النظام العربي .. إعادة للتفكير
::cck::2615::/cck::
::introtext::
عشية احتلال العراق نعت الكثير من الكتابات الحال التي آل إليها النظام الرسمي العربي، وأفرط كثيرون في توجيه النقد اللاذع لبنية هذا النظام ونواته الأساسية ممثلة في الجامعة العربية، كما وُجه لوم عنيف للعديد من القوى الرئيسية في العالم العربي، نظراً لموقفها الضعيف في مواجهة قرار الغزو.
::/introtext::
::fulltext::
عشية احتلال العراق نعت الكثير من الكتابات الحال التي آل إليها النظام الرسمي العربي، وأفرط كثيرون في توجيه النقد اللاذع لبنية هذا النظام ونواته الأساسية ممثلة في الجامعة العربية، كما وُجه لوم عنيف للعديد من القوى الرئيسية في العالم العربي، نظراً لموقفها الضعيف في مواجهة قرار الغزو.
وظن البعض، ربما خطأً، أن الحالة العراقية، وكيفية تعاطي النظام العربي معها، تعد النموذج الأسوأ لما يمكن أن يؤول إليه حال هذا النظام من العجز وانعدام الحركة، فيما اعتبرها الراحل إدوارد سعيد أشبه (بنكبة) عربية جديدة تضاف إلى نكبة فلسطين 1948.
وها هي الحرب الإسرائيلية على لبنان تودي بالنظام العربي إلى أشد مراحله مخاضاً، وتضرب جذوره (الواهنة) بعنف. وهو الذي لم ينته بعد من سداد فاتورة غزو العراق. وتبدو الحرب، في أبعادها وانقساماتها وتداعياتها، كما لو كانت صرخة (احتضار) في الجسد العربي المتداعي، ليس لجهة الإعلان الصريح عن إخفاق الجامعة العربية في التعاطي مع الأزمة التي خلفتها الحرب، والفشل في عقد قمة عربية (طارئة) لإنقاذ لبنان، وإنما أيضاً لكونها مثلت سابقة في علاقة النظام بإحدى وحداته، حيث بدا أن النظام بدأ يعمل عكس وظائفه وفي مقدمتها حماية أعضائه من أي تهديد خارجي، ما يقوض دعائم وجوده بالأساس.
بيد أنها (الحرب)، وما أفرزته من اختلافات، لا تقيم، وحدها، دليلاً على (تصدّع) النظام العربي، في حين يجري التغافل، والتغاضي، عن تلك العوامل (الأصيلة) للتصدع، التي ما برحت تطل برأسها مع كل أزمة ملّمة. وهي ذاتها، العوامل، التي خلقت، ولا تزال، سقفاً من التوقعات لا يتناسب وحقيقة التأزم في النظام العربي ذاته. وهي تلك التي تعرف دائماً بقائمة طويلة من أوجه التماثل والتشابه بين وحدات النظام، ويجري التعاطي معها بوصفها (ضمانة) أساسية لتفعيل (العمل العربي المشترك) و(حاضنة) لطموحاته وأحلامه الكبرى. في حين أنها عملت، ضمناً، ولا تزال، على تعطيل ذلك العمل، وحولت أحلامه (سراباً). في حين خلقت (أعنف) مفارقة يعيشها النظام العربي بوصفه نظاماً إقليمياً. ما يدفع للتساؤل، وربما التشكك، في قدرة هذه العناصر على إفراز نظام إقليمي قادر على العمل بشكل فعّال، وما إذا كان العطب الكامن في أداء النظام العربي، إنما مرده وجود مثل هذه العناصر، التي حلت محل عناصر أخرى أكثر متانة تقوم على أعمدة البنائية – الوظيفية.
لذا، يصبح هذياناً (منهجياً)، أن يجري القفز إلى النتائج، من دون المرور بمسبباتها، وكأن توجيه الانتقادات للنظام العربي، وحاضنته الرسمية (الجامعة العربية)، بات بحد ذاته استراتيجية للهرب من استحقاقات تلك المفارقة التاريخية، ما حجب بدوره ثقوباً عديدة ما برحت تملأ النسق الإدراكي للعالم العربي.
وندرك أنه مع كل أزمة عربية يوَاجه النظام العربي بسيل من الأسئلة والتحديات حول استعداده للتعاطي معها، وما إذا كانت لا تزال لديه القدرة على ملء فراغ المسؤولية تجاهها أم لا، بيد أن الطرح (الآلي) المتكرر لهذه الأسئلة، من دون القدرة على استكشاف مكامن العجز الحقيقية في بنية النظام، بات بحد ذاته يمثل جزءاً من الأزمة، يعقدها ولا يحلحلها. كما أن توجيه الانتقادات للهيكل الرسمي للنظام العربي (الجامعة العربية) بات يمثل، بحد ذاته، استراتيجية جيدة للهروب من استحقاقات الأزمات المتلاحقة، ما حجب كثيراً من الثقوب التي تملأ النسق الإدراكي العربي في إمكانية العمل كنظام (system) مبني على علاقات تفاعلية مؤثرة.
وإذا كانت خبرة العقود الستة الماضية تقدم دليلاً قوياً على حجم التحولات التي طرأت على النظام الإقليمي العربي من حيث الإدراكات والأهداف والوظائف، إلا أن هذه التحولات، كان من المفترض لها أنها تسير بموازاة متغيرين أساسيين: الأول هو حجم التطور السياسي الداخلي في العالم العربي، وما يعنيه ذلك من تغير في منظومة الوعي والإدراك لدى الشعوب العربية ورؤيتها لدور النظام ووظائفه. والثاني حجم التغير الذي طرأ على البيئة الدولية وتداعياته على بنية النظام وفاعليته. وفي كلتا الحالتين، سار النظام على عكس المتوقع له والمفترض الذي يجب أن يقوم به تجاه كلا المتغيرين.
وربما كان صحيحاً أن النظام العربي قد أثبت كفاءة في مواجهة بعض الأزمات التي ألمت به منذ بواكيره الأولى، وذلك على غرار أزمات 1948 عقب الهزيمة العربية (الأولى)، وعام 1967 عقب الهزيمة الثانية، وانتهاء بالهزيمة الثالثة (المعنوية) عقب توقيع معاهدة السلام عام 1979. بيد أن هذا كله لم يكن ليخفي كثيراً من عناصر الضعف والتحلل التي استمر مفعولها في السريان داخل بنية النظام العربي منذ نشأته وحتى الآن. نقول ذلك من دون أن نغفل الطبيعة الأيديولوجية والثقافوية التي صبغت النظام العربي إبان مسيرته الطويلة، والتي لعبت دورها في تعزيز المخرجات النهائية للنظام كما لو كان هيكلاً متجانساً.
ولم يكن الانشطار العربي (الأول) الذي أحدثه الغزو العراقي للكويت عام 1990، سوى حجة كاشفة لفداحة الخلل الموجود في إدراك وحدات النظام لوظائفه وأهدافه ومصادر تهديده. ولم يكن لتداعيات هذا الانقسام (الشرخ) الحاد الذي شهده بنيان النظام العربي أن تستمر وتنضج طيلة عقد التسعينات إلا لضعف الروابط الوظيفية – البينية التي تشد أطراف النظام باتجاه عبور المأزق والعودة إلى وضع ما قبل الانكسار.
وما بين الفاعلية والهذيان، شهد النظام العربي (نوبات) يقظة، لم تكن لتعالج مرضه الخبيث، وذلك على غرار الدعوة لانعقاد (قمة 1996)، التي دعت إليها مصر، عقب وصول اليمين المتطرف إلى الحكم في إسرائيل، أو (قمة 2000) لمؤازرة الانتفاضة الثانية (انتفاضة الأقصى). ولكنه (النظام العربي) في الوقت نفسه لم يبد استعداداً كافياً لمواجهة مرضه العضال إلى أن جاءت (نكبة العراق) كي تضع أصابعها في قلب الجرح العربي.
لذا يمكن القول، ومن دون مبالغة، إن معظم الأزمات التي مر بها النظام العربي، على مستوييه الجمعي والقطري، كانت تنحت من قدرته على العمل كنظام متناغم، وكثيراً ما كان يتم التغلب عليها بشكل لا إرادي وتحت ضغوط الرابط العاطفي والنفسي، أكثر منه تعاطياً منهجياً على أسس وظيفية – مصلحية تتعلق بطريقة عمل النظام، ومن ثم كفاءته. وهو ما أخفى كثيراً من جوانب القصور (الجوهري) الكامن في جسد النظام ذاته. وحجة ذلك أنه، ووفق المنطق (العضوي) لتطور أي نظام إقليمي، يفترض أن تزداد كفاءة هذا النظام كلما زاد تعرضه للأزمات، وكلما زادت أيضاً مساحة الانسجام والتفاهم بين إرادة أعضائه.
ويبقى السؤال الملّح هو: هل يمكن أن يستمر النظام الإقليمي العربي في السنوات المقبلة، بنفس منطق استمراره من قبل؟ وهل الأسباب التي مكنته من الاستمرار في الماضي، وساعدته على مقاومة مشاريع التذويب في أطر إقليمية أكبر غير عربية، أو مشاريع التفتيت من الداخل يمكن أن تستمر في المستقبل؟ إنه سؤال يجب على الجميع الالتفات إليه قبل فوات الأوان.
وقد ينظر البعض إلى مواقف بعض الأطراف العربية (الفاعلة) من الحرب على لبنان، بوصفها (خروجاً) عما هو مألوف في الخبرة العربية، من خطاب إعلامي (زاعق) يستهدف المزايدة على مصائر الشعوب والأوطان. بيد أنها، ومن منظور منهجي محض، قد تمثل بداية (الانبلاج) الحقيقي للوعي (الوظيفي) العربي، وولادة جديدة (للكيانية) العربية، وذلك مقابل الديماجوجية (الفوقية) التي شكلت ملامح العقل الرسمي العربي طيلة العقود الستة الماضية.
وبغض النظر أيضاً عما تخفيه (النوايا) تجاه الأزمة اللبنانية، يصبح الانتقال من (عبثية) الفعل الجماعي، إلى واقعية (نظيره) القطري، بداية جديدة للعمل العربي المشترك (الواعي)، وترسيخاً للإقليمية (الوظيفية) الجديدة (New Regionalism) في إطارها العربي. ويظل هذا، بالطبع، رهنا بمدى الارتباط (العضوي) بين مصالح الشعوب ورؤية الأنظمة لها، بحيث يصبح التفويض بالتحرك (القطري) قراراً (وطنياً)، وليس مجرد رغبة سلطوية (تستعيض) بالمزايدة (الفئوية) عن تحقيق المصلحة الجماعية. أي أن يعاد تأسيس الرابطة العربية (الجامعة) على أسس أكثر متانة، تستهدف مصلحة وحداته، من دون القفز بها نحو المساحات الرومانسية (الحالمة). وهو وضع قد يُصار إليه إذا ما نجحت الشعوب العربية في تخطي تبعات (الشرخ) الراهن في النظام العربي.
إن إعادة التفكير (المنهجي) في دينامية النظام العربي، ومدى كفاءة وحداته على العمل بشكل مترابط ومتناغم، باتت أمراً ملحاً وضرورياً وكبديل للخروج من دائرة (الفعل) التاريخي، ذلك أن مستقبل أي نظام إقليمي يتحدد أولاً بقدرته على إدارة العلاقات بين وحداته، بما يجعلهم حريصين على الاستمرار فيه والارتباط به. وثانياً بقدرة مؤسساته على التكيف مع البيئة العالمية، وهو ما يمكن تحقيقه من خلال إيجاد التوازن بين القدرات والموارد من جهة، والتطلعات والطموحات من جهة أخرى.
ولا تنطوي إعادة التفكير هذه على مجرد نقد للبنية الرسمية العربية، سواء ما تعلق منها بالهيكل المؤسسي للنظام ممثلاً في الجامعة العربية، أو ما يتعلق بطبيعة النظم السياسية العربية ذاتها، فهذه ليست سوى (قشرة) خارجية لعناصر (جوانية) أكثر تأثيراً وحساسية تتعلق بحزمة الأهداف والروابط التي تجمع بين وحدات النظام، وما إذا كانت هذه (الضفائر) قد فقدت جدواها وقدرتها على حقن النظام بمبررات وجوده.
بكلمات أخرى، أن يُصار إلى إعادة تأسيس النظام الإقليمي العربي، على أسس أكثر متانة ومصيرية تحتل مساحة مؤثرة في إدراك وحدات النظام، بحيث لا يدور اهتمامها حول مصادر تهديد النظام فحسب، فهذه مهمة لاحقة، وإنما ترتبط أساساً بمصالح الأعضاء وتطلعات شعوبها.
وإذا كان لبنان هو البلد العربي الذي ينظر إليه بوصفه مالك (براءة) أول تجربة ديمقراطية حقيقية في المنطقة، فقد تصبح الحرب الإسرائيلية (البربرية) عليه البداية نحو (استيلاد) نظام عربي (حقيقي) وجاد.
::/fulltext::
|
Getting your Trinity Audio player ready...
|
::cck::2615::/cck::
::introtext::
عشية احتلال العراق نعت الكثير من الكتابات الحال التي آل إليها النظام الرسمي العربي، وأفرط كثيرون في توجيه النقد اللاذع لبنية هذا النظام ونواته الأساسية ممثلة في الجامعة العربية، كما وُجه لوم عنيف للعديد من القوى الرئيسية في العالم العربي، نظراً لموقفها الضعيف في مواجهة قرار الغزو.
::/introtext::
::fulltext::
عشية احتلال العراق نعت الكثير من الكتابات الحال التي آل إليها النظام الرسمي العربي، وأفرط كثيرون في توجيه النقد اللاذع لبنية هذا النظام ونواته الأساسية ممثلة في الجامعة العربية، كما وُجه لوم عنيف للعديد من القوى الرئيسية في العالم العربي، نظراً لموقفها الضعيف في مواجهة قرار الغزو.
وظن البعض، ربما خطأً، أن الحالة العراقية، وكيفية تعاطي النظام العربي معها، تعد النموذج الأسوأ لما يمكن أن يؤول إليه حال هذا النظام من العجز وانعدام الحركة، فيما اعتبرها الراحل إدوارد سعيد أشبه (بنكبة) عربية جديدة تضاف إلى نكبة فلسطين 1948.
وها هي الحرب الإسرائيلية على لبنان تودي بالنظام العربي إلى أشد مراحله مخاضاً، وتضرب جذوره (الواهنة) بعنف. وهو الذي لم ينته بعد من سداد فاتورة غزو العراق. وتبدو الحرب، في أبعادها وانقساماتها وتداعياتها، كما لو كانت صرخة (احتضار) في الجسد العربي المتداعي، ليس لجهة الإعلان الصريح عن إخفاق الجامعة العربية في التعاطي مع الأزمة التي خلفتها الحرب، والفشل في عقد قمة عربية (طارئة) لإنقاذ لبنان، وإنما أيضاً لكونها مثلت سابقة في علاقة النظام بإحدى وحداته، حيث بدا أن النظام بدأ يعمل عكس وظائفه وفي مقدمتها حماية أعضائه من أي تهديد خارجي، ما يقوض دعائم وجوده بالأساس.
بيد أنها (الحرب)، وما أفرزته من اختلافات، لا تقيم، وحدها، دليلاً على (تصدّع) النظام العربي، في حين يجري التغافل، والتغاضي، عن تلك العوامل (الأصيلة) للتصدع، التي ما برحت تطل برأسها مع كل أزمة ملّمة. وهي ذاتها، العوامل، التي خلقت، ولا تزال، سقفاً من التوقعات لا يتناسب وحقيقة التأزم في النظام العربي ذاته. وهي تلك التي تعرف دائماً بقائمة طويلة من أوجه التماثل والتشابه بين وحدات النظام، ويجري التعاطي معها بوصفها (ضمانة) أساسية لتفعيل (العمل العربي المشترك) و(حاضنة) لطموحاته وأحلامه الكبرى. في حين أنها عملت، ضمناً، ولا تزال، على تعطيل ذلك العمل، وحولت أحلامه (سراباً). في حين خلقت (أعنف) مفارقة يعيشها النظام العربي بوصفه نظاماً إقليمياً. ما يدفع للتساؤل، وربما التشكك، في قدرة هذه العناصر على إفراز نظام إقليمي قادر على العمل بشكل فعّال، وما إذا كان العطب الكامن في أداء النظام العربي، إنما مرده وجود مثل هذه العناصر، التي حلت محل عناصر أخرى أكثر متانة تقوم على أعمدة البنائية – الوظيفية.
لذا، يصبح هذياناً (منهجياً)، أن يجري القفز إلى النتائج، من دون المرور بمسبباتها، وكأن توجيه الانتقادات للنظام العربي، وحاضنته الرسمية (الجامعة العربية)، بات بحد ذاته استراتيجية للهرب من استحقاقات تلك المفارقة التاريخية، ما حجب بدوره ثقوباً عديدة ما برحت تملأ النسق الإدراكي للعالم العربي.
وندرك أنه مع كل أزمة عربية يوَاجه النظام العربي بسيل من الأسئلة والتحديات حول استعداده للتعاطي معها، وما إذا كانت لا تزال لديه القدرة على ملء فراغ المسؤولية تجاهها أم لا، بيد أن الطرح (الآلي) المتكرر لهذه الأسئلة، من دون القدرة على استكشاف مكامن العجز الحقيقية في بنية النظام، بات بحد ذاته يمثل جزءاً من الأزمة، يعقدها ولا يحلحلها. كما أن توجيه الانتقادات للهيكل الرسمي للنظام العربي (الجامعة العربية) بات يمثل، بحد ذاته، استراتيجية جيدة للهروب من استحقاقات الأزمات المتلاحقة، ما حجب كثيراً من الثقوب التي تملأ النسق الإدراكي العربي في إمكانية العمل كنظام (system) مبني على علاقات تفاعلية مؤثرة.
وإذا كانت خبرة العقود الستة الماضية تقدم دليلاً قوياً على حجم التحولات التي طرأت على النظام الإقليمي العربي من حيث الإدراكات والأهداف والوظائف، إلا أن هذه التحولات، كان من المفترض لها أنها تسير بموازاة متغيرين أساسيين: الأول هو حجم التطور السياسي الداخلي في العالم العربي، وما يعنيه ذلك من تغير في منظومة الوعي والإدراك لدى الشعوب العربية ورؤيتها لدور النظام ووظائفه. والثاني حجم التغير الذي طرأ على البيئة الدولية وتداعياته على بنية النظام وفاعليته. وفي كلتا الحالتين، سار النظام على عكس المتوقع له والمفترض الذي يجب أن يقوم به تجاه كلا المتغيرين.
وربما كان صحيحاً أن النظام العربي قد أثبت كفاءة في مواجهة بعض الأزمات التي ألمت به منذ بواكيره الأولى، وذلك على غرار أزمات 1948 عقب الهزيمة العربية (الأولى)، وعام 1967 عقب الهزيمة الثانية، وانتهاء بالهزيمة الثالثة (المعنوية) عقب توقيع معاهدة السلام عام 1979. بيد أن هذا كله لم يكن ليخفي كثيراً من عناصر الضعف والتحلل التي استمر مفعولها في السريان داخل بنية النظام العربي منذ نشأته وحتى الآن. نقول ذلك من دون أن نغفل الطبيعة الأيديولوجية والثقافوية التي صبغت النظام العربي إبان مسيرته الطويلة، والتي لعبت دورها في تعزيز المخرجات النهائية للنظام كما لو كان هيكلاً متجانساً.
ولم يكن الانشطار العربي (الأول) الذي أحدثه الغزو العراقي للكويت عام 1990، سوى حجة كاشفة لفداحة الخلل الموجود في إدراك وحدات النظام لوظائفه وأهدافه ومصادر تهديده. ولم يكن لتداعيات هذا الانقسام (الشرخ) الحاد الذي شهده بنيان النظام العربي أن تستمر وتنضج طيلة عقد التسعينات إلا لضعف الروابط الوظيفية – البينية التي تشد أطراف النظام باتجاه عبور المأزق والعودة إلى وضع ما قبل الانكسار.
وما بين الفاعلية والهذيان، شهد النظام العربي (نوبات) يقظة، لم تكن لتعالج مرضه الخبيث، وذلك على غرار الدعوة لانعقاد (قمة 1996)، التي دعت إليها مصر، عقب وصول اليمين المتطرف إلى الحكم في إسرائيل، أو (قمة 2000) لمؤازرة الانتفاضة الثانية (انتفاضة الأقصى). ولكنه (النظام العربي) في الوقت نفسه لم يبد استعداداً كافياً لمواجهة مرضه العضال إلى أن جاءت (نكبة العراق) كي تضع أصابعها في قلب الجرح العربي.
لذا يمكن القول، ومن دون مبالغة، إن معظم الأزمات التي مر بها النظام العربي، على مستوييه الجمعي والقطري، كانت تنحت من قدرته على العمل كنظام متناغم، وكثيراً ما كان يتم التغلب عليها بشكل لا إرادي وتحت ضغوط الرابط العاطفي والنفسي، أكثر منه تعاطياً منهجياً على أسس وظيفية – مصلحية تتعلق بطريقة عمل النظام، ومن ثم كفاءته. وهو ما أخفى كثيراً من جوانب القصور (الجوهري) الكامن في جسد النظام ذاته. وحجة ذلك أنه، ووفق المنطق (العضوي) لتطور أي نظام إقليمي، يفترض أن تزداد كفاءة هذا النظام كلما زاد تعرضه للأزمات، وكلما زادت أيضاً مساحة الانسجام والتفاهم بين إرادة أعضائه.
ويبقى السؤال الملّح هو: هل يمكن أن يستمر النظام الإقليمي العربي في السنوات المقبلة، بنفس منطق استمراره من قبل؟ وهل الأسباب التي مكنته من الاستمرار في الماضي، وساعدته على مقاومة مشاريع التذويب في أطر إقليمية أكبر غير عربية، أو مشاريع التفتيت من الداخل يمكن أن تستمر في المستقبل؟ إنه سؤال يجب على الجميع الالتفات إليه قبل فوات الأوان.
وقد ينظر البعض إلى مواقف بعض الأطراف العربية (الفاعلة) من الحرب على لبنان، بوصفها (خروجاً) عما هو مألوف في الخبرة العربية، من خطاب إعلامي (زاعق) يستهدف المزايدة على مصائر الشعوب والأوطان. بيد أنها، ومن منظور منهجي محض، قد تمثل بداية (الانبلاج) الحقيقي للوعي (الوظيفي) العربي، وولادة جديدة (للكيانية) العربية، وذلك مقابل الديماجوجية (الفوقية) التي شكلت ملامح العقل الرسمي العربي طيلة العقود الستة الماضية.
وبغض النظر أيضاً عما تخفيه (النوايا) تجاه الأزمة اللبنانية، يصبح الانتقال من (عبثية) الفعل الجماعي، إلى واقعية (نظيره) القطري، بداية جديدة للعمل العربي المشترك (الواعي)، وترسيخاً للإقليمية (الوظيفية) الجديدة (New Regionalism) في إطارها العربي. ويظل هذا، بالطبع، رهنا بمدى الارتباط (العضوي) بين مصالح الشعوب ورؤية الأنظمة لها، بحيث يصبح التفويض بالتحرك (القطري) قراراً (وطنياً)، وليس مجرد رغبة سلطوية (تستعيض) بالمزايدة (الفئوية) عن تحقيق المصلحة الجماعية. أي أن يعاد تأسيس الرابطة العربية (الجامعة) على أسس أكثر متانة، تستهدف مصلحة وحداته، من دون القفز بها نحو المساحات الرومانسية (الحالمة). وهو وضع قد يُصار إليه إذا ما نجحت الشعوب العربية في تخطي تبعات (الشرخ) الراهن في النظام العربي.
إن إعادة التفكير (المنهجي) في دينامية النظام العربي، ومدى كفاءة وحداته على العمل بشكل مترابط ومتناغم، باتت أمراً ملحاً وضرورياً وكبديل للخروج من دائرة (الفعل) التاريخي، ذلك أن مستقبل أي نظام إقليمي يتحدد أولاً بقدرته على إدارة العلاقات بين وحداته، بما يجعلهم حريصين على الاستمرار فيه والارتباط به. وثانياً بقدرة مؤسساته على التكيف مع البيئة العالمية، وهو ما يمكن تحقيقه من خلال إيجاد التوازن بين القدرات والموارد من جهة، والتطلعات والطموحات من جهة أخرى.
ولا تنطوي إعادة التفكير هذه على مجرد نقد للبنية الرسمية العربية، سواء ما تعلق منها بالهيكل المؤسسي للنظام ممثلاً في الجامعة العربية، أو ما يتعلق بطبيعة النظم السياسية العربية ذاتها، فهذه ليست سوى (قشرة) خارجية لعناصر (جوانية) أكثر تأثيراً وحساسية تتعلق بحزمة الأهداف والروابط التي تجمع بين وحدات النظام، وما إذا كانت هذه (الضفائر) قد فقدت جدواها وقدرتها على حقن النظام بمبررات وجوده.
بكلمات أخرى، أن يُصار إلى إعادة تأسيس النظام الإقليمي العربي، على أسس أكثر متانة ومصيرية تحتل مساحة مؤثرة في إدراك وحدات النظام، بحيث لا يدور اهتمامها حول مصادر تهديد النظام فحسب، فهذه مهمة لاحقة، وإنما ترتبط أساساً بمصالح الأعضاء وتطلعات شعوبها.
وإذا كان لبنان هو البلد العربي الذي ينظر إليه بوصفه مالك (براءة) أول تجربة ديمقراطية حقيقية في المنطقة، فقد تصبح الحرب الإسرائيلية (البربرية) عليه البداية نحو (استيلاد) نظام عربي (حقيقي) وجاد.
::/fulltext::
::cck::2615::/cck::
