الإرهاب نتاج لأعداء المجتمعات الإنسانية والخليجية

::cck::2622::/cck::
::introtext::

لقد ثبت قولاً وفعلاً، لا بل ثبت كماً ونوعاً، أن الفقر والجهل والمرض ألد أعداء الإنسانية، ومن المصاعب والمعوقات الدائمة لنمو وتطور المجتمعات الإنسانية، بل إنها أشد عدواناً وعنفاً على الإنسانية منذ فجر التاريخ وحتى اليوم. ومما لا شك فيه أن قطار تلك الآفات الثلاث سيمضي إلى أجيال المستقبل غير المنظور في كل أنحاء العالم ومنها منطقة الخليج العربي التي لا يمكن استثناؤها من فتك جيوش الجهل والفقر والمرض.

::/introtext::
::fulltext::

لقد ثبت قولاً وفعلاً، لا بل ثبت كماً ونوعاً، أن الفقر والجهل والمرض ألد أعداء الإنسانية، ومن المصاعب والمعوقات الدائمة لنمو وتطور المجتمعات الإنسانية، بل إنها أشد عدواناً وعنفاً على الإنسانية منذ فجر التاريخ وحتى اليوم. ومما لا شك فيه أن قطار تلك الآفات الثلاث سيمضي إلى أجيال المستقبل غير المنظور في كل أنحاء العالم ومنها منطقة الخليج العربي التي لا يمكن استثناؤها من فتك جيوش الجهل والفقر والمرض.
إن الفقر يسهل ويشجع إن لم يغر على الانحراف الفكري والخلقي والسلوكي، ويجبر نسبة كبيرة من البشر على الانحراف عن جادة الطريق الشرعي والقانوني الصحيح. بل إن الفقر من أخطر الأمراض الاجتماعية والاقتصادية التي تصيب المجتمعات الإنسانية وتتسبب في تفككها وربما تحللها وانهيارها فيما لو تعاظمت مخاطر الفقر ومن ثم أفرزت سلبيات أمنية وسياسية خطيرة.
وبالمنطق ذاته فإن الجهل لا يمكن أن يكون حصناً منيعاً يحتمي به العقل ليقف سداً متيناً أمام الضغوط النفسية والإغراءات العقائدية وعمليات الاستلاب الفكري التي تستخدمها قوى الشر والفساد لشحن العقول المهزوزة لمحاربة قوى الخير والعدل والسلام.
أما المرض فإنه لا يجهد الجسد الإنساني السقيم ويستنزف قدراته وقوته وحسب، وإنما يستنزف قدرات العقل والفكر والوعي، ويشجع صاحبه على الانحراف إما عن طريق الصحة والسلامة أو عن طريق الحق والعدل والأمن والاستقرار.
وفي هذا الصدد تعددت نتائج الدراسات العلمية عن مخاطر أعداء الإنسانية الثلاثة: الفقر والجهل والمرض، كما تباينت نوعاً ما مع مدى قوة ارتباطها بالانحرافات الفكرية والسلوكية. فعلى سبيل المثال لا الحصر، فإن الفقر بكل المعايير والمقاييس العلمية كان ولا يزال يمثل خطراً أكيداً على تقدم ونمو ورفاهية الإنسانية خاصة أن معظم، إن لم يكن كل دول وشعوب العالم الثالث النامي تعاني من مشكلاته ومصاعبه ومعوقاته الهيكلية.
لذا حرصت أغلب الدراسات العلمية على دراسة ظاهرة الفقر بهدف التعرف إلى علاقتها ببيئة الجريمة، وكذلك مدى ارتباطها ببيئة التطرف والإرهاب. ونشير هنا إلى أن إحدى الدراسات العلمية وجدت علاقة ارتباط وثيق بين الفقر ومعظم الأمراض الاجتماعية الخطيرة بداية بالدعارة ومروراً بالسرقات والاغتصاب وارتكاب الجرائم ونهاية بنمو الفكر والسلوك الإرهابي. بيد أن الدراسة كشفت عن وجود علاقة طردية إيجابية محدودة، لكن ليست بالوثيقة بين المرض وتلك الأمراض الإنسانية والاجتماعية الخطرة، وبالتالي لا يمكن الربط بينها وبين المرض بشكل قوي ومباشر. والدراسة ذاتها وجدت علاقة طردية إيجابية تصاعدية بين الجهل والانحراف وتحديداً التطرف الفكري والسلوكي.
والحقيقة التي يمكن أن تقال حيال الدراسات التي جرت حول هذه الظاهرة أنها من الدراسات الموضوعية الجادة التي يمكن أن تعطينا بعض المؤشرات والدلالات التي قد تنير بعضاً من مسالك الطريق ولكن ليس الطريق بكامله. كما يمكن القول إن تلك الدراسات تعطي فكرة واضحة عن أعداء الإنسانية الثلاثة وخلفيتها وعوامل مسبباتها ودوافعها من خلال تحليلها بشكل كلي أو تحليل بعض منها. ولكن لم تجر حتى الآن أية دراسات كلية (بعد إجراء دراسات جزئية) علمية كمية شاملة عن الظواهر الثلاث: الفقر والجهل والمرض وعلاقاتها بمخاطر التطرف والعنف والإرهاب.
والسبب أن معظم الدراسات افتقدت العمق التحليلي الكمي والنوعي، ربما بسبب صغر عينات البحث أو لعدم وجود الإمكانات والقدرات المادية والكفاءات الميدانية المتخصصة والمدربة التي بمقدورها أن تنتقي وتركز ومن ثم تجمع وتحلل وتختبر وتقيّم الظواهر الثلاث من مختلف أبعادها بطريقة علمية فاعلة تتسم بالكفاءة العالية والمصداقية العلمية.
ولهذا جاء الاعتراف من قبل معظم الدارسين بأن الفقر والجهل والمرض هي أعداء الإنسان والإنسانية منذ بداية الحياة، وستظل كذلك إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها. بل يمكن القول إن تلك المقولة تعتبر من أصدق المقولات وأكثرها دقة، إذ عندما يتحدث الإنسان عنها، فإنه يعكس الصدق والقناعة في الوقت ذاته الذي لا يمكن أن يخفي من قسمات وجهه مشاعر المرارة والألم والمعاناة من وطأة جور ذلك العدو الشرس الذي لا يرحم. ولهذا كما روي عن الخليفة الفاروق عمر بن الخطاب بقوله (لو كان الفقر رجلاً لقتلته).
ولا شك في أن الفقر بالتحديد ومن ثم الجهل ( ومن بعدهما المرض ) من أهم أسباب تخلف المجتمعات الإنسانية وتراجعها إلى الوراء، بل يمكن القول إن الفقر الذي تنتشر سمومه في المجتمعات الإنسانية كما تنتشر النار في الهشيم دائما ما تتمخض عنه كافة الأمراض الاجتماعية والنفسية التي بدورها تفرز كل الأمراض والأوبئة السياسية والاقتصادية.
ومع هذا توجد مشكلة في دراسة الفقر وتحليله لأنها من المشكلات العميقة المتأصلة ليس وحسب لكونها ظاهرة إنسانية مزمنة بفعل عوامل الطبيعة ومصادرها، وإنما لأنها نتاج لفعل الإنسان نفسه سواء كان إنسان الماضي أو الحاضر في الإنسان الآخر ولربما في معظم أفراد مجتمعه. وهو الإنسان ذاته الذي أوجد (ويضمن استمرار وجود) مقومات ومصادر البيئة الاجتماعية والاقتصادية وربما السياسية التي تضمن بقاء الفقر مهيمناً على نسبة كبيرة من البشر (لا بل الغالبية العظمى من شعوب العالم) بهدف إبقاء الغنى الفاحش في الأقلية القليلة.
الاستبيان وعينة الدراسة:
استطلع الباحث آراء شريحة محددة من المواطنين في مدينة جدة بلغ عددهم (119 شخصاً) بالإضافة إلى رصد وتحليل إجابات عينة مختصة من المتخصصين والخبراء في هذا المجال بلغ عددهم ( 9) خبراء، للإجابة عن أسئلة الاستبيان التالي المعنية بمشكلة الفقر:
1- توجد علاقة إيجابية طردية مباشرة بين الفقر والجريمة.
أوافق بشدة / أوافق / أعارض بشدة / أعارض / لا رأي لدي
وافقت بشدة نسبة 35 في المائة من أفراد العينة على العبارة مؤكدة وجود علاقة طردية وثيقة بين الفقر والجريمة، ومع التوجه ذاته وافقت نسبة 37 في المائة من العينة على العبارة ذاتها، ما يعطي الجانب المؤيد للعبارة نسبة إجمالية بلغت 72 في المائة. وفي المقابل عارضت بشدة نسبة 17 في المائة على العبارة فيما عارضتها نسبة 11 في المائة مما يعطي الجانب المعارض أو غير المؤيد للعبارة نسبة كلية بلغت 28 في المائة. وهي نتيجة يمكن اعتبارها مؤشراً قوياً إلى وجود علاقة بين الفقر والجرمية حسب آراء العينة.
2 – توجد علاقة مباشرة بين الفقر والانحرافات الفكرية والخلقية والسلوكية الاجتماعية.
أوافق بشدة / أوافق / أعارض بشدة / أعارض / لا رأي لدي
وافقت بشدة نسبة 32 في المائة من أفراد العينة على العبارة مؤكدة وجود علاقة مباشرة بين الفقر والانحرافات الفكرية والسلوكية الاجتماعية، كما وافقت نسبة 26 في المائة على العبارة ذاتها، ما يعني أن نسبة مجموع المؤيدين للعبارة ذاتها بلغت 58 في المائة. ومن الجانب الآخر عارضت العبارة بشدة نسبة 27 في المائة وعارضتها نسبة 15 في المائة من أفراد العينة، ما يعني أن 42 في المائة من مجتمع العينة لا يعتقدون بوجود لتلك العلاقة.
3 – الفقر يؤدي إلى الانحلال وارتكاب الرذيلة.
أوافق بشدة / أوافق / أعارض بشدة / أعارض / لا رأي لدي
وافقت بشدة نسبة 19 في المائة على العبارة، ووافقت عليها نسبة 41 في المائة، بمعنى أن 60 في المائة من أفراد العينة مؤيدة للعبارة. وفي المقابل عارضت العبارة بشدة نسبة 18 في المائة، وعارضتها نسبة 22 في المائة بنسبة تأييد كلية بلغت 40 في المائة. ما يعني أن الغالبية من أفراد العينة ونسبتهم 60 في المائة ترى أن الفقر يؤدي لارتكاب الرذيلة والانحلال.
4 – الفقر يسهم في تأخر بل وتخلف المجتمعات الإنسانية.
أوافق بشدة / أوافق / أعارض بشدة / أعارض / لا رأي لدي
وافقت بشدة نسبة 83 في المائة على العبارة فيما وافقت عليها نسبة 11 في المائة ما يعني أن مجموع نسبة المؤيدين للعبارة بلغت 94 في المائة. وعلى النقيض عارضت بشدة العبارة نسبة 4 في المائة وعارضتها نسبة 2 في المائة ما يعطي مؤشراً واضحاً إلى أن نسبة ضئيلة من أفراد العينة بلغت 6 في المائة لا ترى أن الفقر يسهم في تخلف الشعوب وتأخرها.

5 – كلما ارتفعت نسبة الفقر وتنامت نسبة الفقراء ارتفعت نسبة الجريمة والتطرف وربما الإرهاب
أوافق بشدة / أوافق / أعارض بشدة / أعارض / لا رأي لدي
وافقت بشدة نسبة 76 في المائة على العبارة فيما وافقت عليها نسبة 12 في المائة ما يعني أن الغالبية العظمى ونسبتها 88 في المائة تؤيد العبارة. وبلغت نسبة المعارضين بشدة للعبارة 10 في المائة، والمعارضين لها 2 في المائة، ما يعني أن نسبة ضئيلة بلغت 12 في المائة لا تؤيد العبارة وبالتالي لا تعتقد بوجود علاقة بين الفقر وتنامي نسبته وبين الجريمة والتطرف والإرهاب.
6 – كلما ارتفعت نسبة الفقر انخفضت نسبة الوعي الإنساني وتنامت حدة الجهل والتخلف.
أوافق بشدة / أوافق / أعارض بشدة / أعارض / لا رأي لدي
وافقت بشدة نسبة 59 في المائة على العبارة، كما ووافقت عليها نسبة 26 في المائة، ما يعني أن ما نسبته 85 في المائة ترى وجود علاقة بين الفقر وانخفاض الوعي وتنامي حدة الجهل والتخلف. وعلى النقيض من ذلك عارضت العبارة بشدة نسبة 10 في المائة فيما عارضتها نسبة 5 في المائة، ما يعني أن 15 في المائة من أفراد العينة لا تعتقد بوجود تلك العلاقة.
7- للفقر دور كبير في اندلاع أعمال العنف والشغب والسرقات وتحطيم الممتلكات العامة والخاصة.
أوافق بشدة / أوافق / أعارض بشدة / أعارض / لا رأي لدي
وافقت بشدة نسبة 37 في المائة على العبارة فيما وافقت عليها نسبة 19 في المائة، ما يعني أن المجموع الكلي المؤيد للعبارة بلغت نسبته 56 في المائة. وفي المقابل عارضت العبارة بشدة نسبة 29 في المائة وعارضتها نسبة 15 في المائة، ما يعني أن 44 في المائة من أفراد العينة لا ترى دوراً كبيراً للفقر في أعمال العنف والشغب.
8- توجد علاقة مباشرة بين الفقر ونمو حدة الحقد الطبقي والفروق الاجتماعية.
أوافق بشدة / أوافق / أعارض بشدة / أعارض / لا رأي لدي
وافقت بشدة نسبة 33 في المائة على العبارة فيما وافقت عليها نسبة 29 في المائة، ما يعني أن مجموع المؤيدين للعبارة بلغت نسبتهم 62 في المائة. وفي المقابل عارضت العبارة بشدة نسبة 29 في المائة وعارضتها نسبة 9 في المائة، ما يعني أن 38 في المائة لا تؤيد وجود علاقة بين الفقر والحقد الطبقي والفروق الاجتماعية.
9 – كلما ارتفعت نسبة الفقر في شريحة الفقراء الضخمة ارتفعت نسبة الغنى في شريحة الأغنياء الضئيلة.
أوافق بشدة / أوافق / أعارض بشدة / أعارض / لا رأي لدي
وافقت بشدة نسبة 72 في المائة على العبارة فيما وافقت عليها نسبة 14 في المائة، ما يعني أن 82 في المائة من أفراد العينة يعتقدون بوجود علاقة بين ارتفاع الفقر في الغالبية وارتفاع الغنى في الأقلية. وعلى النقيض من ذلك عارضت بشدة نسبة 13 في المائة وجود تلك العلاقة فيما عارضتها النسبة المتبقية وهي 5 في المائة ما يعني أن مجموع المعارضين للعلاقة بلغت نسبتهم 18 في المائة.
10- توجد علاقة مباشرة بين الفقر ومختلف الأمراض النفسية.
أوافق بشدة / أوافق / أعارض بشدة / أعارض / لا رأي لدي
وافقت بشدة نسبة 43 في المائة على العبارة فيما وافقت عليها نسبة 19 في المائة، ما يعني أن 52 في المائة من أفراد العينة يعتقدون بوجود علاقة بين الفقر ومختلف الأمراض النفسية. وعلى النقيض من ذلك التوجه عارضت بشدة العبارة نسبة 18 في المائة فيما عارضتها نسبة 30 في المائة، ما يعني أن 48 في المائة لا ترى وجود هذه العلاقة المباشرة، الأمر الذي يشير إلى وجود انقسام واضح حول وجود هذا النوع من العلاقة.
قراءة في مخرجات الاستبيان
على ما يبدو من العينة الصغيرة لاستطلاع الرأي العام والمتخصص في شأن ظاهرة الفقر وعلاقتها بالانحرافات الفكرية والخلقية والسلوكية أن هناك اعتقاداً من قبل الغالبية بوجود مثل تلك العلاقة الإيجابية الطردية. كما هو واضح من إجابات الأسئلة (1، 4 ، 5 ، 6). ولكن يجب ألا نعمم تلك الآراء والتصورات بل يتوجب دعمها بدراسات علمية كمية ونوعية ذات أبعاد متعددة ومستويات مختلفة لمعرفة مخاطر ظاهرة الفقر بدقة.
صحيح أن أغلب من ارتكب الجرائم في الولايات المتحدة الأمريكية على سبيل المثال لا التعميم جاؤوا من الطبقات الفقيرة بل والمعدمة، وصحيح أيضاً أن الاكتشافات العلمية والكمية ذاتها عن نسب الجريمة والإجرام في معظم دول العالم أكدت وجود علاقة طردية كمية ونوعية بين غالبية مرتكبي الجرائم وانتمائهم للطبقات الفقيرة، لكن معظم هذه الاكتشافات وإن كانت مؤشرات كافية إلى تأطير العلاقة بين الفقر ومعظم الأمراض الاجتماعية، إلا أننا يجب أن نعتبرها أجراس إنذار تدق معلنة ضرورة إن لم يكن حتمية معالجتها كي لا تتهدد جميع أجيال المستقبل.
وأخيراً فإن الحقيقة التي يطرحها علم النفس السياسي وعلم النفس الاجتماعي هي أن الفقر يولد الشعور العميق بل والقوي بالحرمان النسبي الذي بدوره ينمي مشاعر الاستياء ومن ثم الحنق والحقد والغضب التي تترجم في شكل مشاعر اكتئاب يؤدي بدوره إلى بوتقة من مشاعر الإحباط النفسي المؤلمة التي قد تولد الشعور بالرغبة في الانتقام من المجتمع (أو الآخرين) من خلال اللجوء إلى وسائل العنف التي لا يمكن التنفيس عنها وإشباعها إلا بإيقاع الأذى والضرر بالآخرين أو حتى بالذات.

::/fulltext::

Getting your Trinity Audio player ready...

::cck::2622::/cck::
::introtext::

لقد ثبت قولاً وفعلاً، لا بل ثبت كماً ونوعاً، أن الفقر والجهل والمرض ألد أعداء الإنسانية، ومن المصاعب والمعوقات الدائمة لنمو وتطور المجتمعات الإنسانية، بل إنها أشد عدواناً وعنفاً على الإنسانية منذ فجر التاريخ وحتى اليوم. ومما لا شك فيه أن قطار تلك الآفات الثلاث سيمضي إلى أجيال المستقبل غير المنظور في كل أنحاء العالم ومنها منطقة الخليج العربي التي لا يمكن استثناؤها من فتك جيوش الجهل والفقر والمرض.

::/introtext::
::fulltext::

لقد ثبت قولاً وفعلاً، لا بل ثبت كماً ونوعاً، أن الفقر والجهل والمرض ألد أعداء الإنسانية، ومن المصاعب والمعوقات الدائمة لنمو وتطور المجتمعات الإنسانية، بل إنها أشد عدواناً وعنفاً على الإنسانية منذ فجر التاريخ وحتى اليوم. ومما لا شك فيه أن قطار تلك الآفات الثلاث سيمضي إلى أجيال المستقبل غير المنظور في كل أنحاء العالم ومنها منطقة الخليج العربي التي لا يمكن استثناؤها من فتك جيوش الجهل والفقر والمرض.
إن الفقر يسهل ويشجع إن لم يغر على الانحراف الفكري والخلقي والسلوكي، ويجبر نسبة كبيرة من البشر على الانحراف عن جادة الطريق الشرعي والقانوني الصحيح. بل إن الفقر من أخطر الأمراض الاجتماعية والاقتصادية التي تصيب المجتمعات الإنسانية وتتسبب في تفككها وربما تحللها وانهيارها فيما لو تعاظمت مخاطر الفقر ومن ثم أفرزت سلبيات أمنية وسياسية خطيرة.
وبالمنطق ذاته فإن الجهل لا يمكن أن يكون حصناً منيعاً يحتمي به العقل ليقف سداً متيناً أمام الضغوط النفسية والإغراءات العقائدية وعمليات الاستلاب الفكري التي تستخدمها قوى الشر والفساد لشحن العقول المهزوزة لمحاربة قوى الخير والعدل والسلام.
أما المرض فإنه لا يجهد الجسد الإنساني السقيم ويستنزف قدراته وقوته وحسب، وإنما يستنزف قدرات العقل والفكر والوعي، ويشجع صاحبه على الانحراف إما عن طريق الصحة والسلامة أو عن طريق الحق والعدل والأمن والاستقرار.
وفي هذا الصدد تعددت نتائج الدراسات العلمية عن مخاطر أعداء الإنسانية الثلاثة: الفقر والجهل والمرض، كما تباينت نوعاً ما مع مدى قوة ارتباطها بالانحرافات الفكرية والسلوكية. فعلى سبيل المثال لا الحصر، فإن الفقر بكل المعايير والمقاييس العلمية كان ولا يزال يمثل خطراً أكيداً على تقدم ونمو ورفاهية الإنسانية خاصة أن معظم، إن لم يكن كل دول وشعوب العالم الثالث النامي تعاني من مشكلاته ومصاعبه ومعوقاته الهيكلية.
لذا حرصت أغلب الدراسات العلمية على دراسة ظاهرة الفقر بهدف التعرف إلى علاقتها ببيئة الجريمة، وكذلك مدى ارتباطها ببيئة التطرف والإرهاب. ونشير هنا إلى أن إحدى الدراسات العلمية وجدت علاقة ارتباط وثيق بين الفقر ومعظم الأمراض الاجتماعية الخطيرة بداية بالدعارة ومروراً بالسرقات والاغتصاب وارتكاب الجرائم ونهاية بنمو الفكر والسلوك الإرهابي. بيد أن الدراسة كشفت عن وجود علاقة طردية إيجابية محدودة، لكن ليست بالوثيقة بين المرض وتلك الأمراض الإنسانية والاجتماعية الخطرة، وبالتالي لا يمكن الربط بينها وبين المرض بشكل قوي ومباشر. والدراسة ذاتها وجدت علاقة طردية إيجابية تصاعدية بين الجهل والانحراف وتحديداً التطرف الفكري والسلوكي.
والحقيقة التي يمكن أن تقال حيال الدراسات التي جرت حول هذه الظاهرة أنها من الدراسات الموضوعية الجادة التي يمكن أن تعطينا بعض المؤشرات والدلالات التي قد تنير بعضاً من مسالك الطريق ولكن ليس الطريق بكامله. كما يمكن القول إن تلك الدراسات تعطي فكرة واضحة عن أعداء الإنسانية الثلاثة وخلفيتها وعوامل مسبباتها ودوافعها من خلال تحليلها بشكل كلي أو تحليل بعض منها. ولكن لم تجر حتى الآن أية دراسات كلية (بعد إجراء دراسات جزئية) علمية كمية شاملة عن الظواهر الثلاث: الفقر والجهل والمرض وعلاقاتها بمخاطر التطرف والعنف والإرهاب.
والسبب أن معظم الدراسات افتقدت العمق التحليلي الكمي والنوعي، ربما بسبب صغر عينات البحث أو لعدم وجود الإمكانات والقدرات المادية والكفاءات الميدانية المتخصصة والمدربة التي بمقدورها أن تنتقي وتركز ومن ثم تجمع وتحلل وتختبر وتقيّم الظواهر الثلاث من مختلف أبعادها بطريقة علمية فاعلة تتسم بالكفاءة العالية والمصداقية العلمية.
ولهذا جاء الاعتراف من قبل معظم الدارسين بأن الفقر والجهل والمرض هي أعداء الإنسان والإنسانية منذ بداية الحياة، وستظل كذلك إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها. بل يمكن القول إن تلك المقولة تعتبر من أصدق المقولات وأكثرها دقة، إذ عندما يتحدث الإنسان عنها، فإنه يعكس الصدق والقناعة في الوقت ذاته الذي لا يمكن أن يخفي من قسمات وجهه مشاعر المرارة والألم والمعاناة من وطأة جور ذلك العدو الشرس الذي لا يرحم. ولهذا كما روي عن الخليفة الفاروق عمر بن الخطاب بقوله (لو كان الفقر رجلاً لقتلته).
ولا شك في أن الفقر بالتحديد ومن ثم الجهل ( ومن بعدهما المرض ) من أهم أسباب تخلف المجتمعات الإنسانية وتراجعها إلى الوراء، بل يمكن القول إن الفقر الذي تنتشر سمومه في المجتمعات الإنسانية كما تنتشر النار في الهشيم دائما ما تتمخض عنه كافة الأمراض الاجتماعية والنفسية التي بدورها تفرز كل الأمراض والأوبئة السياسية والاقتصادية.
ومع هذا توجد مشكلة في دراسة الفقر وتحليله لأنها من المشكلات العميقة المتأصلة ليس وحسب لكونها ظاهرة إنسانية مزمنة بفعل عوامل الطبيعة ومصادرها، وإنما لأنها نتاج لفعل الإنسان نفسه سواء كان إنسان الماضي أو الحاضر في الإنسان الآخر ولربما في معظم أفراد مجتمعه. وهو الإنسان ذاته الذي أوجد (ويضمن استمرار وجود) مقومات ومصادر البيئة الاجتماعية والاقتصادية وربما السياسية التي تضمن بقاء الفقر مهيمناً على نسبة كبيرة من البشر (لا بل الغالبية العظمى من شعوب العالم) بهدف إبقاء الغنى الفاحش في الأقلية القليلة.
الاستبيان وعينة الدراسة:
استطلع الباحث آراء شريحة محددة من المواطنين في مدينة جدة بلغ عددهم (119 شخصاً) بالإضافة إلى رصد وتحليل إجابات عينة مختصة من المتخصصين والخبراء في هذا المجال بلغ عددهم ( 9) خبراء، للإجابة عن أسئلة الاستبيان التالي المعنية بمشكلة الفقر:
1- توجد علاقة إيجابية طردية مباشرة بين الفقر والجريمة.
أوافق بشدة / أوافق / أعارض بشدة / أعارض / لا رأي لدي
وافقت بشدة نسبة 35 في المائة من أفراد العينة على العبارة مؤكدة وجود علاقة طردية وثيقة بين الفقر والجريمة، ومع التوجه ذاته وافقت نسبة 37 في المائة من العينة على العبارة ذاتها، ما يعطي الجانب المؤيد للعبارة نسبة إجمالية بلغت 72 في المائة. وفي المقابل عارضت بشدة نسبة 17 في المائة على العبارة فيما عارضتها نسبة 11 في المائة مما يعطي الجانب المعارض أو غير المؤيد للعبارة نسبة كلية بلغت 28 في المائة. وهي نتيجة يمكن اعتبارها مؤشراً قوياً إلى وجود علاقة بين الفقر والجرمية حسب آراء العينة.
2 – توجد علاقة مباشرة بين الفقر والانحرافات الفكرية والخلقية والسلوكية الاجتماعية.
أوافق بشدة / أوافق / أعارض بشدة / أعارض / لا رأي لدي
وافقت بشدة نسبة 32 في المائة من أفراد العينة على العبارة مؤكدة وجود علاقة مباشرة بين الفقر والانحرافات الفكرية والسلوكية الاجتماعية، كما وافقت نسبة 26 في المائة على العبارة ذاتها، ما يعني أن نسبة مجموع المؤيدين للعبارة ذاتها بلغت 58 في المائة. ومن الجانب الآخر عارضت العبارة بشدة نسبة 27 في المائة وعارضتها نسبة 15 في المائة من أفراد العينة، ما يعني أن 42 في المائة من مجتمع العينة لا يعتقدون بوجود لتلك العلاقة.
3 – الفقر يؤدي إلى الانحلال وارتكاب الرذيلة.
أوافق بشدة / أوافق / أعارض بشدة / أعارض / لا رأي لدي
وافقت بشدة نسبة 19 في المائة على العبارة، ووافقت عليها نسبة 41 في المائة، بمعنى أن 60 في المائة من أفراد العينة مؤيدة للعبارة. وفي المقابل عارضت العبارة بشدة نسبة 18 في المائة، وعارضتها نسبة 22 في المائة بنسبة تأييد كلية بلغت 40 في المائة. ما يعني أن الغالبية من أفراد العينة ونسبتهم 60 في المائة ترى أن الفقر يؤدي لارتكاب الرذيلة والانحلال.
4 – الفقر يسهم في تأخر بل وتخلف المجتمعات الإنسانية.
أوافق بشدة / أوافق / أعارض بشدة / أعارض / لا رأي لدي
وافقت بشدة نسبة 83 في المائة على العبارة فيما وافقت عليها نسبة 11 في المائة ما يعني أن مجموع نسبة المؤيدين للعبارة بلغت 94 في المائة. وعلى النقيض عارضت بشدة العبارة نسبة 4 في المائة وعارضتها نسبة 2 في المائة ما يعطي مؤشراً واضحاً إلى أن نسبة ضئيلة من أفراد العينة بلغت 6 في المائة لا ترى أن الفقر يسهم في تخلف الشعوب وتأخرها.

5 – كلما ارتفعت نسبة الفقر وتنامت نسبة الفقراء ارتفعت نسبة الجريمة والتطرف وربما الإرهاب
أوافق بشدة / أوافق / أعارض بشدة / أعارض / لا رأي لدي
وافقت بشدة نسبة 76 في المائة على العبارة فيما وافقت عليها نسبة 12 في المائة ما يعني أن الغالبية العظمى ونسبتها 88 في المائة تؤيد العبارة. وبلغت نسبة المعارضين بشدة للعبارة 10 في المائة، والمعارضين لها 2 في المائة، ما يعني أن نسبة ضئيلة بلغت 12 في المائة لا تؤيد العبارة وبالتالي لا تعتقد بوجود علاقة بين الفقر وتنامي نسبته وبين الجريمة والتطرف والإرهاب.
6 – كلما ارتفعت نسبة الفقر انخفضت نسبة الوعي الإنساني وتنامت حدة الجهل والتخلف.
أوافق بشدة / أوافق / أعارض بشدة / أعارض / لا رأي لدي
وافقت بشدة نسبة 59 في المائة على العبارة، كما ووافقت عليها نسبة 26 في المائة، ما يعني أن ما نسبته 85 في المائة ترى وجود علاقة بين الفقر وانخفاض الوعي وتنامي حدة الجهل والتخلف. وعلى النقيض من ذلك عارضت العبارة بشدة نسبة 10 في المائة فيما عارضتها نسبة 5 في المائة، ما يعني أن 15 في المائة من أفراد العينة لا تعتقد بوجود تلك العلاقة.
7- للفقر دور كبير في اندلاع أعمال العنف والشغب والسرقات وتحطيم الممتلكات العامة والخاصة.
أوافق بشدة / أوافق / أعارض بشدة / أعارض / لا رأي لدي
وافقت بشدة نسبة 37 في المائة على العبارة فيما وافقت عليها نسبة 19 في المائة، ما يعني أن المجموع الكلي المؤيد للعبارة بلغت نسبته 56 في المائة. وفي المقابل عارضت العبارة بشدة نسبة 29 في المائة وعارضتها نسبة 15 في المائة، ما يعني أن 44 في المائة من أفراد العينة لا ترى دوراً كبيراً للفقر في أعمال العنف والشغب.
8- توجد علاقة مباشرة بين الفقر ونمو حدة الحقد الطبقي والفروق الاجتماعية.
أوافق بشدة / أوافق / أعارض بشدة / أعارض / لا رأي لدي
وافقت بشدة نسبة 33 في المائة على العبارة فيما وافقت عليها نسبة 29 في المائة، ما يعني أن مجموع المؤيدين للعبارة بلغت نسبتهم 62 في المائة. وفي المقابل عارضت العبارة بشدة نسبة 29 في المائة وعارضتها نسبة 9 في المائة، ما يعني أن 38 في المائة لا تؤيد وجود علاقة بين الفقر والحقد الطبقي والفروق الاجتماعية.
9 – كلما ارتفعت نسبة الفقر في شريحة الفقراء الضخمة ارتفعت نسبة الغنى في شريحة الأغنياء الضئيلة.
أوافق بشدة / أوافق / أعارض بشدة / أعارض / لا رأي لدي
وافقت بشدة نسبة 72 في المائة على العبارة فيما وافقت عليها نسبة 14 في المائة، ما يعني أن 82 في المائة من أفراد العينة يعتقدون بوجود علاقة بين ارتفاع الفقر في الغالبية وارتفاع الغنى في الأقلية. وعلى النقيض من ذلك عارضت بشدة نسبة 13 في المائة وجود تلك العلاقة فيما عارضتها النسبة المتبقية وهي 5 في المائة ما يعني أن مجموع المعارضين للعلاقة بلغت نسبتهم 18 في المائة.
10- توجد علاقة مباشرة بين الفقر ومختلف الأمراض النفسية.
أوافق بشدة / أوافق / أعارض بشدة / أعارض / لا رأي لدي
وافقت بشدة نسبة 43 في المائة على العبارة فيما وافقت عليها نسبة 19 في المائة، ما يعني أن 52 في المائة من أفراد العينة يعتقدون بوجود علاقة بين الفقر ومختلف الأمراض النفسية. وعلى النقيض من ذلك التوجه عارضت بشدة العبارة نسبة 18 في المائة فيما عارضتها نسبة 30 في المائة، ما يعني أن 48 في المائة لا ترى وجود هذه العلاقة المباشرة، الأمر الذي يشير إلى وجود انقسام واضح حول وجود هذا النوع من العلاقة.
قراءة في مخرجات الاستبيان
على ما يبدو من العينة الصغيرة لاستطلاع الرأي العام والمتخصص في شأن ظاهرة الفقر وعلاقتها بالانحرافات الفكرية والخلقية والسلوكية أن هناك اعتقاداً من قبل الغالبية بوجود مثل تلك العلاقة الإيجابية الطردية. كما هو واضح من إجابات الأسئلة (1، 4 ، 5 ، 6). ولكن يجب ألا نعمم تلك الآراء والتصورات بل يتوجب دعمها بدراسات علمية كمية ونوعية ذات أبعاد متعددة ومستويات مختلفة لمعرفة مخاطر ظاهرة الفقر بدقة.
صحيح أن أغلب من ارتكب الجرائم في الولايات المتحدة الأمريكية على سبيل المثال لا التعميم جاؤوا من الطبقات الفقيرة بل والمعدمة، وصحيح أيضاً أن الاكتشافات العلمية والكمية ذاتها عن نسب الجريمة والإجرام في معظم دول العالم أكدت وجود علاقة طردية كمية ونوعية بين غالبية مرتكبي الجرائم وانتمائهم للطبقات الفقيرة، لكن معظم هذه الاكتشافات وإن كانت مؤشرات كافية إلى تأطير العلاقة بين الفقر ومعظم الأمراض الاجتماعية، إلا أننا يجب أن نعتبرها أجراس إنذار تدق معلنة ضرورة إن لم يكن حتمية معالجتها كي لا تتهدد جميع أجيال المستقبل.
وأخيراً فإن الحقيقة التي يطرحها علم النفس السياسي وعلم النفس الاجتماعي هي أن الفقر يولد الشعور العميق بل والقوي بالحرمان النسبي الذي بدوره ينمي مشاعر الاستياء ومن ثم الحنق والحقد والغضب التي تترجم في شكل مشاعر اكتئاب يؤدي بدوره إلى بوتقة من مشاعر الإحباط النفسي المؤلمة التي قد تولد الشعور بالرغبة في الانتقام من المجتمع (أو الآخرين) من خلال اللجوء إلى وسائل العنف التي لا يمكن التنفيس عنها وإشباعها إلا بإيقاع الأذى والضرر بالآخرين أو حتى بالذات.

::/fulltext::
::cck::2622::/cck::

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *