزموا به أنفسهم) فالإيرانيون يصرحون صباح مساء بأن من أولويات أولوياتهم هي القضية الفلسطينية، وأن الهموم العربية وقضايا التحرر العربي الأخرى من سوريا إلى لبنان إلى السودان إلى قضايا التنمية العربية وفي طليعتها انتزاع الحقوق العربية في العلوم والتكنولوجيا وتربية الكادر البشري من الاحتكار العولمي المتأمرك! وهذا لا يعني بالضرورة خوض كافة معارك الإيرانيين وكأنها معارك العرب بالتمام والكمال، وبالتالي الوقوع في ما لا يحمد عقباه، أو الانخراط في استقطابات لا يقدر العرب على تحمل نتائجها، كما يتكهن أصحاب الرؤى المشكلة في مدى حكمة وصوابية الموقف الإيراني. لكن ما لا يفهم أن يدعو البعض إلى اعتبار الموقف الإيراني العام تجاه القضايا العربية الأساسية أقرب ما يكون إلى الموقف الأمريكي أو حتى الإسرائيلي إن لم يكن أخطر منه!أعرف أن هناك تفاوتاً في الرؤى بين العرب والإيرانيين حول قضايا عديدة وهذا بحد ذاته ليس غير ضار فقط بل هو قد يكون مفيداً ومصدر غنى وثراء، لكن هذا (التفاوت) نفسه إذا ما حولناه إلى تصادم في الرؤى وصراع على أحقية كل طرف، فإننا سنفشل، وتذهب ريحنا مهما كانت نياتنا حسنة، لأن السياسة مرة أخرى تقاس بالنتائج وليس بالنيات. ويبقى السؤال لماذا لا يبدأ العرب حواراً جدياً وشفافاً حول مستقبل العراق وآخر جدياً وشفافاً أيضاً مغ الأمريكيين حول العراق، ويخرجون من دائرة إبداء القلق حول هذا البلد العربي المستباح. يقال إن إنارة شمعة واحدة أفضل من ألف لعنة على الظلام! والعراق اليوم الذي بات أقرب ما يكون إلى (دولة أشباح ومجتمع الجثث المهولة) لم يعد يتحمل من العرب الجلوس في مقاعد المتفرجين، كما لن يتحمل أي سياسة من جيرانه على العموم تقايض على استقلاله أو (تشرعن) الاحتلال أو تساوم على أمنه واستقراره من أجل الدفاع عن الأمن القومي لهذه الدولة الجارة أو تلك! فيجتاحه ما يجتاحه ويستبيحه من يستبيحه تحت أي ظرف كان ذلك لأن الأمن القومي لكل بلد من بلدان المنطقة بات إلى حد كبير رهناً باستتباب الأمن في العراق بالذات، ليس لأهمية العراق فحسب بل لأن الأمن بات إقليمياً ولا يقاس بالوحدات القطرية المنفردة. بالأمس القريب كان النقاش يدور في كل بيت عربي ومسلم بأنه (لا حول ولا قوة لنا وأننا لا يمكننا أن نكون فلسطينيين أكثر من الفلسطينيين أنفسهم) وها هي الأيام تثبت أن تلك الرؤية لم تكن صائبة، فإن سكتنا نحن فإن العدو لن يسكت وهو قد ربط كل شيء ببعضه بإحكام؛ والأمر يتكرر اليوم مع العراق بشدة أكثر والحبل على الجرار! المسألة ليست عاطفية ولا أيديولوجية ولا حتى حضارية وتاريخية وجغرافية أو دينية فحسب، بل إنها مصلحية وعملانية وآنية بامتياز أيضاً! فلا أمن لأحد من حاكم أو محكوم في كل المنطقة من دون توفير الأمن للعراقيين واللبنانيين وللفلسطينيين وذلك لا يتحقق ولن يتحقق بشكل ناجز إلا بالجلاء، نعم جلاء الاحتلال. وهذا الكلام لم يعد كلام مقاومين أو متمردين أو مغامرين أو سمهم ما شئت، بل صار كلاماً يتبناه أكثر الناس (سلمية وتعاوناً مع القوات المتعددة الجنسيات) وهو ما ورد بالتفصيل في مداخلة مطولة قدمها نائب الرئيس العراقي عادل عبد المهدي في مؤتمر حول أفق التنمية الإقليمية عقد قبل مدة في طهران، عندما قال بالحرف الواحد (لا أمل ولا أفق في مشروع تنمية حقيقي لهذا الإقليم والمنطقة مدججة بالاحتلال من فلسطين إلى العراق).

::/fulltext::

Getting your Trinity Audio player ready...

::cck::2577::/cck::
::introtext::

لعلها المفارقة العجيبة الفريدة من نوعها في التاريخ السياسي العالمي أن يجلس سفير دولة عظمى بل سفير الدولة التي لا ترى نفسها إلا الدولة العظمى الوحيدة في العالم وهي أمريكا إلى جانب سفير دولة (صغرى) يفترض أنها (مارقة) كانت حتى الأمس القريب قد صنفت من قبل رئيس الدولة العظمى المعنية ضمن (مثلث الشر) والتي تنتظر دورها في السقوط أولاً على يد أبطال نشر الديمقراطية في العالم ثم لتلتحق بالدولة الديمقراطية (المثال)

::/introtext::
::fulltext::

لعلها المفارقة العجيبة الفريدة من نوعها في التاريخ السياسي العالمي أن يجلس سفير دولة عظمى بل سفير الدولة التي لا ترى نفسها إلا الدولة العظمى الوحيدة في العالم وهي أمريكا إلى جانب سفير دولة (صغرى) يفترض أنها (مارقة) كانت حتى الأمس القريب قد صنفت من قبل رئيس الدولة العظمى المعنية ضمن (مثلث الشر) والتي تنتظر دورها في السقوط أولاً على يد أبطال نشر الديمقراطية في العالم ثم لتلتحق بالدولة الديمقراطية (المثال). العراق هو الدولة التي زعمت الدولة العظمى أنها ستبنيها على أنقاض الدولة الاستبدادية السابقة التي أطاحت بها بالمناسبة ليس بسبب استبدادها بل بذريعة خطرها على الأمن الدولي أولاً والأمن الإقليمي ثانياً والأمن العراقي الداخلي ثالثاً! لتطلب منها، أي من الدولة (المارقة والشريرة) ماذا؟ تطلب منها المساعدة والمساندة في إعادة الأمن والاستقرار إلى الدولة المثال! بعد أن فشلت فشلاً ذريعاً في مهمتها المعلنة.إن السفير ريان كروكر حاول في اجتماعه الثلاثي أن يلقي اللوم على دول الجوار بالطبع وفي المقدمة منها إيران في فشل أمريكا في استتباب الأمن العراقي، وبما أنه محشور بالزمان وبضغط الرأي العام الأمريكي وبالمنافسين لرئيسه من الحزب الديمقراطي، وأيضاً من الرأي العام الداخلي العراقي الذي بدأ يضيق ذرعاً بالاحتلال، وبالتالي لابد له مهما طال الزمن معه أن يعد حقائبه للرحيل لاعتبارات أمريكية داخلية وعراقية باتت ملحة، فإنه لم يكن يملك الكثير من أوراق المناورة في المفاوضات مع سفير دولة تعتبر الجارة الأهم للعراق أولاً، والدائمة البقاء إلى جانبه كيفما تغيرت الأحوال ثانياً، وغير المستعجلة على أي شيء في العراق بما فيه أمر انسحاب قوات الاحتلال منه ثالثاً، والعميقة الترابط بالنسيج العراقي الداخلي رابعاً فإن السفير الإيراني حسن كاظمي قمي بالمقابل شعر بأنه في بيته بمعنى أنه تصرف وكأنه غير مستعجل على شيء حتى المطالبة برحيل قوات الاحتلال، ناهيك عن امتلاكه أغلب أوراق اللعبة الداخلية العراقية والإقليمية، إضافة إلى تقاطع الكثير من وجهات نظر بلاده حول العراق مع وجهات النظر الدولية بل والأمريكية الداخلية.إن إيران وإن لم تطرح ضرورة جدولة انسحاب المحتل وبشكل ملح باعتباره أم المشكلات، لكنها طرحت ضرورة المشاركة الإقليمية الفعالة في أي حل لعراق المستقبل، ما يعني ضرورة إشراك الحليفة سوريا ودول الجوار الخليجي وتركيا ومصر والجامعة العربية التي بدأت سلسلة مشاورات جدية معها حول أكثر من ملف إقليمي ساخن في مقدمته العراق وذلك أثناء اجتماعات مكثفة عقدها المسؤولون المعنيون بالملفات الإقليمية مع هشام يوسف الموفد الخاص لعمرو موسى إلى طهران مؤخراً وأخيراً ضرورة إشراك كل الأطراف الدولية المعنية ما يجعل الأحادية الأمريكية التي اتبعت حتى الآن في معالجة الملف العراقي تتجه إلى مزيد من الانكفاء.لقد كان لقاءً بارداً وجافاً إذن بين خصمين غير متكافئين في المسرح الدولي، الغلبة فيه ربما لأول مرة للأصغر والأطول بالاً.لقد أثبتت تجربة العراق أن الغلبة العسكرية لا تولد بالضرورة غلبة سياسية، وأن فقدان الوضوح في الاستراتيجية يولد فراغاً، وبما أن الفراغ أمر لا يمكن أن يدوم ولا معنى له في المنطق فإن هذا الفراغ سرعان ما يملؤه خصمك مهما كان صغيراً ومهما استهنت به، والنتيجة ستكون التسليم ببعض ما كنت ترفضه عندما كنت في أوج صعودك. وهكذا كانت المفاوضات مع طهران أشبه بالعلقم الذي لا بد منه لإدارة ظلت حتى آخر لحظة ترفض الإذعان لتناوله. طهران من جهتها التي لم تحسن الظن يوماً بالأمريكيين، ولا يعتقد أحد بأنها غيرت من نظرتها من اجتماع واحد تراها مستعجلة على أمر آخر تعتبره أكثر أهمية من الاجتماع بالأمريكيين ألا وهو استثمار هذا الاجتماع في تحسين صورتها لدى أصدقاء أمريكا التقليديين أو أصدقائها الجدد، فالأنباء التي تتردد في الأروقة الخلفية في طهران تتحدث عن تحضيرات تجرى على قدم وساق لتأمين زيارة مفاجئة للرئيس أحمدي نجاد إلى مصر ربما حتى قبل إعادة العلاقات الدبلوماسية الكاملة معها أو في سياق مثل هذا الحدث الذي سيكون تاريخياً بكل المعايير والمستويات. هذا بالإضافة إلى التسريع في إعادة تفعيل المبادرة المشتركة مع المملكة العربية السعودية حول لبنان وأخيراً وليس آخراً ربما القفز في الهواء باتجاه فرنسا ساركوزي (البوشي الهوى) سواء من الباب اللبناني أو الباب النووي.ليس من باب الأدب البروتوكولي أن يصر الإيرانيون على أن يكون اجتماعهم الأول مع الأمريكيين في بغداد بالذات وبحضور المالكي تحديداً، فبالرغم من أنهم غير راضين على المالكي تماماً مثلهم مثل الأمريكيين، لكنهم أرادوا أن يبلغوا الأمريكيين، وبحضور المالكي شخصياً، بأن الانقلاب على العملية السياسية وإسقاط المالكي بطريقة (غير ديمقراطية) كما كان يتردد بقوة قبل الاجتماع خط أحمر لن تقبل به طهران، وهذه النقطة كافية وحدها أن تحرج الأمريكي الذي ظل يردد على امتداد السنوات الأربع الماضية ضرورة (تعميم الديمقراطية) في المنطقة، وتجعله في الموقف الأضعف في المفاوضات أمام حليفه العراقي لاسيما إذا ما عرفنا أن الإيراني يفضل مرشحين آخرين كثيراً غير المالكي، لكنه يناور به كورقة لا تزال رابحة أمام البعثي (المتلون) والمرشح المفضل لدى الأمريكي رئيس الوزراء السابق إياد علاوي.إنها مرة أخرى دبلوماسية حياكة السجاد التي تفاجئ الكاوبوي الأمريكي المستعجل على إنجاز مهمة الانسحاب المشرف بأي ثمن كان. ليست طهران وحدها هي اليوم من تتحدى وتتمرد على المارد الأمريكي! فها هي سوريا لم تعد تبالي كثيراً بما يقوله عنها الأمريكيون بل وترد عليهم عندما ينتقدونها بجواب تهكمي ينم عن استخفاف واضح بالقول فلتهتم أمريكا بما لديها من مشكلات كذلك بدأت تفعل الكثير من الدول (الصغيرة) الأخرى التي صرنا نسمع منها مبادرات وإجراءات تنم عن استقلالية واضحة في القرار على أكثر من صعيد اقتصادي ومالي وأمني وإذا كان هذا حال الدول الصغرى، فعن الدول الكبرى حدّث ولا حرج من الصين وألمانيا وصولاً إلى روسيا التي باتت تهددها بحرب باردة جديدة. فضلاً عن الحديث المتكرر عن احتمال أن (تتحول أوروبا إلى برميل بارود) إذا ما أصرت واشنطن على مشروعها للدرع الصاروخية! إنه زمن (الصغار) الذين يعرفون كيف ومتى يتم ملء الفراغ الاستراتيجي! ومن جهة أخرى فإن ثمة جدلاً واسعاً يدور في الأروقة الخلفية للدبلوماسية العربية حول مستقبل العراق في حال قررت أمريكا الانسحاب منه والدور الإيراني المرتقب لملء الفراغ الذي سينتج عن مثل هذا الانسحاب. والكلام في هذا السياق كثير قسم منه يتسرب على شكل تحذيرات بعض النخبة الملتصقة بالحاكم العربي والتي تكتب بشكل شبه يومي عن (أخطار تسليم أمريكا العراق للإيرانيين) وقسم آخر لا يظهر إلى العلن، لكنك تسمعه بقوة كلما دخلت في نقاشات (مكاشفة) مع دبلوماسيين عرب مقيمين في طهران أو منتشرين في الوطن العربي الكبير والذي يمكن تلخيصه حول مخاطر (تقاسم نفوذ) أمريكي – إيراني في العراق على حساب الأمن القومي العربي. أما العراقيون، وهم أصحاب الشأن كما يفترض، فهم منقسمون بين جماعة الحكم والحكومة والذين يأخذون على العرب بالإجمال بأنهم (خذلوهم) أو كحد أدنى تركوهم للريح. وجماعة الرفض لمبدأ العملية السياسية في ظل الاحتلال أو من ينخرطون في نشاطات المقاومة فهم يأخذون على العرب بأنهم هم من سهّل للاحتلال، وباع العراق للأجنبي، وجلس اليوم يتباكى عليه) بعد أن أصبح اليوم ساحة تجاذب بين الأمريكيين والإيرانيين. الإيرانيون من جهتهم يقولون إنه لم يكن أمامهم عشية قرار الغزو الغاشم إلا الوقوف موقف ما سموه وقتها (الحياد الفاعل) أو الإيجابي أي بما افترضوا أنه يخدم خلاص العراقيين من حكم الطاغية من دون التورط في خطيئة العدوان تماماً كما هم مجبرون اليوم على (مراعاة ومداراة جماعة الحكومة إلى حين إنجاز مهمة جلاء الاحتلال. وهذا هو الذي أكسبهم ولا يزال هذا الدور الأساسي في العراق الجديد.ونحن من جهتنا كمراقبين، كنا ولا نزال، نقول للإخوة العرب إن الأدوار تؤخذ ولا تعطى من قبل أحد لسواد عينيه! وأنه في عالم السياسة لا معنى ولا مكان للفراغ، وعندما تفشل قوة مهما عظمت في ملء فراغ ما، تملؤه قوة أخرى مهما (صغرت) فكيف بدولة إقليمية باتت كبرى مثل إيران؟ السؤال المركزي الآن هو هل إن الأمن القومي الإيراني و(الاقتدار الإيراني) تالياً يشكل خطراً على الأمن القومي العربي؟ أم أنه امتداد طبيعي للأمن القومي العربي ورصيد إضافي للأمة العربية التي هي اليوم أحوج ما تكون إلى صديق وصديق قوي، ويجلس إلى طاولة المفاوضات مع الأمريكي بشكل متكافئ؟ بعض الدبلوماسية العربية تقترب من ملامسة الواقعية في هذا السياق إلا أن البعض الآخر منها لا يزال يعيش الأحلام الوردية التي ترسمها له بعض النخب العربية المنبهرة بالسلوك الامبراطوري الأمريكي واقتراب ما يسميه (الامبراطورية الإيرانية) مرة وبالنفوذ الإيراني مرة أخرى من نهاياته الحتمية على يد الامبراطور الأمريكي باعتباره القوة العاليمة الأعظم في العالم التي لا تقبل الهزيمة أو الفشل! إنني كمراقب إيراني أو عربي لا أعرف في الحقيقة رؤية أفضل من الرؤية الواقعية التي يفترض بها أن تضع القوة الإيرانية أو (الورقة الإيرانية) بمثابة الرصيد الاحتياطي كحد أدنى إن لم يكن الرصيد الفعال والجاهز للعب دور المحفز والداعم لكل قضايا العرب في لعبة الأمم التي تحاول الإجهاز على القوتين الإيرانية والعربية على حد سواء. فالحد الأدنى من الحكمة والدراية يقول (ألزموهم بما ألزموا به أنفسهم) فالإيرانيون يصرحون صباح مساء بأن من أولويات أولوياتهم هي القضية الفلسطينية، وأن الهموم العربية وقضايا التحرر العربي الأخرى من سوريا إلى لبنان إلى السودان إلى قضايا التنمية العربية وفي طليعتها انتزاع الحقوق العربية في العلوم والتكنولوجيا وتربية الكادر البشري من الاحتكار العولمي المتأمرك! وهذا لا يعني بالضرورة خوض كافة معارك الإيرانيين وكأنها معارك العرب بالتمام والكمال، وبالتالي الوقوع في ما لا يحمد عقباه، أو الانخراط في استقطابات لا يقدر العرب على تحمل نتائجها، كما يتكهن أصحاب الرؤى المشكلة في مدى حكمة وصوابية الموقف الإيراني. لكن ما لا يفهم أن يدعو البعض إلى اعتبار الموقف الإيراني العام تجاه القضايا العربية الأساسية أقرب ما يكون إلى الموقف الأمريكي أو حتى الإسرائيلي إن لم يكن أخطر منه!أعرف أن هناك تفاوتاً في الرؤى بين العرب والإيرانيين حول قضايا عديدة وهذا بحد ذاته ليس غير ضار فقط بل هو قد يكون مفيداً ومصدر غنى وثراء، لكن هذا (التفاوت) نفسه إذا ما حولناه إلى تصادم في الرؤى وصراع على أحقية كل طرف، فإننا سنفشل، وتذهب ريحنا مهما كانت نياتنا حسنة، لأن السياسة مرة أخرى تقاس بالنتائج وليس بالنيات. ويبقى السؤال لماذا لا يبدأ العرب حواراً جدياً وشفافاً حول مستقبل العراق وآخر جدياً وشفافاً أيضاً مغ الأمريكيين حول العراق، ويخرجون من دائرة إبداء القلق حول هذا البلد العربي المستباح. يقال إن إنارة شمعة واحدة أفضل من ألف لعنة على الظلام! والعراق اليوم الذي بات أقرب ما يكون إلى (دولة أشباح ومجتمع الجثث المهولة) لم يعد يتحمل من العرب الجلوس في مقاعد المتفرجين، كما لن يتحمل أي سياسة من جيرانه على العموم تقايض على استقلاله أو (تشرعن) الاحتلال أو تساوم على أمنه واستقراره من أجل الدفاع عن الأمن القومي لهذه الدولة الجارة أو تلك! فيجتاحه ما يجتاحه ويستبيحه من يستبيحه تحت أي ظرف كان ذلك لأن الأمن القومي لكل بلد من بلدان المنطقة بات إلى حد كبير رهناً باستتباب الأمن في العراق بالذات، ليس لأهمية العراق فحسب بل لأن الأمن بات إقليمياً ولا يقاس بالوحدات القطرية المنفردة. بالأمس القريب كان النقاش يدور في كل بيت عربي ومسلم بأنه (لا حول ولا قوة لنا وأننا لا يمكننا أن نكون فلسطينيين أكثر من الفلسطينيين أنفسهم) وها هي الأيام تثبت أن تلك الرؤية لم تكن صائبة، فإن سكتنا نحن فإن العدو لن يسكت وهو قد ربط كل شيء ببعضه بإحكام؛ والأمر يتكرر اليوم مع العراق بشدة أكثر والحبل على الجرار! المسألة ليست عاطفية ولا أيديولوجية ولا حتى حضارية وتاريخية وجغرافية أو دينية فحسب، بل إنها مصلحية وعملانية وآنية بامتياز أيضاً! فلا أمن لأحد من حاكم أو محكوم في كل المنطقة من دون توفير الأمن للعراقيين واللبنانيين وللفلسطينيين وذلك لا يتحقق ولن يتحقق بشكل ناجز إلا بالجلاء، نعم جلاء الاحتلال. وهذا الكلام لم يعد كلام مقاومين أو متمردين أو مغامرين أو سمهم ما شئت، بل صار كلاماً يتبناه أكثر الناس (سلمية وتعاوناً مع القوات المتعددة الجنسيات) وهو ما ورد بالتفصيل في مداخلة مطولة قدمها نائب الرئيس العراقي عادل عبد المهدي في مؤتمر حول أفق التنمية الإقليمية عقد قبل مدة في طهران، عندما قال بالحرف الواحد (لا أمل ولا أفق في مشروع تنمية حقيقي لهذا الإقليم والمنطقة مدججة بالاحتلال من فلسطين إلى العراق).

::/fulltext::
::cck::2577::/cck::

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *