استراتيجية الطاقة اليابانية في الخليج بعد أزاديغان
::cck::2587::/cck::
::introtext::
من المنصف وصف انهيار الشراكة اليابانية ـ الإيرانية في مشروع حقل أزاديغان النفطي في أكتوبر 2006، بأنه مثل نهاية إحدى حقبات الانخراط الياباني في مشاريع منطقة الخليج وبداية حقبة أخرى.
::/introtext::
::fulltext::
من المنصف وصف انهيار الشراكة اليابانية ـ الإيرانية في مشروع حقل أزاديغان النفطي في أكتوبر 2006، بأنه مثل نهاية إحدى حقبات الانخراط الياباني في مشاريع منطقة الخليج وبداية حقبة أخرى.
على الرغم من أن شركة النفط اليابانية إنبكس (Inpex) تواصل الاحتفاظ بحصة قدرها 10في المائة من مشروع أزاديغان، فإنه لا يوجد الآن أي مشروع نفطي خليجي قادر على منح اليابان قاعدة عريضة في منطقة الخليج توازي تلك التي تمتعت بها على مدى عقود من الزمن بفضل امتيازات شركة النفط العربي (اليابانية) في مشروع الخفجي، التي كان من المتوقع استمرارها من خلال مشروع تطوير حقل أزاديغان النفطي الإيراني. لذا، ستركز هذه الورقة على دراسة الوضع الراهن لمجمل استراتيجية الطاقة اليابانية في منطقة الخليج ككل في حقبة ما بعد انهيار الشراكة اليابانية – الإيرانية لتطوير حقل أزاديغان.
الكتل الثلاث
توجد حالياً ثلاث كتل سياسية رئيسية في منطقة الخليج يتعين على اليابان التعامل معها لتشكيل استراتيجيتها في مجال الطاقة في المنطقة، وهي: العراق وإيران ودول مجلس التعاون الخليجي.
ومن المعروف أن طوكيو لم تواجه أي صعوبات تذكر خلال الفترة الممتدة من خمسينات إلى سبعينات القرن الماضي لتطوير علاقات طيبة مع معظم دول منطقة الخليج. وبينما كانت البحرية الأمريكية توفر أمن الملاحة البحرية على نطاق واسع، كانت اليابان تشتري بكل هدوء وسلاسة كامل احتياجاتها النفطية مباشرةً من جميع شركائها المصدرين للنفط. ونظراً لخلو تاريخ الروابط الخليجية اليابانية من أي علاقة استعمارية، تحولت اليابان بسرعة إلى زبون مفضل ومرموق في نظر كل دول منطقة الخليج. لكن الحظر النفطي الذي فرضته منظمة أوبك والحرب العراقية-الإيرانية وحرب الخليج الأولى التي نشبت في عام 1991، أضافت تعقيدات سياسية وعسكرية جديدة إلى العلاقات الخليجية ـ اليابانية. ومع ذلك، ظل اليابانيون قادرين على تأمين كل احتياجاتهم من موارد الطاقة.
تعثر الاستراتيجية اليابانية في العراق وإيران
من الممكن الجزم بأن مكانة اليابان السياسية في منطقة الخليج ككل أصبحت اليوم أضعف من أي وقت مضى. وخير دليل على صوابية هذا الطرح هو مدى تعثر استراتيجية الطاقة اليابانية للقرن الحادي والعشرين في كل من العراق وإيران.
ففي الحقيقة، كان لدى اليابان اهتمام ثابت وغير معلن بتطوير بعض حقول نفط العراق، لكن هذا الاهتمام ظهر للمرة الأولى بشكل جلي في عام 2002، عندما أبدت الولايات المتحدة تصميمها على غزو العراق والإطاحة بدكتاتورية صدام حسين. ولم تكن الإطاحة بصدام ونظامة الدافع الرئيسي الذي حدا بإدارة رئيس الوزراء الياباني في حينه، جونيشيرو كويزومي، لدعم الغزو الأمريكي للعراق، بل إن هناك أدلة تدفع إلى الاعتقاد بأن توقعات ما قبل حرب العراق باحتدام الصراع على الامتيازات النفطية في مرحلة ما بعد الحرب هي التي ساهمت ـ بشكل هامشي على الأقل ـ في تأجيج حماسة طوكيو لتوجه واشنطن المصر على غزو العراق.
حينذاك، توقع جميع الزعماء اليابانيين بقاء مفتاح موارد الطاقة العراقية الهائلة بيد واشنطن خلال السنوات الأولى التي ستعقب مارس 2003، فمالوا إلى الاعتقاد بأن اليابان ستستفيد من هذا الوضع إن أثبتت ولاءها الكامل لسياسات إدارة الرئيس بوش. ومما لا شك فيه أن العديد من المسؤولين الأمريكيين نظروا إلى مسألة مشاركة الدول الأخرى في مشاريع العراق النفطية من خلال المنظار نفسه. وبالطبع، تقلصت هذه الطموحات اليابانية بشكل تدريجي نتيجة لاستمرار التمرد العراقي والحرب الأهلية التي أعقبته. وعندما تفاقمت الكارثة التي حلت بالسياسة الأمريكية في العراق، طاول جزء منها حلفاء واشنطن اليابانيين.
ومع ذلك، بدأت طوكيو تظهر على نحو متزايد مدى اهتمامها بتطوير حقول النفط الواقعة في جنوب العراق. ففي عام 2005، وقعت شركتان يابانيتان للنفط ـ هما شركة جابيكس وشركة النفط العربي ـ اتفاقيات للمساعدة التقنية مع وزارة النفط العراقية. وعندما زار وزير النفط العراقي حسين شهرستاني طوكيو في نوفمبر 2006، أخبر المراسلين الصحفيين بأن شركات النفط اليابانية أبدت اهتماماً خاصاً بتطوير حقل نفط الناصرية الضخم. وأخيراً، أشارت الحكومة اليابانية في منتصف عام 2006 إلى أن معظم مساعداتها المالية الجديدة للعراق ستنفق في قطاع النفط العراقي. فقد قال أحد مسؤولي وزارة الاقتصاد والتجارة والصناعة اليابانية (إن تعزيز العلاقات مع العراق سيعود بفوائد هائلة على اليابان ذات الموارد الطبيعية المحدودة).
لا شك في أن طوكيو ترغب في ترسيخ دعائم انخراطها المستقبلي المتوقع في حقول نفط جنوب العراق، ولكن واقع العراق المضطرب لا ينبئ باقتراب جني ثمار هذه السياسة. إذ من الواضح أن الفوضى السياسية التي تعم هذا البلد تحد من فاعلية الجهود المتواضعة التي تبذلها اليابان هناك. كما أن الغموض لا يزال يلف طبيعة الدولة (أو ربما الدول) التي ستولد من رحم الحرب الأهلية العراقية في آخر المطاف.
وفي الوقت الراهن، يمكن القول إن نجاح استراتيجية اليابان في العراق بات يعتمد كلياً على التطورات السياسية والعسكرية العراقية التي لا تسيطر عليها اليابان ولا تؤثر فيها إلا بدرجة محدودة جداً. وبالتالي، لا يمكن إطلاق اسم (استراتيجية) على هذه المقاربة اليابانية لأنها في الحقيقة مجرد أمنيات فقط.
أما في إيران، فقد كانت طوكيو مؤخراً أمام أحد خياريْن للتعامل مع طهران. وبعد صراع طويل ـ مع الضغوط الأمريكية ـ اختارت طوكيو التضامن مع واشنطن على حساب (علاقاتها المميزة) مع طهران. وهكذا، تخلت إدارة رئيس الوزراء الياباني شينزو آبي، عن حصتها الكبيرة في مشروع أزاديغان لإزالة عقبة كانت تعترض سبيل توطيد العلاقات اليابانية ـ الأمريكية. وجاءت هذه الخطوة إثر تفاقم أزمة البرنامج النووي الكوري الشمالي الذي أرغم القادة اليابانيين على تركيز جل اهتمامهم على أمن جزيرتهم، وشعور العديد منهم بضرورة التضحية بالشراكة مع إيران لتطوير حقل أزاديغان من أجل ضمان تعامل الولايات المتحدة مع اليابان بنية حسنة. إضافة إلى ذلك، كان تعامل طوكيو مع طهران في عهد الرئيس الإيراني السابق محمد خاتمي أسهل بكثير من التعامل معها في عهد الرئيس محمود أحمدي نجاد، الذي اتبع سياسة شعبوية استقطابية وتبنى خطاباً نارياً ومواقف سياسية متصلبة أسهمت في زعزعة ثقة اليابان في شريكها الإيراني.
وحتى بعد انهيار الشراكة اليابانية ـ الإيرانية في مشروع حقل أزاديغان النفطي، يبدو أن كلا الجانبيْن لا يزال يرغب في الإبقاء على درجة من علاقات الصداقة المتبادلة. فعلى الرغم من انتهاء دورها الميداني في مشروع حقل أزاديغان، لا تزال شركة إنبكس اليابانية تمتلك 10 في المائة من أسهم هذا المشروع، وهو ما يؤشر إلى إمكانية ارتفاع هذه النسبة في المستقبل في حال حل القضايا السياسية العالقة بين طوكيو وطهران. يضاف إلى ذلك حقيقة أن إيران لاتزال تمثل ثالث أهم مصدري النفط بالنسبة لليابان. فقد شكل النفط الإيراني 13 في المائة من مجمل واردات اليابان النفطية خلال عام 2006، كما أن التبادل الثقافي بين البلدين ظل قوياً.
وعلى الرغم من هذا كله ـ كما هو حال اليابانيين في العراق أيضاً ـ يعتمد مستقبل استراتيجية طوكيو النفطية في إيران على تطورات لا تستطيع اليابان التأثير في مسارها. كما أن المسؤولين اليابانيين أعربوا عن استعدادهم لتأييد أي عقوبات أو إجراءات أخرى يتبناها مجلس الأمن الدولي ضد إيران على خلفية برنامجها النووي، الذي يشتبه في أنه يتضمن جانباً عسكرياً. ونظراً لأن اليابان لا تتمتع بحق النقض (الفيتو) وليست عضواً في مجموعة (الخمسة زائد واحد) التي تجري المفاوضات الرئيسية مع طهران، فإنها لا تلعب أي دور يذكر في معالجة الملف النووي الإيراني. من هنا يتضح أن موقع اليابان السياسي في العراق وإيران ضعيف جداً وأن مستقبله خاضع لأحداث خارجة على نطاق سيطرة اليابانيين.
الاستراتيجية المتبقية: مجلس التعاون الخليجي
خلافاً للضعف الواضح الذي تتسم به استراتيجيتا اليابان في العراق وإيران، تتميز علاقات اليابان مع دول مجلس التعاون الخليجي الست بقوتها واستقرارها. ولطالما مثلت هذه الدول فضاءً مفضلاً بالنسبة لطوكيو لأنها خلت حتى هذه اللحظة من تداعيات الحروب الأهلية ومن الانعكاسات السلبية المحتملة على التحالف الياباني ـ الأمريكي. كما أن دول مجلس التعاون الخليجي تتمتع منذ سنوات طويلة بقدر من الاستقرار السياسي وتستظل إلى حد كبير ـ شأنها شأن اليابان ـ بالمظلة الأمنية الأمريكية العالمية. وبالتالي، إذا كان هناك أي عوائق حالية أمام تطوير علاقات اليابان مع دول مجلس التعاون الخليجي، فإنها تكمن فقط في طبيعة الخيارات التي يتم تبنيها (أو عدم تبنيها) من قبل هذه الدول أنفسها.
من جهتها، تدرك طوكيو مدى الحاجة لتعزيز روابطها مع مجلس التعاون الخليجي لتعويض جزء من فشلها أو ضعف مكانتها في كل من العراق وإيران. ويتمثل أحد الجوانب الواضحة لهذا الإدراك الياباني في الأولوية التي أعطتها إدارة رئيس الوزراء الياباني، (إيب)، للاستكمال السريع والناجح لمفاوضات اتفاقية التجارة الحرة بين اليابان ومجلس التعاون الخليجي.
لكن اليابان استثمرت أيضاً في تعزيز علاقاتها الثنائية مع كل دول مجلس التعاون الخليجي. ويمكن كتابة الكثير عن علاقات اليابان مع كل واحدة من دول المجلس الست، لكن أهم هذه العلاقات الثنائية هي التي تتمتع بها اليابان مع دولة قطر والمملكة العربية السعودية.
وتتمثل النقطة الحاسمة التي أثارت اهتمام اليابان بتطوير علاقاتها مع دولة قطر في حقيقة أن هذا البلد الصغير أصبح اليوم عملاقاً قادراً على تغطية احتياجات اليابان من الغاز الطبيعي المسال. والجدير بالذكر أن اليابان كانت أول المستثمرين الأجانب في الصناعة القطرية للغاز الطبيعي المسال وأثبتت حسن نواياها تجاه دولة قطر. ففي مقابلة أجريت مؤخراً مع رئيس شركة قطر للغاز ومديرها التنفيذي، فيصل السويدي، قال المسؤول القطري (ستتذكر قطر دائماً وبكل امتنان زبائنها اليابانيين وعلى رأسهم شركة (تشوبو) لتوليد الطاقة الكهربائية، لأنهم في الحقيقة هم الذين وضعوا صناعة الغاز الطبيعي المسال في قطر على الخريطة العالمية. وعندما قررت اليابان شراء الغاز الطبيعي المسال منـا، ظن العديد من المشككين أن زبائننا اليابانيين كانوا مخطئين. ومع أن تلك الفترة شهدت بعض المناوشات الإقليمية، لم يغير زبائننا اليابانيين موقفهم تجاهنا).
وعندما تكشفت مؤخراً حقيقة أن الاقتصاد الياباني اهتز بسبب تعثر قطاع الغاز الطبيعي المسال في إندونيسيا واحتمال عجزه عن تلبية احتياجات اليابان المستقبلية من هذه المادة، قام وزير الصناعة والطاقة القطري، عبد الله بن حمد العطية، بزيارة إلى طوكيو في نوفمبر 2006، حيث وعد بتزويد اليابانيين بإمدادات مضمونة ومستقرة من الغاز الطبيعي المسال. ونتيجة لهذه الضمانات القطرية، تنفس المخططون السياسيون اليابانيون الصعداء.
صحيح أن علاقات اليابان مع المملكة العربية السعودية ليست على القدر نفسه من الإثارة التي اتسمت بها الحالة القطرية، إلا أنها علاقات مزدهرة أيضاً. فعلى الرغم من أن دولة الإمارات العربية المتحدة ظلت على مدى عشرين عاماً من (1985 إلى 2005) المصدر الرئيسي للنفط المستهلَك في اليابان، تبوأت المملكة العربية السعودية مركز الصدارة على هذا الصعيد خلال العامين الماضيين، حيث استوردت اليابان من النفط السعوي حوالي 29 في المائة من إجمالي وارداتها النفطية.
ليس هذا وحسب، بل إن هناك أيضاً شراكة عملاقة بين شركتي أرامكو السعودية وسوميتومو اليابانية للصناعات الكيميائية لبناء مجمع رابغ الصناعي للبتروكيماويات وتكرير النفط على ساحل البحر الأحمر. فقد أفادت آخر المعلومات بأن تكلفة المجمع المذكور تقدر بنحو 9.8 مليار دولار. ولذلك، تمثل هذه المنشأة أكبر مجمع للصناعات البتروكيماوية تشارك اليابان في بنائه على نطاق دول مجلس التعاون الخليجي كافة. ولا يمكن مقارنة هذا المشروع البتروكيماوي العملاق إلا بنظيره السابق الذي نفذته شركتا ميتسووي اليابانية والفاتد الإيرانية خلال سبعينات وثمانينات القرن الماضي.
لكن مشروع رابغ يمثل بالفعل أضخم الاستثمارات العديدة التي قامت بها الشركات اليابانية مؤخراً في دول مجلس التعاون الخليجي. ومع أن وتيرة هذا النوع من الصفقات قد تسارعت في الفترة الأخيرة، إلا أنه يفترض بها أن تزداد تسارعاً إثر إبرام اتفاقية التجارة الحرة بين اليابان ودول مجلس التعاون.
يستخلص من هذه الورقة أن الصورة العامة لاستراتيجية الطاقة اليابانية الراهنة متباينة المعالم، فقد أخفقت طوكيو في تحقيق أهدافها في كل من العراق وإيران. كما أن سقوط نظام صدام حسين في بغداد لم يجلب تلك الصفقات النفطية المربحة التي توقعها البعض قبل غزو العراق. وعلى النقيض من التوقعات اليابانية، فشلت السياسات الأمريكية في العراق فشلاً ذريعاً ولا يزال الغموض يلف مستقبل الوضع الداخلي هناك.
أما على صعيد إيران، فقد اختارت طوكيو ـ تحت ضغط أمريكي شديد ـ التخلي عن شراكتها المهمة مع طهران لتطوير حقل أزاديغان الضخم. ولم يتضح بعد ما إذا كانت هذه الخطوة ستقوض العلاقات اليابانية ـ الإيرانية في آخر المطاف لأنها أضافت بالفعل توترات جديدة إلى هذه العلاقات الثنائية، التي أصبحت هشة ومحدودة بعدما تميزت بالقوة والاستقرار لفترة طويلة من الزمن. ونظراً لأن اليابان تؤيد منحى الأمم المتحدة تجاه إيران، أصبحت السيطرة على مستقبل العلاقات اليابانية ـ الإيرانية عملياً بأيدٍ غير يابانية.
لكن اليابان اكتشفت مجدداً مدى أهمية توطيد علاقاتها مع دول مجلس التعاون الخليجي التي سجلت مؤخراً معظم الإنجازات اليابانية في منطقة الخليج بأسرها. لذا، ربما يميل المرء إلى الاعتقاد بأن موقع طوكيو الحالي في الخليج هو أضعف من أي وقت مضى، وأن نفوذ مجلس التعاون الخليجي في اليابان قد بلغ ذروته.
::/fulltext::
|
Getting your Trinity Audio player ready...
|
::cck::2587::/cck::
::introtext::
من المنصف وصف انهيار الشراكة اليابانية ـ الإيرانية في مشروع حقل أزاديغان النفطي في أكتوبر 2006، بأنه مثل نهاية إحدى حقبات الانخراط الياباني في مشاريع منطقة الخليج وبداية حقبة أخرى.
::/introtext::
::fulltext::
من المنصف وصف انهيار الشراكة اليابانية ـ الإيرانية في مشروع حقل أزاديغان النفطي في أكتوبر 2006، بأنه مثل نهاية إحدى حقبات الانخراط الياباني في مشاريع منطقة الخليج وبداية حقبة أخرى.
على الرغم من أن شركة النفط اليابانية إنبكس (Inpex) تواصل الاحتفاظ بحصة قدرها 10في المائة من مشروع أزاديغان، فإنه لا يوجد الآن أي مشروع نفطي خليجي قادر على منح اليابان قاعدة عريضة في منطقة الخليج توازي تلك التي تمتعت بها على مدى عقود من الزمن بفضل امتيازات شركة النفط العربي (اليابانية) في مشروع الخفجي، التي كان من المتوقع استمرارها من خلال مشروع تطوير حقل أزاديغان النفطي الإيراني. لذا، ستركز هذه الورقة على دراسة الوضع الراهن لمجمل استراتيجية الطاقة اليابانية في منطقة الخليج ككل في حقبة ما بعد انهيار الشراكة اليابانية – الإيرانية لتطوير حقل أزاديغان.
الكتل الثلاث
توجد حالياً ثلاث كتل سياسية رئيسية في منطقة الخليج يتعين على اليابان التعامل معها لتشكيل استراتيجيتها في مجال الطاقة في المنطقة، وهي: العراق وإيران ودول مجلس التعاون الخليجي.
ومن المعروف أن طوكيو لم تواجه أي صعوبات تذكر خلال الفترة الممتدة من خمسينات إلى سبعينات القرن الماضي لتطوير علاقات طيبة مع معظم دول منطقة الخليج. وبينما كانت البحرية الأمريكية توفر أمن الملاحة البحرية على نطاق واسع، كانت اليابان تشتري بكل هدوء وسلاسة كامل احتياجاتها النفطية مباشرةً من جميع شركائها المصدرين للنفط. ونظراً لخلو تاريخ الروابط الخليجية اليابانية من أي علاقة استعمارية، تحولت اليابان بسرعة إلى زبون مفضل ومرموق في نظر كل دول منطقة الخليج. لكن الحظر النفطي الذي فرضته منظمة أوبك والحرب العراقية-الإيرانية وحرب الخليج الأولى التي نشبت في عام 1991، أضافت تعقيدات سياسية وعسكرية جديدة إلى العلاقات الخليجية ـ اليابانية. ومع ذلك، ظل اليابانيون قادرين على تأمين كل احتياجاتهم من موارد الطاقة.
تعثر الاستراتيجية اليابانية في العراق وإيران
من الممكن الجزم بأن مكانة اليابان السياسية في منطقة الخليج ككل أصبحت اليوم أضعف من أي وقت مضى. وخير دليل على صوابية هذا الطرح هو مدى تعثر استراتيجية الطاقة اليابانية للقرن الحادي والعشرين في كل من العراق وإيران.
ففي الحقيقة، كان لدى اليابان اهتمام ثابت وغير معلن بتطوير بعض حقول نفط العراق، لكن هذا الاهتمام ظهر للمرة الأولى بشكل جلي في عام 2002، عندما أبدت الولايات المتحدة تصميمها على غزو العراق والإطاحة بدكتاتورية صدام حسين. ولم تكن الإطاحة بصدام ونظامة الدافع الرئيسي الذي حدا بإدارة رئيس الوزراء الياباني في حينه، جونيشيرو كويزومي، لدعم الغزو الأمريكي للعراق، بل إن هناك أدلة تدفع إلى الاعتقاد بأن توقعات ما قبل حرب العراق باحتدام الصراع على الامتيازات النفطية في مرحلة ما بعد الحرب هي التي ساهمت ـ بشكل هامشي على الأقل ـ في تأجيج حماسة طوكيو لتوجه واشنطن المصر على غزو العراق.
حينذاك، توقع جميع الزعماء اليابانيين بقاء مفتاح موارد الطاقة العراقية الهائلة بيد واشنطن خلال السنوات الأولى التي ستعقب مارس 2003، فمالوا إلى الاعتقاد بأن اليابان ستستفيد من هذا الوضع إن أثبتت ولاءها الكامل لسياسات إدارة الرئيس بوش. ومما لا شك فيه أن العديد من المسؤولين الأمريكيين نظروا إلى مسألة مشاركة الدول الأخرى في مشاريع العراق النفطية من خلال المنظار نفسه. وبالطبع، تقلصت هذه الطموحات اليابانية بشكل تدريجي نتيجة لاستمرار التمرد العراقي والحرب الأهلية التي أعقبته. وعندما تفاقمت الكارثة التي حلت بالسياسة الأمريكية في العراق، طاول جزء منها حلفاء واشنطن اليابانيين.
ومع ذلك، بدأت طوكيو تظهر على نحو متزايد مدى اهتمامها بتطوير حقول النفط الواقعة في جنوب العراق. ففي عام 2005، وقعت شركتان يابانيتان للنفط ـ هما شركة جابيكس وشركة النفط العربي ـ اتفاقيات للمساعدة التقنية مع وزارة النفط العراقية. وعندما زار وزير النفط العراقي حسين شهرستاني طوكيو في نوفمبر 2006، أخبر المراسلين الصحفيين بأن شركات النفط اليابانية أبدت اهتماماً خاصاً بتطوير حقل نفط الناصرية الضخم. وأخيراً، أشارت الحكومة اليابانية في منتصف عام 2006 إلى أن معظم مساعداتها المالية الجديدة للعراق ستنفق في قطاع النفط العراقي. فقد قال أحد مسؤولي وزارة الاقتصاد والتجارة والصناعة اليابانية (إن تعزيز العلاقات مع العراق سيعود بفوائد هائلة على اليابان ذات الموارد الطبيعية المحدودة).
لا شك في أن طوكيو ترغب في ترسيخ دعائم انخراطها المستقبلي المتوقع في حقول نفط جنوب العراق، ولكن واقع العراق المضطرب لا ينبئ باقتراب جني ثمار هذه السياسة. إذ من الواضح أن الفوضى السياسية التي تعم هذا البلد تحد من فاعلية الجهود المتواضعة التي تبذلها اليابان هناك. كما أن الغموض لا يزال يلف طبيعة الدولة (أو ربما الدول) التي ستولد من رحم الحرب الأهلية العراقية في آخر المطاف.
وفي الوقت الراهن، يمكن القول إن نجاح استراتيجية اليابان في العراق بات يعتمد كلياً على التطورات السياسية والعسكرية العراقية التي لا تسيطر عليها اليابان ولا تؤثر فيها إلا بدرجة محدودة جداً. وبالتالي، لا يمكن إطلاق اسم (استراتيجية) على هذه المقاربة اليابانية لأنها في الحقيقة مجرد أمنيات فقط.
أما في إيران، فقد كانت طوكيو مؤخراً أمام أحد خياريْن للتعامل مع طهران. وبعد صراع طويل ـ مع الضغوط الأمريكية ـ اختارت طوكيو التضامن مع واشنطن على حساب (علاقاتها المميزة) مع طهران. وهكذا، تخلت إدارة رئيس الوزراء الياباني شينزو آبي، عن حصتها الكبيرة في مشروع أزاديغان لإزالة عقبة كانت تعترض سبيل توطيد العلاقات اليابانية ـ الأمريكية. وجاءت هذه الخطوة إثر تفاقم أزمة البرنامج النووي الكوري الشمالي الذي أرغم القادة اليابانيين على تركيز جل اهتمامهم على أمن جزيرتهم، وشعور العديد منهم بضرورة التضحية بالشراكة مع إيران لتطوير حقل أزاديغان من أجل ضمان تعامل الولايات المتحدة مع اليابان بنية حسنة. إضافة إلى ذلك، كان تعامل طوكيو مع طهران في عهد الرئيس الإيراني السابق محمد خاتمي أسهل بكثير من التعامل معها في عهد الرئيس محمود أحمدي نجاد، الذي اتبع سياسة شعبوية استقطابية وتبنى خطاباً نارياً ومواقف سياسية متصلبة أسهمت في زعزعة ثقة اليابان في شريكها الإيراني.
وحتى بعد انهيار الشراكة اليابانية ـ الإيرانية في مشروع حقل أزاديغان النفطي، يبدو أن كلا الجانبيْن لا يزال يرغب في الإبقاء على درجة من علاقات الصداقة المتبادلة. فعلى الرغم من انتهاء دورها الميداني في مشروع حقل أزاديغان، لا تزال شركة إنبكس اليابانية تمتلك 10 في المائة من أسهم هذا المشروع، وهو ما يؤشر إلى إمكانية ارتفاع هذه النسبة في المستقبل في حال حل القضايا السياسية العالقة بين طوكيو وطهران. يضاف إلى ذلك حقيقة أن إيران لاتزال تمثل ثالث أهم مصدري النفط بالنسبة لليابان. فقد شكل النفط الإيراني 13 في المائة من مجمل واردات اليابان النفطية خلال عام 2006، كما أن التبادل الثقافي بين البلدين ظل قوياً.
وعلى الرغم من هذا كله ـ كما هو حال اليابانيين في العراق أيضاً ـ يعتمد مستقبل استراتيجية طوكيو النفطية في إيران على تطورات لا تستطيع اليابان التأثير في مسارها. كما أن المسؤولين اليابانيين أعربوا عن استعدادهم لتأييد أي عقوبات أو إجراءات أخرى يتبناها مجلس الأمن الدولي ضد إيران على خلفية برنامجها النووي، الذي يشتبه في أنه يتضمن جانباً عسكرياً. ونظراً لأن اليابان لا تتمتع بحق النقض (الفيتو) وليست عضواً في مجموعة (الخمسة زائد واحد) التي تجري المفاوضات الرئيسية مع طهران، فإنها لا تلعب أي دور يذكر في معالجة الملف النووي الإيراني. من هنا يتضح أن موقع اليابان السياسي في العراق وإيران ضعيف جداً وأن مستقبله خاضع لأحداث خارجة على نطاق سيطرة اليابانيين.
الاستراتيجية المتبقية: مجلس التعاون الخليجي
خلافاً للضعف الواضح الذي تتسم به استراتيجيتا اليابان في العراق وإيران، تتميز علاقات اليابان مع دول مجلس التعاون الخليجي الست بقوتها واستقرارها. ولطالما مثلت هذه الدول فضاءً مفضلاً بالنسبة لطوكيو لأنها خلت حتى هذه اللحظة من تداعيات الحروب الأهلية ومن الانعكاسات السلبية المحتملة على التحالف الياباني ـ الأمريكي. كما أن دول مجلس التعاون الخليجي تتمتع منذ سنوات طويلة بقدر من الاستقرار السياسي وتستظل إلى حد كبير ـ شأنها شأن اليابان ـ بالمظلة الأمنية الأمريكية العالمية. وبالتالي، إذا كان هناك أي عوائق حالية أمام تطوير علاقات اليابان مع دول مجلس التعاون الخليجي، فإنها تكمن فقط في طبيعة الخيارات التي يتم تبنيها (أو عدم تبنيها) من قبل هذه الدول أنفسها.
من جهتها، تدرك طوكيو مدى الحاجة لتعزيز روابطها مع مجلس التعاون الخليجي لتعويض جزء من فشلها أو ضعف مكانتها في كل من العراق وإيران. ويتمثل أحد الجوانب الواضحة لهذا الإدراك الياباني في الأولوية التي أعطتها إدارة رئيس الوزراء الياباني، (إيب)، للاستكمال السريع والناجح لمفاوضات اتفاقية التجارة الحرة بين اليابان ومجلس التعاون الخليجي.
لكن اليابان استثمرت أيضاً في تعزيز علاقاتها الثنائية مع كل دول مجلس التعاون الخليجي. ويمكن كتابة الكثير عن علاقات اليابان مع كل واحدة من دول المجلس الست، لكن أهم هذه العلاقات الثنائية هي التي تتمتع بها اليابان مع دولة قطر والمملكة العربية السعودية.
وتتمثل النقطة الحاسمة التي أثارت اهتمام اليابان بتطوير علاقاتها مع دولة قطر في حقيقة أن هذا البلد الصغير أصبح اليوم عملاقاً قادراً على تغطية احتياجات اليابان من الغاز الطبيعي المسال. والجدير بالذكر أن اليابان كانت أول المستثمرين الأجانب في الصناعة القطرية للغاز الطبيعي المسال وأثبتت حسن نواياها تجاه دولة قطر. ففي مقابلة أجريت مؤخراً مع رئيس شركة قطر للغاز ومديرها التنفيذي، فيصل السويدي، قال المسؤول القطري (ستتذكر قطر دائماً وبكل امتنان زبائنها اليابانيين وعلى رأسهم شركة (تشوبو) لتوليد الطاقة الكهربائية، لأنهم في الحقيقة هم الذين وضعوا صناعة الغاز الطبيعي المسال في قطر على الخريطة العالمية. وعندما قررت اليابان شراء الغاز الطبيعي المسال منـا، ظن العديد من المشككين أن زبائننا اليابانيين كانوا مخطئين. ومع أن تلك الفترة شهدت بعض المناوشات الإقليمية، لم يغير زبائننا اليابانيين موقفهم تجاهنا).
وعندما تكشفت مؤخراً حقيقة أن الاقتصاد الياباني اهتز بسبب تعثر قطاع الغاز الطبيعي المسال في إندونيسيا واحتمال عجزه عن تلبية احتياجات اليابان المستقبلية من هذه المادة، قام وزير الصناعة والطاقة القطري، عبد الله بن حمد العطية، بزيارة إلى طوكيو في نوفمبر 2006، حيث وعد بتزويد اليابانيين بإمدادات مضمونة ومستقرة من الغاز الطبيعي المسال. ونتيجة لهذه الضمانات القطرية، تنفس المخططون السياسيون اليابانيون الصعداء.
صحيح أن علاقات اليابان مع المملكة العربية السعودية ليست على القدر نفسه من الإثارة التي اتسمت بها الحالة القطرية، إلا أنها علاقات مزدهرة أيضاً. فعلى الرغم من أن دولة الإمارات العربية المتحدة ظلت على مدى عشرين عاماً من (1985 إلى 2005) المصدر الرئيسي للنفط المستهلَك في اليابان، تبوأت المملكة العربية السعودية مركز الصدارة على هذا الصعيد خلال العامين الماضيين، حيث استوردت اليابان من النفط السعوي حوالي 29 في المائة من إجمالي وارداتها النفطية.
ليس هذا وحسب، بل إن هناك أيضاً شراكة عملاقة بين شركتي أرامكو السعودية وسوميتومو اليابانية للصناعات الكيميائية لبناء مجمع رابغ الصناعي للبتروكيماويات وتكرير النفط على ساحل البحر الأحمر. فقد أفادت آخر المعلومات بأن تكلفة المجمع المذكور تقدر بنحو 9.8 مليار دولار. ولذلك، تمثل هذه المنشأة أكبر مجمع للصناعات البتروكيماوية تشارك اليابان في بنائه على نطاق دول مجلس التعاون الخليجي كافة. ولا يمكن مقارنة هذا المشروع البتروكيماوي العملاق إلا بنظيره السابق الذي نفذته شركتا ميتسووي اليابانية والفاتد الإيرانية خلال سبعينات وثمانينات القرن الماضي.
لكن مشروع رابغ يمثل بالفعل أضخم الاستثمارات العديدة التي قامت بها الشركات اليابانية مؤخراً في دول مجلس التعاون الخليجي. ومع أن وتيرة هذا النوع من الصفقات قد تسارعت في الفترة الأخيرة، إلا أنه يفترض بها أن تزداد تسارعاً إثر إبرام اتفاقية التجارة الحرة بين اليابان ودول مجلس التعاون.
يستخلص من هذه الورقة أن الصورة العامة لاستراتيجية الطاقة اليابانية الراهنة متباينة المعالم، فقد أخفقت طوكيو في تحقيق أهدافها في كل من العراق وإيران. كما أن سقوط نظام صدام حسين في بغداد لم يجلب تلك الصفقات النفطية المربحة التي توقعها البعض قبل غزو العراق. وعلى النقيض من التوقعات اليابانية، فشلت السياسات الأمريكية في العراق فشلاً ذريعاً ولا يزال الغموض يلف مستقبل الوضع الداخلي هناك.
أما على صعيد إيران، فقد اختارت طوكيو ـ تحت ضغط أمريكي شديد ـ التخلي عن شراكتها المهمة مع طهران لتطوير حقل أزاديغان الضخم. ولم يتضح بعد ما إذا كانت هذه الخطوة ستقوض العلاقات اليابانية ـ الإيرانية في آخر المطاف لأنها أضافت بالفعل توترات جديدة إلى هذه العلاقات الثنائية، التي أصبحت هشة ومحدودة بعدما تميزت بالقوة والاستقرار لفترة طويلة من الزمن. ونظراً لأن اليابان تؤيد منحى الأمم المتحدة تجاه إيران، أصبحت السيطرة على مستقبل العلاقات اليابانية ـ الإيرانية عملياً بأيدٍ غير يابانية.
لكن اليابان اكتشفت مجدداً مدى أهمية توطيد علاقاتها مع دول مجلس التعاون الخليجي التي سجلت مؤخراً معظم الإنجازات اليابانية في منطقة الخليج بأسرها. لذا، ربما يميل المرء إلى الاعتقاد بأن موقع طوكيو الحالي في الخليج هو أضعف من أي وقت مضى، وأن نفوذ مجلس التعاون الخليجي في اليابان قد بلغ ذروته.
::/fulltext::
::cck::2587::/cck::
