الحضور الثقافي الآسيوي في الخليج العربي
::cck::2601::/cck::
::introtext::
لا يخفى على كل عين بصيرة، وأذن سميعة، وعقل فهيم، أن الحضور الثقافي الآسيوي في بلدان الخليج العربي وصل من التمكن والنفوذ إلى حد إثارة خوف عميق لدى البعض على الهوية العربية للخليج، لكن أحداً لم يفكر في الاتجاه المغاير، الذي يصنع من عادات وتقاليد وأنماط فكر الآسيويين عنصراً مضافاً للثقافة العربية الخليجية، حين يتم هضمها في الموروث الثقافي الخليجي، على غرار ما جرى في مطلع الحضارة العربية ـ الإسلامية حين ساهم غير العرب من الفرس والأتراك وسكان بلاد ما وراء النهر في المنتج الحضاري الإسلامي، بشكل كبير، أفاد العرب أنفسهم، وأعطى حضارتهم التي دارت شكلاً ومضموناً حول الإسلام عمقاً ورسوخاً ظاهراً.
::/introtext::
::fulltext::
لا يخفى على كل عين بصيرة، وأذن سميعة، وعقل فهيم، أن الحضور الثقافي الآسيوي في بلدان الخليج العربي وصل من التمكن والنفوذ إلى حد إثارة خوف عميق لدى البعض على الهوية العربية للخليج، لكن أحداً لم يفكر في الاتجاه المغاير، الذي يصنع من عادات وتقاليد وأنماط فكر الآسيويين عنصراً مضافاً للثقافة العربية الخليجية، حين يتم هضمها في الموروث الثقافي الخليجي، على غرار ما جرى في مطلع الحضارة العربية ـ الإسلامية حين ساهم غير العرب من الفرس والأتراك وسكان بلاد ما وراء النهر في المنتج الحضاري الإسلامي، بشكل كبير، أفاد العرب أنفسهم، وأعطى حضارتهم التي دارت شكلاً ومضموناً حول الإسلام عمقاً ورسوخاً ظاهراً.
لم يتبين إلى الآن أن هناك خطة لاستغلال المجال الثقافي المشترك بين الخليج وآسيا، بما يحافظ على صورة كل منهما لدى الآخر جلية من دون جروح أو خدوش، وبما يصون الطابع الوطني الصحيح لكلا الطرفين، ويحول دون امتداد التشويه المنظم للصورة العربية في نظر الآسيويين، جراء نشاط القوى المعادية للعرب، التي تبذل جهداً مفضوحاً لربط الإرهاب بالعرب والمسلمين.
لكن غلبة الرؤية المتشائمة على المتفائلة حيال الثقافة الآسيوية في الخليج لا تنبني على فراغ، إنما على عوامل موضوعية، تجعل كثيرين يطمئنون إلى وجهة نظرهم التي تنادي بضرورة اتخاذ ما يلزم حيال الحفاظ على هوية الخليج العربي المهددة. فالآسيويون أصبحوا في بعض البلدان الخليجية الأكثر عدداً مقارنة بالمواطنين والوافدين العرب معاً، كما أن المجتمعات الخليجية التي انتقلت فجأة من (ثقافة اللؤلؤ) إلى (ثقافة النفط) لم ترسخ بعد إلى الحد الذي تمتلك معه حصانة ومناعة في وجه (الثقافات الوافدة)، علاوة على أن الآسيويين، خاصة الهنود، تغلغلوا في نسيج الأسرة الخليجية وحياتها، وباتوا يلعبون دوراً ملموساً في عمليات التنشئة الاجتماعية، يتوازى مع دورهم الاقتصادي. وما يزيد الطين بلة أن عرب الخليج لا يعنيهم كثيراً أن يكتسب الوافدون الآسيويون الثقافة العربية، ولا يهتمون في الغالب الأعم بأن يصبح التفاعل الثقافي متكافئاً بين الطرفين، بصيغة تجعل كل منهما يغذي الآخر وينشطه، ولا يرمي إلى محوه أو طمسه. كما أن الشباب الخليجي نفسه يزداد مع مطلع كل يوم غربة عن واقعه، وتنصلاً من جذوره، شأنه في ذلك شأن الشباب العربي، بفعل الهجوم الكاسح لثقافة العولمة.
وتشتد وطأة هذا الخلل في العلاقة الثقافية الخليجية ـ الآسيوية المتبادلة مع ظهور مؤشرات قوية إلى ارتفاع الطلب الخليجي على العمالة الوافدة بنسبة 66 في المائة عام 2010 مقارنة بما كانت عليه عام 1995، حسبما توقعت (منظمة الخليج للاستشارات الصناعية، نتيجة التوسع في المشروعات التنموية. وتؤكد شركة (ماكينزي العالمية) هذا التوقع، إذ ذكرت في إحصائيات لها أن متوسط معدل نمو العمالة الوافدة في دول مجلس التعاون الخليجي سيصل إلى 92 في المائة خلال العقد المقبل.
كما أن الحضور الجسدي للآسيويين في الخليج بهذه الكثافة يواكبه حضور ثقافي طاغ لهم، يظهر للعيان في تفاصيل الحياة اليومية بالمدن الخليجية. فاللغة المستعملة للبيع والشراء والتواصل اليومي هي خليط من العربية والأوردية والإنكليزية وبعض اللغات الآسيوية المحلية، ولافتات المحلات تنطق بهذا الخليط غير المتجانس. وتعج بلدان الخليج بالمدارس الأجنبية، ومنها الآسيوية، التي أقيمت في البداية لتعليم أبناء الجاليات الوافدة من آسيا وغيرها، لكنها تمكنت بمرور الأيام من أن تستقطب التلاميذ الخليجيين أنفسهم، إلى الدرجة التي أصبح فيها أبناء الكويت هم النسبة الغالبة في هذه المدارس، الأمر الذي يهدد تدريجياً الثقافة الأصيلة للمواطنين.
وتوجد في بعض المدن الخليجية دور سينما آسيوية، تعرض أفلاماً لا تمت بصلة إلى المجتمع الخليجي، ولا تتفاعل معه أو تهتم به. فعلى سبيل المثال لا الحصر توجد في أبوظبي ثماني دور سينما، تعرض أفلاماً آسيوية في نهاية الأسبوع. وفي دبي توجد إحدى عشرة دار سينما، ثمان منها تعرض أفلاماً هندية. وتشهد بلدان الخليج توزيعاً هائلاً للصحف والمجلات الآسيوية، علاوة على قيام الآسيويين أنفسهم بإصدار صحف ونشرات ناطقة باسمهم، إضافة إلى برامج إذاعية وتلفزيونية يمنع حتى المواطن من التدخل والتأثير فيها.
ولا تخطئ عين من يسير في الشوارع تنافر الأزياء وتنوعها، وغلبة الطابع الآسيوي لها بتعدده ما بين الزي الباكستاني والأفغاني والهندي. ولا تغفل أنف من يشم روائح الطعام المنبعثة من المطاعم والمنازل وقت الظهيرة أنها تمثل تشكيلة من مطابخ شتى، تتراوح بين الطعام الهندي المشبع بالتوابل الحارة، والطعام الخليجي الدسم، ويظهر الأمر بجلاء في (البوفيهات المفتوحة) في الفنادق، حيث تبدو الأنواع العديدة من الأطعمة شاهداً على تنوع ثقافات من يعيشون في بلدان الخليج أو يزورونها.
ولا تقف الثقافة الآسيوية على أبواب المنازل الخليجية، مكتفية باقتحام أعين المواطنين وأذواقهم وأفكارهم في الشوارع والمنتديات العامة، بل تدخل إلى صميم الأسرة الخليجية، من خلال خدم المنازل، الذين يتوزعون بين المربيات والخادمات والسائقين. فالمربيات يؤثرن في مجمل العادات والتقاليد والقيم التي ينشأ عليها الأطفال الصغار، بما فيها الشعائر والطقوس الدينية والعلاقات العاطفية والإنسانية، ومختلف أنماط السلوك من ملبس ومأكل وطريقة تصرف. ويزداد دور وتأثير المربيات والخادمات اللاتي يربو عددهن على الثلاثة ملايين في كل دول مجلس التعاون الخليجي الست، مع انشغال عائلي الأسر (الوالدان وولاة الأمر) عن الأبناء في زحمة الحياة، وتنامي الروح الفردية التي تصم مرحلة ما بعد ظهور النفط.
وبالطبع فإن هذه المثالب ليست بعيدة عن تفكير ورؤية أصحاب القرار في الخليج. فقضية تأثير العمالة الآسيوية في الثقافة العربية قتلت تناولاً وبحثاً، ويثار حولها جدل متجدد، يحتدم أحياناً ويخفت أحياناً، لكنها تظل في مرتبة أدنى من انشغال الذهن الخليجي مقارنة بالتأثيرات الاقتصادية والأمنية للعمالة الوافدة، مع أن الأخيرة تبدو أيسر بكثير من الأولى، فالآسيويون يعملون في المهن والوظائف الهامشية، لذا لا يشكلون منافساً كبيراً للمواطنين الباحثين عن وظائف، لكنهم يفعلون ما هو أخطر من ذلك بالتغلغل في الحياة الثقافية والاجتماعية الخليجية.
وفي السنوات الأخيرة التفت قادة دول مجلس التعاون إلى هذه المسألة، فدرسوا مجموعة من التوصيات تحدد إقامة العامل الأجنبي في بلدان الخليج، بما يمنع أي أحقية قانونية تسمح للعامل مستقبلاً بحق الإقامة هناك، في استباق لأي قوانين دولية تنادي بتوطين أو إقامة وتجنيس العمالة الأجنبية، وهو ما تضغط من أجله العديد من المنظمات الدولية العمالية والحقوقية والمدنية، لكن مثل هذه الحلول هي هروب كبير من المشكلة الرئيسة، إذ إن منع الإقامة الطويلة للوافدين، والقيام بعملية إحلال وإبدال متواصلة لهم، لا يعنيان أن الخلل الثقافي في بلدان الخليج سينتهي، فالعمالة المتجددة لا تعني أبداً ثقافة متجددة أو مغايرة. والأفضل أن تبحث دول الخليج عن حلول ناجعة من قبيل الاشتراط على القادمين إلى الخليج المعرفة ولو البسيطة باللغة العربية التي يمكن تعميقها وتطويرها بالعيش وسط العرب، وإلزام أصحاب المحلات والمطاعم والمقاهي وغيرها بوضع لافتاتهم باللغة العربية، ومنع إلحاق المواطنين بالمدارس الآسيوية والأجنبية، مع إيجاد مدارس وطنية بديلة للغات، وبدء استقطاب الخادمات والمربيات من بعض الدول العربية، مع إسهام رؤوس الأموال الخليجية في بناء دور تعليمية لتخريج مربيات وخادمات مدربات على أرض البلدان التي ستصدر هذا النوع من العمالة إلى دول مجلس التعاون، وإنشاء مؤسسات تعليمية تستهدف تعليم الآسيويين قواعد اللغة العربية بأسعار زهيدة، وأخرى لشرح مبادئ الإسلام لهم، كي يتعرفوا إلى هذا الدين عن كثب، بدلاً من الصور المغلوطة والمشوهة التي يستمدونها من مصادر أخرى.
::/fulltext::
|
Getting your Trinity Audio player ready...
|
::cck::2601::/cck::
::introtext::
لا يخفى على كل عين بصيرة، وأذن سميعة، وعقل فهيم، أن الحضور الثقافي الآسيوي في بلدان الخليج العربي وصل من التمكن والنفوذ إلى حد إثارة خوف عميق لدى البعض على الهوية العربية للخليج، لكن أحداً لم يفكر في الاتجاه المغاير، الذي يصنع من عادات وتقاليد وأنماط فكر الآسيويين عنصراً مضافاً للثقافة العربية الخليجية، حين يتم هضمها في الموروث الثقافي الخليجي، على غرار ما جرى في مطلع الحضارة العربية ـ الإسلامية حين ساهم غير العرب من الفرس والأتراك وسكان بلاد ما وراء النهر في المنتج الحضاري الإسلامي، بشكل كبير، أفاد العرب أنفسهم، وأعطى حضارتهم التي دارت شكلاً ومضموناً حول الإسلام عمقاً ورسوخاً ظاهراً.
::/introtext::
::fulltext::
لا يخفى على كل عين بصيرة، وأذن سميعة، وعقل فهيم، أن الحضور الثقافي الآسيوي في بلدان الخليج العربي وصل من التمكن والنفوذ إلى حد إثارة خوف عميق لدى البعض على الهوية العربية للخليج، لكن أحداً لم يفكر في الاتجاه المغاير، الذي يصنع من عادات وتقاليد وأنماط فكر الآسيويين عنصراً مضافاً للثقافة العربية الخليجية، حين يتم هضمها في الموروث الثقافي الخليجي، على غرار ما جرى في مطلع الحضارة العربية ـ الإسلامية حين ساهم غير العرب من الفرس والأتراك وسكان بلاد ما وراء النهر في المنتج الحضاري الإسلامي، بشكل كبير، أفاد العرب أنفسهم، وأعطى حضارتهم التي دارت شكلاً ومضموناً حول الإسلام عمقاً ورسوخاً ظاهراً.
لم يتبين إلى الآن أن هناك خطة لاستغلال المجال الثقافي المشترك بين الخليج وآسيا، بما يحافظ على صورة كل منهما لدى الآخر جلية من دون جروح أو خدوش، وبما يصون الطابع الوطني الصحيح لكلا الطرفين، ويحول دون امتداد التشويه المنظم للصورة العربية في نظر الآسيويين، جراء نشاط القوى المعادية للعرب، التي تبذل جهداً مفضوحاً لربط الإرهاب بالعرب والمسلمين.
لكن غلبة الرؤية المتشائمة على المتفائلة حيال الثقافة الآسيوية في الخليج لا تنبني على فراغ، إنما على عوامل موضوعية، تجعل كثيرين يطمئنون إلى وجهة نظرهم التي تنادي بضرورة اتخاذ ما يلزم حيال الحفاظ على هوية الخليج العربي المهددة. فالآسيويون أصبحوا في بعض البلدان الخليجية الأكثر عدداً مقارنة بالمواطنين والوافدين العرب معاً، كما أن المجتمعات الخليجية التي انتقلت فجأة من (ثقافة اللؤلؤ) إلى (ثقافة النفط) لم ترسخ بعد إلى الحد الذي تمتلك معه حصانة ومناعة في وجه (الثقافات الوافدة)، علاوة على أن الآسيويين، خاصة الهنود، تغلغلوا في نسيج الأسرة الخليجية وحياتها، وباتوا يلعبون دوراً ملموساً في عمليات التنشئة الاجتماعية، يتوازى مع دورهم الاقتصادي. وما يزيد الطين بلة أن عرب الخليج لا يعنيهم كثيراً أن يكتسب الوافدون الآسيويون الثقافة العربية، ولا يهتمون في الغالب الأعم بأن يصبح التفاعل الثقافي متكافئاً بين الطرفين، بصيغة تجعل كل منهما يغذي الآخر وينشطه، ولا يرمي إلى محوه أو طمسه. كما أن الشباب الخليجي نفسه يزداد مع مطلع كل يوم غربة عن واقعه، وتنصلاً من جذوره، شأنه في ذلك شأن الشباب العربي، بفعل الهجوم الكاسح لثقافة العولمة.
وتشتد وطأة هذا الخلل في العلاقة الثقافية الخليجية ـ الآسيوية المتبادلة مع ظهور مؤشرات قوية إلى ارتفاع الطلب الخليجي على العمالة الوافدة بنسبة 66 في المائة عام 2010 مقارنة بما كانت عليه عام 1995، حسبما توقعت (منظمة الخليج للاستشارات الصناعية، نتيجة التوسع في المشروعات التنموية. وتؤكد شركة (ماكينزي العالمية) هذا التوقع، إذ ذكرت في إحصائيات لها أن متوسط معدل نمو العمالة الوافدة في دول مجلس التعاون الخليجي سيصل إلى 92 في المائة خلال العقد المقبل.
كما أن الحضور الجسدي للآسيويين في الخليج بهذه الكثافة يواكبه حضور ثقافي طاغ لهم، يظهر للعيان في تفاصيل الحياة اليومية بالمدن الخليجية. فاللغة المستعملة للبيع والشراء والتواصل اليومي هي خليط من العربية والأوردية والإنكليزية وبعض اللغات الآسيوية المحلية، ولافتات المحلات تنطق بهذا الخليط غير المتجانس. وتعج بلدان الخليج بالمدارس الأجنبية، ومنها الآسيوية، التي أقيمت في البداية لتعليم أبناء الجاليات الوافدة من آسيا وغيرها، لكنها تمكنت بمرور الأيام من أن تستقطب التلاميذ الخليجيين أنفسهم، إلى الدرجة التي أصبح فيها أبناء الكويت هم النسبة الغالبة في هذه المدارس، الأمر الذي يهدد تدريجياً الثقافة الأصيلة للمواطنين.
وتوجد في بعض المدن الخليجية دور سينما آسيوية، تعرض أفلاماً لا تمت بصلة إلى المجتمع الخليجي، ولا تتفاعل معه أو تهتم به. فعلى سبيل المثال لا الحصر توجد في أبوظبي ثماني دور سينما، تعرض أفلاماً آسيوية في نهاية الأسبوع. وفي دبي توجد إحدى عشرة دار سينما، ثمان منها تعرض أفلاماً هندية. وتشهد بلدان الخليج توزيعاً هائلاً للصحف والمجلات الآسيوية، علاوة على قيام الآسيويين أنفسهم بإصدار صحف ونشرات ناطقة باسمهم، إضافة إلى برامج إذاعية وتلفزيونية يمنع حتى المواطن من التدخل والتأثير فيها.
ولا تخطئ عين من يسير في الشوارع تنافر الأزياء وتنوعها، وغلبة الطابع الآسيوي لها بتعدده ما بين الزي الباكستاني والأفغاني والهندي. ولا تغفل أنف من يشم روائح الطعام المنبعثة من المطاعم والمنازل وقت الظهيرة أنها تمثل تشكيلة من مطابخ شتى، تتراوح بين الطعام الهندي المشبع بالتوابل الحارة، والطعام الخليجي الدسم، ويظهر الأمر بجلاء في (البوفيهات المفتوحة) في الفنادق، حيث تبدو الأنواع العديدة من الأطعمة شاهداً على تنوع ثقافات من يعيشون في بلدان الخليج أو يزورونها.
ولا تقف الثقافة الآسيوية على أبواب المنازل الخليجية، مكتفية باقتحام أعين المواطنين وأذواقهم وأفكارهم في الشوارع والمنتديات العامة، بل تدخل إلى صميم الأسرة الخليجية، من خلال خدم المنازل، الذين يتوزعون بين المربيات والخادمات والسائقين. فالمربيات يؤثرن في مجمل العادات والتقاليد والقيم التي ينشأ عليها الأطفال الصغار، بما فيها الشعائر والطقوس الدينية والعلاقات العاطفية والإنسانية، ومختلف أنماط السلوك من ملبس ومأكل وطريقة تصرف. ويزداد دور وتأثير المربيات والخادمات اللاتي يربو عددهن على الثلاثة ملايين في كل دول مجلس التعاون الخليجي الست، مع انشغال عائلي الأسر (الوالدان وولاة الأمر) عن الأبناء في زحمة الحياة، وتنامي الروح الفردية التي تصم مرحلة ما بعد ظهور النفط.
وبالطبع فإن هذه المثالب ليست بعيدة عن تفكير ورؤية أصحاب القرار في الخليج. فقضية تأثير العمالة الآسيوية في الثقافة العربية قتلت تناولاً وبحثاً، ويثار حولها جدل متجدد، يحتدم أحياناً ويخفت أحياناً، لكنها تظل في مرتبة أدنى من انشغال الذهن الخليجي مقارنة بالتأثيرات الاقتصادية والأمنية للعمالة الوافدة، مع أن الأخيرة تبدو أيسر بكثير من الأولى، فالآسيويون يعملون في المهن والوظائف الهامشية، لذا لا يشكلون منافساً كبيراً للمواطنين الباحثين عن وظائف، لكنهم يفعلون ما هو أخطر من ذلك بالتغلغل في الحياة الثقافية والاجتماعية الخليجية.
وفي السنوات الأخيرة التفت قادة دول مجلس التعاون إلى هذه المسألة، فدرسوا مجموعة من التوصيات تحدد إقامة العامل الأجنبي في بلدان الخليج، بما يمنع أي أحقية قانونية تسمح للعامل مستقبلاً بحق الإقامة هناك، في استباق لأي قوانين دولية تنادي بتوطين أو إقامة وتجنيس العمالة الأجنبية، وهو ما تضغط من أجله العديد من المنظمات الدولية العمالية والحقوقية والمدنية، لكن مثل هذه الحلول هي هروب كبير من المشكلة الرئيسة، إذ إن منع الإقامة الطويلة للوافدين، والقيام بعملية إحلال وإبدال متواصلة لهم، لا يعنيان أن الخلل الثقافي في بلدان الخليج سينتهي، فالعمالة المتجددة لا تعني أبداً ثقافة متجددة أو مغايرة. والأفضل أن تبحث دول الخليج عن حلول ناجعة من قبيل الاشتراط على القادمين إلى الخليج المعرفة ولو البسيطة باللغة العربية التي يمكن تعميقها وتطويرها بالعيش وسط العرب، وإلزام أصحاب المحلات والمطاعم والمقاهي وغيرها بوضع لافتاتهم باللغة العربية، ومنع إلحاق المواطنين بالمدارس الآسيوية والأجنبية، مع إيجاد مدارس وطنية بديلة للغات، وبدء استقطاب الخادمات والمربيات من بعض الدول العربية، مع إسهام رؤوس الأموال الخليجية في بناء دور تعليمية لتخريج مربيات وخادمات مدربات على أرض البلدان التي ستصدر هذا النوع من العمالة إلى دول مجلس التعاون، وإنشاء مؤسسات تعليمية تستهدف تعليم الآسيويين قواعد اللغة العربية بأسعار زهيدة، وأخرى لشرح مبادئ الإسلام لهم، كي يتعرفوا إلى هذا الدين عن كثب، بدلاً من الصور المغلوطة والمشوهة التي يستمدونها من مصادر أخرى.
::/fulltext::
::cck::2601::/cck::
