مكافحة الإرهاب وتهريب الأسلحة.. نجاحات وإخفاقات التعاون اليمني ـ السعودي

::cck::2621::/cck::
::introtext::

يُعـَـد أمن الحدود أحد التحديات الأمنية الرئيسية التي تواجهها دول العالم قاطبة. ويعني هذا التحدي أنه يتعين على كل دولة إيجاد السبل والوسائل الكفيلة بحماية حدودها مع الدول المجاورة ومنع حدوث أي أنشطة غير مشروعة في مناطقها الحدودية، بالإضافة إلى منع الانتقال غير المشروع للأشخاص والسلع عبر خطوطها الحدودية.
تسهم عوامل عدة في تعقيد مشكلات أمن الحدود، من أبرزها: وجود العديد من الحدود المتنازع عليها أو التي لم يتم ترسيمها بعد، فضلاً عن المشكلات الأخرى المتعلقة بالطبيعة الجغرافية للمناطق الحدودية أو الصعوبات السياسية القائمة بين دولتين متجاورتين. وتعاني قضية الحدود اليمنية ـ السعودية جميع هذه التعقيدات وأكثر.

::/introtext::
::fulltext::

يُعـَـد أمن الحدود أحد التحديات الأمنية الرئيسية التي تواجهها دول العالم قاطبة. ويعني هذا التحدي أنه يتعين على كل دولة إيجاد السبل والوسائل الكفيلة بحماية حدودها مع الدول المجاورة ومنع حدوث أي أنشطة غير مشروعة في مناطقها الحدودية، بالإضافة إلى منع الانتقال غير المشروع للأشخاص والسلع عبر خطوطها الحدودية.
تسهم عوامل عدة في تعقيد مشكلات أمن الحدود، من أبرزها: وجود العديد من الحدود المتنازع عليها أو التي لم يتم ترسيمها بعد، فضلاً عن المشكلات الأخرى المتعلقة بالطبيعة الجغرافية للمناطق الحدودية أو الصعوبات السياسية القائمة بين دولتين متجاورتين. وتعاني قضية الحدود اليمنية ـ السعودية جميع هذه التعقيدات وأكثر.
ففي يونيو 2000، شهدت مدينة جدة توقيع اتفاقية الحدود اليمنية ـ السعودية، ورأى كثيرون في هذه الاتفاقية تقدماً جوهرياً في العلاقات اليمنية ـ السعودية. بينما أعرب الجانبان: السعودي واليمني عن تفاؤلهما في التوصل إلى تسوية نهائية لنـزاعاتهما الحدودية وتعزيز التعاون الأمني على طول الحدود المشتركة. ثم جاءت الهجمات الإرهابية التي استهدفت الولايات المتحدة في الحادي عشر من سبتمبر 2001، والهجوم على مجمع سكني بمدينة الرياض في مايو 2003، وسلسلة التفجيرات الخطيرة الأخرى التي أعقبت ذلك؛ إضافة إلى الهجومين على المدمرة الأمريكية كول (Cole) وإحدى ناقلات النفط الفرنسية قبالة الشواطئ اليمنية، جاءت لتضع التعاون الأمني بين الولايات المتحدة والمملكة العربية السعودية واليمن في صلب اهتمام هذه الدول الثلاث، ودفعتها إلى التعاون الجاد في مختـلـِـف القضايا الأمنية العسكرية منها وغير العسكرية، وخصوصاً مكافحة الإرهاب وأمن الحدود.
في السنوات التي أعقبت هجمات الحادي عشر من سبتمبر، تلقت الجمهورية اليمنية مساعدة دولية لدعم جهودها في مكافحة الإرهاب. وبحسب وزارة الخارجية الأمريكية، بلغت قيمة المساعدة الأمنية الأمريكية لليمن في عام 2005، 11.749 مليون دولار، وبلغت 10.204 مليون دولار في عام 2006. وقامت قيادة العمليات الأمريكية الخاصة بتدريب وحدات من الجيش اليمني، وعملت على تجهيز الوحدة اليمنية لمكافحة الإرهاب بأسلحة ومعدات متطورة؛ فيما شهد التعاون الأمني بين اليمن والمملكة العربية السعودية تقدماً ملموساً. وفي يونيو 2003 أكدت الحكومتان السعودية واليمنية أهمية تعاونهما الأمني عبر توقيع الاتفاقية الأمنية التي تنظم عمل سلطات الحدود المشتركة بين البلدين.
ومع ذلك، لم تُفلح قوات حرس الحدود العاملة على جانبي الحدود اليمنية ـ السعودية في منع المهربين أو المقاتلين الإسلاميين من عبور تلك الحدود نحو الأراضي السعودية. بينما انتهى العديد من المواجهات المتكررة بين بعض القبائل وقوى الأمن في اليمن بتردي العلاقات بين الحكومتين السعودية واليمنية. لكن حادثة فرار نشطاء تنظيم القاعدة الثلاثة والعشرين من أحد سجون صنعاء الـمُـحـاط بأفضل التدابير الأمنية الممكنة في فبراير 2006، ومشاركة اثنين منهم لاحقاً في هجمات سبتمبر 2006 الإرهابية التي استهدفت منشآت نفطية في مأرب وحضرموت، دفعتا مسؤولين سعوديين رفيعي المستوى إلى الإعراب عن شكهم في قدرة الحكومة اليمنية على مكافحة الإرهاب المحلي بفاعلية. لهذا السبب، تركز هذه المقالة على تقديم دراسة وافية لتفاصيل المشكلات التي تحول دون تطور التعاون الأمني بين البلـَـدين.
خصائص الحدود اليمنية ـ السعودية
من الممكن إرجاع مشكلة أمن الحدود السعودية ـ اليمنية إلى جملة من العوامل التي تُسهم في تعقيد هذه المشكلة وتحول دون نشوء تعاون أمني فاعل بينهما، لإحكام السيطرة على حدودهما المشتركة.
1) العوامل الجغرافية
طبيعة شمال اليمن الجبلية الوعرة وطول حدوده البرية مع المملكة العربية السعودية (1.458 كيلومتر)، وغياب البنية التحتية المناسبة في مناطقه الحدودية؛ تُـعـَـد من أهم العوامل التي تجعل من الصعب على قوات الأمن اليمنية بسط سيطرتها على الحدود البرية مع السعودية، فيسهل على المهربين والنشطاء الإسلاميين تجاوز الخط الحدودي باتجاه السعودية من دون أن يُكتَشف أمرهم.إن التكلفة المالية لمراقبة المناطق الجبلية الوعرة مرتفعة للغاية. لكن موارد الحكومة اليمنية المحدودة دفعتها إلى رصد مبالغ متواضعة لحفظ أمن حدودها. في المقابل، رصدت الحكومة السعودية مبالغ ضخمة لإحكام السيطرة على حدودها الجنوبية. ففي فبراير 2004، أقرت السلطات السعودية مشروعاً لبناء سياج على طول حدودها مع اليمن، واقتضى المشروع أن يتكون السياج المذكور من أنبوب معدني وأعمدة خرسانية ونشر أجهزة متطورة على طول الحدود مع اليمن. غير أنه تم إلغاء هذا المشروع بعد المعارضة الشديدة التي قوبل بها من جانب زعماء قبائل المنطقة الحدودية وعدد من أعضاء الحكومة اليمنية، لكن السلطات السعودية لجأت إلى وسائل تكنولوجية أخرى للحد من الحركة غير المشروعة للأشخاص والسلع عبر حدودها، كأنواع خاصة من طائرات الاستطلاع لمراقبة نقاط التسلل الرئيسية والكاميرات الليلية وتقنيات أخرى لكشف المتسللين، بالإضافة إلى نشر عدد كبير من نقاط المراقبة الثابتة وتكثيف دوريات قوات حرس الحدود السعودية.
2) العوامل الديموغرافية والمؤسسات الاجتماعية
يتميز الشريط الحدودي بين اليمن والسعودية بخصائص ديموغرافية عدة، من أبرزها:
أولاً: يتمتع هذا الشريط بكثافة سكانية عالية على جانبي الخط الحدودي، وهو ما يشجع السكان على التحرك بانتظام عبر الحدود المشتركة، غير آبهين بالإجراءات الرسمية. وبالإضافة إلى ذلك، هناك تجذر عميق للأعراف والتقاليد العشائرية في المحافظات اليمنية الشمالية المحاذية للحدود مع السعودية، وهو ما يحدّ من سلطة الحكومة المركزية على سكان تلك المحافظات ونشاطاتهم الاقتصادية والاجتماعية. وبفعل التقاليد العشائرية السائدة في مناطق اليمن الحدودية تتوفر في هذه المناطق كميات كبيرة من الأسلحة والمتفجرات التي تُستخدَم لأغراض شخصية وتجارية على حد سواء. وفي ظل غياب سلطة الدولة اليمنية في مناطقها الحدودية ـ وبخاصة في مناطق القبائل، كمحافظات صعدة ومأرب والجوف وأبين ـ يصبح من السهل انتشار شبكات تهريب الأسلحة. كما يُعـَـدّ حمل السلاح أحد أهم التقاليد الاجتماعية في اليمن، وينظر الرجل اليمني إلى حمل أسلحته الفردية كجزء من زيه التقليدي وعنصر أساسي من شخصيته القبلية. لذا، فإن الأسلحة متوفرة بكثرة في اليمن وتـُـبـاع بانتظام في جميع أنحاء البلاد. فهناك خمسة أسواق كبرى لتجارة الأسلحة في اليمن، هي: أسواق جهمانة وصعدة والبيداء والجوف وأبين، وتُقدَّر كمية الأسلحة المتوفرة في هذه الأسواق بنحو 30 ألف قطعة. ومن الممكن شراء العديد من أنواع الأسلحة في اليمن بكل سهولة. فقد بات شراء السلاح هناك مُجرد مسألة وقت للتعرف إلى التجار وتحديد السعر. ومن اللافت هنا أن أسعار الأسلحة في اليمن متدنية جداً مقارنة بالأسعار في الدول الغربية وحتى في دول المنطقة. إذ يتراوح سعر البندقية الروسية من طراز (كلاشينكوف ـ 47) بين 300 و350 دولاراً، بينما يبلغ سعر القنبلة اليدوية ثلاثة دولارات فقط؛ ويتم بيع القاذف الصاروخي (آر بي جي ـ 7) بنحو 500 دولار. ولا يزال المجتمع اليمني حتى اليوم أحد أكثر المجتمعات تسلحاً في العالم، ويوجد في اليمن ما نسبته أربعون قطعة سلاح لكل مائة مواطن.
3) العوامل السياسية
شهد تاريخ العلاقات السياسية اليمنية ـ السعودية فترات طويلة من التوتر والمجابهة. وفي الحقيقة، تنعدم الثقة المتبادلة في التعامل الثنائي بين حكومتي اليمن والسعودية. وأسهم هذا المناخ السياسي السلبي بشكل ملحوظ في تفاقم مشكلة مراقبة وضبط حدودهما المشتركة، ويُعزى إلى هذه العلاقات السياسية المتعثرة أيضاً عدم أخذ الحكومات اليمنية المتعاقبة الهواجس الأمنية السعودية على محمل الجد، وامتناعها عن التعامل بحزم مع قضية تهريب الأسلحة والتنقل غير القانوني عبر الحدود اليمنية مع المملكة.
وفي عام 2000، وقـّـعـت الدولتان بمدينة جدة اتفاقية لرسم الحدود لتتوصلا أخيراً إلى تسوية نزاعهما الحدودي الذي طال أمده، وكان لهذه الاتفاقية تأثير إيجابي ملموس في مستوى تعاون البلدين في مجال أمن الحدود، كما ساهمت في تحسين مجمل علاقاتهما السياسية.
4) العوامل الاقتصادية
يُمثل الفارق الشاسع بين اقتصادي اليمن والمملكة والفجوة الكبيرة بين مستويي المعيشة فيهما أحد أهم العوامل التي تسهم في تعقيد مشكلة أمن الحدود اليمنية ـ السعودية، فقد دفع النقص في فرص العمل باليمن وتوفر البدائل في سوق العمل السعودية، العمالة اليمنية للتوجه إلى المملكة للعمل أو الاستقرار فيها بصورة غير مشروعة.
وخلاصة القول إن السلطات في كل من السعودية واليمن تواجه عقبات عدة تحول دون إرساء تعاون ثنائي فاعل لإنجاز مهمة منع تهريب الأسلحة إلى المملكة، ووقف التنقل غير المشروع عبر الحدود المشتركة. ومن العوامل الرئيسية التي تُسهل على المهربين والإرهابيين ممارسة أنشطتهم المحظورة عبر الحدود اليمنية ـ السعودية وعورة المناطق الحدودية وصعوبة مراقبتها والعادات والتقاليد العشائرية السائدة فيها، بالإضافة إلى ضعف أداء اقتصاد اليمن وتركيبته السياسية ـ المجتمعية المعقدة.
الإرهاب وتهريب الأسلحة والبشر
يُعـَـدّ تهريب الأسلحة والعتاد من اليمن إلى المملكة العربية السعودية إحدى نقاط الخلاف الرئيسية بين قوات أمن الحدود التابعة لهذين البلدين. فعلى الرغم من أن الحكومتين اليمنية والسعودية عززتا تعاونهما الأمني على الحدود المشتركة، ظل اليمن مَصدَر الجزء الأكبر من كميات الأسلحة والعتاد والمتفجرات التي يتم تهريبها إلى الأراضي السعودية. ويعتقد كبار المسؤولين السعوديين أنه تم تهريب أغلب الأسلحة والمتفجرات التي استُخدِمت في الأعمال الإرهابية التي شهدتها المملكة من اليمن، وقد ثبتت صحة هذا الاعتقاد بالفعل، فالتحقيقات التي أجرتها السلطات السعودية بعد الهجوم الإرهابي الذي استهدف مرافق عسكرية أمريكية بالمملكة في نوفمبر 1995 كشفت أن المجموعة الإرهابية التي نفذت عملية منطقة (علية) بالرياض حصلت على المتفجرات التي استخدمتها في تلك العملية عن طريق اليمن. وإثر هجوم آخر تعرضت له القنصلية الأمريكية بجدة في ديسمبر 2004، كشفت جهود قوات الأمن السعودية لتحديد مصدري بندقيتي كلاشينكوف اللتين استُخدمتا في ذلك الهجوم، أنه تمت سرقة البندقيتين من أحد مخازن الأسلحة التابعة للحكومة اليمنية، ثم هُربتا إلى الأراضي السعودية لتُستخدَما في الهجوم الإرهابي المذكور.إن سيطرة الحكومة السعودية على ظاهرة امتلاك واستخدام مواطنيها للأسلحة الخفيفة تضعف أيضاً في معظم المناطق الريفية النائية التي تحكمها سلطات عشائرية محلية، مع أن قبائل اليمن تولي أهمية أكبر للحكم الذاتي السياسي مقارنة بالقبائل السعودية. ولدى قبائل اليمن قوانينها العشائرية الخاصة بها على الرغم من وجود القوانين الرسمية، وتمتلك بعض هذه القبائل جيوشها الخاصة بها. بالإضافة إلى ذلك، تشكل تجارة وتهريب الأسلحة أحد مصادر الدخل الرئيسية لليمنيين، لا سيما في المناطق الريفية النائية. وتبلغ كمية الأسلحة المتوفرة لدى عشائر اليمن نحو 5.577.597 قطعة، وهي مجهزة بما يُمكـِّـنـهـا من محاربة قوات الأمن الحكومية التي يُعتقَد أنها مجهزة بـ (1.500.000) قطعة سلاح (بيانات رصد الأسلحة الخفيفة، 2005). وقد سبق للحكومة اليمنية نفسها أن زودت بعض القبائل بالأسلحة. فأثناء الحرب الأهلية التي دارت رحاها في التسعينات، زودت الحكومة اليمنية بعض قبائلها بأسلحة ـ كان معظمها روسي الصنع ـ من أجل محاربة الانفصاليين في الجنوب. وبعد أن وضعت الحرب أوزارها بقيت هذه الأسلحة بحوزة القبائل. وليس هذا وحسب، بل لقد قدم بعض أعضاء الحكومة اليمنية مساعدات مالية وأسلحة للعديد من زعماء العشائر بهدف ضمان دعمهم الضروري لحفظ استقرار الحكومة الذي يقوم على أساس التحالف السياسي بين مختـلـِـف القبائل والجيش وقيادات الأحزاب السياسية.
ومع ذلك، أطلقت الحكومة اليمنية في الماضي مبادرات عدة لإغلاق سوقي الأسلحة بمدينتي الطلح والجهنة التابعتين لمحافظة صنعاء، أو شراء جميع الأسلحة المتوفرة فيهما. وتقع المدينة الأولى على بعد 242 كيلومتراً شمال العاصمة، بينما تبعد الثانية عن صنعاء أربعين كيلومتراً فقط. وبحسب ما أعلنه وزير الخارجية اليمني أبو بكر القِربي، (أنفق اليمن في عام 2002، ثمانية مليارات ريال [43.7 مليون دولار] لشراء الأسلحة من رجال القبائل). ويعتقد المسؤولون اليمنيون الآن أن السوقين المذكورين انتهيا كلياً، لكنهم يعترفون بأن بعض الأنشطة الفردية لتجارة الأسلحة لا تزال مستمرة.
وبين عامي 1992 و2005، كررت الحكومة اليمنية طرح مبادرتها للحد من مبيعات الأسلحة داخل البلاد عبر منع حمل السلاح علناً. وعلى الرغم من أن هذه المبادرة حظيت بموافقة مجلس الوزراء، فإنها اصطدمت بمعارضة البرلمان ذي التركيبة العشائرية. وعلى أي حال، حققت الحكومة المركزية بعض النجاح في السيطرة على تجارة الأسلحة داخل العاصمة، واستطاعت على الأقل إخلاء شوارع المدينتين الرئيسيتين صنعاء وعدن من السلاح. بالإضافة إلى حقيقة أن بيع وتهريب الأسلحة يشكلان مصدر دخل مهماً بالنسبة للقبائل، فإن الثقافة اليمنية تمنع عامة الناس من تسليم أسلحتهم إلى السلطات الرسمية. ومع أن حيازة الأسلحة تشكل جزءاً من شخصية المواطن اليمني، إلا أن سلاح المواطن اليمني يرتبط بالهوية والأعراف والتقاليد العشائرية أكثر من ارتباطه بالعنف والقتل. وحتى تجار السلاح يستأجرون أحياناً أسلحة إضافية في مناسبات عدة كحفلات الزواج أو تشييع الجنازات. وقال أحد اليمنيين لصحفي غربي: (إن اليمني يحمل سلاحه، مثلما تضع أنت ربطة العنق).
من ناحية أخرى، هناك أعضاء بالنخبة السياسية اليمنية يعملون على تقويض سياسات الدولة الرامية إلى الحد من تجارة الأسلحة. فقد تكرر اتهام العديد من أعضاء وحلفاء الأحزاب السياسية اليمنية بدعم عمليات تهريب الأسلحة من السوق السوداء أو الضلوع فيها، وبإبرام صفقات رسمية لشراء أسلحة ثم القيام ببيعها للتجار المحليين. ويبدو أن معظم الأسلحة والمعدات العسكرية الخفيفة المتوفرة في الأسواق اليمنية تم استيرادها بصورة مشروعة من بلدان أجنبية مُصدّرة للسلاح، كالأرجنتين والبرازيل والصين وجمهورية التشيك وفرنسا وألمانيا والفلبين وبولندا والبرتغال وجنوب إفريقيا وإسبانيا والولايات المتحدة. ويدّعي بعض المراقبين أنه تم تحويل وجهة كميات من الأسلحة من اليمن إلى بلدان أخرى يخضغ بعضها لنظام حظر استيراد الأسلحة، كالصومال، مثلاً. (بيانات رصد الأسلحة الخفيفة، 2005)
وفي ظل هذه الحقائق ـ المتمثلة بأن امتلاك الأسلحة الخفيفة يشكل أحد أهم عناصر الثقافة اليمنية، وأن تهريبها يُعـَـدّ مصدراً جذاباً للدخل، وأن أفراداً داخل الهيكل السياسي اليمني يدعمون تهريب الأسلحة لتحقيق مآرب شخصية ـ سيكون من الصعب منع تهريب الأسلحة من اليمن إلى السعودية عبر الحدود المشتركة. وبالتالي، ستظل هذه القضية مَصدَر قلق لسلطات الأمن السعودية.
وتتمحور النقطة الخلافية الأمنية الأخرى بين السعودية واليمن حول مسألة التنقل غير المشروع للبشر عبر الحدود البرية المشتركة، وارتباط بعض المهاجرين اليمنيين غير الشرعيين بعناصر إسلامية متطرفة وبأنشطة إرهابية وقعت داخل المملكة العربية السعودية.فعلى سبيل المثال، خلال الأشهر الثمانية الممتدة من فبراير إلى سبتمبر 2005، اعتقلت قوات حرس الحدود السعودية أكثر من نصف مليون مهاجر غير شرعي حاولوا عبور الحدود البرية المشتركة مع اليمن إلى داخل المملكة بصورة غير قانونية (545384 شخصاً، حسب البيانات الرسمية السعودية). وأكدت حوادث عدة جرت في الماضي وجود روابط وثيقة بين الإسلاميين الناشطين في المملكة واليمن، وأن الإرهاب لا يتوقف عند حدود هذين البلدين. فالهجمات الإرهابية التي شهدها اليمن كاستهداف المدمرة الأمريكية (كول) في أكتوبر 2000، وناقلة النفط الفرنسية ليمبورغ (Limburg) في أكتوبر 2002، واعتقال السلطات السعودية عدداً من الإرهابيين السعوديين الذين كانوا مختبئين داخل اليمن؛ هي حوادث ولدت لدى السعوديين الانطباع بأن اليمن ملاذ آمن للإرهابيين. واعتقلت أجهزة الأمن السعودية العديد من المواطنين اليمنيين للاشتباه في انتمائهم إلى تنظيم القاعدة وسلمتهم إلى السلطات اليمنية. ومن بين السجناء الثلاثة والعشرين الذين فروا في فبراير 2006، من السجن المركزي بمدينة صنعاء؛ كان هناك تسعة سجناء جرى اعتقالهم أصلاً على يد السلطات السعودية داخل المملكة. وهناك أيضاً علاقة وثيقة بين يمنيين وسعوديين اعتـُـقـِـلـوا داخل اليمن على خلفية الاشتباه في أنهم إرهابيون أو متورطون في هجمات إرهابية، من أمثال السعودي المولد حمدي صادق الأهدل الذي قيل إنه شارك في الهجومين اللذين استهدفا المدمرة الأمريكية كول وناقلة النفط الفرنسية (ليمبورغ)؛ وفواز يحيى الربيعي الذي أضاف مكتب التحقيقات الفيدرالي اسمه إلى قائمة المطلوبين المشتبه في أنهم إرهابيون في فبراير 2002، والذي قتلته قوات الأمن اليمنية في أكتوبر 2006.
وهناك مثال آخر يثبت أن النشطاء الإسلاميين لا يتوقفون عند الحدود اليمنية ـ السعودية، ويتمثل بحقيقة أن اليمنيين يشكلون نحو 17 في المائة من مجموع المجاهدين الأجانب الناشطين في العراق. وتشكل الجنسية اليمنية إحدى أبرز الجنسيات الثلاث التي يحملها سجناء معتقل خليج غوانتانامو، فهي تأتي مباشرة بعد الجنسيتين السعودية والباكستانية. وأخيراً، يُشار إلى أن حادثتي فرار ثلاثة وعشرين سجيناً يمنياً من سجن صنعاء المركزي في فبراير 2006، ومشاركة اثنين منهم في هجمات سبتمبر 2006، التي استهدفت منشآت نفطية في مأرب وحضرموت، دفعتا حكومات دول مجلس التعاون الخليجي إلى التساؤل حول ما إذا كانت الحكومة اليمنية قادرة بالفعل على مكافحة الإرهاب المحلي الذي لا يشكل خطراً على أمن اليمن وحسب، وإنما يحمل تداعيات سلبية على أمن منطقة الخليج العربي برمتها.
ومن غير المنصف تحميل غياب سلطة الحكومة اليمنية في بعض المناطق أو تضاريس اليمن الوعرة أو النظام العشائري السائد فيه كامل المسؤولية عن الأنشطة الإرهابية القديمة والحديثة التي شهدتها المنطقة أو عن وجود نشطاء إسلاميين فيها. ففي الثمانينات، ساهم كل من اليمن والسعودية في تطوير قدرات وعديد النشطاء الإسلاميين في المنطقة، وكان كثير من الإسلاميين الناشطين حالياً باليمن قد جُندوا بالأصل كمجاهدين إبان حرب أفغانستان التي بدأت في الثمانينات، وانتهت في أوائل التسعينات. وعندما عاد (العرب الأفغان) إلى البلاد بعد انتهاء الحرب الأفغانية، استغلت الحكومة اليمنية مهاراتهم في الحرب الأهلية التي قادتها ضد الانفصاليين في الجنوب في عام 1994. وبحسب تصريح رسمي أدلى به وزير الداخلية اليمني حسين العرب في عام 2001، فإن عدد (العرب الأفغان) باليمن بلغ في عامي 1993 و1994 نحو 29 ألف مقاتل. وبعد الحرب، استقر هؤلاء الإسلاميون في صنعاء ومدن رئيسية أخرى، بالإضافة إلى مناطق القبائل الرئيسية الواقعة في شمال وجنوب البلاد، والتي طالما غابت عنها سلطة الحكومة المركزية، ثم شارك بعض الإسلاميين في المؤسسات السياسية كأعضاء بحزب الإصلاح، وانخرط البعض الآخر في صفوف القوات المسلحة اليمنية أو عادوا إلى الاندماج في النظام العشائري اليمني، بينما هاجر جزء منهم إلى المملكة للاستقرار فيها. ومنذ ذلك الحين، شهد اليمن تنامي جماعتين إسلاميتين محليتين، هما: حركة الجهاد الإسلامي وجيش عدن ـ أبين. وتدّعي بعض المصادر أن المؤسسات الدينية السعودية ساهمت في تطوير الحركة الإسلامية المحافظة في اليمن، وقدمت السعودية دعماً مالياً لعدد من أعضاء وأبرز شخصيات حزب الإصلاح اليمني المحافظ الذين تلقوا تعليمهم في المملكة، ومن بينهم الشيخ أبو عبد الرحمن مقبل هادي الوديعي والشيخ عبد المجيد الزنداني، وهو عضو بحزب الإصلاح ومجلس الرئاسة ورئيس جامعة الإيمان، التي تضم طلاباً من مختـلـِـف أنحاء العالم، بينهم العديد من حملة البكالوريوس والماجستير. وصنفت الولايات المتحدة الشيخ عبد المجيد الزنداني كإرهابي وأضافت اسمه في فبراير 2004 إلى قائمة الإرهابيين التي تصدر عن وزارة المالية الأمريكية، ومن ثم إلى القائمة الموسعة التي تصدر عن مجلس الأمن الدولي (اللائحة الأممية السوداء رقم 1267). وهذا ما أدى إلى تجميد حساباته المصرفية والضغط على الحكومة اليمنية لإغلاق جامعة الإيمان ولو بصورة مؤقتة. ويُذكَر أن هذه الجامعة تستقبل مئات المنتسبين الجدد في كل عام. وادعت الولايات المتحدة أن جامعة الإيمان كانت قد تحولت إلى مركز لتجنيد المزيد من الإرهابيين والنشطاء الإسلاميين، فهناك طالبان سابقان على الأقل من بين الذين انتسبوا لجامعة الإيمان بشكل مؤقت، وشاركوا في هجمات إرهابية، الأول هو الداعية علي الجار الله الذي حُمل مسؤولية اغتيال زعيم الحزب الاشتراكي جار الله عمر في ديسمبر 2002، والثاني هو عبد الكامل الذي حُمل مسؤولية مقتل ثلاثة أمريكيين في ديسمبر 2002 في أحد مستشفيات الجبلة بمحافظة إب.
كان الشيخ أبو عبد الرحمن مقبل الهادي الوديعي الشخصية الإسلامية اليمنية البارزة الأخرى التي يُعتقـَـد أنها تتمتع بعلاقات وثيقة مع المملكة العربية السعودية. وولد الوديعي في اليمن، ولكنه تلقى علومه في السعودية على يد الشيخ الراحل عبد العزيز بن باز حتى عام 1979، وعاد إلى اليمن وأسس ـ بدعم مالي سعودي وتحت حماية قبيلته (وديعة) ـ دار الحديث النبوي الخيرية؛ وهي معهد إسلامي خرّج آلاف الطلاب اليمنيين والأجانب. وأسس العديد من تلامذة الوديعي معاهدهم الدينية الخاصة وساهموا في تطوير الحركة السلفية في اليمن. وفي عام 2001 كان هناك نحو 400 معهد وأكثر من 250 ألف طالب في المؤسسات التعليمية الإسلامية اليمنية؛ (غلوزماير Glosemeyer، 2003). وكان العديد من الطلاب يتلقون مساعدات مالية من مؤسسة الحرمين الخيرية الإسلامية السعودية، وبخاصة في مناطق اليمن الشمالية، حيث حاول السلفيون احتواء نفوذ الزيديين الشيعة.
وفي الحقيقة، لا يستخدم النشطاء الإسلاميون المملكة العربية السعودية واليمن كمحطات عبور وحسب، بل يشكلون جزءاً فاعلاً من مؤسسات اليمن الأساسية وقبائله ومدارسه الدينية وأحزابه السياسية ومؤسساته الأمنية والعسكرية، وهو ما يجعل من الصعب على السلطات في كل من اليمن والسعودية اتخاذ إجراءات صارمة ضدهم.
وكثيراً ما نجح الترابط العشائري بين القبائل في اليمن والسعودية في دفع حرس الحدود إلى تجاهل الإجراءات الرسمية والسماح للناس بعبور الحدود بحرية. وقد تربط علاقات نسب بين إسلاميين وبعض أبرز شيوخ القبائل، وهو ما يوفر لهم الحماية، لأن شيوخ القبائل يميلون بطبيعتهم إلى حماية جميع أفراد العائلة والقبيلة من سلطة الدولة. وهنالك يمنيون كثر من ذوي (الـهُـوية متعددة الوجوه) التي تتمثل بتداخل الولاء للعائلة والقبيلة والمؤسسات الرسمية، وهو ما قد يؤدي إلى تضارب المصالح فيصبح من الصعب على المواطن اليمني التعاون مع المؤسسات الأمنية الرسمية أو تحديد متى يجب مثلاً تسليم شخص يُشتبه في أنه إرهابي للسلطات الرسمية أو متى يجب على العائلة والقبيلة حمايته. وربما تكون هذه (الـهـُـويـة متعددة الوجوه) أحد أسباب نجاح عملية الفرار من أحد سجون صنعاء في فبراير 2006. وكان من المستحيل أن تنجح هذه العملية من دون حصول السجناء على مساعدة خارجية هائلة، لكن حقيقة أن اثنين من هؤلاء السجناء ظهرا لاحقاً كانتحاريين مشاركين في هجمات سبتمبر 2006، التي استهدفت منشآت نفطية في مأرب وحضرموت، تدفع إلى طرح السؤال الآتي: كيف تمكن هؤلاء الفارون من الاختباء داخل اليمن لمدة سبعة أشهر؟ قد تكمن الإجابة عن هذا السؤال في أحد احتمالين، هما: إما لأن الحكومة والجيش اليمنيين عاجزان عن السيطرة على تحركات الإسلاميين في اليمن لأنهما لا يعولان على ولاء حلفائهما الرئيسيين، أو لأن الحكومة اليمنية لا تتمتع بالقوة الكافية للتفاوض مع حلفائها العشائريين أو المحافظين للعثور على المطلوبين الإسلاميين، ومنعهم من تنفيذ هجمات إرهابية. وعلى أي حال، لا تزال الحكومة اليمنية في موقع ضعيف عندما يتعلق الأمر بالتفاوض مع شيوخ العشائر والمنظمات الإسلامية، وهذا ما دفع القيادة السعودية إلى الإعراب عن شكها في قدرة الحكومة اليمنية على السيطرة على أمنها الداخلي وجيشها وقبائلها. وربما تعمد القيادة السعودية أيضاً إلى إعادة تقييم التداعيات الأمنية التي قد تطال المملكة وبقية دول مجلس التعاون الخليجي، وذلك في حالة ما إذا فشلت الحكومة اليمنية مجدداً في حفظ أمنها الداخلي.
وخلاصة القول إن طبيعة اليمن الجغرافية وتركيبته السكانية والمجتمعية وموقعه الاستراتيجي والطبيعة المعقدة لنظامه السياسي، بالإضافة إلى نفوذ مؤسساته الدينية وقربه من المملكة العربية السعودية؛ جميعها تُعـَـدّ من أبرز العوامل التي تشجع الأصوليين على استخدام اليمن كقاعدة لأنشطتهم المتطرفة. وفي الحقيقة، منذ أواخر التسعينات وتنظيم القاعدة يستخدم اليمن (كعمق استراتيجي) لعملياته وأنشطته داخل المملكة، فقد استخدم هذا التنظيم الأراضي اليمنية لتوفير الدعم اللوجستي لتلك الأنشطة والعمليات وساحة لتجنيد وتدريب المتطوعين ونقطة عبور لمقاتليه ومصدراً للأسلحة والمتفجرات والمتطلبات الأخرى. وفي ظل هذه الحالة، ونظراً إلى حدوث هجمات إرهابية عدة في كل من اليمن والمملكة، يُعـَـدّ التعاون بين سلطات هذين البـلـَـديـن مسألة حيوية لمكافحة الإرهاب المحلي وعنصراً مهماً في تقدم الحرب الشاملة على الإرهاب.ستقبل العلاقات اليمنية ـ السعودية
سيظل التعاون في مجالي أمن الحدود ومكافحة الإرهاب مسألة حاسمة في العلاقات اليمنية ـ السعودية المستقبلية، فإثر تسوية قضية الحدود السعودية ـ اليمنية في عام 2000، شهدت المناطق الحدودية تراجعاً نسبياً في حوادث الاختراقات الحدودية والصدامات المسلحة وعمليات الاختطاف. وفي عام 2003 وقـَّـع البلـَـدان اتفاقية أمنية التزما بموجبها بتبادل السجناء والمعلومات الاستخبارية، وهو ما يُعـَـدّ خطوة مهمة نحو التعاون الأمني الفعال. وفي يونيو 2006، وقـّـعـت الحكومتان اليمنية والسعودية اتفاقيتين التزمت من خلالهما الحكومة السعودية بتقديم قرضين لنظيرتها اليمنية لكي تتمكن من تمويل مشاريع لشق الطرق ـ اثنان منهما في محافظة صعدة الشمالية بتكلفة 116 مليون ريال سعودي. كما وقعت الحكومتان اتفاقية قرض أخرى لتنفيذ عدد من المشاريع في قطاع الطاقة الكهربائية باليمن، والتي رُصد لها مبلغ 375 مليون ريال سعودي. ويُتوقـّـع لهذين المشروعين أن يُسهما في تطوير البنية التحتية اليمنية الضرورية لتعزيز أمن اليمن وتشجيع الاستثمار فيه.
وتصب الآليات الإقليمية في مصلحة اليمن، فقد حسنت المملكة علاقاتها مع اليمن وتوقفت عن معارضة انضمامها المحتمل لعضوية مجلس التعاون الخليجي. بالإضافة إلى ذلك، وسعت دول مجلس التعاون الخليجي كافة ـ بما فيها الكويت ـ علاقاتها مع اليمن لتشمل التعاون الثنائي على الصعيدين: السياسي والاقتصادي، وهو ما يسهل التعاون متعدد الأطراف على المستوى الإقليمي. وفي أكتوبر 2002، حصل اليمن على عضوية أربع مؤسسات تابعة لمجلس التعاون الخليجي تُعنى بمجالات التعليم والرعاية الصحية والشؤون الاجتماعية والرياضة. ومن المؤكد أن الحرب الأمريكية ـ السعودية على الإرهاب ستسهم في تعزيز التعاون الأمني مع اليمن، لاسيما في ظل وجود اتفاقيات أمنية عدة بين البحرين والمملكة العربية السعودية وعُمان واليمن. ومن شأن إصرار إيران على التمسك ببرنامجها النووي أن يُسهل الحوار بين دول مجلس التعاون الخليجي واليمن حول سبل جعل الخليج العربي منطقة خالية من أسلحة الدمار الشامل. وتُشير مشاركة اليمن في مثل هذا الحوار والاتفاقيات الأمنية الموقعة معه إلى نية دول مجلس التعاون دمج اليمن في المنطقة وفي الهيكلية الأمنية لدول مجلس التعاون الخليجي.

::/fulltext::

Getting your Trinity Audio player ready...

::cck::2621::/cck::
::introtext::

يُعـَـد أمن الحدود أحد التحديات الأمنية الرئيسية التي تواجهها دول العالم قاطبة. ويعني هذا التحدي أنه يتعين على كل دولة إيجاد السبل والوسائل الكفيلة بحماية حدودها مع الدول المجاورة ومنع حدوث أي أنشطة غير مشروعة في مناطقها الحدودية، بالإضافة إلى منع الانتقال غير المشروع للأشخاص والسلع عبر خطوطها الحدودية.
تسهم عوامل عدة في تعقيد مشكلات أمن الحدود، من أبرزها: وجود العديد من الحدود المتنازع عليها أو التي لم يتم ترسيمها بعد، فضلاً عن المشكلات الأخرى المتعلقة بالطبيعة الجغرافية للمناطق الحدودية أو الصعوبات السياسية القائمة بين دولتين متجاورتين. وتعاني قضية الحدود اليمنية ـ السعودية جميع هذه التعقيدات وأكثر.

::/introtext::
::fulltext::

يُعـَـد أمن الحدود أحد التحديات الأمنية الرئيسية التي تواجهها دول العالم قاطبة. ويعني هذا التحدي أنه يتعين على كل دولة إيجاد السبل والوسائل الكفيلة بحماية حدودها مع الدول المجاورة ومنع حدوث أي أنشطة غير مشروعة في مناطقها الحدودية، بالإضافة إلى منع الانتقال غير المشروع للأشخاص والسلع عبر خطوطها الحدودية.
تسهم عوامل عدة في تعقيد مشكلات أمن الحدود، من أبرزها: وجود العديد من الحدود المتنازع عليها أو التي لم يتم ترسيمها بعد، فضلاً عن المشكلات الأخرى المتعلقة بالطبيعة الجغرافية للمناطق الحدودية أو الصعوبات السياسية القائمة بين دولتين متجاورتين. وتعاني قضية الحدود اليمنية ـ السعودية جميع هذه التعقيدات وأكثر.
ففي يونيو 2000، شهدت مدينة جدة توقيع اتفاقية الحدود اليمنية ـ السعودية، ورأى كثيرون في هذه الاتفاقية تقدماً جوهرياً في العلاقات اليمنية ـ السعودية. بينما أعرب الجانبان: السعودي واليمني عن تفاؤلهما في التوصل إلى تسوية نهائية لنـزاعاتهما الحدودية وتعزيز التعاون الأمني على طول الحدود المشتركة. ثم جاءت الهجمات الإرهابية التي استهدفت الولايات المتحدة في الحادي عشر من سبتمبر 2001، والهجوم على مجمع سكني بمدينة الرياض في مايو 2003، وسلسلة التفجيرات الخطيرة الأخرى التي أعقبت ذلك؛ إضافة إلى الهجومين على المدمرة الأمريكية كول (Cole) وإحدى ناقلات النفط الفرنسية قبالة الشواطئ اليمنية، جاءت لتضع التعاون الأمني بين الولايات المتحدة والمملكة العربية السعودية واليمن في صلب اهتمام هذه الدول الثلاث، ودفعتها إلى التعاون الجاد في مختـلـِـف القضايا الأمنية العسكرية منها وغير العسكرية، وخصوصاً مكافحة الإرهاب وأمن الحدود.
في السنوات التي أعقبت هجمات الحادي عشر من سبتمبر، تلقت الجمهورية اليمنية مساعدة دولية لدعم جهودها في مكافحة الإرهاب. وبحسب وزارة الخارجية الأمريكية، بلغت قيمة المساعدة الأمنية الأمريكية لليمن في عام 2005، 11.749 مليون دولار، وبلغت 10.204 مليون دولار في عام 2006. وقامت قيادة العمليات الأمريكية الخاصة بتدريب وحدات من الجيش اليمني، وعملت على تجهيز الوحدة اليمنية لمكافحة الإرهاب بأسلحة ومعدات متطورة؛ فيما شهد التعاون الأمني بين اليمن والمملكة العربية السعودية تقدماً ملموساً. وفي يونيو 2003 أكدت الحكومتان السعودية واليمنية أهمية تعاونهما الأمني عبر توقيع الاتفاقية الأمنية التي تنظم عمل سلطات الحدود المشتركة بين البلدين.
ومع ذلك، لم تُفلح قوات حرس الحدود العاملة على جانبي الحدود اليمنية ـ السعودية في منع المهربين أو المقاتلين الإسلاميين من عبور تلك الحدود نحو الأراضي السعودية. بينما انتهى العديد من المواجهات المتكررة بين بعض القبائل وقوى الأمن في اليمن بتردي العلاقات بين الحكومتين السعودية واليمنية. لكن حادثة فرار نشطاء تنظيم القاعدة الثلاثة والعشرين من أحد سجون صنعاء الـمُـحـاط بأفضل التدابير الأمنية الممكنة في فبراير 2006، ومشاركة اثنين منهم لاحقاً في هجمات سبتمبر 2006 الإرهابية التي استهدفت منشآت نفطية في مأرب وحضرموت، دفعتا مسؤولين سعوديين رفيعي المستوى إلى الإعراب عن شكهم في قدرة الحكومة اليمنية على مكافحة الإرهاب المحلي بفاعلية. لهذا السبب، تركز هذه المقالة على تقديم دراسة وافية لتفاصيل المشكلات التي تحول دون تطور التعاون الأمني بين البلـَـدين.
خصائص الحدود اليمنية ـ السعودية
من الممكن إرجاع مشكلة أمن الحدود السعودية ـ اليمنية إلى جملة من العوامل التي تُسهم في تعقيد هذه المشكلة وتحول دون نشوء تعاون أمني فاعل بينهما، لإحكام السيطرة على حدودهما المشتركة.
1) العوامل الجغرافية
طبيعة شمال اليمن الجبلية الوعرة وطول حدوده البرية مع المملكة العربية السعودية (1.458 كيلومتر)، وغياب البنية التحتية المناسبة في مناطقه الحدودية؛ تُـعـَـد من أهم العوامل التي تجعل من الصعب على قوات الأمن اليمنية بسط سيطرتها على الحدود البرية مع السعودية، فيسهل على المهربين والنشطاء الإسلاميين تجاوز الخط الحدودي باتجاه السعودية من دون أن يُكتَشف أمرهم.إن التكلفة المالية لمراقبة المناطق الجبلية الوعرة مرتفعة للغاية. لكن موارد الحكومة اليمنية المحدودة دفعتها إلى رصد مبالغ متواضعة لحفظ أمن حدودها. في المقابل، رصدت الحكومة السعودية مبالغ ضخمة لإحكام السيطرة على حدودها الجنوبية. ففي فبراير 2004، أقرت السلطات السعودية مشروعاً لبناء سياج على طول حدودها مع اليمن، واقتضى المشروع أن يتكون السياج المذكور من أنبوب معدني وأعمدة خرسانية ونشر أجهزة متطورة على طول الحدود مع اليمن. غير أنه تم إلغاء هذا المشروع بعد المعارضة الشديدة التي قوبل بها من جانب زعماء قبائل المنطقة الحدودية وعدد من أعضاء الحكومة اليمنية، لكن السلطات السعودية لجأت إلى وسائل تكنولوجية أخرى للحد من الحركة غير المشروعة للأشخاص والسلع عبر حدودها، كأنواع خاصة من طائرات الاستطلاع لمراقبة نقاط التسلل الرئيسية والكاميرات الليلية وتقنيات أخرى لكشف المتسللين، بالإضافة إلى نشر عدد كبير من نقاط المراقبة الثابتة وتكثيف دوريات قوات حرس الحدود السعودية.
2) العوامل الديموغرافية والمؤسسات الاجتماعية
يتميز الشريط الحدودي بين اليمن والسعودية بخصائص ديموغرافية عدة، من أبرزها:
أولاً: يتمتع هذا الشريط بكثافة سكانية عالية على جانبي الخط الحدودي، وهو ما يشجع السكان على التحرك بانتظام عبر الحدود المشتركة، غير آبهين بالإجراءات الرسمية. وبالإضافة إلى ذلك، هناك تجذر عميق للأعراف والتقاليد العشائرية في المحافظات اليمنية الشمالية المحاذية للحدود مع السعودية، وهو ما يحدّ من سلطة الحكومة المركزية على سكان تلك المحافظات ونشاطاتهم الاقتصادية والاجتماعية. وبفعل التقاليد العشائرية السائدة في مناطق اليمن الحدودية تتوفر في هذه المناطق كميات كبيرة من الأسلحة والمتفجرات التي تُستخدَم لأغراض شخصية وتجارية على حد سواء. وفي ظل غياب سلطة الدولة اليمنية في مناطقها الحدودية ـ وبخاصة في مناطق القبائل، كمحافظات صعدة ومأرب والجوف وأبين ـ يصبح من السهل انتشار شبكات تهريب الأسلحة. كما يُعـَـدّ حمل السلاح أحد أهم التقاليد الاجتماعية في اليمن، وينظر الرجل اليمني إلى حمل أسلحته الفردية كجزء من زيه التقليدي وعنصر أساسي من شخصيته القبلية. لذا، فإن الأسلحة متوفرة بكثرة في اليمن وتـُـبـاع بانتظام في جميع أنحاء البلاد. فهناك خمسة أسواق كبرى لتجارة الأسلحة في اليمن، هي: أسواق جهمانة وصعدة والبيداء والجوف وأبين، وتُقدَّر كمية الأسلحة المتوفرة في هذه الأسواق بنحو 30 ألف قطعة. ومن الممكن شراء العديد من أنواع الأسلحة في اليمن بكل سهولة. فقد بات شراء السلاح هناك مُجرد مسألة وقت للتعرف إلى التجار وتحديد السعر. ومن اللافت هنا أن أسعار الأسلحة في اليمن متدنية جداً مقارنة بالأسعار في الدول الغربية وحتى في دول المنطقة. إذ يتراوح سعر البندقية الروسية من طراز (كلاشينكوف ـ 47) بين 300 و350 دولاراً، بينما يبلغ سعر القنبلة اليدوية ثلاثة دولارات فقط؛ ويتم بيع القاذف الصاروخي (آر بي جي ـ 7) بنحو 500 دولار. ولا يزال المجتمع اليمني حتى اليوم أحد أكثر المجتمعات تسلحاً في العالم، ويوجد في اليمن ما نسبته أربعون قطعة سلاح لكل مائة مواطن.
3) العوامل السياسية
شهد تاريخ العلاقات السياسية اليمنية ـ السعودية فترات طويلة من التوتر والمجابهة. وفي الحقيقة، تنعدم الثقة المتبادلة في التعامل الثنائي بين حكومتي اليمن والسعودية. وأسهم هذا المناخ السياسي السلبي بشكل ملحوظ في تفاقم مشكلة مراقبة وضبط حدودهما المشتركة، ويُعزى إلى هذه العلاقات السياسية المتعثرة أيضاً عدم أخذ الحكومات اليمنية المتعاقبة الهواجس الأمنية السعودية على محمل الجد، وامتناعها عن التعامل بحزم مع قضية تهريب الأسلحة والتنقل غير القانوني عبر الحدود اليمنية مع المملكة.
وفي عام 2000، وقـّـعـت الدولتان بمدينة جدة اتفاقية لرسم الحدود لتتوصلا أخيراً إلى تسوية نزاعهما الحدودي الذي طال أمده، وكان لهذه الاتفاقية تأثير إيجابي ملموس في مستوى تعاون البلدين في مجال أمن الحدود، كما ساهمت في تحسين مجمل علاقاتهما السياسية.
4) العوامل الاقتصادية
يُمثل الفارق الشاسع بين اقتصادي اليمن والمملكة والفجوة الكبيرة بين مستويي المعيشة فيهما أحد أهم العوامل التي تسهم في تعقيد مشكلة أمن الحدود اليمنية ـ السعودية، فقد دفع النقص في فرص العمل باليمن وتوفر البدائل في سوق العمل السعودية، العمالة اليمنية للتوجه إلى المملكة للعمل أو الاستقرار فيها بصورة غير مشروعة.
وخلاصة القول إن السلطات في كل من السعودية واليمن تواجه عقبات عدة تحول دون إرساء تعاون ثنائي فاعل لإنجاز مهمة منع تهريب الأسلحة إلى المملكة، ووقف التنقل غير المشروع عبر الحدود المشتركة. ومن العوامل الرئيسية التي تُسهل على المهربين والإرهابيين ممارسة أنشطتهم المحظورة عبر الحدود اليمنية ـ السعودية وعورة المناطق الحدودية وصعوبة مراقبتها والعادات والتقاليد العشائرية السائدة فيها، بالإضافة إلى ضعف أداء اقتصاد اليمن وتركيبته السياسية ـ المجتمعية المعقدة.
الإرهاب وتهريب الأسلحة والبشر
يُعـَـدّ تهريب الأسلحة والعتاد من اليمن إلى المملكة العربية السعودية إحدى نقاط الخلاف الرئيسية بين قوات أمن الحدود التابعة لهذين البلدين. فعلى الرغم من أن الحكومتين اليمنية والسعودية عززتا تعاونهما الأمني على الحدود المشتركة، ظل اليمن مَصدَر الجزء الأكبر من كميات الأسلحة والعتاد والمتفجرات التي يتم تهريبها إلى الأراضي السعودية. ويعتقد كبار المسؤولين السعوديين أنه تم تهريب أغلب الأسلحة والمتفجرات التي استُخدِمت في الأعمال الإرهابية التي شهدتها المملكة من اليمن، وقد ثبتت صحة هذا الاعتقاد بالفعل، فالتحقيقات التي أجرتها السلطات السعودية بعد الهجوم الإرهابي الذي استهدف مرافق عسكرية أمريكية بالمملكة في نوفمبر 1995 كشفت أن المجموعة الإرهابية التي نفذت عملية منطقة (علية) بالرياض حصلت على المتفجرات التي استخدمتها في تلك العملية عن طريق اليمن. وإثر هجوم آخر تعرضت له القنصلية الأمريكية بجدة في ديسمبر 2004، كشفت جهود قوات الأمن السعودية لتحديد مصدري بندقيتي كلاشينكوف اللتين استُخدمتا في ذلك الهجوم، أنه تمت سرقة البندقيتين من أحد مخازن الأسلحة التابعة للحكومة اليمنية، ثم هُربتا إلى الأراضي السعودية لتُستخدَما في الهجوم الإرهابي المذكور.إن سيطرة الحكومة السعودية على ظاهرة امتلاك واستخدام مواطنيها للأسلحة الخفيفة تضعف أيضاً في معظم المناطق الريفية النائية التي تحكمها سلطات عشائرية محلية، مع أن قبائل اليمن تولي أهمية أكبر للحكم الذاتي السياسي مقارنة بالقبائل السعودية. ولدى قبائل اليمن قوانينها العشائرية الخاصة بها على الرغم من وجود القوانين الرسمية، وتمتلك بعض هذه القبائل جيوشها الخاصة بها. بالإضافة إلى ذلك، تشكل تجارة وتهريب الأسلحة أحد مصادر الدخل الرئيسية لليمنيين، لا سيما في المناطق الريفية النائية. وتبلغ كمية الأسلحة المتوفرة لدى عشائر اليمن نحو 5.577.597 قطعة، وهي مجهزة بما يُمكـِّـنـهـا من محاربة قوات الأمن الحكومية التي يُعتقَد أنها مجهزة بـ (1.500.000) قطعة سلاح (بيانات رصد الأسلحة الخفيفة، 2005). وقد سبق للحكومة اليمنية نفسها أن زودت بعض القبائل بالأسلحة. فأثناء الحرب الأهلية التي دارت رحاها في التسعينات، زودت الحكومة اليمنية بعض قبائلها بأسلحة ـ كان معظمها روسي الصنع ـ من أجل محاربة الانفصاليين في الجنوب. وبعد أن وضعت الحرب أوزارها بقيت هذه الأسلحة بحوزة القبائل. وليس هذا وحسب، بل لقد قدم بعض أعضاء الحكومة اليمنية مساعدات مالية وأسلحة للعديد من زعماء العشائر بهدف ضمان دعمهم الضروري لحفظ استقرار الحكومة الذي يقوم على أساس التحالف السياسي بين مختـلـِـف القبائل والجيش وقيادات الأحزاب السياسية.
ومع ذلك، أطلقت الحكومة اليمنية في الماضي مبادرات عدة لإغلاق سوقي الأسلحة بمدينتي الطلح والجهنة التابعتين لمحافظة صنعاء، أو شراء جميع الأسلحة المتوفرة فيهما. وتقع المدينة الأولى على بعد 242 كيلومتراً شمال العاصمة، بينما تبعد الثانية عن صنعاء أربعين كيلومتراً فقط. وبحسب ما أعلنه وزير الخارجية اليمني أبو بكر القِربي، (أنفق اليمن في عام 2002، ثمانية مليارات ريال [43.7 مليون دولار] لشراء الأسلحة من رجال القبائل). ويعتقد المسؤولون اليمنيون الآن أن السوقين المذكورين انتهيا كلياً، لكنهم يعترفون بأن بعض الأنشطة الفردية لتجارة الأسلحة لا تزال مستمرة.
وبين عامي 1992 و2005، كررت الحكومة اليمنية طرح مبادرتها للحد من مبيعات الأسلحة داخل البلاد عبر منع حمل السلاح علناً. وعلى الرغم من أن هذه المبادرة حظيت بموافقة مجلس الوزراء، فإنها اصطدمت بمعارضة البرلمان ذي التركيبة العشائرية. وعلى أي حال، حققت الحكومة المركزية بعض النجاح في السيطرة على تجارة الأسلحة داخل العاصمة، واستطاعت على الأقل إخلاء شوارع المدينتين الرئيسيتين صنعاء وعدن من السلاح. بالإضافة إلى حقيقة أن بيع وتهريب الأسلحة يشكلان مصدر دخل مهماً بالنسبة للقبائل، فإن الثقافة اليمنية تمنع عامة الناس من تسليم أسلحتهم إلى السلطات الرسمية. ومع أن حيازة الأسلحة تشكل جزءاً من شخصية المواطن اليمني، إلا أن سلاح المواطن اليمني يرتبط بالهوية والأعراف والتقاليد العشائرية أكثر من ارتباطه بالعنف والقتل. وحتى تجار السلاح يستأجرون أحياناً أسلحة إضافية في مناسبات عدة كحفلات الزواج أو تشييع الجنازات. وقال أحد اليمنيين لصحفي غربي: (إن اليمني يحمل سلاحه، مثلما تضع أنت ربطة العنق).
من ناحية أخرى، هناك أعضاء بالنخبة السياسية اليمنية يعملون على تقويض سياسات الدولة الرامية إلى الحد من تجارة الأسلحة. فقد تكرر اتهام العديد من أعضاء وحلفاء الأحزاب السياسية اليمنية بدعم عمليات تهريب الأسلحة من السوق السوداء أو الضلوع فيها، وبإبرام صفقات رسمية لشراء أسلحة ثم القيام ببيعها للتجار المحليين. ويبدو أن معظم الأسلحة والمعدات العسكرية الخفيفة المتوفرة في الأسواق اليمنية تم استيرادها بصورة مشروعة من بلدان أجنبية مُصدّرة للسلاح، كالأرجنتين والبرازيل والصين وجمهورية التشيك وفرنسا وألمانيا والفلبين وبولندا والبرتغال وجنوب إفريقيا وإسبانيا والولايات المتحدة. ويدّعي بعض المراقبين أنه تم تحويل وجهة كميات من الأسلحة من اليمن إلى بلدان أخرى يخضغ بعضها لنظام حظر استيراد الأسلحة، كالصومال، مثلاً. (بيانات رصد الأسلحة الخفيفة، 2005)
وفي ظل هذه الحقائق ـ المتمثلة بأن امتلاك الأسلحة الخفيفة يشكل أحد أهم عناصر الثقافة اليمنية، وأن تهريبها يُعـَـدّ مصدراً جذاباً للدخل، وأن أفراداً داخل الهيكل السياسي اليمني يدعمون تهريب الأسلحة لتحقيق مآرب شخصية ـ سيكون من الصعب منع تهريب الأسلحة من اليمن إلى السعودية عبر الحدود المشتركة. وبالتالي، ستظل هذه القضية مَصدَر قلق لسلطات الأمن السعودية.
وتتمحور النقطة الخلافية الأمنية الأخرى بين السعودية واليمن حول مسألة التنقل غير المشروع للبشر عبر الحدود البرية المشتركة، وارتباط بعض المهاجرين اليمنيين غير الشرعيين بعناصر إسلامية متطرفة وبأنشطة إرهابية وقعت داخل المملكة العربية السعودية.فعلى سبيل المثال، خلال الأشهر الثمانية الممتدة من فبراير إلى سبتمبر 2005، اعتقلت قوات حرس الحدود السعودية أكثر من نصف مليون مهاجر غير شرعي حاولوا عبور الحدود البرية المشتركة مع اليمن إلى داخل المملكة بصورة غير قانونية (545384 شخصاً، حسب البيانات الرسمية السعودية). وأكدت حوادث عدة جرت في الماضي وجود روابط وثيقة بين الإسلاميين الناشطين في المملكة واليمن، وأن الإرهاب لا يتوقف عند حدود هذين البلدين. فالهجمات الإرهابية التي شهدها اليمن كاستهداف المدمرة الأمريكية (كول) في أكتوبر 2000، وناقلة النفط الفرنسية ليمبورغ (Limburg) في أكتوبر 2002، واعتقال السلطات السعودية عدداً من الإرهابيين السعوديين الذين كانوا مختبئين داخل اليمن؛ هي حوادث ولدت لدى السعوديين الانطباع بأن اليمن ملاذ آمن للإرهابيين. واعتقلت أجهزة الأمن السعودية العديد من المواطنين اليمنيين للاشتباه في انتمائهم إلى تنظيم القاعدة وسلمتهم إلى السلطات اليمنية. ومن بين السجناء الثلاثة والعشرين الذين فروا في فبراير 2006، من السجن المركزي بمدينة صنعاء؛ كان هناك تسعة سجناء جرى اعتقالهم أصلاً على يد السلطات السعودية داخل المملكة. وهناك أيضاً علاقة وثيقة بين يمنيين وسعوديين اعتـُـقـِـلـوا داخل اليمن على خلفية الاشتباه في أنهم إرهابيون أو متورطون في هجمات إرهابية، من أمثال السعودي المولد حمدي صادق الأهدل الذي قيل إنه شارك في الهجومين اللذين استهدفا المدمرة الأمريكية كول وناقلة النفط الفرنسية (ليمبورغ)؛ وفواز يحيى الربيعي الذي أضاف مكتب التحقيقات الفيدرالي اسمه إلى قائمة المطلوبين المشتبه في أنهم إرهابيون في فبراير 2002، والذي قتلته قوات الأمن اليمنية في أكتوبر 2006.
وهناك مثال آخر يثبت أن النشطاء الإسلاميين لا يتوقفون عند الحدود اليمنية ـ السعودية، ويتمثل بحقيقة أن اليمنيين يشكلون نحو 17 في المائة من مجموع المجاهدين الأجانب الناشطين في العراق. وتشكل الجنسية اليمنية إحدى أبرز الجنسيات الثلاث التي يحملها سجناء معتقل خليج غوانتانامو، فهي تأتي مباشرة بعد الجنسيتين السعودية والباكستانية. وأخيراً، يُشار إلى أن حادثتي فرار ثلاثة وعشرين سجيناً يمنياً من سجن صنعاء المركزي في فبراير 2006، ومشاركة اثنين منهم في هجمات سبتمبر 2006، التي استهدفت منشآت نفطية في مأرب وحضرموت، دفعتا حكومات دول مجلس التعاون الخليجي إلى التساؤل حول ما إذا كانت الحكومة اليمنية قادرة بالفعل على مكافحة الإرهاب المحلي الذي لا يشكل خطراً على أمن اليمن وحسب، وإنما يحمل تداعيات سلبية على أمن منطقة الخليج العربي برمتها.
ومن غير المنصف تحميل غياب سلطة الحكومة اليمنية في بعض المناطق أو تضاريس اليمن الوعرة أو النظام العشائري السائد فيه كامل المسؤولية عن الأنشطة الإرهابية القديمة والحديثة التي شهدتها المنطقة أو عن وجود نشطاء إسلاميين فيها. ففي الثمانينات، ساهم كل من اليمن والسعودية في تطوير قدرات وعديد النشطاء الإسلاميين في المنطقة، وكان كثير من الإسلاميين الناشطين حالياً باليمن قد جُندوا بالأصل كمجاهدين إبان حرب أفغانستان التي بدأت في الثمانينات، وانتهت في أوائل التسعينات. وعندما عاد (العرب الأفغان) إلى البلاد بعد انتهاء الحرب الأفغانية، استغلت الحكومة اليمنية مهاراتهم في الحرب الأهلية التي قادتها ضد الانفصاليين في الجنوب في عام 1994. وبحسب تصريح رسمي أدلى به وزير الداخلية اليمني حسين العرب في عام 2001، فإن عدد (العرب الأفغان) باليمن بلغ في عامي 1993 و1994 نحو 29 ألف مقاتل. وبعد الحرب، استقر هؤلاء الإسلاميون في صنعاء ومدن رئيسية أخرى، بالإضافة إلى مناطق القبائل الرئيسية الواقعة في شمال وجنوب البلاد، والتي طالما غابت عنها سلطة الحكومة المركزية، ثم شارك بعض الإسلاميين في المؤسسات السياسية كأعضاء بحزب الإصلاح، وانخرط البعض الآخر في صفوف القوات المسلحة اليمنية أو عادوا إلى الاندماج في النظام العشائري اليمني، بينما هاجر جزء منهم إلى المملكة للاستقرار فيها. ومنذ ذلك الحين، شهد اليمن تنامي جماعتين إسلاميتين محليتين، هما: حركة الجهاد الإسلامي وجيش عدن ـ أبين. وتدّعي بعض المصادر أن المؤسسات الدينية السعودية ساهمت في تطوير الحركة الإسلامية المحافظة في اليمن، وقدمت السعودية دعماً مالياً لعدد من أعضاء وأبرز شخصيات حزب الإصلاح اليمني المحافظ الذين تلقوا تعليمهم في المملكة، ومن بينهم الشيخ أبو عبد الرحمن مقبل هادي الوديعي والشيخ عبد المجيد الزنداني، وهو عضو بحزب الإصلاح ومجلس الرئاسة ورئيس جامعة الإيمان، التي تضم طلاباً من مختـلـِـف أنحاء العالم، بينهم العديد من حملة البكالوريوس والماجستير. وصنفت الولايات المتحدة الشيخ عبد المجيد الزنداني كإرهابي وأضافت اسمه في فبراير 2004 إلى قائمة الإرهابيين التي تصدر عن وزارة المالية الأمريكية، ومن ثم إلى القائمة الموسعة التي تصدر عن مجلس الأمن الدولي (اللائحة الأممية السوداء رقم 1267). وهذا ما أدى إلى تجميد حساباته المصرفية والضغط على الحكومة اليمنية لإغلاق جامعة الإيمان ولو بصورة مؤقتة. ويُذكَر أن هذه الجامعة تستقبل مئات المنتسبين الجدد في كل عام. وادعت الولايات المتحدة أن جامعة الإيمان كانت قد تحولت إلى مركز لتجنيد المزيد من الإرهابيين والنشطاء الإسلاميين، فهناك طالبان سابقان على الأقل من بين الذين انتسبوا لجامعة الإيمان بشكل مؤقت، وشاركوا في هجمات إرهابية، الأول هو الداعية علي الجار الله الذي حُمل مسؤولية اغتيال زعيم الحزب الاشتراكي جار الله عمر في ديسمبر 2002، والثاني هو عبد الكامل الذي حُمل مسؤولية مقتل ثلاثة أمريكيين في ديسمبر 2002 في أحد مستشفيات الجبلة بمحافظة إب.
كان الشيخ أبو عبد الرحمن مقبل الهادي الوديعي الشخصية الإسلامية اليمنية البارزة الأخرى التي يُعتقـَـد أنها تتمتع بعلاقات وثيقة مع المملكة العربية السعودية. وولد الوديعي في اليمن، ولكنه تلقى علومه في السعودية على يد الشيخ الراحل عبد العزيز بن باز حتى عام 1979، وعاد إلى اليمن وأسس ـ بدعم مالي سعودي وتحت حماية قبيلته (وديعة) ـ دار الحديث النبوي الخيرية؛ وهي معهد إسلامي خرّج آلاف الطلاب اليمنيين والأجانب. وأسس العديد من تلامذة الوديعي معاهدهم الدينية الخاصة وساهموا في تطوير الحركة السلفية في اليمن. وفي عام 2001 كان هناك نحو 400 معهد وأكثر من 250 ألف طالب في المؤسسات التعليمية الإسلامية اليمنية؛ (غلوزماير Glosemeyer، 2003). وكان العديد من الطلاب يتلقون مساعدات مالية من مؤسسة الحرمين الخيرية الإسلامية السعودية، وبخاصة في مناطق اليمن الشمالية، حيث حاول السلفيون احتواء نفوذ الزيديين الشيعة.
وفي الحقيقة، لا يستخدم النشطاء الإسلاميون المملكة العربية السعودية واليمن كمحطات عبور وحسب، بل يشكلون جزءاً فاعلاً من مؤسسات اليمن الأساسية وقبائله ومدارسه الدينية وأحزابه السياسية ومؤسساته الأمنية والعسكرية، وهو ما يجعل من الصعب على السلطات في كل من اليمن والسعودية اتخاذ إجراءات صارمة ضدهم.
وكثيراً ما نجح الترابط العشائري بين القبائل في اليمن والسعودية في دفع حرس الحدود إلى تجاهل الإجراءات الرسمية والسماح للناس بعبور الحدود بحرية. وقد تربط علاقات نسب بين إسلاميين وبعض أبرز شيوخ القبائل، وهو ما يوفر لهم الحماية، لأن شيوخ القبائل يميلون بطبيعتهم إلى حماية جميع أفراد العائلة والقبيلة من سلطة الدولة. وهنالك يمنيون كثر من ذوي (الـهُـوية متعددة الوجوه) التي تتمثل بتداخل الولاء للعائلة والقبيلة والمؤسسات الرسمية، وهو ما قد يؤدي إلى تضارب المصالح فيصبح من الصعب على المواطن اليمني التعاون مع المؤسسات الأمنية الرسمية أو تحديد متى يجب مثلاً تسليم شخص يُشتبه في أنه إرهابي للسلطات الرسمية أو متى يجب على العائلة والقبيلة حمايته. وربما تكون هذه (الـهـُـويـة متعددة الوجوه) أحد أسباب نجاح عملية الفرار من أحد سجون صنعاء في فبراير 2006. وكان من المستحيل أن تنجح هذه العملية من دون حصول السجناء على مساعدة خارجية هائلة، لكن حقيقة أن اثنين من هؤلاء السجناء ظهرا لاحقاً كانتحاريين مشاركين في هجمات سبتمبر 2006، التي استهدفت منشآت نفطية في مأرب وحضرموت، تدفع إلى طرح السؤال الآتي: كيف تمكن هؤلاء الفارون من الاختباء داخل اليمن لمدة سبعة أشهر؟ قد تكمن الإجابة عن هذا السؤال في أحد احتمالين، هما: إما لأن الحكومة والجيش اليمنيين عاجزان عن السيطرة على تحركات الإسلاميين في اليمن لأنهما لا يعولان على ولاء حلفائهما الرئيسيين، أو لأن الحكومة اليمنية لا تتمتع بالقوة الكافية للتفاوض مع حلفائها العشائريين أو المحافظين للعثور على المطلوبين الإسلاميين، ومنعهم من تنفيذ هجمات إرهابية. وعلى أي حال، لا تزال الحكومة اليمنية في موقع ضعيف عندما يتعلق الأمر بالتفاوض مع شيوخ العشائر والمنظمات الإسلامية، وهذا ما دفع القيادة السعودية إلى الإعراب عن شكها في قدرة الحكومة اليمنية على السيطرة على أمنها الداخلي وجيشها وقبائلها. وربما تعمد القيادة السعودية أيضاً إلى إعادة تقييم التداعيات الأمنية التي قد تطال المملكة وبقية دول مجلس التعاون الخليجي، وذلك في حالة ما إذا فشلت الحكومة اليمنية مجدداً في حفظ أمنها الداخلي.
وخلاصة القول إن طبيعة اليمن الجغرافية وتركيبته السكانية والمجتمعية وموقعه الاستراتيجي والطبيعة المعقدة لنظامه السياسي، بالإضافة إلى نفوذ مؤسساته الدينية وقربه من المملكة العربية السعودية؛ جميعها تُعـَـدّ من أبرز العوامل التي تشجع الأصوليين على استخدام اليمن كقاعدة لأنشطتهم المتطرفة. وفي الحقيقة، منذ أواخر التسعينات وتنظيم القاعدة يستخدم اليمن (كعمق استراتيجي) لعملياته وأنشطته داخل المملكة، فقد استخدم هذا التنظيم الأراضي اليمنية لتوفير الدعم اللوجستي لتلك الأنشطة والعمليات وساحة لتجنيد وتدريب المتطوعين ونقطة عبور لمقاتليه ومصدراً للأسلحة والمتفجرات والمتطلبات الأخرى. وفي ظل هذه الحالة، ونظراً إلى حدوث هجمات إرهابية عدة في كل من اليمن والمملكة، يُعـَـدّ التعاون بين سلطات هذين البـلـَـديـن مسألة حيوية لمكافحة الإرهاب المحلي وعنصراً مهماً في تقدم الحرب الشاملة على الإرهاب.ستقبل العلاقات اليمنية ـ السعودية
سيظل التعاون في مجالي أمن الحدود ومكافحة الإرهاب مسألة حاسمة في العلاقات اليمنية ـ السعودية المستقبلية، فإثر تسوية قضية الحدود السعودية ـ اليمنية في عام 2000، شهدت المناطق الحدودية تراجعاً نسبياً في حوادث الاختراقات الحدودية والصدامات المسلحة وعمليات الاختطاف. وفي عام 2003 وقـَّـع البلـَـدان اتفاقية أمنية التزما بموجبها بتبادل السجناء والمعلومات الاستخبارية، وهو ما يُعـَـدّ خطوة مهمة نحو التعاون الأمني الفعال. وفي يونيو 2006، وقـّـعـت الحكومتان اليمنية والسعودية اتفاقيتين التزمت من خلالهما الحكومة السعودية بتقديم قرضين لنظيرتها اليمنية لكي تتمكن من تمويل مشاريع لشق الطرق ـ اثنان منهما في محافظة صعدة الشمالية بتكلفة 116 مليون ريال سعودي. كما وقعت الحكومتان اتفاقية قرض أخرى لتنفيذ عدد من المشاريع في قطاع الطاقة الكهربائية باليمن، والتي رُصد لها مبلغ 375 مليون ريال سعودي. ويُتوقـّـع لهذين المشروعين أن يُسهما في تطوير البنية التحتية اليمنية الضرورية لتعزيز أمن اليمن وتشجيع الاستثمار فيه.
وتصب الآليات الإقليمية في مصلحة اليمن، فقد حسنت المملكة علاقاتها مع اليمن وتوقفت عن معارضة انضمامها المحتمل لعضوية مجلس التعاون الخليجي. بالإضافة إلى ذلك، وسعت دول مجلس التعاون الخليجي كافة ـ بما فيها الكويت ـ علاقاتها مع اليمن لتشمل التعاون الثنائي على الصعيدين: السياسي والاقتصادي، وهو ما يسهل التعاون متعدد الأطراف على المستوى الإقليمي. وفي أكتوبر 2002، حصل اليمن على عضوية أربع مؤسسات تابعة لمجلس التعاون الخليجي تُعنى بمجالات التعليم والرعاية الصحية والشؤون الاجتماعية والرياضة. ومن المؤكد أن الحرب الأمريكية ـ السعودية على الإرهاب ستسهم في تعزيز التعاون الأمني مع اليمن، لاسيما في ظل وجود اتفاقيات أمنية عدة بين البحرين والمملكة العربية السعودية وعُمان واليمن. ومن شأن إصرار إيران على التمسك ببرنامجها النووي أن يُسهل الحوار بين دول مجلس التعاون الخليجي واليمن حول سبل جعل الخليج العربي منطقة خالية من أسلحة الدمار الشامل. وتُشير مشاركة اليمن في مثل هذا الحوار والاتفاقيات الأمنية الموقعة معه إلى نية دول مجلس التعاون دمج اليمن في المنطقة وفي الهيكلية الأمنية لدول مجلس التعاون الخليجي.

::/fulltext::
::cck::2621::/cck::

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *