العراق وإيران.. جيرة شقاق

::cck::2617::/cck::
::introtext::

طوال الأعوام الثلاثة الماضية اختلف العراقيون والأمريكيون في مسألة التدخل الإيراني في العراق وقبلها وبعدها في التوجه العام للعلاقة بين العراق وإيران. فالولايات المتحدة إلى العام 2005 اكتفت بعدم التعليق الرسمي على طبيعة العلاقة بين الدولتين رسمياً، وسمحت بإشارات مبتسرة لقياداتها العسكرية الميدانية بتأكيد حقيقة وجود تدخل عسكري – استخباراتي لدعم بعض حالات العنف في العراق، وطالبت الجانب الإيراني بالكف عن تدخله في شؤون العراق.

::/introtext::
::fulltext::

طوال الأعوام الثلاثة الماضية اختلف العراقيون والأمريكيون في مسألة التدخل الإيراني في العراق وقبلها وبعدها في التوجه العام للعلاقة بين العراق وإيران. فالولايات المتحدة إلى العام 2005 اكتفت بعدم التعليق الرسمي على طبيعة العلاقة بين الدولتين رسمياً، وسمحت بإشارات مبتسرة لقياداتها العسكرية الميدانية بتأكيد حقيقة وجود تدخل عسكري – استخباراتي لدعم بعض حالات العنف في العراق، وطالبت الجانب الإيراني بالكف عن تدخله في شؤون العراق.
لقد سمحت الولايات المتحدة للقيادات السياسية والمذهبية الواقعة تحت الرعاية الإيرانية وبأشكال الدعم المختلفة من تثبيت يدها في العراق وتقويته، وسمحت أيضاً لها بجر العراق إلى تبادلات ادعت أنها اقتصادية انطوت على استنزاف فاضح لثروات العراق، وليس أقلها تصدير نفط خام إلى إيران واستيراد مشتقات مختلفة من الوقود، ودفع فروق نقدية قدرت بنصف مليار دولار عام 2005 وكذلك العام 2006.
أما العراقيون فقد توزعوا على أصناف:
– طائفيون تقاتلوا على تعظيم إيران، وقتلوا من أجل تمجيدها، ودافعوا عن عنها أكثر من دفاعها عن نفسها.
– علمانيون عرب آثروا السكوت درءاً للسلامة.
– علمانيون أكراد لم يشغلهم سوى هم كردستان ومصالحهم في إقامة دولة مستقبلية تحظى بالدعم.
– وطنيون تحدثوا عن التدخل الإيراني في العراق.
وذهبوا إلى الاقتتال بينهم من أجل إيران أو ضدها، حتى اندفع أحد المحللين الأمريكيين إلى القول في تصريح لقناة (العربية) وهو ميشيل أوهانلين في 26 تموز 2006 إن إيران ستقاتل في المنطقة حتى آخر شيعي غير فارسي. وبقيت الإشكالية المعلقة هي الدلائل على التدخل وعدم فهم مقاصد إيران من توزيع مساحات دعمها للجماعات العراقية. فهي دعمت أنصار الإسلام السنة، ودعمت أيضاً تنظيم القاعدة بقيادة (أبو مصعب الزرقاوي) الذي يظهر العداء صراحة للشيعة، ودعمت قبلهما تنظيم المجلس الأعلى والتيار الصدري الذي يظهر العداوة صراحة للسنة العرب في العراق.
ومن أجل تفسير ما تقدم علينا الرجوع قليلاً إلى بداية عام 2003، وتحليل مثلث العلاقة الأمريكية – الإيرانية – العراقية.
وحين غزت الولايات المتحدة العراق عام 2003، نظرت إيران إلى ذلك الغزو على أنه جهد بالنيابة للتخلص من نظام الرئيس السابق صدام حسين وكنتيجة إخراج العراق كقوة مستقلة من معادلة التوازن الاستراتيجي في المنطقة وتعزيز دور إيران الإقليمي. ولهذا فقد تعاملت إيران مع الحرب على أساس نتائجها، وفضلت عدم إبداء تأييد علني لسياسة الولايات المتحدة حتى لا تظهر كأنها جزء من التحالف الذي شن الحرب. وحتى إذا ما استقرت القوات الأمريكية في العراق اتجهت إيران بخطوات فاعلة صوب التأثير في مسار الأحداث في العراق بالشكل الذي يؤمن لها نفوذاً مؤكداً في هذا البلد يكون كخط هجوم أول، أو خط دفاع متقدم (أرض، دم ومال) باتجاه محاولات إيران التوسع الإقليمي نحو الإقليم العربي أو تجاه أي تفكير أمريكي جدي لمهاجمة إيران.
إن إيران أعلنت حيادها في الحرب التي شنتها الولايات المتحدة ضد العراق عام 2003 إلا أن الدلائل العملية أثبتت ضعف تلك المقولة. وما أسباب طرقها من إيران إلا كخطاب سياسي لكي لا تظهر متناقضة مع خطابها السياسي في معاداة الشيطان الأكبر (الولايات المتحدة). فمنذ بدء العمليات قدمت إيران أوسع دعم للأطراف السياسية والعسكرية – الميليشيات الشيعية التي لها علاقة بها إلى الضد من مؤسسات النظام العراقي السابق، بل دفعت بجزء من قواتها إلى العراق أثناء انشغاله بالتصدي للجيش الأمريكي، ثم تبعه بإدخال مئات الآلاف ممن ادعت أنهم عراقيون هجروا لتبعيتهم الإيرانية في العام 1980، وساعدت على منحهم (بالتعاون مع قوى عراقية) كافة وثائق إثبات الشخصية، وإسكانهم في وسط العراق وجنوبه.
وطوال العامين (2003-2004) وحينما توقعت الولايات المتحدة أن الأمر قد استقر لها في العراق، وبدأت المقاومة العراقية تتجه صوب منهجية أكثر تنظيماً، اتجهت إيران نحو دعم حالات عنف على أكثر من جبهة. فهي من جهة انخرطت في دعم أعمال المقاومة ضد القوات الأمريكية بشكل غير مباشر، كما أنها دعمت قوى شيعية من أجل تصفية غرماء ليس لديهم ود للمصالح والوجود الإيراني في العراق. ثم انتقلت إلى إجراء أوسع تصفية في الشارع العراقي وزرع حالات عدم الاستقرار من أجل زيادة التورط الأمريكي في العراق. ولوحظ بشكل عام أنه كلما تجري الولايات المتحدة مراجعة لسياستها إزاء إيران، أو كلما يزور مسؤول أمريكي المنطقة لمناقشة القضية الإيرانية تمتد وتتسع أعمال العنف في العراق ضد مصالح مختلف الأطراف.
لكن هل حدث بالفعل التقاء بين أهداف المقاومة ومساعي إيران في مقاومة الوجود الأمريكي؟ أم أن الأمر لا يتعدى مسعى إيران لاستثمار كل الفرص من أجل الإبقاء على العنف ضمن درجات مسيطر عليها ترهق الأمريكيين، وتستنزف العراق في محاولة الحصول على أرض محروقة؟ والواقع أننا أمام مؤشرات عملية تقول إن السؤال الثاني هو الأكثر عملية والأكثر حاجة للإجابة مع عدم استبعاد فرضية المؤامرة.
لكن أين العراق في كل ما تقدم ؟
عندما طرحت مسألة إمكانية إجراء حوار أمريكي – إيراني حول العراق منتصف شهر فبراير 2006 أصبح التيقن أن إيران باتت تملك أوراق ضغط يمكنها من خلالها مساومة الولايات المتحدة، ووصل الأمر إلى طرح عودة ثانية لتقسيم العراق بين القوى الخارجية فارسية- صفوية وبين الولايات المتحدة. فإيران سواء في عهد الصفويين والقاجاريين والبويهيين وغيرهم ظلوا ينظرون إلى العراق على أنه أحد ملحقاتها. وسبق لبلاد فارس أن اتفقت مع بريطانيا، وغدرت بالشيخ خزعل الكعبي، وضمت الأحواز إلى بلاد فارس. وربما يكون ثمن استقرار الوجود الأمريكي في العراق منح إيران نفوذاً دائماً في جنوب العراق وأسس التفاوض مغرية لكلا الطرفين، فالتشيع الإيراني – الفارسي المختلف عن أساسيات التشيع العراقي، ورغم تأسيسه حوزتي أصفهان وقم إلا أنه لا يزال ينظر إلى السيطرة على النجف. أما الولايات المتحدة وإزاء طموحات ولاية الفقيه الجاري فرضها عملياً في جنوب العراق وشرقه، حيث تغيب معالم السلطة المدنية وحتى لا يتحول الجنوب إلى ميدان قتل للجيش الأمريكي في حالة الاستعداد لضرب إيران فإنها ستجعل العراق الميدان الرحب لذلك. ولم لا؟ فما أرخص الشعب العراقي الذي صار يتسول أداء أدوار بالنيابة، أما ما تحت الأرض فسيصار بالاتفاق طالما أن الديمقراطية وطموح تحقيقها شبه مستحيل. وفي هذا يقول كينيت بولاك المحلل في وكالة المخابرات المركزية الأمريكية سابقاً حول تفاوض الولايات المتحدة مع إيران بشأن العراق (من المهم أن نتذكر أن هذه فكرة إيران من الأصل أنه من الصعب إبعاد الإيرانيين خارج الصورة وذلك نظراً لنفوذهم القوي داخل الأراضي العراقية ومن الممكن التعاون معهم).
والسؤال المطروح أين القوى السياسية العراقية من الظاهرة الإيرانية؟
في البدء أنا ضد فكرة وجود أحزاب دينية داخل العراق، فما هو موجود قوى سياسية كل منها ارتدت رداء ضاق أو وسع من أجل مكاسب خارجية. وهنا تكمن إحدى أبرز مشكلات العراق ألا وهي أن إيران موجودة بزي فصائل اجتماعية مهمة في العراق جعلت شعبه يعاني نتيجة دفعها لإعادة رسم الخريطة السياسية العراقية، فكان مما سببته إدخال العراق في إشكالية السلطة والحكم والمحاصصة الطائفية وتغييب الهوية الوطنية. بمعنى آخر أن القوى السياسية العراقية – والكلام عام لا يتقصد قوة بعينها – غاب لديها الولاء للعراق وليس لديها أي برنامج لبناء الدولة يضع المواطن في المقدمة، بل صعدت من دواعي تبعيتها للخارج. وللنظر إلى الأحزاب التي رفعت شعار عدم مواجهة الوجود الأمريكي عسكرياً منذ عام 2003، وإذا رأينا ما هي مبرراتها فسنجد أنها رغبتها ببناء رصيد قائم على مقايضة إعطاء شرعية للوجود الأمريكي في العراق مقابل تسلم مفاتيح الحكم والقوة في العراق. وهنا يذهب كيسنجر إلى القول (يتسامح الشيعة مع الوجود الأمريكي في العراق من أجل تحقيق هدف تغيير الأنموذج التاريخي لحكم السنة وبكل الطرق وكخطوة أولى للسيطرة الشيعية).
وهكذا تكرر سيناريو بيع العراق بلا ثمن أرضاً وشعباً وثروات، وكانت إيران أول القابضين، ثم يتكرر المشهد مع توسيع العمل بالميليشيات إلى درجة يصف فيها وزير خارجية بريطانيا الأسبق مالكوم ريفيكنيد بأن (الميليشيات وقوى الأمن قد تشابهتا، وأصبح كلاهما جزءاً من المشكلة الأمنية ولا يعرف لمن تعمل قواهما، ومن الخطأ نقل المسؤوليات الأمنية إلى قوى الأمن العراقية خلال هذه الفترة)، وما لم يقله صراحة هو تبعيتها لبرامج تديرها المخابرات الإيرانية.
إن الوجود الإيراني في العراق أصبح حقيقة سياسية وإحدى دعائم العلاقات بين البلدين؛ فبقوة السلاح يرهب الممتنعون وبنص المادة (121) من الدستور الإيراني التي تنص على قسم الرئيس الإيراني (أن أكون حامياً للمذهب الرسمي) تستمر طاعة الطائعين. وبذكاء فارسي تحول العراقي بين مناصر لإيران سعيد بذلك الانتماء القابل للتوريث وبين معاد لذلك الجوار وناقم عليه، وعليه أن يحمل جلدين وهويتين واسمين ولقبين ليبقى على وجوده. بل إن أشد ما نخشاه هو ممن يحمل الولاء لإيران، ويرفض حتى ذكر اسمها وإن لأغراض البحث والتحليل الأكاديمي، ولن يتورع حتى في أن يكون سلاحاً ضد أخيه من أجل شيء لا يفقهه. فهل نحن، أو بالأحرى، هل القوى السياسية ملمة بما يتجه إليه العراق؟ وقبلها هل حاربت أمريكا العراق، وأجرت التغيير فيه وسمحت للنفوذ الإيراني بالانتشار عن غباء؟ أم أنه فخ أريد به إيجاد مبرر إضافي لضرب إيران؟
وجهة نظري أن إيران لن ترفع يدها من فريسة خضعت أو أخضعت نفسها، بالحجج والحوار خصوصاً أن مشروعها السياسي لا يقبل إلا أحد وجهين:
ب- في حالة تطور الموقف الأمريكي إلى ضرب إيران سيكون العراق أرضاً وشعباً وثروة من يدفع الفاتورة مقدماً.
أ- في حالة تقهقر الولايات المتحدة وانسحابها سيكون العراق كذلك أرضاً وشعباً وثروة من يدفع فاتورة توسع إيران في الإقليم العربي.
إن ما يحتاج إليه العراق فك أو كشف السرية عن معلومات تدخل إيران في شؤونه. وهو أيضاً بحاجة إلى مساندة المجتمع الدولي بأن يضغط على إيران من أجل تقديم جدول زمني منتظم يوضح بالتفصيل إجراءات فك ارتباطها بالعراق، وبحاجة أيضاً إلى مساعدة الولايات المتحدة لكي تتبنى رأياً صريحاً من مسألة قبول التوسع الإيراني على حساب بقاء العراق، فهل يتم ذلك؟

::/fulltext::

Getting your Trinity Audio player ready...

::cck::2617::/cck::
::introtext::

طوال الأعوام الثلاثة الماضية اختلف العراقيون والأمريكيون في مسألة التدخل الإيراني في العراق وقبلها وبعدها في التوجه العام للعلاقة بين العراق وإيران. فالولايات المتحدة إلى العام 2005 اكتفت بعدم التعليق الرسمي على طبيعة العلاقة بين الدولتين رسمياً، وسمحت بإشارات مبتسرة لقياداتها العسكرية الميدانية بتأكيد حقيقة وجود تدخل عسكري – استخباراتي لدعم بعض حالات العنف في العراق، وطالبت الجانب الإيراني بالكف عن تدخله في شؤون العراق.

::/introtext::
::fulltext::

طوال الأعوام الثلاثة الماضية اختلف العراقيون والأمريكيون في مسألة التدخل الإيراني في العراق وقبلها وبعدها في التوجه العام للعلاقة بين العراق وإيران. فالولايات المتحدة إلى العام 2005 اكتفت بعدم التعليق الرسمي على طبيعة العلاقة بين الدولتين رسمياً، وسمحت بإشارات مبتسرة لقياداتها العسكرية الميدانية بتأكيد حقيقة وجود تدخل عسكري – استخباراتي لدعم بعض حالات العنف في العراق، وطالبت الجانب الإيراني بالكف عن تدخله في شؤون العراق.
لقد سمحت الولايات المتحدة للقيادات السياسية والمذهبية الواقعة تحت الرعاية الإيرانية وبأشكال الدعم المختلفة من تثبيت يدها في العراق وتقويته، وسمحت أيضاً لها بجر العراق إلى تبادلات ادعت أنها اقتصادية انطوت على استنزاف فاضح لثروات العراق، وليس أقلها تصدير نفط خام إلى إيران واستيراد مشتقات مختلفة من الوقود، ودفع فروق نقدية قدرت بنصف مليار دولار عام 2005 وكذلك العام 2006.
أما العراقيون فقد توزعوا على أصناف:
– طائفيون تقاتلوا على تعظيم إيران، وقتلوا من أجل تمجيدها، ودافعوا عن عنها أكثر من دفاعها عن نفسها.
– علمانيون عرب آثروا السكوت درءاً للسلامة.
– علمانيون أكراد لم يشغلهم سوى هم كردستان ومصالحهم في إقامة دولة مستقبلية تحظى بالدعم.
– وطنيون تحدثوا عن التدخل الإيراني في العراق.
وذهبوا إلى الاقتتال بينهم من أجل إيران أو ضدها، حتى اندفع أحد المحللين الأمريكيين إلى القول في تصريح لقناة (العربية) وهو ميشيل أوهانلين في 26 تموز 2006 إن إيران ستقاتل في المنطقة حتى آخر شيعي غير فارسي. وبقيت الإشكالية المعلقة هي الدلائل على التدخل وعدم فهم مقاصد إيران من توزيع مساحات دعمها للجماعات العراقية. فهي دعمت أنصار الإسلام السنة، ودعمت أيضاً تنظيم القاعدة بقيادة (أبو مصعب الزرقاوي) الذي يظهر العداء صراحة للشيعة، ودعمت قبلهما تنظيم المجلس الأعلى والتيار الصدري الذي يظهر العداوة صراحة للسنة العرب في العراق.
ومن أجل تفسير ما تقدم علينا الرجوع قليلاً إلى بداية عام 2003، وتحليل مثلث العلاقة الأمريكية – الإيرانية – العراقية.
وحين غزت الولايات المتحدة العراق عام 2003، نظرت إيران إلى ذلك الغزو على أنه جهد بالنيابة للتخلص من نظام الرئيس السابق صدام حسين وكنتيجة إخراج العراق كقوة مستقلة من معادلة التوازن الاستراتيجي في المنطقة وتعزيز دور إيران الإقليمي. ولهذا فقد تعاملت إيران مع الحرب على أساس نتائجها، وفضلت عدم إبداء تأييد علني لسياسة الولايات المتحدة حتى لا تظهر كأنها جزء من التحالف الذي شن الحرب. وحتى إذا ما استقرت القوات الأمريكية في العراق اتجهت إيران بخطوات فاعلة صوب التأثير في مسار الأحداث في العراق بالشكل الذي يؤمن لها نفوذاً مؤكداً في هذا البلد يكون كخط هجوم أول، أو خط دفاع متقدم (أرض، دم ومال) باتجاه محاولات إيران التوسع الإقليمي نحو الإقليم العربي أو تجاه أي تفكير أمريكي جدي لمهاجمة إيران.
إن إيران أعلنت حيادها في الحرب التي شنتها الولايات المتحدة ضد العراق عام 2003 إلا أن الدلائل العملية أثبتت ضعف تلك المقولة. وما أسباب طرقها من إيران إلا كخطاب سياسي لكي لا تظهر متناقضة مع خطابها السياسي في معاداة الشيطان الأكبر (الولايات المتحدة). فمنذ بدء العمليات قدمت إيران أوسع دعم للأطراف السياسية والعسكرية – الميليشيات الشيعية التي لها علاقة بها إلى الضد من مؤسسات النظام العراقي السابق، بل دفعت بجزء من قواتها إلى العراق أثناء انشغاله بالتصدي للجيش الأمريكي، ثم تبعه بإدخال مئات الآلاف ممن ادعت أنهم عراقيون هجروا لتبعيتهم الإيرانية في العام 1980، وساعدت على منحهم (بالتعاون مع قوى عراقية) كافة وثائق إثبات الشخصية، وإسكانهم في وسط العراق وجنوبه.
وطوال العامين (2003-2004) وحينما توقعت الولايات المتحدة أن الأمر قد استقر لها في العراق، وبدأت المقاومة العراقية تتجه صوب منهجية أكثر تنظيماً، اتجهت إيران نحو دعم حالات عنف على أكثر من جبهة. فهي من جهة انخرطت في دعم أعمال المقاومة ضد القوات الأمريكية بشكل غير مباشر، كما أنها دعمت قوى شيعية من أجل تصفية غرماء ليس لديهم ود للمصالح والوجود الإيراني في العراق. ثم انتقلت إلى إجراء أوسع تصفية في الشارع العراقي وزرع حالات عدم الاستقرار من أجل زيادة التورط الأمريكي في العراق. ولوحظ بشكل عام أنه كلما تجري الولايات المتحدة مراجعة لسياستها إزاء إيران، أو كلما يزور مسؤول أمريكي المنطقة لمناقشة القضية الإيرانية تمتد وتتسع أعمال العنف في العراق ضد مصالح مختلف الأطراف.
لكن هل حدث بالفعل التقاء بين أهداف المقاومة ومساعي إيران في مقاومة الوجود الأمريكي؟ أم أن الأمر لا يتعدى مسعى إيران لاستثمار كل الفرص من أجل الإبقاء على العنف ضمن درجات مسيطر عليها ترهق الأمريكيين، وتستنزف العراق في محاولة الحصول على أرض محروقة؟ والواقع أننا أمام مؤشرات عملية تقول إن السؤال الثاني هو الأكثر عملية والأكثر حاجة للإجابة مع عدم استبعاد فرضية المؤامرة.
لكن أين العراق في كل ما تقدم ؟
عندما طرحت مسألة إمكانية إجراء حوار أمريكي – إيراني حول العراق منتصف شهر فبراير 2006 أصبح التيقن أن إيران باتت تملك أوراق ضغط يمكنها من خلالها مساومة الولايات المتحدة، ووصل الأمر إلى طرح عودة ثانية لتقسيم العراق بين القوى الخارجية فارسية- صفوية وبين الولايات المتحدة. فإيران سواء في عهد الصفويين والقاجاريين والبويهيين وغيرهم ظلوا ينظرون إلى العراق على أنه أحد ملحقاتها. وسبق لبلاد فارس أن اتفقت مع بريطانيا، وغدرت بالشيخ خزعل الكعبي، وضمت الأحواز إلى بلاد فارس. وربما يكون ثمن استقرار الوجود الأمريكي في العراق منح إيران نفوذاً دائماً في جنوب العراق وأسس التفاوض مغرية لكلا الطرفين، فالتشيع الإيراني – الفارسي المختلف عن أساسيات التشيع العراقي، ورغم تأسيسه حوزتي أصفهان وقم إلا أنه لا يزال ينظر إلى السيطرة على النجف. أما الولايات المتحدة وإزاء طموحات ولاية الفقيه الجاري فرضها عملياً في جنوب العراق وشرقه، حيث تغيب معالم السلطة المدنية وحتى لا يتحول الجنوب إلى ميدان قتل للجيش الأمريكي في حالة الاستعداد لضرب إيران فإنها ستجعل العراق الميدان الرحب لذلك. ولم لا؟ فما أرخص الشعب العراقي الذي صار يتسول أداء أدوار بالنيابة، أما ما تحت الأرض فسيصار بالاتفاق طالما أن الديمقراطية وطموح تحقيقها شبه مستحيل. وفي هذا يقول كينيت بولاك المحلل في وكالة المخابرات المركزية الأمريكية سابقاً حول تفاوض الولايات المتحدة مع إيران بشأن العراق (من المهم أن نتذكر أن هذه فكرة إيران من الأصل أنه من الصعب إبعاد الإيرانيين خارج الصورة وذلك نظراً لنفوذهم القوي داخل الأراضي العراقية ومن الممكن التعاون معهم).
والسؤال المطروح أين القوى السياسية العراقية من الظاهرة الإيرانية؟
في البدء أنا ضد فكرة وجود أحزاب دينية داخل العراق، فما هو موجود قوى سياسية كل منها ارتدت رداء ضاق أو وسع من أجل مكاسب خارجية. وهنا تكمن إحدى أبرز مشكلات العراق ألا وهي أن إيران موجودة بزي فصائل اجتماعية مهمة في العراق جعلت شعبه يعاني نتيجة دفعها لإعادة رسم الخريطة السياسية العراقية، فكان مما سببته إدخال العراق في إشكالية السلطة والحكم والمحاصصة الطائفية وتغييب الهوية الوطنية. بمعنى آخر أن القوى السياسية العراقية – والكلام عام لا يتقصد قوة بعينها – غاب لديها الولاء للعراق وليس لديها أي برنامج لبناء الدولة يضع المواطن في المقدمة، بل صعدت من دواعي تبعيتها للخارج. وللنظر إلى الأحزاب التي رفعت شعار عدم مواجهة الوجود الأمريكي عسكرياً منذ عام 2003، وإذا رأينا ما هي مبرراتها فسنجد أنها رغبتها ببناء رصيد قائم على مقايضة إعطاء شرعية للوجود الأمريكي في العراق مقابل تسلم مفاتيح الحكم والقوة في العراق. وهنا يذهب كيسنجر إلى القول (يتسامح الشيعة مع الوجود الأمريكي في العراق من أجل تحقيق هدف تغيير الأنموذج التاريخي لحكم السنة وبكل الطرق وكخطوة أولى للسيطرة الشيعية).
وهكذا تكرر سيناريو بيع العراق بلا ثمن أرضاً وشعباً وثروات، وكانت إيران أول القابضين، ثم يتكرر المشهد مع توسيع العمل بالميليشيات إلى درجة يصف فيها وزير خارجية بريطانيا الأسبق مالكوم ريفيكنيد بأن (الميليشيات وقوى الأمن قد تشابهتا، وأصبح كلاهما جزءاً من المشكلة الأمنية ولا يعرف لمن تعمل قواهما، ومن الخطأ نقل المسؤوليات الأمنية إلى قوى الأمن العراقية خلال هذه الفترة)، وما لم يقله صراحة هو تبعيتها لبرامج تديرها المخابرات الإيرانية.
إن الوجود الإيراني في العراق أصبح حقيقة سياسية وإحدى دعائم العلاقات بين البلدين؛ فبقوة السلاح يرهب الممتنعون وبنص المادة (121) من الدستور الإيراني التي تنص على قسم الرئيس الإيراني (أن أكون حامياً للمذهب الرسمي) تستمر طاعة الطائعين. وبذكاء فارسي تحول العراقي بين مناصر لإيران سعيد بذلك الانتماء القابل للتوريث وبين معاد لذلك الجوار وناقم عليه، وعليه أن يحمل جلدين وهويتين واسمين ولقبين ليبقى على وجوده. بل إن أشد ما نخشاه هو ممن يحمل الولاء لإيران، ويرفض حتى ذكر اسمها وإن لأغراض البحث والتحليل الأكاديمي، ولن يتورع حتى في أن يكون سلاحاً ضد أخيه من أجل شيء لا يفقهه. فهل نحن، أو بالأحرى، هل القوى السياسية ملمة بما يتجه إليه العراق؟ وقبلها هل حاربت أمريكا العراق، وأجرت التغيير فيه وسمحت للنفوذ الإيراني بالانتشار عن غباء؟ أم أنه فخ أريد به إيجاد مبرر إضافي لضرب إيران؟
وجهة نظري أن إيران لن ترفع يدها من فريسة خضعت أو أخضعت نفسها، بالحجج والحوار خصوصاً أن مشروعها السياسي لا يقبل إلا أحد وجهين:
ب- في حالة تطور الموقف الأمريكي إلى ضرب إيران سيكون العراق أرضاً وشعباً وثروة من يدفع الفاتورة مقدماً.
أ- في حالة تقهقر الولايات المتحدة وانسحابها سيكون العراق كذلك أرضاً وشعباً وثروة من يدفع فاتورة توسع إيران في الإقليم العربي.
إن ما يحتاج إليه العراق فك أو كشف السرية عن معلومات تدخل إيران في شؤونه. وهو أيضاً بحاجة إلى مساندة المجتمع الدولي بأن يضغط على إيران من أجل تقديم جدول زمني منتظم يوضح بالتفصيل إجراءات فك ارتباطها بالعراق، وبحاجة أيضاً إلى مساعدة الولايات المتحدة لكي تتبنى رأياً صريحاً من مسألة قبول التوسع الإيراني على حساب بقاء العراق، فهل يتم ذلك؟

::/fulltext::
::cck::2617::/cck::

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *