السعودية وروسيا والصين.. المصالح وإرادة القرار
::cck::2611::/cck::
::introtext::
العلاقات الاقتصادية بين دول الخليج وبعض دول آسيا، وخاصة منها الدول ذات الوزن السياسي الثقيل على الساحة الدولية مثل روسيا والصين، تلعب فيها العوامل السياسية دوراً كبيراً ومؤثراً في غالب الأحوال، وخاصة العلاقات الاقتصادية في المجالات الحيوية مثل مصادر الطاقة من نفط وغاز وطاقة نووية وغيرها، ناهيك عن التعاون الاقتصادي في المجال العسكري مثل شراء السلاح والتكنولوجيا العسكرية، والتي يلعب فيها العامل السياسي دوراً رئيسياً.
::/introtext::
::fulltext::
العلاقات الاقتصادية بين دول الخليج وبعض دول آسيا، وخاصة منها الدول ذات الوزن السياسي الثقيل على الساحة الدولية مثل روسيا والصين، تلعب فيها العوامل السياسية دوراً كبيراً ومؤثراً في غالب الأحوال، وخاصة العلاقات الاقتصادية في المجالات الحيوية مثل مصادر الطاقة من نفط وغاز وطاقة نووية وغيرها، ناهيك عن التعاون الاقتصادي في المجال العسكري مثل شراء السلاح والتكنولوجيا العسكرية، والتي يلعب فيها العامل السياسي دوراً رئيسياً.
يمكن القول إن في مثل هذه المجالات الحيوية يحتاج الأمر للتعامل مع دولتين مثل روسيا والصين، وخاصة في الآونة الأخيرة، إلى قرار سياسي نابع من إرادة سياسية مستقلة إلى حد كبير، وذلك لما تشكله هاتان الدولتان من ثقل سياسي دولي، باعتبار أن روسيا والصين صاحبتي المقعدين الدائمين في مجلس الأمن الدولي تشكلان معاً أكبر قوة سياسية في القارة الآسيوية، وهو الأمر الذي كان موجوداً في زمن الحرب الباردة في القرن الماضي وزاد تواجده وفاعليته في السنوات القليلة الماضية بعد التقارب السياسي والاقتصادي الملحوظ بينهما، والذي أصبح يشكل مصدر قلق وتوتر كبير للقوى الكبرى في الغرب وخاصة في واشنطن، ولهذا نقول إن التعامل الاقتصادي مع هاتين الدولتين يحتاج إلى حد كبير إلى قرار سياسي نابع من إرادة سياسية قوية تستطيع تحمل مسؤولية قرارها في مواجهة الضغوط المحتملة من الغرب وأصحاب المصالح الكبرى في منطقة الخليج الذين يقلقهم و يخيفهم التقارب بين دول الخليج وبين هاتين القوتين الآسيويتين الصاعدتين بسرعة وفاعلية ملحوظة على الساحة الاقتصادية الدولية.
لا عداء للغرب
لا يمكن القول إن كل دول الخليج العربية تملك الإرادة السياسية لفتح علاقات اقتصادية واسعة في المجالات الحيوية مثل مصادر الطاقة مع دولتين مثل روسيا والصين، وكذلك لا يمكن القول إن كل دول الخليج تفتقد مثل هذه الإرادة، ولدينا مثال واضح في السنوات القليلة الماضية دولة مثل المملكة العربية السعودية التي بلغت علاقاتها الاقتصادية مع هاتين الدولتين في الأعوام الخمسة الماضية مستوى كبيراً وملحوظاً ومثيراً للاهتمام لدى البعض من الدول الأخرى وللقلق لدى البعض الآخر، لقد استوعبت السعودية قبل غيرها جيداً مدى أهمية البعد الآسيوي الاقتصادي والسياسي أيضاً، وبدأت بالفعل بالتحرك الفعال في القارة الآسيوية شرقاً وشمالاً وجنوباً وغرباً على مختلف الصعد والمجالات، وانعكس هذا التحرك بوضوح في جولات العاهل السعودي الملك عبدالله بن عبد العزيز في الدول الكبيرة في آسيا، وخاصة في روسيا والصين اللتين زارهما الملك عبدالله قبل وبعد توليه الحكم في المملكة، وأيضاً زيارات زعيمي الدولتين إلى المملكة خلال العامين الأخيرين. وقبل الحديث عن هذه الزيارات التي أثارت اهتماماً عالمياً كبيراً شكلاً وموضوعاً والنتائج التي ترتبت عليها نود الإشارة إلى مسألة مهمة، حيث يربط البعض بين تحرك السعودية النشط في الاتجاه الآسيوي وخاصة تجاه روسيا والصين وبين أحداث الحادي عشر من سبتمبر عام 2001 و ما واجهته المملكة بعدها من ضغوط واتهامات أمريكية وغربية تتعلق بالإرهاب والجماعات المتطرفة وغيرها، بحيث يفسر توجهها الآسيوي بأنه رد فعل لهذه الضغوط، هذا الربط والتفسير في رأينا ليس صحيحاً تماماً حتى لو أثارت توجهات السعودية الآسيوية قلق ومخاوف واشنطن وغيرها، حيث إن العلاقات السعودية – الأمريكية بشكل عام والاقتصادية منها بشكل خاص لم تتأثر لا من بعيد ولا قريب بسبب هذه التوجهات، ولا تزال مستمرة على ما كانت عليه من تعاون وتفاهم وتنسيق كامل.
النفط هو الأساس
إن توجهات المملكة العربية السعودية تجاه القارة الآسيوية أتت ليس من منطلق تحقيق المصالح الخاصة للمملكة فقط، ولكن أيضاً من منطلق مكانتها العالمية في أسواق الطاقة كأكبر منتج ومصدر للنفط في العالم، ومكانتها البارزة داخل منظمة أوبك، وإذا نظرنا إلى الزيارة التاريخية التي قام بها الملك عبدالله بن عبدالعزيز (كان آنذاك ولياً للعهد) إلى روسيا في سبتمبر عام 2003) هذه الزيارة التي فتحت آفاقاً واسعة لتطور العلاقات بين البلدين جاءت في توقيت مهم وحساس بالنسبة لمنظمة أوبك للدول المصدرة للنفط، حيث كان من الضروري للمنظمة أن تنسق مع دولة مثل روسيا غير العضو في المنظمة باعتبارها ثاني أكبر منتج ومصدر للنفط في العالم بعد السعودية والتي خرجت مع بداية الألفية الثالثة بقوة لأسواق الطاقة العالمية، وقد تولت السعودية مهمة التنسيق هذه وقامت بها بنجاح كبير، وكان هذا أكبر إنجاز للزيارة التي فتحت آفاقاً جديدة للتعاون السعودي – الروسي في كافة المجالات، وأوجدت مناخاً من الثقة الكاملة كانت تفتقر إليه علاقات البلدين من قبل في عهد الحرب الباردة، وأعطت هذه الزيارة دفعة قوية للتعاون بين البلدين في مختلف المجالات، وخاصة في مجال الطاقة حيث انطلقت بعدها شركات النفط الروسية تعمل في المملكة، ومنها شركة (لوك أويل) التي تعمل مع (أرامكو) السعودية في منطقة شمال الربع الخالي، ودعت المملكة الشركات الروسية في قطاع الطرق والمواصلات لبناء خطوط سكك حديد تربط مدن الدمام والرياض ومكة وجدة، وفي مجال الفضاء تم إطلاق سبعة أقمار صناعية سعودية بصواريخ (دنيبر) الروسية من قاعدة (بيكانور)، ويتوقع إطلاق ستة أقمار أخرى قريباً، وتأسس مجلس الأعمال السعودي الروسي الذي يضم رجال الأعمال والمستثمرين من الجانبين ويعقد جلساته سنوياً لبحث سبل وفرص التعاون المشترك بين البلدين على المستويين العام والخاص.
وسام للرئيس بوتين
جاءت زيارة الرئيس الروسي فلاديمير بوتين في فبراير الماضي كأول زيارة لزعيم روسي إلى المملكة العربية السعودية والاستقبال الحافل الذي استقبل به لتعكس هذه الزيارة مدى التطور الملحوظ في العلاقات بين الرياض وموسكو في السنوات القليلة الماضية ليس في مجالات الطاقة والتعاون الاقتصادي فقط، بل أيضاً في المجالات السياسية، حيث أصبح واضحاً تماماً مدى التقارب والتفاهم الكامل بين البلدين في العديد من القضايا السياسية المهمة، ومنها قضية مكافحة الإرهاب التي دعمت فيها روسيا موقف المملكة بشكل كامل، وأكد الرئيس بوتين على رفض روسيا القاطع للاتهامات الباطلة الموجهة للإسلام والمسلمين ودعمها الكامل لجهود المملكة في هذا المجال.
وقطعاً لم يكن للتقارب والتنسيق والتعاون بين أكبر قطبين للطاقة في العالم (السعودية وروسيا) أن يمر بهدوء ومن دون قلق أو توتر في الدوائر السياسية والاقتصادية في الغرب، خاصة أن زيارة الرئيس الروسي إلى السعودية جاءت في اليوم التالي مباشرة للخطاب الساخن الذي ألقاه بوتين في مؤتمر الأمن الدولي في ميونيخ والذي كال فيه الاتهامات وأيضاً التحذيرات لواشنطن والدول الكبرى على معاييرها المزدوجة و نظرة الاستعلاء التي تتعامل بها مع الدول الأخرى، وربط الكثيرون بين هذا الخطاب والاستقبال الحافل لبوتين في السعودية وتقليد العاهل السعودي الملك عبدالله بن عبدالعزيز له (وشاح الملك عبدالعزيز) أعلى الأوسمة في المملكة حيث قال الملك عبدالله للرئيس بوتين (إن هذا الوشاح يمنح فقط لأصدقاء المملكة، الحقيقيين)، كما قال (إن الرئيس بوتين أثبت بالفعل أنه رجل يحب العدل والحق)، وعبّر بوتين عن سعادته البالغة بالتطور الكبير الذي وصلت إليه علاقات روسيا بالسعودية، وقال (لقد أصبحنا في غضون أربعة أعوام فقط نتكلم بلغة مشتركة وواحدة في مختلف القضايا).
مشاريع عملاقة
في الاتجاه نفسه وتحت شعار تحقيق المصالح المشتركة كان توجه المملكة العربية السعودية نحو العملاق الآسيوي الثاني الصين، هذا البلد الذي أصبح يذهل العالم بالتنمية الاقتصادية الكبيرة والمطردة فيه على مدى السنوات العشرة الماضية، هذه التنمية التي واجهت في العامين الماضيين مشكلة وعقبة كبيرة في عدم توافر مصادر الطاقة اللازمة لدفع واستمرار نمو الاقتصاد الصيني، ومن هنا جاء التقارب الملحوظ بين السعودية كأكبر منتج ومصدّر للنفط في العالم والصين كثاني أكبر مستهلك للنفط في العالم بعد الولايات المتحدة، حيث يزيد استهلاك الصين للطاقة سنوياً بمعدل 7,5 في المائة أي سبعة أضعاف الولايات المتحدة، وحسب تقديرات الوكالة الدولية للطاقة ستصبح الصين بعد عشر سنوات أكبر مستهلك للطاقة في العالم، وفي الوقت نفسه تشعر بكين بأن هناك من يسعى لحرمانها من احتياجاتها من النفط ووقف الطفرة التنموية فيها، الأمر الذي ربما خلط المسائل الاقتصادية بالسياسية وفرض على الصين أن تبحث عن حاجتها لدى دول تملك مصادر الطاقة، وتملك في الوقت نفسه إرادة قرارها السياسي للتعامل مع الصين من دون الخضوع لأي ضغوط متوقعة من أية جهات أخرى، ولم تكن المبادرة من بكين بل كانت من الرياض نفسها، حيث كانت زيارة العاهل السعودي الملك عبدالله بن عبدالعزيز إلى الصين ضمن جولته الآسيوية في يناير من العام الماضي، ولم تمض مائة يوم على الزيارة حتى كانت زيارة الزعيم الصيني هوجينتاو إلى المملكة في إبريل من العام نفسه، وهي الزيارة التي أسست لمجالات جديدة وآفاق واسعة للتعاون الاقتصادي بين البلدين، وأسفرت عن توقيع اتفاقيات مهمة بينهما في مجال الطاقة سوف تؤسس مشاريع عملاقة بين البلدين منها مشروع مجمع البتروكيماويات المزمع إنشاؤه في شمال شرق الصين والذي ستساهم في بنائه شركة (سابك) السعودية باستثمارات تقدر بعدة مليارات من الدولارات.
الاقتصاد مع السياسة
ورغم أن العامل الاقتصادي يلعب الدور الرئيسي في تطور العلاقات السعودية – الصينية، وخاصة في مجال الطاقة إلا أن العامل السياسي أيضاً كان له دور في بداية العلاقات بين البلدين منذ أواخر الثمانينات من القرن الماضي، ويقول (يو ون شنج) الخبير بالمعهد الصيني للعلاقات الدولية المعاصرة (لم تكن الرياض تشعر بأنها بحاجة لعلاقات مع الصين لدرجة أنها سارعت إلى الاعتراف بتايوان وتأسيس علاقات دبلوماسية معها، وعلى الرغم من سياسة بكين الصارمة في التعامل مع أية دولة تعترف بتايوان إلا أنها أبدت للسعودية استعدادها للتقارب والتعاون معها، وانعكس هذا بشكل واضح عام 1988 بعد رفض واشنطن بيع السعودية الأسلحة التي طلبتها منها، فبادرت بكين إلى عقد صفقة شبه سرية مع الرياض في مارس عام 1988 حصلت بموجبها المملكة على صواريخ بالستية متوسطة المدى من طراز DF-3 تستطيع حمل رؤوس متنوعة، وبعدها بعدة أشهر قررت المملكة سحب اعترافها بتايوان وتأسيس علاقات دبلوماسية مع الصين الشعبية). والجدير بالذكر أنه بعد غزو العراق للكويت، استطاعت الرياض إقناع بكين بعدم التصويت في مجلس الأمن ضد قرار تحرير الكويت وعدم تقديم أي دعم للعراق.
وهكذا تخطو المملكة العربية السعودية بثقة على الساحة الآسيوية التي يتوقع لها الخبراء أن تكون في المستقبل القريب مركز الثقل السياسي والاقتصادي العالمي بدلاً من الغرب، وهكذا تلعب الإرادة السياسية واستقلالية القرار دورها الفعال في تحقيق تطلعات وطموحات دول الخليج العربية ومن دون أي صدام أو خلاف مع القوى الأخرى في الغرب أو في أي مكان في العالم، فقط تغليب مبدأ تحقيق المصالح المشتركة واحترام سيادة وخصوصية الدول والشعوب بعضها لبعض، وعدم التدخل في الشؤون الداخلية للدول.
::/fulltext::
|
Getting your Trinity Audio player ready...
|
::cck::2611::/cck::
::introtext::
العلاقات الاقتصادية بين دول الخليج وبعض دول آسيا، وخاصة منها الدول ذات الوزن السياسي الثقيل على الساحة الدولية مثل روسيا والصين، تلعب فيها العوامل السياسية دوراً كبيراً ومؤثراً في غالب الأحوال، وخاصة العلاقات الاقتصادية في المجالات الحيوية مثل مصادر الطاقة من نفط وغاز وطاقة نووية وغيرها، ناهيك عن التعاون الاقتصادي في المجال العسكري مثل شراء السلاح والتكنولوجيا العسكرية، والتي يلعب فيها العامل السياسي دوراً رئيسياً.
::/introtext::
::fulltext::
العلاقات الاقتصادية بين دول الخليج وبعض دول آسيا، وخاصة منها الدول ذات الوزن السياسي الثقيل على الساحة الدولية مثل روسيا والصين، تلعب فيها العوامل السياسية دوراً كبيراً ومؤثراً في غالب الأحوال، وخاصة العلاقات الاقتصادية في المجالات الحيوية مثل مصادر الطاقة من نفط وغاز وطاقة نووية وغيرها، ناهيك عن التعاون الاقتصادي في المجال العسكري مثل شراء السلاح والتكنولوجيا العسكرية، والتي يلعب فيها العامل السياسي دوراً رئيسياً.
يمكن القول إن في مثل هذه المجالات الحيوية يحتاج الأمر للتعامل مع دولتين مثل روسيا والصين، وخاصة في الآونة الأخيرة، إلى قرار سياسي نابع من إرادة سياسية مستقلة إلى حد كبير، وذلك لما تشكله هاتان الدولتان من ثقل سياسي دولي، باعتبار أن روسيا والصين صاحبتي المقعدين الدائمين في مجلس الأمن الدولي تشكلان معاً أكبر قوة سياسية في القارة الآسيوية، وهو الأمر الذي كان موجوداً في زمن الحرب الباردة في القرن الماضي وزاد تواجده وفاعليته في السنوات القليلة الماضية بعد التقارب السياسي والاقتصادي الملحوظ بينهما، والذي أصبح يشكل مصدر قلق وتوتر كبير للقوى الكبرى في الغرب وخاصة في واشنطن، ولهذا نقول إن التعامل الاقتصادي مع هاتين الدولتين يحتاج إلى حد كبير إلى قرار سياسي نابع من إرادة سياسية قوية تستطيع تحمل مسؤولية قرارها في مواجهة الضغوط المحتملة من الغرب وأصحاب المصالح الكبرى في منطقة الخليج الذين يقلقهم و يخيفهم التقارب بين دول الخليج وبين هاتين القوتين الآسيويتين الصاعدتين بسرعة وفاعلية ملحوظة على الساحة الاقتصادية الدولية.
لا عداء للغرب
لا يمكن القول إن كل دول الخليج العربية تملك الإرادة السياسية لفتح علاقات اقتصادية واسعة في المجالات الحيوية مثل مصادر الطاقة مع دولتين مثل روسيا والصين، وكذلك لا يمكن القول إن كل دول الخليج تفتقد مثل هذه الإرادة، ولدينا مثال واضح في السنوات القليلة الماضية دولة مثل المملكة العربية السعودية التي بلغت علاقاتها الاقتصادية مع هاتين الدولتين في الأعوام الخمسة الماضية مستوى كبيراً وملحوظاً ومثيراً للاهتمام لدى البعض من الدول الأخرى وللقلق لدى البعض الآخر، لقد استوعبت السعودية قبل غيرها جيداً مدى أهمية البعد الآسيوي الاقتصادي والسياسي أيضاً، وبدأت بالفعل بالتحرك الفعال في القارة الآسيوية شرقاً وشمالاً وجنوباً وغرباً على مختلف الصعد والمجالات، وانعكس هذا التحرك بوضوح في جولات العاهل السعودي الملك عبدالله بن عبد العزيز في الدول الكبيرة في آسيا، وخاصة في روسيا والصين اللتين زارهما الملك عبدالله قبل وبعد توليه الحكم في المملكة، وأيضاً زيارات زعيمي الدولتين إلى المملكة خلال العامين الأخيرين. وقبل الحديث عن هذه الزيارات التي أثارت اهتماماً عالمياً كبيراً شكلاً وموضوعاً والنتائج التي ترتبت عليها نود الإشارة إلى مسألة مهمة، حيث يربط البعض بين تحرك السعودية النشط في الاتجاه الآسيوي وخاصة تجاه روسيا والصين وبين أحداث الحادي عشر من سبتمبر عام 2001 و ما واجهته المملكة بعدها من ضغوط واتهامات أمريكية وغربية تتعلق بالإرهاب والجماعات المتطرفة وغيرها، بحيث يفسر توجهها الآسيوي بأنه رد فعل لهذه الضغوط، هذا الربط والتفسير في رأينا ليس صحيحاً تماماً حتى لو أثارت توجهات السعودية الآسيوية قلق ومخاوف واشنطن وغيرها، حيث إن العلاقات السعودية – الأمريكية بشكل عام والاقتصادية منها بشكل خاص لم تتأثر لا من بعيد ولا قريب بسبب هذه التوجهات، ولا تزال مستمرة على ما كانت عليه من تعاون وتفاهم وتنسيق كامل.
النفط هو الأساس
إن توجهات المملكة العربية السعودية تجاه القارة الآسيوية أتت ليس من منطلق تحقيق المصالح الخاصة للمملكة فقط، ولكن أيضاً من منطلق مكانتها العالمية في أسواق الطاقة كأكبر منتج ومصدر للنفط في العالم، ومكانتها البارزة داخل منظمة أوبك، وإذا نظرنا إلى الزيارة التاريخية التي قام بها الملك عبدالله بن عبدالعزيز (كان آنذاك ولياً للعهد) إلى روسيا في سبتمبر عام 2003) هذه الزيارة التي فتحت آفاقاً واسعة لتطور العلاقات بين البلدين جاءت في توقيت مهم وحساس بالنسبة لمنظمة أوبك للدول المصدرة للنفط، حيث كان من الضروري للمنظمة أن تنسق مع دولة مثل روسيا غير العضو في المنظمة باعتبارها ثاني أكبر منتج ومصدر للنفط في العالم بعد السعودية والتي خرجت مع بداية الألفية الثالثة بقوة لأسواق الطاقة العالمية، وقد تولت السعودية مهمة التنسيق هذه وقامت بها بنجاح كبير، وكان هذا أكبر إنجاز للزيارة التي فتحت آفاقاً جديدة للتعاون السعودي – الروسي في كافة المجالات، وأوجدت مناخاً من الثقة الكاملة كانت تفتقر إليه علاقات البلدين من قبل في عهد الحرب الباردة، وأعطت هذه الزيارة دفعة قوية للتعاون بين البلدين في مختلف المجالات، وخاصة في مجال الطاقة حيث انطلقت بعدها شركات النفط الروسية تعمل في المملكة، ومنها شركة (لوك أويل) التي تعمل مع (أرامكو) السعودية في منطقة شمال الربع الخالي، ودعت المملكة الشركات الروسية في قطاع الطرق والمواصلات لبناء خطوط سكك حديد تربط مدن الدمام والرياض ومكة وجدة، وفي مجال الفضاء تم إطلاق سبعة أقمار صناعية سعودية بصواريخ (دنيبر) الروسية من قاعدة (بيكانور)، ويتوقع إطلاق ستة أقمار أخرى قريباً، وتأسس مجلس الأعمال السعودي الروسي الذي يضم رجال الأعمال والمستثمرين من الجانبين ويعقد جلساته سنوياً لبحث سبل وفرص التعاون المشترك بين البلدين على المستويين العام والخاص.
وسام للرئيس بوتين
جاءت زيارة الرئيس الروسي فلاديمير بوتين في فبراير الماضي كأول زيارة لزعيم روسي إلى المملكة العربية السعودية والاستقبال الحافل الذي استقبل به لتعكس هذه الزيارة مدى التطور الملحوظ في العلاقات بين الرياض وموسكو في السنوات القليلة الماضية ليس في مجالات الطاقة والتعاون الاقتصادي فقط، بل أيضاً في المجالات السياسية، حيث أصبح واضحاً تماماً مدى التقارب والتفاهم الكامل بين البلدين في العديد من القضايا السياسية المهمة، ومنها قضية مكافحة الإرهاب التي دعمت فيها روسيا موقف المملكة بشكل كامل، وأكد الرئيس بوتين على رفض روسيا القاطع للاتهامات الباطلة الموجهة للإسلام والمسلمين ودعمها الكامل لجهود المملكة في هذا المجال.
وقطعاً لم يكن للتقارب والتنسيق والتعاون بين أكبر قطبين للطاقة في العالم (السعودية وروسيا) أن يمر بهدوء ومن دون قلق أو توتر في الدوائر السياسية والاقتصادية في الغرب، خاصة أن زيارة الرئيس الروسي إلى السعودية جاءت في اليوم التالي مباشرة للخطاب الساخن الذي ألقاه بوتين في مؤتمر الأمن الدولي في ميونيخ والذي كال فيه الاتهامات وأيضاً التحذيرات لواشنطن والدول الكبرى على معاييرها المزدوجة و نظرة الاستعلاء التي تتعامل بها مع الدول الأخرى، وربط الكثيرون بين هذا الخطاب والاستقبال الحافل لبوتين في السعودية وتقليد العاهل السعودي الملك عبدالله بن عبدالعزيز له (وشاح الملك عبدالعزيز) أعلى الأوسمة في المملكة حيث قال الملك عبدالله للرئيس بوتين (إن هذا الوشاح يمنح فقط لأصدقاء المملكة، الحقيقيين)، كما قال (إن الرئيس بوتين أثبت بالفعل أنه رجل يحب العدل والحق)، وعبّر بوتين عن سعادته البالغة بالتطور الكبير الذي وصلت إليه علاقات روسيا بالسعودية، وقال (لقد أصبحنا في غضون أربعة أعوام فقط نتكلم بلغة مشتركة وواحدة في مختلف القضايا).
مشاريع عملاقة
في الاتجاه نفسه وتحت شعار تحقيق المصالح المشتركة كان توجه المملكة العربية السعودية نحو العملاق الآسيوي الثاني الصين، هذا البلد الذي أصبح يذهل العالم بالتنمية الاقتصادية الكبيرة والمطردة فيه على مدى السنوات العشرة الماضية، هذه التنمية التي واجهت في العامين الماضيين مشكلة وعقبة كبيرة في عدم توافر مصادر الطاقة اللازمة لدفع واستمرار نمو الاقتصاد الصيني، ومن هنا جاء التقارب الملحوظ بين السعودية كأكبر منتج ومصدّر للنفط في العالم والصين كثاني أكبر مستهلك للنفط في العالم بعد الولايات المتحدة، حيث يزيد استهلاك الصين للطاقة سنوياً بمعدل 7,5 في المائة أي سبعة أضعاف الولايات المتحدة، وحسب تقديرات الوكالة الدولية للطاقة ستصبح الصين بعد عشر سنوات أكبر مستهلك للطاقة في العالم، وفي الوقت نفسه تشعر بكين بأن هناك من يسعى لحرمانها من احتياجاتها من النفط ووقف الطفرة التنموية فيها، الأمر الذي ربما خلط المسائل الاقتصادية بالسياسية وفرض على الصين أن تبحث عن حاجتها لدى دول تملك مصادر الطاقة، وتملك في الوقت نفسه إرادة قرارها السياسي للتعامل مع الصين من دون الخضوع لأي ضغوط متوقعة من أية جهات أخرى، ولم تكن المبادرة من بكين بل كانت من الرياض نفسها، حيث كانت زيارة العاهل السعودي الملك عبدالله بن عبدالعزيز إلى الصين ضمن جولته الآسيوية في يناير من العام الماضي، ولم تمض مائة يوم على الزيارة حتى كانت زيارة الزعيم الصيني هوجينتاو إلى المملكة في إبريل من العام نفسه، وهي الزيارة التي أسست لمجالات جديدة وآفاق واسعة للتعاون الاقتصادي بين البلدين، وأسفرت عن توقيع اتفاقيات مهمة بينهما في مجال الطاقة سوف تؤسس مشاريع عملاقة بين البلدين منها مشروع مجمع البتروكيماويات المزمع إنشاؤه في شمال شرق الصين والذي ستساهم في بنائه شركة (سابك) السعودية باستثمارات تقدر بعدة مليارات من الدولارات.
الاقتصاد مع السياسة
ورغم أن العامل الاقتصادي يلعب الدور الرئيسي في تطور العلاقات السعودية – الصينية، وخاصة في مجال الطاقة إلا أن العامل السياسي أيضاً كان له دور في بداية العلاقات بين البلدين منذ أواخر الثمانينات من القرن الماضي، ويقول (يو ون شنج) الخبير بالمعهد الصيني للعلاقات الدولية المعاصرة (لم تكن الرياض تشعر بأنها بحاجة لعلاقات مع الصين لدرجة أنها سارعت إلى الاعتراف بتايوان وتأسيس علاقات دبلوماسية معها، وعلى الرغم من سياسة بكين الصارمة في التعامل مع أية دولة تعترف بتايوان إلا أنها أبدت للسعودية استعدادها للتقارب والتعاون معها، وانعكس هذا بشكل واضح عام 1988 بعد رفض واشنطن بيع السعودية الأسلحة التي طلبتها منها، فبادرت بكين إلى عقد صفقة شبه سرية مع الرياض في مارس عام 1988 حصلت بموجبها المملكة على صواريخ بالستية متوسطة المدى من طراز DF-3 تستطيع حمل رؤوس متنوعة، وبعدها بعدة أشهر قررت المملكة سحب اعترافها بتايوان وتأسيس علاقات دبلوماسية مع الصين الشعبية). والجدير بالذكر أنه بعد غزو العراق للكويت، استطاعت الرياض إقناع بكين بعدم التصويت في مجلس الأمن ضد قرار تحرير الكويت وعدم تقديم أي دعم للعراق.
وهكذا تخطو المملكة العربية السعودية بثقة على الساحة الآسيوية التي يتوقع لها الخبراء أن تكون في المستقبل القريب مركز الثقل السياسي والاقتصادي العالمي بدلاً من الغرب، وهكذا تلعب الإرادة السياسية واستقلالية القرار دورها الفعال في تحقيق تطلعات وطموحات دول الخليج العربية ومن دون أي صدام أو خلاف مع القوى الأخرى في الغرب أو في أي مكان في العالم، فقط تغليب مبدأ تحقيق المصالح المشتركة واحترام سيادة وخصوصية الدول والشعوب بعضها لبعض، وعدم التدخل في الشؤون الداخلية للدول.
::/fulltext::
::cck::2611::/cck::
