منافسة قوية على مشروعات الطاقة في إيران

::cck::2594::/cck::
::introtext::

وقعت مؤسسة إنبكس اليابانية في فبراير 2004 اتفاقاً أولياً مع إيران لتطوير حقل أزاديغان الذي يُعَد من أكبر حقول النفط في العالم. وفي شهر أكتوبر من العام نفسه، وافقت الشركة الصينية للبتروكيماويات (سينوبيك) من حيث المبدأ على الدخول في شراكة مع شركة النفط الوطنية الإيرانية لتطوير حقل يادافاران النفطي الضخم. ومع ذلك، فبعد سنتين من ذلك، لم يتم تنفيذ أي من هاتين الصفقتين اللتين جذبتا عناوين الأخبار.

::/introtext::
::fulltext::

وقعت مؤسسة إنبكس اليابانية في فبراير 2004 اتفاقاً أولياً مع إيران لتطوير حقل أزاديغان الذي يُعَد من أكبر حقول النفط في العالم. وفي شهر أكتوبر من العام نفسه، وافقت الشركة الصينية للبتروكيماويات (سينوبيك) من حيث المبدأ على الدخول في شراكة مع شركة النفط الوطنية الإيرانية لتطوير حقل يادافاران النفطي الضخم. ومع ذلك، فبعد سنتين من ذلك، لم يتم تنفيذ أي من هاتين الصفقتين اللتين جذبتا عناوين الأخبار. كما أن التجاذبات المتعلقة بتنفيذ هذين المشروعين الضخمين تطرحان مجموعة من القضايا الاقتصادية والجيو – سياسية المتشابكة التي سنتناولها في هذا المقال. يقع حقلا أزاديغان ويادافاران النفطيان في المناطق الجنوبية الغربية من إقليم خوزستان، وهو الإقليم الرئيسي المنتج للنفط في إيران. ومن المتوقع أن يصل الإنتاج من حقل أزاديغان، الذي يزخر باحتياطيات مؤكدة، تُقدَّر بنحو 26 مليار برميل، إلى 260 ألف برميل يومياً عندما يصل الحقل إلى طاقته التشغيلية الكاملة. وتُقدَّر الاحتياطيات المؤكدة المتوافرة في حقل يادافاران بنحو 17 مليار برميل، ويمكن أن يضيف نحو 300 ألف برميل يومياً إلى الطاقة الإنتاجية الكامنة لدى إيران. ويبدو أن هذا وضع يبعث على التفاؤل بالنسبة لليابان والصين. فاليابان تحصل على 14 في المائة من حاجاتها النفطية من إيران. وعندما يبلغ حقل أزاديغان ذروة إنتاجه، فإنه سوف يغطي وحده نحو 6 في المائة من حاجات اليابان الإجمالية من الواردات النفطية. وتستشرف صفقة حقل يادافاران المقترحة تصدير 150 ألف برميل يومياً، أي نحو نصف حجم الواردات الصينية الحالية من النفط الإيراني، إلى جانب عشرة ملايين طن من الغاز الطبيعي المسال سنوياً خلال فترة العقد الممتدة على مدى 25 عاماً. ويمكن القول أيضاً إن مكاسب إيران تُعَد أكبر من مكاسب شريكيها في الصفقتين. ففي عام 2005، كانت اليابان (التي تستورد 570 ألف برميل يومياً من النفط الإيراني) والصين (التي تستورد 284.830 برميلاً يومياً من النفط الإيراني) تتجاوزان بهامش كبير العملاء الآخرين للنفط الإيراني، وتمثلان الوجهتين الرئيسيتين لصادرات النفط الإيراني الخام. وسوف يساعد مشروعا حقلي أزاديغان ويادافاران على ترسيخ هذه الشراكات في مجال الطاقة، حيث إن تنفيذ هذه المشروعات بصورة ناجحة سوف يساعد أيضاً على تنشيط قطاع صناعة الطاقة الإيراني الخامل، والذي ظل يكافح خلال العقد المنصرم للحفاظ على معدلاته الإنتاجية من الحقول العتيقة. ولن يقتصر تأثير هذه المشروعات على ضخ كميات جديدة من النفط والغاز في سوق الطاقة، وإنما سيمتد ليشمل جذب رأس المال الأجنبـي والتقنية الحديثة اللتين تحتاج إليهما إيران بشدة. ويتطلب مشروع حقل أزاديغان استثمار رؤوس أموال أجنبية تقدر بنحو ملياري دولار. وفي حالة حقل يادافاران، قد تدفع الصين مبلغاً يصل إلى نحو مائة مليار دولار نظير حصتها في المشروع وما تشتريه من كميات النفط خلال فترة سريان العقد. بالإضافة إلى ذلك، ينظر المسؤولون الإيرانيون إلى عنصر الغاز الطبيعي المسال في صفقة يادافاران بوصفه مفتاحاً لتسهيل عملية تسويق مشروع (حقل غاز جنوب فارس).غير أن المفاوضات حول مشروعي أزاديغان ويادافاران ظلت تسير بوتيرة بطيئة على مدى أكثر من سنتين. وفي الواقع، فقد قامت طهران أولاً بمنح مشروع أزاديغان لليابان خلال زيارة الرئيس السابق محمد خاتمي إلى طوكيو في عام 2000، وذلك بعد أربع سنوات من المفاوضات المعقدة والشاقة. وفي فبراير 2004، تم إعلان أن المفاوضات توصلت إلى نهاية ناجحة، وأن العمل في الحقل سيبدأ بعد سنة من ذلك، غير أن التاريخ المحدد لبدء المشروع، وهو مارس 2005، تم تمديده على نحو متكرر.ومنذ توقيع الاتفاقية الأولية، نشأت الخلافات حول حجم الأموال المستثمرة، وسعر الحديد الذي سيتم استخدامه، وحجم العمل اللازم لتطهير الألغام من المساحة التي سيُقام عليها المشروع. وفي أكتوبر 2006، وسط تقارير متضاربة، وقبيل أيام قليلة من المباحثات التي جمعت ياسوهيسا شيوزاكي، أمين عام مجلس الوزراء الياباني، ووزير النفط الإيراني السابق كاظم وزيري هامانة، أكد الوزيران أن المفاوضات المتعلقة بالمشروع لم تتعرض للانهيار. وأكدت طهران أن حصة شركة إنبكس اليابانية تم تخفيضها من 75 في المائة إلى 10 في المائة، وبذلك تم نقل مسؤولية التشغيل إلى إيران التي أضحت مسؤولة عن الإنجاز الذي سبق لليابان أن احتفت به بوصفه درة جهودها الرامية إلى تأمين إمدادات الطاقة الخارجية، والذي كان سيعوضها عن الخسارة التي تعرضت لها في عام 2000 لحقوق تشغيل حقول المنطقة المحايدة بين المملكة العربية السعودية والكويت.وعلى المنوال نفسه، توقفت المفاوضات حول مشروع حقل يادافاران، حيث تباعدت مواقف الطرفين بشأن تكلفة الصفقة. كما اختلف الجانبان حول الطاقة الإنتاجية المحتملة. وبينما سعت إيران للوصول إلى طاقة إنتاجية تبلغ 300 ألف برميل يومياً من الطاقة الإنتاجية المضمونة، كان الطرف الصيني على استعداد في المرحلة الأولية للالتزام بإنتاج 180 ألف برميل يومياً فقط. وفي ديسمبر 2005، اتفقت الصين وإيران على تأليف ثلاث مجموعات عمل تحدد طرق تنفيذ هذا المشروع والمساعدة على تسريع تنفيذ مشروعات أخرى. ومع ذلك، فإنه بعد أشهر من ذلك، كانت شركة سينوبك الصينية وشركة النفط الوطنية الإيرانية على خلاف حول تفاصيل خطة التطوير الأصلية لمشروع حقل يادافاران. وفي الوقت نفسه، كان الطرف الثالث المشارك في المشروع، وهو شركة فايديش المحدودة (أو في إل) الهندية، متردداً في توقيع اتفاقية مع الطرف الإيراني لو كان سعر الغاز الطبيعي المسال المستخرج من حقل يادافاران أكبر كثيراً من السعر الذي ترغب شركة رأس غاز (القطرية) في فرضه. وعلى الرغم من أن نائب وزير النفط الإيراني هادي نجاد حسينيان أكد أن الاتفاقية سوف تُستَكمَل بنهاية شهر نوفمبر 2006، فإننا لا نزال نتوقع تحديد تاريخ نهائي جديد.
مخاطر قطاع الطاقة والمناورات الجيوسياسيةإن الجهد الحثيث الذي بذلته إيران لتنفيذ مشروعي أزاديغان ويادافاران تم في بيئة عالمية استراتيجية تتسم بالتعقيد والتحولات المتواصلة. ولا تزال الولايات المتحدة تمثل أبرز قوة في الساحة العالمية، ولم يبرز حتى الآن أي منافس استراتيجي أو أي تحالف منظم يمكن أن يكون نداً للولايات المتحدة. ومع ذلك، فقد توسع نطاق مهمات القوات المسلحة الأمريكية على نحو متزايد، ويشهد اقتصاد أمريكا مستويات عجز ضخمة في الميزانية والتجارة الخارجية، وتعرضت صدقيتها وسمعتها الدولية إلى ضرر كبير. وفي هذه الأثناء، أصبحت الصين والهند ـ المدعومتان بتوسعهما الاقتصادي المتسارع ـ أكثر ثقة، وازداد نفوذهما المؤثر في الساحة الدولية. وعلى المنوال نفسه، فإن اليابان المدفوعة بازدهارها الاقتصادي وقيادتها السياسية القوية، تتبنى الآن دوراً أكثر فاعلية وحضوراً في القضايا الأمنية الإقليمية والدولية. وردت الولايات المتحدة على هذه التطورات الجيوسياسية بتبني سياسات تعاونية وتنافسية تجاه الصين. ولكي تتمكن الولايات المتحدة، ولو جزئياً، من منع الصين من الهيمنة على آسيا في المدى الطويل، فقد سعت إلى صياغة شراكة استراتيجية مع الهند، كما عملت على تعزيز العلاقات الأمنية الأمريكية ـ اليابانية.إن المصالح الحيوية لهذه القوى الرئيسية تتقاطع في منطقة الشرق الأوسط، وهي منطقة لا تزال في حالة اضطراب، وقد تعرض الوضع الاستراتيجي للولايات المتحدة فيها للضعف، بينما تطور الوضع الاستراتيجي لإيران على صعيد علاقاتها مع جيرانها المباشرين. وأدت هذه الظروف، بالإضافة إلى حالة السوق المحدودة في قطاع النفط مؤخراً، إلى رفع أسعار النفط العالمية إلى معدلات قياسية، وكان لها بالتالي دور في تحديد طبيعة تفكير وتصرفات كل هذه الدول الخمس. وبالنسبة إلى الصين والهند واليابان على وجه الخصوص، وهي الدول التي ازداد اعتمادها الكبير على واردات النفط من منطقة الخليج، إضافة إلى قلقها العميق من احتمالات تعرضها لمخاطر انقطاع إمدادات الطاقة، فقد قفز موضوع أمن الطاقة إلى مقدمة أجندة سياستها الخارجية. وفي الوقت نفسه، فقد مثّل الوضع الجيوسياسي الراهن وحالة سوق النفط دافعين لإيران لاستغلال موارد الطاقة لديها كوسيلة من وسائل سياستها الخارجية، وبذلك زاد نفوذها المؤثر نوعاً ما. ويمكن لنا أن نرى أثر هذه التيارات في تداعيات الأزمة الدبلوماسية التي ثارت بشأن البرنامج النووي الإيراني.وبعد تصاعد حدة الأزمة، قامت الولايات المتحدة التي ظلت تسعى منذ وقت طويل لعزل النظام في طهران عن طريق محاولة صرف الآخرين عن الدخول في مشروعات تجارية جديدة، قامت بزيادة الضغوط على الصين واليابان لكي لا تقوما بمكافأة إيران على عنادها بمواصلة العمل من أجل استكمال صفقتي حقلي أزاديغان ويادافاران. وفي المقابل، فقد سعى المسؤولون الإيرانيون لاستكمال توقيع عقود الصفقتين والبدء في مرحلة التنفيذ الفعلي للمشروعين. وهناك تفسير معقول للأسباب التي جعلت الصين واليابان، اللتين تفضلان فصل العمل التجاري عن السياسة، تتلكآن في توقيع الاتفاقيات وبدء العمل في المشروعين، وهو نفورهما من المخاطرة، ويندرج ضمن ذلك تفضيلهما تجنب الدخول في مواجهة مباشرة مع الولايات المتحدة.وقبيل انهيار صفقة شركة إنبكس بوقت قليل، شدد وزير التجارة أكاري أماري على أن الحكومة اليابانية ليست لديها أي نية للتدخل في المفاوضات. وقد يكون هذا التصريح صادقاً، غير أنه يتسم بالدهاء في الوقت نفسه. وكان تاكاو كيتاباتا نائب وزير التجارة الياباني قد صرح قبل أيام قليلة من ذلك بأن طوكيو سوف تلتزم بأي قرار صادر عن مجلس الأمن الدولي حتى لو شمل مشروع حقل أزاديغان في إطار العقوبات الاقتصادية التي سُتفرَض على طهران. ونقلت الصحافة اليابانية أن طوكيو قدمت تسريبات سرية إلى الولايات المتحدة بأنها سوف تتخلى عن الصفقة. ولكي تنفذ تعهداتها التي التزمت بها لواشنطن، فإن طوكيو بحاجة إلى عدم التدخل المباشر في المفاوضات الجارية. وفي هذا الخصوص، يكفي التذكير بحقيقة بديهية، فإذا أجاز مجلس الأمن الدولي قراراً يفرض عقوبات اقتصادية صارمة على إيران، فإن البنك الياباني للتعاون الدولي سوف يقدم قروضاً لشركة إنبكس. وسيؤدي عدم منح هذه القروض إلى شل قدرة الشركة على تمويل المشروع وجعلها شبه مستحيلة. وقبيل انهيار صفقة إنبكس بأسبوعين (في السادس عشر من سبتمبر)، فرضت الولايات المتحدة وثلاثة بنوك يابانية عقوبات على (بنك صادرات إيران)، وبذلك زادت احتمالات فرض المزيد من الإجراءات ضد إيران. علاوة على ذلك، فإن مؤسسة إنبكس (وهي جزء من مؤسسة إنبكس القابضة المتحدة) تُعَد (مؤسسة للسياسات الوطنية)، وتُعَد الحكومة اليابانية أكبر المساهمين فيها. وعلى الرغم من إعادة هيكلة هذه المؤسسة في عام 2005 لكي تتصرف بوصفها مؤسسة خاصة أكثر من كونها مؤسسة مملوكة للدولة، فإن الحكومة اليابانية لا تزال تحتفظ بسلطة حق النقض (الفيتو) على القرارات التي تصدرها الشركة.وينبغي أيضاً أن ننظر إلى المناورات الدائرة حول المشروعات المعروضة لتطوير حقول النفط في إيران في سياق العلاقة الصينية ـ اليابانية التي أصابها مؤخراً بعض التوتر. إن المنافسة المحمومة بين مؤسسات الطاقة الصينية واليابانية للحصول على إمدادات الطاقة من الخارج، تتضح جلياً في الجهود التي يبذلها الطرفان للحصول على حصص من نفط حقول سيبيريا الشرقية في روسيا ونفط إفريقيا. وفي أكثر من مناسبة، سعى المسؤولون الإيرانيون لاستغلال هذا الاعتماد على موارد الطاقة التي توفرها بلادهم وما يصاحبه من تنافس بين الأطراف المعنية. وفي نهاية أغسطس 2006 على سبيل المثال، تحدثت تقارير عن أن الشريك الإيراني في المشروع مهدي بازرجان حدد تاريخاً نهائياً لشركائه اليابانيين، وقال لهم إن لديهم 17 يوماً فقط لبدء تنفيذ مشروع حقل أزاديغان أو المخاطرة بخسارة المشروع لصالح الصينيين أو الروس.
وفي الواقع، فإن استغلال طهران لموارد الطاقة الإيرانية كأداة من أدوات سياستها الخارجية يتسع ليتجاوز مجرد محاولة استغلال التنافس الصيني ـ الياباني. وتبدو إيران مصممة على تطوير علاقة استراتيجية كاملة مع الصين، يكون هدفها الأساسي هو مواجهة الضغوط الأمريكية. ومع ازدياد حدة الضغوط الغربية على إيران، يسعى المسؤولون الإيرانيون، من خلال استغلالهم لإمكانات الطاقة التي تملكها بلادهم واستخدامها كشريان حياة سياسي للتقرب إلى الصين. ويمكن الاستشهاد هنا بالتصريحات التي أدلى بها الدكتور علي أكبر ولايتي، وزير الخارجية الإيراني السابق والمستشار الحالي للزعيم الروحي علي خامنئي، والتي قال فيها (إن الصينيين يعلمون أنه من حيث تأمين سوق لسلع بلادهم وضمان الحصول على إمدادات الطاقة، فإن ارتباطهم بمنطقة الشرق الأوسط والخليج يزداد بصورة متواصلة. وبناءً عليه، فإنه إذا قام بعض المسؤولين من دولة الصين الصديقة لنا بالنظر بعين الحذر والتحفظ عند إجراء مقارنة وموازنة مدى ثقل مصالحهم لدى الغرب من جهة والعالم الإسلامي، وخصوصاً منطقة الخليج وإيران من جهة أخرى، فإن الصينيين سوف يعملون (مستقبلاً) على اتخاذ قرارات استراتيجية بشأن مستقبلهم تتسم بقدر أكبر من التصميم والقوة). غير أن الصين تبدو مهتمة أساساً بالتجارة، وعلى الأقل، خلال الوقت الحالي، تهتم بقدر محدود من الانخراط في الشأن السياسي ـ الاستراتيجي.التفاعلات السياسية الداخليةإن تطور المفاوضات المتعلقة بمشروعي أزاديغان ويادافاران يتقاطع في نواحٍ مهمة مع التفاعلات السياسية الداخلية أيضاً. ففي فترة مبكرة، قالت التقارير إن وزير التجارة الدولية والصناعة في اليابان، هيرانوما تاكيو كان له دور رئيسي في دفع صفقة أزاديغان. ولكن بعد التعديل الوزاري الذي جرى في الثلاثين من سبتمبر الماضي، تم إعفاء هذا المؤيد القوي للمشروع من منصبه. واتخذ ناكاجاوا شويشي الذي خلفه في المنصب موقفاً مختلفاً تماماً. فقد صرح قائلاً (بالنسبة لنا تُعَد إيران مثل كوريا الشمالية، ويجب ألاّ ننجرف ونذهب بعيداً في محاولاتنا المستميتة للحصول على حقل نفطي. وفي ضوء مصلحتنا القومية، فإن القضيتين (النفط وانتشار الأسلحة النووية) ينبغي النظر إليهما بصورة متكافئة). وعلى الرغم من أن الاتفاق المبدئي بشأن مشروع حقل أزاديغان تم توقيعه في فبراير 2004، فإن وجهة نظر سويشي و(معسكر التحالف) هي التي سادت على ما يبدو في نهاية المطاف.وقد أدت الضغوط السياسية الداخلية في إيران أيضاً إلى التأثير في وتيرة ومحتوى المفاوضات المتعلقة بمشروعي أزاديغان ويادافاران. وعلى مدى أكثر من أربعة أشهر، دخل الرئيس محمود أحمدي نجاد في جدل مع أعضاء البرلمان بشأن تعيين وزير جديد للنفط. ولم تكن القضية المطروحة هي مجرد اختيار شخص لهذا المنصب، وإنما هي مسألة السيطرة على توجهات سياسات الطاقة في إيران. وهنا، كان دور شركات الطاقة الأجنبية في تطوير نفط إيران مثار جدل رئيسي، وهو الوضع الذي ظل سائداً عبر سنوات مديدة. إن نموذج الاسترجاع عن طريق (إعادة الشراء) المتبع في منح العقود، وهو النمط نفسه الذي تم في صفقتي أزاديغان ويادافاران، تم انتهاجه قبل عقد مضى بهدف تجاوز النصوص الدستورية التي تمنع منح العقود بنظام الامتيازات أو بطرح الأسهم بصفة مباشرة. وكان عضو مجلس الشورى النائب سيد نظام ملا حفيظة قد أصر على ضرورة منح مشروع حقل أزاديغان إلى شركات محلية. كما تبنى رئيس لجنة الطاقة في المجلس، كمال دانشيار، رأياً مشابهاً. وفي نهاية المطاف، أقر وزير النفط الإيراني، كاظم وزيري هامانة بأنه (إذا كان رد الفعل الياباني على تطوير هذا الحقل النفطي سلبياً، فإن عمليات التطوير سوف تبدأ عن طريق مصادر محلية). وسعت الشركة الوطنية الإيرانية لنفط الجنوب لحشد التأييد لمشاركتها في هذا المشروع. وأعلنت شركة الحفر الوطنية الإيرانية أنها تستطيع تنفيذ المشروع نظير قيمة لا تزيد على جزء من تكلفته. وبينما يبدو أن وزير النفط هامانة كان يرغب في إبقاء الباب مفتوحاً لمشاركة شركة إنبكس اليابانية، فإن المعارضين في مجلس الشورى قادوا حملة من أجل نقض العقد مع هذه الشركة. وفي الوقت نفسه، طرحت الشركات المحلية مقترحاً يدعو إلى إعداد خطة مرحلية يتم بموجبها توفير التمويل المبدئي عن طريق أحد الحسابات الاحتياطية بالعملة الأجنبية، على أن يتم تسديد تكاليف المراحل اللاحقة عن طريق الدخل العائد من صادرات الحقل نفسه.المنافسة والتعاون في مجال الطاقةيُبرهن مشروعا أزاديغان ويادافاران على أن مستهلكي الطاقة يبحثون عن تلبية حاجاتهم بوسائل، منها العون الذاتي والتعاون. وبناءً عليه، تُعَد المنافسات والتحالفات في مجال الطاقة من سمات سوق الطاقة العالمية المعاصرة.وقد قامت كل من الصين والهند واليابان بصياغة سياساتها الوطنية الخاصة بمجال الطاقة التي توجد بينها نقاط تشابه كثيرة. وأصبح تعبير (استراتيجية التوجه إلى الخارج) مألوفاً لدى معظم المراقبين الآن، ويشير هذا التعبير إلى الجهود التي تبذلها الصين لتأمين أمن الطاقة بداية من فوهة بئر النفط في مناطق الإنتاج. وقد جذبت هذه المقاربة قدراً كبيراً من الاهتمام، وكانت موضوع انتقاد في واشنطن. ويرى البعض أنها سوف تؤدي إلى رفع الأسعار، وأنها سوف تفشل حتماً. بينما عـبَّر آخرون عن قلقهم من أن هذه المقاربة من الواقعية التجارية الجديدة سوف تجعل الصين تتجه إلى المغالاة في سلوكها المضر في هذا المجال. ومع ذلك، فقد سارت اليابان والهند على النهج الصيني نوعاً ما. وعلى سبيل المثال، نجد أن استراتيجية الطاقة الوطنية الجديدة التي تتبناها اليابان تدعو إلى تعزيز العلاقات مع الدول الغنية بالموارد وتأمين موارد الطاقة في الخارج عن طريق تعزيز أوضاع شركات الطاقة المحلية الأكثر قوة ونفوذاً. كما تدعو الاستراتيجية إلى زيادة حصة (نفط هينومارو)، وتعني النفط المستخرج من مصادر خارجية، والذي يتم استيراده عبر منتجين يابانيين محليين، وتحديداً رفع هذه الحصة من 15 في المائة إلى 40 في المائة بحلول عام 2030. إن الجهود التي تبذلها شركتا إنبكس وسينوبيك لحسم أمر مشروعي أزاديغان ويادافاران تُعَد نماذج واضحة لهذا البعد التنافسي.
غير أن هناك بعداً تعاونياً أيضاً، فشركات الطاقة الصينية والهندية توحد جهودها في مشروعات مشتركة في كندا وكولومبيا وسوريا والسودان، وهي تعكف الآن على مناقشة العمل على هذا النحو نفسه في كازاخستان. وفي مشروع يادافاران المقترح، دخلت شركة سينوبك (وهي شريك بنسبة 51 في المائة) في شراكة مع شركة فايديش المحدودة (أو في إل) الهندية، وهي فرع من مؤسسة النفط والغاز الطبيعي المملوكة للدولة في الهند، والتي تملك نسبة 29 في المائة من المشروع. غير أن المنافسة بين هذه المؤسسات لم تتوقف؛ وفي الواقع، فإن هناك منافسة محمومة بينها وبين منافسيها المحليين لا تقل حدة عن المنافسة مع غيرها من الشركات الأجنبية. ومع ذلك، فهي على علم تام بفوائد الحد من ارتفاع التكاليف وتقليل المخاطر. ولقد أظهرت التجربة أن الطرف الفائز في نهاية المطاف سوف يدفع مزيداً من الأموال عندما تتنافس شركات الطاقة في عروض المناقصات التي تقدمها كل واحدة ضد الأخرى.كما تدرك الشركات مجالات التعاون الممكنة التي يمكن أن تنتج من التطوير المشترك لحقول النفط في مواقع الإنتاج الخارجية. لنأخذ على سبيل المثال حقل نفط أزاديغان الذي يتسم بتعقيدات جيولوجية، فالشركات الصينية متخلفة كثيراً مقارنة بنظيراتها الغربية في مجال القدرات التقنية المتطورة اللازمة للاستثمار في قطاع الطاقة. وفي الواقع، فإن الشركاء الصينيين والإيرانيين يبحثون عن شركات من دول أخرى (طرف ثالث)، للانضمام إليهم، وخاصة في مجال العمليات المعقدة لاستخراج الغاز الطبيعي المسال، ومنها عملية الإنتاج في مشروع حقل يادافاران. وفي الواقع، هناك عدد محدود من المقاولين الدوليين القادرين على بناء المنشآت المطلوبة. وباختصار، فإن عملية تقديم عروض المناقصات المشتركة والتعاون بين الشركات ليست مجرد مصطلحات جوفاء، وإنما أصبحت ممارسات معروفة على نطاق واسع.وأخيراً بعد أكثر من سنتين من التوصل إلى الاتفاقيات المبدئية، لا تزال المشروعات الخاصة بتطوير حقلي نفط أزاديغان ويادافاران في إيران في مرحلة البداية. فليست هناك أي أموال، ولم يبدأ أي نوع من العمل الميداني فيهما. وعندما تم وضع التصور الخاص بهذين المشروعين كان المشاركون يعملون من منطلق الافتراض العام بأن تطوير هذه الحقول سوف يخدم المصلحة الخاصة بكل طرف منهم. وإذا نظرنا إلى هذه المشروعات بوصفها آليات يستغلها المشاركون للاستفادة من حاجاتهم وإمكاناتهم المكملة لبعضها البعض في قطاع الطاقة، يمكننا القول إن الافتراض المشار إليه آنفاً كان ولا يزال صحيحاً حتى الآن.غير أن المفاوضات الخاصة بحل نقاط الاختلاف المتعلقة بالقضايا الفنية والمالية كانت صعبة على نحو يدعو إلى الاستياء، وزاد من صعوبتها تدخل الضغوط السياسية الداخلية والعوامل الجيوسياسية. ومن المعروف أن الأطراف المعنية الرئيسية هنا هي دول وشركات، أي أنها مؤسسات طاقة مملوكة جزئياً، إن لم تكن مملوكة كلياً للدول التي تسيطر عليها. وبناءً عليه، فإن الدوافع الاستراتيجية قد أثرت في سلوك الشركات، كما أثرت في الصراع الدائر بشأن تنفيذ المشروعات نفسها. ومع ذلك، فإن حالتي مشروعي أزاديغان ويادافاران تكشف لنا أن سلوك شركاء إيران الخارجيين كان موجهاً أيضاً باعتبارات تجارية، وبحسابات الربح ومخاطر الأعمال والقيود التقنية. وبناءً عليه، لا يمكن أن نَعُدَّها مجرد أدوات لسلطة الدولة ونفوذها. كما لا يمكن أن نرى طبيعة مشاركة هذه الأطراف وحجم المشاركة نفسه في هذه المشروعات مجرد تجسيد للسياسات الخارجية والأمنية.إن القصة المعقدة لمشروعي أزاديغان ويادافاران توضح لنا بصورة تفصيلية أن الظروف الجيوسياسية العالمية وأوضاع أسواق الطاقة لا تزال في حالة تغير متواصل. كما أن البيئة الحالية هي بيئة تشهد ممارسة فعلية آنية للتفاعل القائم بين التمسك بوطنية موارد الطاقة والتعاون العابر للحدود في مجال الطاقة. وهي بيئة تتسم بتناقض التوجهات والدوافع، وبتجاذبات قوى السوق، حيث يتم عزل العمل في قطاع الطاقة عن مقتضيات السياسة والعوامل الجيوسياسية وضغوط الضرورات الاستراتيجية التي تستخدم فيها موارد الطاقة لتحقيق أهداف جيوسياسية بحتة. وهذه بيئة لم نتوصل فيها حتى الآن، وهذا أمر طبيعي، إلى تحديد الفائزين والخاسرين في الصراع حول مشروعي أزاديغان ويادافاران، تماماً كما هو الحال في الصراعات الأخرى التي تجري على نطاق أوسع لتأمين أمن الطاقة وتحقيق الأفضلية الجيوسياسية.

::/fulltext::

Getting your Trinity Audio player ready...

::cck::2594::/cck::
::introtext::

وقعت مؤسسة إنبكس اليابانية في فبراير 2004 اتفاقاً أولياً مع إيران لتطوير حقل أزاديغان الذي يُعَد من أكبر حقول النفط في العالم. وفي شهر أكتوبر من العام نفسه، وافقت الشركة الصينية للبتروكيماويات (سينوبيك) من حيث المبدأ على الدخول في شراكة مع شركة النفط الوطنية الإيرانية لتطوير حقل يادافاران النفطي الضخم. ومع ذلك، فبعد سنتين من ذلك، لم يتم تنفيذ أي من هاتين الصفقتين اللتين جذبتا عناوين الأخبار.

::/introtext::
::fulltext::

وقعت مؤسسة إنبكس اليابانية في فبراير 2004 اتفاقاً أولياً مع إيران لتطوير حقل أزاديغان الذي يُعَد من أكبر حقول النفط في العالم. وفي شهر أكتوبر من العام نفسه، وافقت الشركة الصينية للبتروكيماويات (سينوبيك) من حيث المبدأ على الدخول في شراكة مع شركة النفط الوطنية الإيرانية لتطوير حقل يادافاران النفطي الضخم. ومع ذلك، فبعد سنتين من ذلك، لم يتم تنفيذ أي من هاتين الصفقتين اللتين جذبتا عناوين الأخبار. كما أن التجاذبات المتعلقة بتنفيذ هذين المشروعين الضخمين تطرحان مجموعة من القضايا الاقتصادية والجيو – سياسية المتشابكة التي سنتناولها في هذا المقال. يقع حقلا أزاديغان ويادافاران النفطيان في المناطق الجنوبية الغربية من إقليم خوزستان، وهو الإقليم الرئيسي المنتج للنفط في إيران. ومن المتوقع أن يصل الإنتاج من حقل أزاديغان، الذي يزخر باحتياطيات مؤكدة، تُقدَّر بنحو 26 مليار برميل، إلى 260 ألف برميل يومياً عندما يصل الحقل إلى طاقته التشغيلية الكاملة. وتُقدَّر الاحتياطيات المؤكدة المتوافرة في حقل يادافاران بنحو 17 مليار برميل، ويمكن أن يضيف نحو 300 ألف برميل يومياً إلى الطاقة الإنتاجية الكامنة لدى إيران. ويبدو أن هذا وضع يبعث على التفاؤل بالنسبة لليابان والصين. فاليابان تحصل على 14 في المائة من حاجاتها النفطية من إيران. وعندما يبلغ حقل أزاديغان ذروة إنتاجه، فإنه سوف يغطي وحده نحو 6 في المائة من حاجات اليابان الإجمالية من الواردات النفطية. وتستشرف صفقة حقل يادافاران المقترحة تصدير 150 ألف برميل يومياً، أي نحو نصف حجم الواردات الصينية الحالية من النفط الإيراني، إلى جانب عشرة ملايين طن من الغاز الطبيعي المسال سنوياً خلال فترة العقد الممتدة على مدى 25 عاماً. ويمكن القول أيضاً إن مكاسب إيران تُعَد أكبر من مكاسب شريكيها في الصفقتين. ففي عام 2005، كانت اليابان (التي تستورد 570 ألف برميل يومياً من النفط الإيراني) والصين (التي تستورد 284.830 برميلاً يومياً من النفط الإيراني) تتجاوزان بهامش كبير العملاء الآخرين للنفط الإيراني، وتمثلان الوجهتين الرئيسيتين لصادرات النفط الإيراني الخام. وسوف يساعد مشروعا حقلي أزاديغان ويادافاران على ترسيخ هذه الشراكات في مجال الطاقة، حيث إن تنفيذ هذه المشروعات بصورة ناجحة سوف يساعد أيضاً على تنشيط قطاع صناعة الطاقة الإيراني الخامل، والذي ظل يكافح خلال العقد المنصرم للحفاظ على معدلاته الإنتاجية من الحقول العتيقة. ولن يقتصر تأثير هذه المشروعات على ضخ كميات جديدة من النفط والغاز في سوق الطاقة، وإنما سيمتد ليشمل جذب رأس المال الأجنبـي والتقنية الحديثة اللتين تحتاج إليهما إيران بشدة. ويتطلب مشروع حقل أزاديغان استثمار رؤوس أموال أجنبية تقدر بنحو ملياري دولار. وفي حالة حقل يادافاران، قد تدفع الصين مبلغاً يصل إلى نحو مائة مليار دولار نظير حصتها في المشروع وما تشتريه من كميات النفط خلال فترة سريان العقد. بالإضافة إلى ذلك، ينظر المسؤولون الإيرانيون إلى عنصر الغاز الطبيعي المسال في صفقة يادافاران بوصفه مفتاحاً لتسهيل عملية تسويق مشروع (حقل غاز جنوب فارس).غير أن المفاوضات حول مشروعي أزاديغان ويادافاران ظلت تسير بوتيرة بطيئة على مدى أكثر من سنتين. وفي الواقع، فقد قامت طهران أولاً بمنح مشروع أزاديغان لليابان خلال زيارة الرئيس السابق محمد خاتمي إلى طوكيو في عام 2000، وذلك بعد أربع سنوات من المفاوضات المعقدة والشاقة. وفي فبراير 2004، تم إعلان أن المفاوضات توصلت إلى نهاية ناجحة، وأن العمل في الحقل سيبدأ بعد سنة من ذلك، غير أن التاريخ المحدد لبدء المشروع، وهو مارس 2005، تم تمديده على نحو متكرر.ومنذ توقيع الاتفاقية الأولية، نشأت الخلافات حول حجم الأموال المستثمرة، وسعر الحديد الذي سيتم استخدامه، وحجم العمل اللازم لتطهير الألغام من المساحة التي سيُقام عليها المشروع. وفي أكتوبر 2006، وسط تقارير متضاربة، وقبيل أيام قليلة من المباحثات التي جمعت ياسوهيسا شيوزاكي، أمين عام مجلس الوزراء الياباني، ووزير النفط الإيراني السابق كاظم وزيري هامانة، أكد الوزيران أن المفاوضات المتعلقة بالمشروع لم تتعرض للانهيار. وأكدت طهران أن حصة شركة إنبكس اليابانية تم تخفيضها من 75 في المائة إلى 10 في المائة، وبذلك تم نقل مسؤولية التشغيل إلى إيران التي أضحت مسؤولة عن الإنجاز الذي سبق لليابان أن احتفت به بوصفه درة جهودها الرامية إلى تأمين إمدادات الطاقة الخارجية، والذي كان سيعوضها عن الخسارة التي تعرضت لها في عام 2000 لحقوق تشغيل حقول المنطقة المحايدة بين المملكة العربية السعودية والكويت.وعلى المنوال نفسه، توقفت المفاوضات حول مشروع حقل يادافاران، حيث تباعدت مواقف الطرفين بشأن تكلفة الصفقة. كما اختلف الجانبان حول الطاقة الإنتاجية المحتملة. وبينما سعت إيران للوصول إلى طاقة إنتاجية تبلغ 300 ألف برميل يومياً من الطاقة الإنتاجية المضمونة، كان الطرف الصيني على استعداد في المرحلة الأولية للالتزام بإنتاج 180 ألف برميل يومياً فقط. وفي ديسمبر 2005، اتفقت الصين وإيران على تأليف ثلاث مجموعات عمل تحدد طرق تنفيذ هذا المشروع والمساعدة على تسريع تنفيذ مشروعات أخرى. ومع ذلك، فإنه بعد أشهر من ذلك، كانت شركة سينوبك الصينية وشركة النفط الوطنية الإيرانية على خلاف حول تفاصيل خطة التطوير الأصلية لمشروع حقل يادافاران. وفي الوقت نفسه، كان الطرف الثالث المشارك في المشروع، وهو شركة فايديش المحدودة (أو في إل) الهندية، متردداً في توقيع اتفاقية مع الطرف الإيراني لو كان سعر الغاز الطبيعي المسال المستخرج من حقل يادافاران أكبر كثيراً من السعر الذي ترغب شركة رأس غاز (القطرية) في فرضه. وعلى الرغم من أن نائب وزير النفط الإيراني هادي نجاد حسينيان أكد أن الاتفاقية سوف تُستَكمَل بنهاية شهر نوفمبر 2006، فإننا لا نزال نتوقع تحديد تاريخ نهائي جديد.
مخاطر قطاع الطاقة والمناورات الجيوسياسيةإن الجهد الحثيث الذي بذلته إيران لتنفيذ مشروعي أزاديغان ويادافاران تم في بيئة عالمية استراتيجية تتسم بالتعقيد والتحولات المتواصلة. ولا تزال الولايات المتحدة تمثل أبرز قوة في الساحة العالمية، ولم يبرز حتى الآن أي منافس استراتيجي أو أي تحالف منظم يمكن أن يكون نداً للولايات المتحدة. ومع ذلك، فقد توسع نطاق مهمات القوات المسلحة الأمريكية على نحو متزايد، ويشهد اقتصاد أمريكا مستويات عجز ضخمة في الميزانية والتجارة الخارجية، وتعرضت صدقيتها وسمعتها الدولية إلى ضرر كبير. وفي هذه الأثناء، أصبحت الصين والهند ـ المدعومتان بتوسعهما الاقتصادي المتسارع ـ أكثر ثقة، وازداد نفوذهما المؤثر في الساحة الدولية. وعلى المنوال نفسه، فإن اليابان المدفوعة بازدهارها الاقتصادي وقيادتها السياسية القوية، تتبنى الآن دوراً أكثر فاعلية وحضوراً في القضايا الأمنية الإقليمية والدولية. وردت الولايات المتحدة على هذه التطورات الجيوسياسية بتبني سياسات تعاونية وتنافسية تجاه الصين. ولكي تتمكن الولايات المتحدة، ولو جزئياً، من منع الصين من الهيمنة على آسيا في المدى الطويل، فقد سعت إلى صياغة شراكة استراتيجية مع الهند، كما عملت على تعزيز العلاقات الأمنية الأمريكية ـ اليابانية.إن المصالح الحيوية لهذه القوى الرئيسية تتقاطع في منطقة الشرق الأوسط، وهي منطقة لا تزال في حالة اضطراب، وقد تعرض الوضع الاستراتيجي للولايات المتحدة فيها للضعف، بينما تطور الوضع الاستراتيجي لإيران على صعيد علاقاتها مع جيرانها المباشرين. وأدت هذه الظروف، بالإضافة إلى حالة السوق المحدودة في قطاع النفط مؤخراً، إلى رفع أسعار النفط العالمية إلى معدلات قياسية، وكان لها بالتالي دور في تحديد طبيعة تفكير وتصرفات كل هذه الدول الخمس. وبالنسبة إلى الصين والهند واليابان على وجه الخصوص، وهي الدول التي ازداد اعتمادها الكبير على واردات النفط من منطقة الخليج، إضافة إلى قلقها العميق من احتمالات تعرضها لمخاطر انقطاع إمدادات الطاقة، فقد قفز موضوع أمن الطاقة إلى مقدمة أجندة سياستها الخارجية. وفي الوقت نفسه، فقد مثّل الوضع الجيوسياسي الراهن وحالة سوق النفط دافعين لإيران لاستغلال موارد الطاقة لديها كوسيلة من وسائل سياستها الخارجية، وبذلك زاد نفوذها المؤثر نوعاً ما. ويمكن لنا أن نرى أثر هذه التيارات في تداعيات الأزمة الدبلوماسية التي ثارت بشأن البرنامج النووي الإيراني.وبعد تصاعد حدة الأزمة، قامت الولايات المتحدة التي ظلت تسعى منذ وقت طويل لعزل النظام في طهران عن طريق محاولة صرف الآخرين عن الدخول في مشروعات تجارية جديدة، قامت بزيادة الضغوط على الصين واليابان لكي لا تقوما بمكافأة إيران على عنادها بمواصلة العمل من أجل استكمال صفقتي حقلي أزاديغان ويادافاران. وفي المقابل، فقد سعى المسؤولون الإيرانيون لاستكمال توقيع عقود الصفقتين والبدء في مرحلة التنفيذ الفعلي للمشروعين. وهناك تفسير معقول للأسباب التي جعلت الصين واليابان، اللتين تفضلان فصل العمل التجاري عن السياسة، تتلكآن في توقيع الاتفاقيات وبدء العمل في المشروعين، وهو نفورهما من المخاطرة، ويندرج ضمن ذلك تفضيلهما تجنب الدخول في مواجهة مباشرة مع الولايات المتحدة.وقبيل انهيار صفقة شركة إنبكس بوقت قليل، شدد وزير التجارة أكاري أماري على أن الحكومة اليابانية ليست لديها أي نية للتدخل في المفاوضات. وقد يكون هذا التصريح صادقاً، غير أنه يتسم بالدهاء في الوقت نفسه. وكان تاكاو كيتاباتا نائب وزير التجارة الياباني قد صرح قبل أيام قليلة من ذلك بأن طوكيو سوف تلتزم بأي قرار صادر عن مجلس الأمن الدولي حتى لو شمل مشروع حقل أزاديغان في إطار العقوبات الاقتصادية التي سُتفرَض على طهران. ونقلت الصحافة اليابانية أن طوكيو قدمت تسريبات سرية إلى الولايات المتحدة بأنها سوف تتخلى عن الصفقة. ولكي تنفذ تعهداتها التي التزمت بها لواشنطن، فإن طوكيو بحاجة إلى عدم التدخل المباشر في المفاوضات الجارية. وفي هذا الخصوص، يكفي التذكير بحقيقة بديهية، فإذا أجاز مجلس الأمن الدولي قراراً يفرض عقوبات اقتصادية صارمة على إيران، فإن البنك الياباني للتعاون الدولي سوف يقدم قروضاً لشركة إنبكس. وسيؤدي عدم منح هذه القروض إلى شل قدرة الشركة على تمويل المشروع وجعلها شبه مستحيلة. وقبيل انهيار صفقة إنبكس بأسبوعين (في السادس عشر من سبتمبر)، فرضت الولايات المتحدة وثلاثة بنوك يابانية عقوبات على (بنك صادرات إيران)، وبذلك زادت احتمالات فرض المزيد من الإجراءات ضد إيران. علاوة على ذلك، فإن مؤسسة إنبكس (وهي جزء من مؤسسة إنبكس القابضة المتحدة) تُعَد (مؤسسة للسياسات الوطنية)، وتُعَد الحكومة اليابانية أكبر المساهمين فيها. وعلى الرغم من إعادة هيكلة هذه المؤسسة في عام 2005 لكي تتصرف بوصفها مؤسسة خاصة أكثر من كونها مؤسسة مملوكة للدولة، فإن الحكومة اليابانية لا تزال تحتفظ بسلطة حق النقض (الفيتو) على القرارات التي تصدرها الشركة.وينبغي أيضاً أن ننظر إلى المناورات الدائرة حول المشروعات المعروضة لتطوير حقول النفط في إيران في سياق العلاقة الصينية ـ اليابانية التي أصابها مؤخراً بعض التوتر. إن المنافسة المحمومة بين مؤسسات الطاقة الصينية واليابانية للحصول على إمدادات الطاقة من الخارج، تتضح جلياً في الجهود التي يبذلها الطرفان للحصول على حصص من نفط حقول سيبيريا الشرقية في روسيا ونفط إفريقيا. وفي أكثر من مناسبة، سعى المسؤولون الإيرانيون لاستغلال هذا الاعتماد على موارد الطاقة التي توفرها بلادهم وما يصاحبه من تنافس بين الأطراف المعنية. وفي نهاية أغسطس 2006 على سبيل المثال، تحدثت تقارير عن أن الشريك الإيراني في المشروع مهدي بازرجان حدد تاريخاً نهائياً لشركائه اليابانيين، وقال لهم إن لديهم 17 يوماً فقط لبدء تنفيذ مشروع حقل أزاديغان أو المخاطرة بخسارة المشروع لصالح الصينيين أو الروس.
وفي الواقع، فإن استغلال طهران لموارد الطاقة الإيرانية كأداة من أدوات سياستها الخارجية يتسع ليتجاوز مجرد محاولة استغلال التنافس الصيني ـ الياباني. وتبدو إيران مصممة على تطوير علاقة استراتيجية كاملة مع الصين، يكون هدفها الأساسي هو مواجهة الضغوط الأمريكية. ومع ازدياد حدة الضغوط الغربية على إيران، يسعى المسؤولون الإيرانيون، من خلال استغلالهم لإمكانات الطاقة التي تملكها بلادهم واستخدامها كشريان حياة سياسي للتقرب إلى الصين. ويمكن الاستشهاد هنا بالتصريحات التي أدلى بها الدكتور علي أكبر ولايتي، وزير الخارجية الإيراني السابق والمستشار الحالي للزعيم الروحي علي خامنئي، والتي قال فيها (إن الصينيين يعلمون أنه من حيث تأمين سوق لسلع بلادهم وضمان الحصول على إمدادات الطاقة، فإن ارتباطهم بمنطقة الشرق الأوسط والخليج يزداد بصورة متواصلة. وبناءً عليه، فإنه إذا قام بعض المسؤولين من دولة الصين الصديقة لنا بالنظر بعين الحذر والتحفظ عند إجراء مقارنة وموازنة مدى ثقل مصالحهم لدى الغرب من جهة والعالم الإسلامي، وخصوصاً منطقة الخليج وإيران من جهة أخرى، فإن الصينيين سوف يعملون (مستقبلاً) على اتخاذ قرارات استراتيجية بشأن مستقبلهم تتسم بقدر أكبر من التصميم والقوة). غير أن الصين تبدو مهتمة أساساً بالتجارة، وعلى الأقل، خلال الوقت الحالي، تهتم بقدر محدود من الانخراط في الشأن السياسي ـ الاستراتيجي.التفاعلات السياسية الداخليةإن تطور المفاوضات المتعلقة بمشروعي أزاديغان ويادافاران يتقاطع في نواحٍ مهمة مع التفاعلات السياسية الداخلية أيضاً. ففي فترة مبكرة، قالت التقارير إن وزير التجارة الدولية والصناعة في اليابان، هيرانوما تاكيو كان له دور رئيسي في دفع صفقة أزاديغان. ولكن بعد التعديل الوزاري الذي جرى في الثلاثين من سبتمبر الماضي، تم إعفاء هذا المؤيد القوي للمشروع من منصبه. واتخذ ناكاجاوا شويشي الذي خلفه في المنصب موقفاً مختلفاً تماماً. فقد صرح قائلاً (بالنسبة لنا تُعَد إيران مثل كوريا الشمالية، ويجب ألاّ ننجرف ونذهب بعيداً في محاولاتنا المستميتة للحصول على حقل نفطي. وفي ضوء مصلحتنا القومية، فإن القضيتين (النفط وانتشار الأسلحة النووية) ينبغي النظر إليهما بصورة متكافئة). وعلى الرغم من أن الاتفاق المبدئي بشأن مشروع حقل أزاديغان تم توقيعه في فبراير 2004، فإن وجهة نظر سويشي و(معسكر التحالف) هي التي سادت على ما يبدو في نهاية المطاف.وقد أدت الضغوط السياسية الداخلية في إيران أيضاً إلى التأثير في وتيرة ومحتوى المفاوضات المتعلقة بمشروعي أزاديغان ويادافاران. وعلى مدى أكثر من أربعة أشهر، دخل الرئيس محمود أحمدي نجاد في جدل مع أعضاء البرلمان بشأن تعيين وزير جديد للنفط. ولم تكن القضية المطروحة هي مجرد اختيار شخص لهذا المنصب، وإنما هي مسألة السيطرة على توجهات سياسات الطاقة في إيران. وهنا، كان دور شركات الطاقة الأجنبية في تطوير نفط إيران مثار جدل رئيسي، وهو الوضع الذي ظل سائداً عبر سنوات مديدة. إن نموذج الاسترجاع عن طريق (إعادة الشراء) المتبع في منح العقود، وهو النمط نفسه الذي تم في صفقتي أزاديغان ويادافاران، تم انتهاجه قبل عقد مضى بهدف تجاوز النصوص الدستورية التي تمنع منح العقود بنظام الامتيازات أو بطرح الأسهم بصفة مباشرة. وكان عضو مجلس الشورى النائب سيد نظام ملا حفيظة قد أصر على ضرورة منح مشروع حقل أزاديغان إلى شركات محلية. كما تبنى رئيس لجنة الطاقة في المجلس، كمال دانشيار، رأياً مشابهاً. وفي نهاية المطاف، أقر وزير النفط الإيراني، كاظم وزيري هامانة بأنه (إذا كان رد الفعل الياباني على تطوير هذا الحقل النفطي سلبياً، فإن عمليات التطوير سوف تبدأ عن طريق مصادر محلية). وسعت الشركة الوطنية الإيرانية لنفط الجنوب لحشد التأييد لمشاركتها في هذا المشروع. وأعلنت شركة الحفر الوطنية الإيرانية أنها تستطيع تنفيذ المشروع نظير قيمة لا تزيد على جزء من تكلفته. وبينما يبدو أن وزير النفط هامانة كان يرغب في إبقاء الباب مفتوحاً لمشاركة شركة إنبكس اليابانية، فإن المعارضين في مجلس الشورى قادوا حملة من أجل نقض العقد مع هذه الشركة. وفي الوقت نفسه، طرحت الشركات المحلية مقترحاً يدعو إلى إعداد خطة مرحلية يتم بموجبها توفير التمويل المبدئي عن طريق أحد الحسابات الاحتياطية بالعملة الأجنبية، على أن يتم تسديد تكاليف المراحل اللاحقة عن طريق الدخل العائد من صادرات الحقل نفسه.المنافسة والتعاون في مجال الطاقةيُبرهن مشروعا أزاديغان ويادافاران على أن مستهلكي الطاقة يبحثون عن تلبية حاجاتهم بوسائل، منها العون الذاتي والتعاون. وبناءً عليه، تُعَد المنافسات والتحالفات في مجال الطاقة من سمات سوق الطاقة العالمية المعاصرة.وقد قامت كل من الصين والهند واليابان بصياغة سياساتها الوطنية الخاصة بمجال الطاقة التي توجد بينها نقاط تشابه كثيرة. وأصبح تعبير (استراتيجية التوجه إلى الخارج) مألوفاً لدى معظم المراقبين الآن، ويشير هذا التعبير إلى الجهود التي تبذلها الصين لتأمين أمن الطاقة بداية من فوهة بئر النفط في مناطق الإنتاج. وقد جذبت هذه المقاربة قدراً كبيراً من الاهتمام، وكانت موضوع انتقاد في واشنطن. ويرى البعض أنها سوف تؤدي إلى رفع الأسعار، وأنها سوف تفشل حتماً. بينما عـبَّر آخرون عن قلقهم من أن هذه المقاربة من الواقعية التجارية الجديدة سوف تجعل الصين تتجه إلى المغالاة في سلوكها المضر في هذا المجال. ومع ذلك، فقد سارت اليابان والهند على النهج الصيني نوعاً ما. وعلى سبيل المثال، نجد أن استراتيجية الطاقة الوطنية الجديدة التي تتبناها اليابان تدعو إلى تعزيز العلاقات مع الدول الغنية بالموارد وتأمين موارد الطاقة في الخارج عن طريق تعزيز أوضاع شركات الطاقة المحلية الأكثر قوة ونفوذاً. كما تدعو الاستراتيجية إلى زيادة حصة (نفط هينومارو)، وتعني النفط المستخرج من مصادر خارجية، والذي يتم استيراده عبر منتجين يابانيين محليين، وتحديداً رفع هذه الحصة من 15 في المائة إلى 40 في المائة بحلول عام 2030. إن الجهود التي تبذلها شركتا إنبكس وسينوبيك لحسم أمر مشروعي أزاديغان ويادافاران تُعَد نماذج واضحة لهذا البعد التنافسي.
غير أن هناك بعداً تعاونياً أيضاً، فشركات الطاقة الصينية والهندية توحد جهودها في مشروعات مشتركة في كندا وكولومبيا وسوريا والسودان، وهي تعكف الآن على مناقشة العمل على هذا النحو نفسه في كازاخستان. وفي مشروع يادافاران المقترح، دخلت شركة سينوبك (وهي شريك بنسبة 51 في المائة) في شراكة مع شركة فايديش المحدودة (أو في إل) الهندية، وهي فرع من مؤسسة النفط والغاز الطبيعي المملوكة للدولة في الهند، والتي تملك نسبة 29 في المائة من المشروع. غير أن المنافسة بين هذه المؤسسات لم تتوقف؛ وفي الواقع، فإن هناك منافسة محمومة بينها وبين منافسيها المحليين لا تقل حدة عن المنافسة مع غيرها من الشركات الأجنبية. ومع ذلك، فهي على علم تام بفوائد الحد من ارتفاع التكاليف وتقليل المخاطر. ولقد أظهرت التجربة أن الطرف الفائز في نهاية المطاف سوف يدفع مزيداً من الأموال عندما تتنافس شركات الطاقة في عروض المناقصات التي تقدمها كل واحدة ضد الأخرى.كما تدرك الشركات مجالات التعاون الممكنة التي يمكن أن تنتج من التطوير المشترك لحقول النفط في مواقع الإنتاج الخارجية. لنأخذ على سبيل المثال حقل نفط أزاديغان الذي يتسم بتعقيدات جيولوجية، فالشركات الصينية متخلفة كثيراً مقارنة بنظيراتها الغربية في مجال القدرات التقنية المتطورة اللازمة للاستثمار في قطاع الطاقة. وفي الواقع، فإن الشركاء الصينيين والإيرانيين يبحثون عن شركات من دول أخرى (طرف ثالث)، للانضمام إليهم، وخاصة في مجال العمليات المعقدة لاستخراج الغاز الطبيعي المسال، ومنها عملية الإنتاج في مشروع حقل يادافاران. وفي الواقع، هناك عدد محدود من المقاولين الدوليين القادرين على بناء المنشآت المطلوبة. وباختصار، فإن عملية تقديم عروض المناقصات المشتركة والتعاون بين الشركات ليست مجرد مصطلحات جوفاء، وإنما أصبحت ممارسات معروفة على نطاق واسع.وأخيراً بعد أكثر من سنتين من التوصل إلى الاتفاقيات المبدئية، لا تزال المشروعات الخاصة بتطوير حقلي نفط أزاديغان ويادافاران في إيران في مرحلة البداية. فليست هناك أي أموال، ولم يبدأ أي نوع من العمل الميداني فيهما. وعندما تم وضع التصور الخاص بهذين المشروعين كان المشاركون يعملون من منطلق الافتراض العام بأن تطوير هذه الحقول سوف يخدم المصلحة الخاصة بكل طرف منهم. وإذا نظرنا إلى هذه المشروعات بوصفها آليات يستغلها المشاركون للاستفادة من حاجاتهم وإمكاناتهم المكملة لبعضها البعض في قطاع الطاقة، يمكننا القول إن الافتراض المشار إليه آنفاً كان ولا يزال صحيحاً حتى الآن.غير أن المفاوضات الخاصة بحل نقاط الاختلاف المتعلقة بالقضايا الفنية والمالية كانت صعبة على نحو يدعو إلى الاستياء، وزاد من صعوبتها تدخل الضغوط السياسية الداخلية والعوامل الجيوسياسية. ومن المعروف أن الأطراف المعنية الرئيسية هنا هي دول وشركات، أي أنها مؤسسات طاقة مملوكة جزئياً، إن لم تكن مملوكة كلياً للدول التي تسيطر عليها. وبناءً عليه، فإن الدوافع الاستراتيجية قد أثرت في سلوك الشركات، كما أثرت في الصراع الدائر بشأن تنفيذ المشروعات نفسها. ومع ذلك، فإن حالتي مشروعي أزاديغان ويادافاران تكشف لنا أن سلوك شركاء إيران الخارجيين كان موجهاً أيضاً باعتبارات تجارية، وبحسابات الربح ومخاطر الأعمال والقيود التقنية. وبناءً عليه، لا يمكن أن نَعُدَّها مجرد أدوات لسلطة الدولة ونفوذها. كما لا يمكن أن نرى طبيعة مشاركة هذه الأطراف وحجم المشاركة نفسه في هذه المشروعات مجرد تجسيد للسياسات الخارجية والأمنية.إن القصة المعقدة لمشروعي أزاديغان ويادافاران توضح لنا بصورة تفصيلية أن الظروف الجيوسياسية العالمية وأوضاع أسواق الطاقة لا تزال في حالة تغير متواصل. كما أن البيئة الحالية هي بيئة تشهد ممارسة فعلية آنية للتفاعل القائم بين التمسك بوطنية موارد الطاقة والتعاون العابر للحدود في مجال الطاقة. وهي بيئة تتسم بتناقض التوجهات والدوافع، وبتجاذبات قوى السوق، حيث يتم عزل العمل في قطاع الطاقة عن مقتضيات السياسة والعوامل الجيوسياسية وضغوط الضرورات الاستراتيجية التي تستخدم فيها موارد الطاقة لتحقيق أهداف جيوسياسية بحتة. وهذه بيئة لم نتوصل فيها حتى الآن، وهذا أمر طبيعي، إلى تحديد الفائزين والخاسرين في الصراع حول مشروعي أزاديغان ويادافاران، تماماً كما هو الحال في الصراعات الأخرى التي تجري على نطاق أوسع لتأمين أمن الطاقة وتحقيق الأفضلية الجيوسياسية.

::/fulltext::
::cck::2594::/cck::

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *