تداعيات انهيار المشروع الأمريكي على منطقة الخليج

::cck::2619::/cck::
::introtext::

ربما كان من أبرز المؤشرات إلى فقدان الأمريكيين القدرة على إدارة دفة الأمور ولو نسبياً في العراق هو الصراع الذي بدأ يخرج للعلن بين ممثلي الاحتلال الإيراني (الائتلاف الشيعي) وبين الإدارة الأمريكية حين رفض المالكي علناً نزع سلاح الميليشيات بعد أن كان يعلن وفاءه للكونجرس قبل فترة وجيزة. وهذا الرفض جاء رداً على تصريحات مسؤولين أمريكيين بضرورة مواجهة الميليشيات وفرق الموت التي أطلقها الأمريكيون بالتشاور والتنسيق مع الائتلاف، ولكنها تحولت إلى جيش منظم لمصلحة استراتيجية الاحتلال الإيراني للعراق.

::/introtext::
::fulltext::

ربما كان من أبرز المؤشرات إلى فقدان الأمريكيين القدرة على إدارة دفة الأمور ولو نسبياً في العراق هو الصراع الذي بدأ يخرج للعلن بين ممثلي الاحتلال الإيراني (الائتلاف الشيعي) وبين الإدارة الأمريكية حين رفض المالكي علناً نزع سلاح الميليشيات بعد أن كان يعلن وفاءه للكونجرس قبل فترة وجيزة. وهذا الرفض جاء رداً على تصريحات مسؤولين أمريكيين بضرورة مواجهة الميليشيات وفرق الموت التي أطلقها الأمريكيون بالتشاور والتنسيق مع الائتلاف، ولكنها تحولت إلى جيش منظم لمصلحة استراتيجية الاحتلال الإيراني للعراق.
مع تسارع الأحداث بصورة لم يسبق لها مثيل حتى إنه أصبح الجمهوريون متحفزين لمسابقة الديمقراطيين لإعلان الهزيمة الحقيقية على يد المقاومة الإسلامية الوطنية في العراق أصبح من الضروري لفريق بوش المتهالك والمضطرب والعاجز عن الثبات على أي استراتيجية بعينها ولو لثلاثة أشهر إعلان الهزيمة عبر إعلان تكتيكات جديدة حسب تصريحات المسؤولين الأمريكيين.
ولذلك جاء حديث بوش الجديد حول تشبيهه لحرب العراق بفيتنام وكذلك تصريحه الأخير عن حدود الصبر وتقديره لموقف الشعب الأمريكي الذي سأم من قطار الجنائز الذي لا يتوقف بل ويزداد لا للمدنيين العراقيين، فهؤلاء ليسوا أبداً محل اهتمام هذا الشعب إلا عبر نفر قليل من المجتمع المدني الأمريكي، إنما فزعه على أصحاب جنسيته الأمريكية الأصلية، وحسب هذا الضغط من الشارع المنهار نفسياً يضاعف المسؤولية على الرئيس بوش وفريقه، ورغم كل المحاولات والمذابح التي ارتكبها الأمريكيون في العراق استقلالا أو بشراكة الإيرانيين فقد واجهتها المقاومة العراقية ببسالة منقطعة النظير، وأصبحت قدرتها في تزايد وفاعلية لإدارة استراتيجية المعركة.
كل ذلك يعزز وصول الأمور إلى حافة الهاوية أو سقوطها فيها واشتعال الصراع بين القوتين المحتلتين في العراق واشنطن وطهران، فضلاً عن برنامج الحركة الصفوية في العراق وقدرة إيران على الاستقلال به كأيديولوجية تابعة لها في نهاية الأمر، وبالتالي آثار هذا الانفضاض الأمريكي الإيراني في بغداد على مستقبل العراق بل والخليج كله حين تقرر طهران سحب ميليشياتها المدنية في المجتمع الخليجي من برنامج التنسيق الأمريكي-ضد الوجود والهوية العربية الإسلامية فيه بعد أن استكملت استحلاب المحتل الأمريكي، وباتت ترغب في إدارة الصراع لمصلحة مشروعها الخاص وهذا ما يعزز هذه التداعيات ومستقبل الاستقرار الوطني في الخليج.
إن قضية الاستقرار في‮ ‬دول مجلس التعاون ‮الخليجي ‬تواجهها عدة أزمات وفق الخيارات المحتملة،‮ ‬وليس أزمة واحدة وذلك بناء على ضريبة مواقفها السابقة من الأحداث والغياب الكامل عن التأثير في‮ ‬مجريات المعركة المتقلبة والمضطربة بعد أن وضعت كل البيض في‮ ‬سلة الاحتلال الأمريكي الذي‮ ‬لم‮ ‬يعد‮ ‬يستطيع أن‮ ‬يحمي‮ ‬بيضه فضلاً‮ ‬عن بيض الآخرين‮.‬
ففي‮ ‬حال تبني الأمريكيين سباق قلب الطاولة على المشروع الإيراني‮ ‬المتوسع في‮ ‬العراق فإن ذلك سيكون من خلال بعدين كلاهما مؤثر في الوضع الاجتماعي‮ ‬واستقرار السلم الأهلي‮ ‬في‮ ‬الخليج بل الحالة الوطنية بالكامل:
البعد الأول الذي‮ ‬قد تسعى واشنطن إليه فهو التحفيز والإعلان عن قيام الحرب الأهلية رسمياً‮ ‬في‮ ‬العراق وفتح الميدان لكل ما‮ ‬يسهم في‮ ‬توسيعها خاصة بعد أن هيأ لها الإيرانيون كل ما‮ ‬يلزم من فيدرالية وخطاب محاصصة طائفي‮ ‬وقتل ونحر على الهوية، لكن التجربة مع المشروع الأمريكي‮ ‬للعراق أثبتت بكل تأكيد أن الفشل والاضطراب وأهم من ذلك فقدان السيطرة على المشروع المولّد أمريكيا‮ً ‬يتفاعل سلبياً بصورة خطيرة، وهذه التفاعلات صداها القريب جداً‮ ‬هو مجلس التعاون الخليجي‮ ‬المحتقن أصلاً‮ ‬من أجواء الحرب وتداعياتها وقوة الاستقطاب المتزايد في‮ ‬الشارع بين الولاء الإيراني‮ ‬والولاء العربي‮ ‬بغض النظر عن اختلاط هذا الولاء بالوجود الرسمي‮ ‬وهذا مشاهد ومعروف‮.‬
لكن حجم الاستفزاز للشخصية العربية كبير جداً‮، ‬وأدى إلى تفاعل الإنسان العربي‮ ‬المسلم في‮ ‬الخليج مع الأحداث تفاعلاً‮ ‬يتجاوز الأطر الرسمية إلى عمق الانتماء العربي الأول لمجتمع النبي‮ محمد ‬صلى الله عليه وسلم وأصحابه والمسيرة العربية منذ البعثة النبوية وبين الفريق الآخر الموالي‮ ‬للأيديولوجية الإيرانية المعادية لهذا التاريخ والانتماء‮.‬
وإذا كان المنهج الذي‮ ‬يفضله الأمريكيون هو الانقضاض على القوة المنتجة للميليشيات الإيرانية في‮ ‬العراق كمحاولة لتعديل نسب التفوق بعد أن اتسع الخرق، فليس من المتوقع أبداً أن تنجح واشنطن في‮ ‬ذلك،‮ ‬لذا جاء رد المالكي‮ ‬سريعاً‮ ‬حين داهمت واشنطن موقعاً‮ ‬في‮ ‬مدينة الصدر لاعتقال شخصية قيادية في‮ ‬ميليشيات الصدر عندما عارض ذلك بشدة‮.‬
إذاً، فالرسالة الإيرانية وصلت وعن قرب عبر رئيس الوزراء العراقي‮ ‬نفسه الذي‮ ‬دعا علي خامنئي‮ ‬في‮ ‬خطبة الجمعة إلى مؤازرة حكومته المنتخبة من الشعب، كما سماها، وهو الذي‮ ‬يعلم جيدا بأنه لولا برنامج الأمريكيين لما جاء المالكي‮ ‬من طهران إلى الحكم في‮ ‬بغداد،‮ ‬وهو بالضبط ما قاله المالكي‮ ‬في‮ ‬خطابه أمام الكونجرس الأمريكي‮ ‬وهو‮ ‬يعلن امتنانه العميق لهم‮.‬
إذاً‮، ‬طهران قد تكون فعلياً‮ ‬في‮ ‬حالة استعداد كامل لتحريك أذرعتها في‮ ‬الخليج في‮ ‬حال وصول المعركة في‮ ‬بغداد إلى حالة تعتبر فيها أن مشروعها الاستراتيجي‮ ‬في‮ ‬العراق بدأت تضعف مفاصله وتستبعد قياداته سياسياً‮ ‬أو عسكرياً،‮ ‬وهذا‮ ‬يعني‮ ‬ضربة مبكرة للمشروع الإيراني‮.‬انفجار الحركة الصفوية من الداخل
لعل أبرز القضايا الرئيسية لانهيار المشروع الأمريكي في العراق وأثره في دول مجلس التعاون الخليجي وصولاً إلى الحالة السياسية والأمنية التي تعيشها المنطقة بناء على مشاركة أذرعة الثورة الإيرانية في الخليج وانخراطهم في مشروع واشنطن بدأ بالعراق ثم انهياره واحتدام الصراع بين الطرفين الإقليمي والدولي هو تطور موقف الحركة بناء على هذا الانقلاب.
والحقيقة المعروفة هي أن آمال الحركة الصفوية في الخليج كانت في مستوى متقدم وآفاق متطلعة بكل قوة إلى استكمال ما بدأ في بغداد في 9 أبريل 2003 يوم احتلال العراق، وهذه الثقافة المؤيدة لمشروع احتلال العراق كانت رصيداً ظاهراً في الشارع الصفوي مع تعبئة كبيرة لدى قيادتها الدينية والسياسية صاحبها حراك سياسي ومشاريع استراتيجية فئوية مع ممثلي واشنطن ولندن لإعادة تشكيل الخليج ثقافياً وسياسياً وسيادياً في تلك المرحلة وفق المعادلة نفسها: الحقوق للمحاصصة الطائفية والانتقام من الوجود العربي الإسلامي المقابل للثورة الإيرانية.
هذه الآمال بدأت تتداعى عند مناضليها سواء الفريق الذي كلف بالبقاء في واشنطن ولندن والتنسيق مع المؤسسات الأمريكية والدولية وتصعيد الخطاب الإعلامي أو الفريق الذي عاد إلى أرض الوطن حتى يستكمل ميدانياً مشاريع الزحف المقدس لاستعادة جمهورية المظلومين من معسكر (يزيد) كما يطلقون على الوجود العربي أسوة بما جرى في العراق.
إن هذا الإحباط لفشل المشروع برز في عدة مواقع خاصة حين اختلطت الأمور في العراق، وبعد كل التضحيات بقيم الاستقلال والتجرد والانتماء والتأييد الكامل غير المشروط للاحتلال الأمريكي بل الاستعداء الواسع والقوي للمجتمع العربي الإسلامي في الخليج بدا أن مشروع الحركة الصفوية لم يحقق حتى الآن على الأرض أي إنجاز فعلي لجمهورية المظلومين، وأن الراعي الأمريكي للعملية والراعي الأيديولوجي على وشك الصراع.
البعد الثاني: إن افتضاح مواقف الحملة الصفوية من تأييد واشنطن ومشاركتها أعاد طرح قضايا خطيرة على صعيد التحفيز لإقامة مشروع الخليج الجديد الذي حلمت به الحركة، ودعا إليه بحماس مناضلوها في بغداد أو من دول مجلس التعاون، وهذا ما زاد اضطراب الحركة والقلق الشديد والتردد في قيادتها مع اضطراب التصريحات من تصعيد أو تهدئة.
ومن أهم القضايا هي اكتشاف أكذوبة التركيبة الديموغرافية لدول مجلس التعاون الخليجي من الناحية الطائفية وهي قضية بعثت بها الحركة الصفوية بكل قوة إلى الساحة الدولية لتجنيدها للمشروع المشترك مع القوى الدولية رغم إيمان كل وطني غيور بأنها وقود ملوث وخطير يفرق بين أبناء الطائفتين، ويعرض تعايشهم واستقرارهم الاجتماعي وسلمهم الأهلي للخطر، وأن مسيرة الحقوق والنضال حين ترهن بالأجنبي والإقليمي المعادي للهوية والرسالة تتحول إلى صراع على المبادئ والمثل والانتماء بدلاً من سيادة القانون الدستوري وتمتع الجميع بحقوقهم كاملة من دون إجحاف أو تمييز.
هذه الاستراتيجية قامت على فكرة إلغاء أو تهميش بل وأحياناً استئصال العرب السنة من كل الدراسات والوثائق والمشاريع الفكرية التي تمارس من خلالها مؤسسات وشخصيات الحراك الصفوي تضليلاً كبيراً للرأي العام العربي والدولي، وكأن هذا الوجود الشعبي وليس الرسمي والمرتبط بالنفوذ الأمريكي هو حالة احتلال قائمة في تصوير هؤلاء على الانتماء المذهبي، أي بمجرد أنك تنتمي لأهل السنة أو التشيع العربي العلوي فلا قيمة ولا وزن لك ولا اعتراف، بل تحفز لاستئصال هذا الوجود، وقد برز هذا الخطاب جلياً بكل قوة عقب 9 أبريل فافتضحت النوايا.
لكن هذه القضية سواء في بلدان كاملة أو أقاليم من هذه الدولة وتلك بدأ إدراكها يتفاعل بشكل حيوي، وينتشر عند المثقفين وعامة الشعب على السواء، وأن هذه الإحصائيات المزورة التي تلغي وجود الناس بناء على الاختلاف المذهبي أباطيل إنما سادت لعجز النظام الرسمي الخليجي عن إعطاء التيار العربي الإسلامي الوطني في المنطقة فرصة القيام والظهور وتبني المطالب والحقوق الدستورية لأبناء شعبه بدلاً من قمعه. كما أن إيمان النظام الرسمي في الخليج الذي تبين خطأه وكارثيته فيما بعد بأن تغييب أهل السنة في المنطقة إنما يساعد هذا النظام على استدرار مشاريع الأمريكيين الأمنية له في مواجهة هذا الحضور فأتى الأمر على خلاف ما يظنون، وخرت أفكارهم من القواعد، واستخدم الإيرانيون والأمريكيون تغييبهم وتهميشهم للانتماء العربي والإسلامي في إظهار ونشر الحركة الصفوية.
إن شعور الحركة بانهيار هذه الدعوة وبطلانها مع اضطراب مشروعهم في العراق يعزز حالة الإحباط، وهذا التداعي يؤثر مباشرة في دول المنطقة، ويلقي بظلاله بلا شك على الشارع الصفوي بين تيار يُقرر أن ينزل إلى الشارع للمواجهة وبين من يقبل باللعبة السياسية المحتواة أصلاً عبر النظام الرسمي في منطقة الخليج كي لا تصل إلى مناطق حمراء تمس نفوذ النظام أو مصالح الولايات المتحدة.
لكن من المؤكد وهنا الحالة الجديدة في ملف تداعيات المشروع الأمريكي في العراق: وهو قرار إيران حين تعتبر أن تحجيمها في هذه المرحلة المعبأة أيديولوجياً بقرب خروج المهدي حسب اعتقاد التشيع الصفوي قراراً مصيرياً يستوجب المواجهة، بل والأخطر من ذلك أن هذه الحركة ذات المناضلين المحبطين والذين عُبئوا في عهد الثورة وولاية الفقيه والانتقام من التاريخ العربي قد أفاقوا على إدراك خطير بأن الحلم يتبدد مع التاريخ فماذا عساهم يقولون حتى لو قالت إيران كلا لمناضليها وعقدت الصفقة تقديراً لمصلحتها، فأين صفقة هؤلاء؟

::/fulltext::

Getting your Trinity Audio player ready...

::cck::2619::/cck::
::introtext::

ربما كان من أبرز المؤشرات إلى فقدان الأمريكيين القدرة على إدارة دفة الأمور ولو نسبياً في العراق هو الصراع الذي بدأ يخرج للعلن بين ممثلي الاحتلال الإيراني (الائتلاف الشيعي) وبين الإدارة الأمريكية حين رفض المالكي علناً نزع سلاح الميليشيات بعد أن كان يعلن وفاءه للكونجرس قبل فترة وجيزة. وهذا الرفض جاء رداً على تصريحات مسؤولين أمريكيين بضرورة مواجهة الميليشيات وفرق الموت التي أطلقها الأمريكيون بالتشاور والتنسيق مع الائتلاف، ولكنها تحولت إلى جيش منظم لمصلحة استراتيجية الاحتلال الإيراني للعراق.

::/introtext::
::fulltext::

ربما كان من أبرز المؤشرات إلى فقدان الأمريكيين القدرة على إدارة دفة الأمور ولو نسبياً في العراق هو الصراع الذي بدأ يخرج للعلن بين ممثلي الاحتلال الإيراني (الائتلاف الشيعي) وبين الإدارة الأمريكية حين رفض المالكي علناً نزع سلاح الميليشيات بعد أن كان يعلن وفاءه للكونجرس قبل فترة وجيزة. وهذا الرفض جاء رداً على تصريحات مسؤولين أمريكيين بضرورة مواجهة الميليشيات وفرق الموت التي أطلقها الأمريكيون بالتشاور والتنسيق مع الائتلاف، ولكنها تحولت إلى جيش منظم لمصلحة استراتيجية الاحتلال الإيراني للعراق.
مع تسارع الأحداث بصورة لم يسبق لها مثيل حتى إنه أصبح الجمهوريون متحفزين لمسابقة الديمقراطيين لإعلان الهزيمة الحقيقية على يد المقاومة الإسلامية الوطنية في العراق أصبح من الضروري لفريق بوش المتهالك والمضطرب والعاجز عن الثبات على أي استراتيجية بعينها ولو لثلاثة أشهر إعلان الهزيمة عبر إعلان تكتيكات جديدة حسب تصريحات المسؤولين الأمريكيين.
ولذلك جاء حديث بوش الجديد حول تشبيهه لحرب العراق بفيتنام وكذلك تصريحه الأخير عن حدود الصبر وتقديره لموقف الشعب الأمريكي الذي سأم من قطار الجنائز الذي لا يتوقف بل ويزداد لا للمدنيين العراقيين، فهؤلاء ليسوا أبداً محل اهتمام هذا الشعب إلا عبر نفر قليل من المجتمع المدني الأمريكي، إنما فزعه على أصحاب جنسيته الأمريكية الأصلية، وحسب هذا الضغط من الشارع المنهار نفسياً يضاعف المسؤولية على الرئيس بوش وفريقه، ورغم كل المحاولات والمذابح التي ارتكبها الأمريكيون في العراق استقلالا أو بشراكة الإيرانيين فقد واجهتها المقاومة العراقية ببسالة منقطعة النظير، وأصبحت قدرتها في تزايد وفاعلية لإدارة استراتيجية المعركة.
كل ذلك يعزز وصول الأمور إلى حافة الهاوية أو سقوطها فيها واشتعال الصراع بين القوتين المحتلتين في العراق واشنطن وطهران، فضلاً عن برنامج الحركة الصفوية في العراق وقدرة إيران على الاستقلال به كأيديولوجية تابعة لها في نهاية الأمر، وبالتالي آثار هذا الانفضاض الأمريكي الإيراني في بغداد على مستقبل العراق بل والخليج كله حين تقرر طهران سحب ميليشياتها المدنية في المجتمع الخليجي من برنامج التنسيق الأمريكي-ضد الوجود والهوية العربية الإسلامية فيه بعد أن استكملت استحلاب المحتل الأمريكي، وباتت ترغب في إدارة الصراع لمصلحة مشروعها الخاص وهذا ما يعزز هذه التداعيات ومستقبل الاستقرار الوطني في الخليج.
إن قضية الاستقرار في‮ ‬دول مجلس التعاون ‮الخليجي ‬تواجهها عدة أزمات وفق الخيارات المحتملة،‮ ‬وليس أزمة واحدة وذلك بناء على ضريبة مواقفها السابقة من الأحداث والغياب الكامل عن التأثير في‮ ‬مجريات المعركة المتقلبة والمضطربة بعد أن وضعت كل البيض في‮ ‬سلة الاحتلال الأمريكي الذي‮ ‬لم‮ ‬يعد‮ ‬يستطيع أن‮ ‬يحمي‮ ‬بيضه فضلاً‮ ‬عن بيض الآخرين‮.‬
ففي‮ ‬حال تبني الأمريكيين سباق قلب الطاولة على المشروع الإيراني‮ ‬المتوسع في‮ ‬العراق فإن ذلك سيكون من خلال بعدين كلاهما مؤثر في الوضع الاجتماعي‮ ‬واستقرار السلم الأهلي‮ ‬في‮ ‬الخليج بل الحالة الوطنية بالكامل:
البعد الأول الذي‮ ‬قد تسعى واشنطن إليه فهو التحفيز والإعلان عن قيام الحرب الأهلية رسمياً‮ ‬في‮ ‬العراق وفتح الميدان لكل ما‮ ‬يسهم في‮ ‬توسيعها خاصة بعد أن هيأ لها الإيرانيون كل ما‮ ‬يلزم من فيدرالية وخطاب محاصصة طائفي‮ ‬وقتل ونحر على الهوية، لكن التجربة مع المشروع الأمريكي‮ ‬للعراق أثبتت بكل تأكيد أن الفشل والاضطراب وأهم من ذلك فقدان السيطرة على المشروع المولّد أمريكيا‮ً ‬يتفاعل سلبياً بصورة خطيرة، وهذه التفاعلات صداها القريب جداً‮ ‬هو مجلس التعاون الخليجي‮ ‬المحتقن أصلاً‮ ‬من أجواء الحرب وتداعياتها وقوة الاستقطاب المتزايد في‮ ‬الشارع بين الولاء الإيراني‮ ‬والولاء العربي‮ ‬بغض النظر عن اختلاط هذا الولاء بالوجود الرسمي‮ ‬وهذا مشاهد ومعروف‮.‬
لكن حجم الاستفزاز للشخصية العربية كبير جداً‮، ‬وأدى إلى تفاعل الإنسان العربي‮ ‬المسلم في‮ ‬الخليج مع الأحداث تفاعلاً‮ ‬يتجاوز الأطر الرسمية إلى عمق الانتماء العربي الأول لمجتمع النبي‮ محمد ‬صلى الله عليه وسلم وأصحابه والمسيرة العربية منذ البعثة النبوية وبين الفريق الآخر الموالي‮ ‬للأيديولوجية الإيرانية المعادية لهذا التاريخ والانتماء‮.‬
وإذا كان المنهج الذي‮ ‬يفضله الأمريكيون هو الانقضاض على القوة المنتجة للميليشيات الإيرانية في‮ ‬العراق كمحاولة لتعديل نسب التفوق بعد أن اتسع الخرق، فليس من المتوقع أبداً أن تنجح واشنطن في‮ ‬ذلك،‮ ‬لذا جاء رد المالكي‮ ‬سريعاً‮ ‬حين داهمت واشنطن موقعاً‮ ‬في‮ ‬مدينة الصدر لاعتقال شخصية قيادية في‮ ‬ميليشيات الصدر عندما عارض ذلك بشدة‮.‬
إذاً، فالرسالة الإيرانية وصلت وعن قرب عبر رئيس الوزراء العراقي‮ ‬نفسه الذي‮ ‬دعا علي خامنئي‮ ‬في‮ ‬خطبة الجمعة إلى مؤازرة حكومته المنتخبة من الشعب، كما سماها، وهو الذي‮ ‬يعلم جيدا بأنه لولا برنامج الأمريكيين لما جاء المالكي‮ ‬من طهران إلى الحكم في‮ ‬بغداد،‮ ‬وهو بالضبط ما قاله المالكي‮ ‬في‮ ‬خطابه أمام الكونجرس الأمريكي‮ ‬وهو‮ ‬يعلن امتنانه العميق لهم‮.‬
إذاً‮، ‬طهران قد تكون فعلياً‮ ‬في‮ ‬حالة استعداد كامل لتحريك أذرعتها في‮ ‬الخليج في‮ ‬حال وصول المعركة في‮ ‬بغداد إلى حالة تعتبر فيها أن مشروعها الاستراتيجي‮ ‬في‮ ‬العراق بدأت تضعف مفاصله وتستبعد قياداته سياسياً‮ ‬أو عسكرياً،‮ ‬وهذا‮ ‬يعني‮ ‬ضربة مبكرة للمشروع الإيراني‮.‬انفجار الحركة الصفوية من الداخل
لعل أبرز القضايا الرئيسية لانهيار المشروع الأمريكي في العراق وأثره في دول مجلس التعاون الخليجي وصولاً إلى الحالة السياسية والأمنية التي تعيشها المنطقة بناء على مشاركة أذرعة الثورة الإيرانية في الخليج وانخراطهم في مشروع واشنطن بدأ بالعراق ثم انهياره واحتدام الصراع بين الطرفين الإقليمي والدولي هو تطور موقف الحركة بناء على هذا الانقلاب.
والحقيقة المعروفة هي أن آمال الحركة الصفوية في الخليج كانت في مستوى متقدم وآفاق متطلعة بكل قوة إلى استكمال ما بدأ في بغداد في 9 أبريل 2003 يوم احتلال العراق، وهذه الثقافة المؤيدة لمشروع احتلال العراق كانت رصيداً ظاهراً في الشارع الصفوي مع تعبئة كبيرة لدى قيادتها الدينية والسياسية صاحبها حراك سياسي ومشاريع استراتيجية فئوية مع ممثلي واشنطن ولندن لإعادة تشكيل الخليج ثقافياً وسياسياً وسيادياً في تلك المرحلة وفق المعادلة نفسها: الحقوق للمحاصصة الطائفية والانتقام من الوجود العربي الإسلامي المقابل للثورة الإيرانية.
هذه الآمال بدأت تتداعى عند مناضليها سواء الفريق الذي كلف بالبقاء في واشنطن ولندن والتنسيق مع المؤسسات الأمريكية والدولية وتصعيد الخطاب الإعلامي أو الفريق الذي عاد إلى أرض الوطن حتى يستكمل ميدانياً مشاريع الزحف المقدس لاستعادة جمهورية المظلومين من معسكر (يزيد) كما يطلقون على الوجود العربي أسوة بما جرى في العراق.
إن هذا الإحباط لفشل المشروع برز في عدة مواقع خاصة حين اختلطت الأمور في العراق، وبعد كل التضحيات بقيم الاستقلال والتجرد والانتماء والتأييد الكامل غير المشروط للاحتلال الأمريكي بل الاستعداء الواسع والقوي للمجتمع العربي الإسلامي في الخليج بدا أن مشروع الحركة الصفوية لم يحقق حتى الآن على الأرض أي إنجاز فعلي لجمهورية المظلومين، وأن الراعي الأمريكي للعملية والراعي الأيديولوجي على وشك الصراع.
البعد الثاني: إن افتضاح مواقف الحملة الصفوية من تأييد واشنطن ومشاركتها أعاد طرح قضايا خطيرة على صعيد التحفيز لإقامة مشروع الخليج الجديد الذي حلمت به الحركة، ودعا إليه بحماس مناضلوها في بغداد أو من دول مجلس التعاون، وهذا ما زاد اضطراب الحركة والقلق الشديد والتردد في قيادتها مع اضطراب التصريحات من تصعيد أو تهدئة.
ومن أهم القضايا هي اكتشاف أكذوبة التركيبة الديموغرافية لدول مجلس التعاون الخليجي من الناحية الطائفية وهي قضية بعثت بها الحركة الصفوية بكل قوة إلى الساحة الدولية لتجنيدها للمشروع المشترك مع القوى الدولية رغم إيمان كل وطني غيور بأنها وقود ملوث وخطير يفرق بين أبناء الطائفتين، ويعرض تعايشهم واستقرارهم الاجتماعي وسلمهم الأهلي للخطر، وأن مسيرة الحقوق والنضال حين ترهن بالأجنبي والإقليمي المعادي للهوية والرسالة تتحول إلى صراع على المبادئ والمثل والانتماء بدلاً من سيادة القانون الدستوري وتمتع الجميع بحقوقهم كاملة من دون إجحاف أو تمييز.
هذه الاستراتيجية قامت على فكرة إلغاء أو تهميش بل وأحياناً استئصال العرب السنة من كل الدراسات والوثائق والمشاريع الفكرية التي تمارس من خلالها مؤسسات وشخصيات الحراك الصفوي تضليلاً كبيراً للرأي العام العربي والدولي، وكأن هذا الوجود الشعبي وليس الرسمي والمرتبط بالنفوذ الأمريكي هو حالة احتلال قائمة في تصوير هؤلاء على الانتماء المذهبي، أي بمجرد أنك تنتمي لأهل السنة أو التشيع العربي العلوي فلا قيمة ولا وزن لك ولا اعتراف، بل تحفز لاستئصال هذا الوجود، وقد برز هذا الخطاب جلياً بكل قوة عقب 9 أبريل فافتضحت النوايا.
لكن هذه القضية سواء في بلدان كاملة أو أقاليم من هذه الدولة وتلك بدأ إدراكها يتفاعل بشكل حيوي، وينتشر عند المثقفين وعامة الشعب على السواء، وأن هذه الإحصائيات المزورة التي تلغي وجود الناس بناء على الاختلاف المذهبي أباطيل إنما سادت لعجز النظام الرسمي الخليجي عن إعطاء التيار العربي الإسلامي الوطني في المنطقة فرصة القيام والظهور وتبني المطالب والحقوق الدستورية لأبناء شعبه بدلاً من قمعه. كما أن إيمان النظام الرسمي في الخليج الذي تبين خطأه وكارثيته فيما بعد بأن تغييب أهل السنة في المنطقة إنما يساعد هذا النظام على استدرار مشاريع الأمريكيين الأمنية له في مواجهة هذا الحضور فأتى الأمر على خلاف ما يظنون، وخرت أفكارهم من القواعد، واستخدم الإيرانيون والأمريكيون تغييبهم وتهميشهم للانتماء العربي والإسلامي في إظهار ونشر الحركة الصفوية.
إن شعور الحركة بانهيار هذه الدعوة وبطلانها مع اضطراب مشروعهم في العراق يعزز حالة الإحباط، وهذا التداعي يؤثر مباشرة في دول المنطقة، ويلقي بظلاله بلا شك على الشارع الصفوي بين تيار يُقرر أن ينزل إلى الشارع للمواجهة وبين من يقبل باللعبة السياسية المحتواة أصلاً عبر النظام الرسمي في منطقة الخليج كي لا تصل إلى مناطق حمراء تمس نفوذ النظام أو مصالح الولايات المتحدة.
لكن من المؤكد وهنا الحالة الجديدة في ملف تداعيات المشروع الأمريكي في العراق: وهو قرار إيران حين تعتبر أن تحجيمها في هذه المرحلة المعبأة أيديولوجياً بقرب خروج المهدي حسب اعتقاد التشيع الصفوي قراراً مصيرياً يستوجب المواجهة، بل والأخطر من ذلك أن هذه الحركة ذات المناضلين المحبطين والذين عُبئوا في عهد الثورة وولاية الفقيه والانتقام من التاريخ العربي قد أفاقوا على إدراك خطير بأن الحلم يتبدد مع التاريخ فماذا عساهم يقولون حتى لو قالت إيران كلا لمناضليها وعقدت الصفقة تقديراً لمصلحتها، فأين صفقة هؤلاء؟

::/fulltext::
::cck::2619::/cck::

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *