المصارف الإسلامية الخليجية.. التحديات ومتطلبات التطوير
::cck::2638::/cck::
::introtext::
أصبحت المصارف الإسلامية واقعاً مميزاً على الساحة المصرفية والدولية، فهناك أكثر من 270 مؤسسة مالية إسلامية تعمل في نحو 50 بلداً في مختلف القارات، وتقدر أصولها بنحو 260 مليار دولار، كما ظهرت العديد من المؤسسات الداعمة للعمل المصرفي الإسلامي مثل هيئة المحاسبة والمراجعة للمؤسسات المالية الإسلامية، والمجلس العام للبنوك والمؤسسات المالية الإسلامية، السوق المالية الإسلامية الدولية، مركز إدارة السيولة، مجلس الخدمات المالية الإسلامية والوكالة الدولية الإسلامية للتصنيف.
::/introtext::
::fulltext::
أصبحت المصارف الإسلامية واقعاً مميزاً على الساحة المصرفية والدولية، فهناك أكثر من 270 مؤسسة مالية إسلامية تعمل في نحو 50 بلداً في مختلف القارات، وتقدر أصولها بنحو 260 مليار دولار، كما ظهرت العديد من المؤسسات الداعمة للعمل المصرفي الإسلامي مثل هيئة المحاسبة والمراجعة للمؤسسات المالية الإسلامية، والمجلس العام للبنوك والمؤسسات المالية الإسلامية، السوق المالية الإسلامية الدولية، مركز إدارة السيولة، مجلس الخدمات المالية الإسلامية والوكالة الدولية الإسلامية للتصنيف.
يشكل العمل المصرفي الإسلامي في دول مجلس التعاون الخليجي 40 في المائة من إجمالي العمل المصرفي الإسلامي عالمياً، وهناك توقعات بارتفاعه إلى 60 في المائة إذا ما عززت دول المنطقة هذا القطاع بشكل أكبر، ويتنبأ المجلس العام للبنوك والمؤسسات المالية الإسلامية بوصول حجم أصول الصناعة المالية الإسلامية في دول المجلس إلى حوالي 210 مليارات دولار في نهاية عام 2010.
وتلعب المؤسسات المصرفية والمالية الإسلامية العاملة في دول مجلس التعاون الخليجي دوراً أساسياً في تنمية وتطوير الصناعة المالية الإسلامية، سواء على الصعيدين المحلي والإقليمي من خلال تطوير وابتكار العديد من المنتجات والأدوات لتلبية احتياجات العملاء كصيرفة الأفراد وتسليف الشركات، وكذلك تغطية الحاجات التمويلية للمشاريع في مختلف القطاعات بدول المجلس.
كما اتجهت العديد من المصارف الإسلامية الخليجية إلى إصدار (صكوك)، ففي السعودية لاقت تجربة إصدار (سابك) للصكوك إقبالاً واسعاً من المستثمرين السعوديين عند طرحها للاكتتاب، كما مهدت الطريق بهذه الخطوة لفتح قناة استثمارية رأسمالية في السعودية غير الأسهم للمساهمة في تطوير السوق المالي السعودي وتزويد المستثمرين بخيارات أوسع للاستثمار. كما أعطى اعتماد الصكوك الإسلامية على أصول عقارية أو أوراق مالية، المزيد من الثقة للشركات الكبرى في العالم، للدخول في مشاريع تمويل البنية التحتية والطاقة والتطوير العقاري. وفي مملكة البحرين تم إصدار صكوك بقيمة ملايين الدولارات لمصلحة مشروع درة البحرين العقاري، كما أصدرت مؤسسة نقد البحرين صكوكًا قيمتها 1.3 مليار دولار في تسعة إصدارات منذ عام 2001 ، وتم إدراج جزء منها تبلغ قيمته 780 مليون دولار في سوق البحرين للأوراق المالية، كما تصدر المؤسسة أيضاً (صكوك السلم) وهي صكوك شهرية بقيمة 25 مليون دولار من أجل امتصاص السيولة الزائدة في السوق ولكنها لا تدرجها في البورصة. أما في الإمارات فيحتل بنك دبي الإسلامي مركزاً متقدماً لإصدارات الصكوك على مستوى العالم، حيث يقوم البنك بإدارة إصدارات صكوك تتراوح بين 1.775 – 2 مليار دولار ليستحوذ بذلك على نسبة 21 في المائة من حصة السوق لإصدارات الصكوك في العالم. كما حصل بنك دبي الإسلامي على تفويض من مركز دبي للسلع والمعادن لإدارة وترتيب إصدار صكوك مرتبطة بالذهب وهو أول إصدار لصكوك مرتبطة بالذهب. ويتوقع لإصدارات الصكوك في دول المجلس أن تشهد نمواً مطرداً خلال السنوات القليلة المقبلة مع تشجيع الحكومات على إصدار الصكوك من الشركات المملوكة للدولة.
ولم يقتصر توسع عمل المصارف الإسلامية الخليجية على النطاق الإقليمي، بل تعداه إلى القارتين الأوروبية والآسيوية، ففي بريطانيا تم افتتاح أول بنك إسلامي، تحت مسمى البنك البريطاني الإسلامي، يمتلك فيه بنك قطر الدولي الإسلامي الحصة الأكبر، ولعبت مؤسسة نقد البحرين دوراً مهماً في إنشائه، أما في ماليزيا، فقد منح البنك المركزي الماليزي ثلاثة تراخيص بالعمل المصرفي لكل من بيت التمويل الكويتي وشركة الراجحي المصرفية للاستثمار، وكونسورتيوم يضم بنك قطر الإسلامي وبنك (آر.يو.إس.دي) الاستثماري وبيت الاستثمار العالمي الكويتي.
ولعل الظاهرة الجديدة هي توجه البنوك التقليدية الخليجية إلى توسيع دائرة نشاطها المصرفي الإسلامي وتطوير أقسام إسلامية متخصصة، تلبية لرغبة العملاء، إذ نمت النوافذ الإسلامية التي تقدم الخدمات والمنتجات المصرفية المطابقة للشريعة، ومن أبرز المبادرات تلك التي قام بها البنك الأهلي التجاري السعودي، حيث وصل عدد الفروع التي تم افتتاحها إلى 111 فرعاً، واتجهت بعض البنوك الأخرى لتحويل كامل نشاطها للعمل المصرفي الإسلامي مثل بنك الشارقة الوطني، والبنك العقاري الكويتي وبنك الجزيرة السعودي، كما تحول بنك الشرق الأوسط، التابع لبنك الإمارات الدولي، إلى مصرف إسلامي تحت مسمى مصرف الإمارات الإسلامي.
كما أغرى النجاح الذي حققته المصارف الإسلامية الخليجية عدداً من المصارف التقليدية العالمية على الانخراط في صناعة المال الإسلامية، بتأسيس أقسام متخصصة كقسم الأمانة التابع لمجموعة (هونج كونج شنغهاي المصرفية (إتش.إس.بي.سي) ومركزه دبي، أو شركات فرعية منفصلة مختصة بالأعمال المصرفية الإسلامية، مثل سيتي بنك الإسلامي الاستثماري التابع لـ (سيتي غروب) والذي تأسس في البحرين، وبنك نوريبا التابع لبنك (يو.بي.إس) السويسري ومركزه البحرين أيضاً.
التحديات التي تواجه عمل المصارف الإسلامية
رغم النجاح الذي حققته المصارف الإسلامية في دول مجلس التعاون خلال السنوات القليلة الماضية، إلا أنها تواجه مجموعة من التحديات بعضها نابع من الضغوط الدولية وخاصة بعد أحداث الحادي عشر من سبتمبر، والبعض الآخر نابع من القيود الناجمة عن طبيعة العمل المصرفي الإسلامي، ويمكن توضيح هذه التحديات على النحو التالي:1- التشكيك في أهداف العمل المصرفي الإسلامي، ومحاولات الربط (المغلوط) بينه وبين تمويل الإرهاب، حيث أصبحت المصارف الإسلامية في بؤرة الاهتمام مع تزايد الجهود الدولية لتتبع أموال الإرهابيين بعد أحداث سبتمبر، حيث لم تقتصر الحرب الاقتصادية الدولية المزعومة ضد الإرهاب على تجميد أموال قائمة طويلة من المشتبه في تورطهم في أعمال إرهابية ، بل شملت عمليات التجميد العديد من المؤسسات الخيرية ورجال الأعمال الخيريين، بل والأخطر من ذلك كله هو حملة التشكيك والدعاية المشوهة تجاه البنوك والمصارف الإسلامية.
وتبدو هذه المشكلة أكثر خطورة بالنسبة لدول مجلس التعاون الخليجي، خاصة في ضوء عاملين رئيسيين: الأول أن الهجوم الذي شنته الولايات المتحدة والدول الغربية على المصادر المالية للإرهاب أدى إلى استهداف شامل من دون تمييز لجميع المصارف الإسلامية والجمعيات الخيرية التي ليست لها علاقة بالجماعات الإرهابية. الثاني أن الحملة على المصارف الإسلامية جاءت في وقت حققت فيه تقدماً ملحوظاً ولعبت دوراً مؤثراً في الأسواق المالية التقليدية بعدما نجحت في تعميم طريقة الاستثمار الإسلامية على أكثر من 48 دولة في العالم تمثل ثلث الدول الأعضاء في صندوق النقد الدولي وبلغ عددها حالياً نحو 192 مصرفاً، إضافة إلى عدد كبير من المصارف التقليدية الأجنبية التي أنشأت لديها محافظ وصناديق استثمار على الطريقة الإسلامية كما سبق الإشارة.
2- المنافسة الدولية، حيث تواجه المصارف الإسلامية الخليجية منافسة شرسة من المصارف الغربية والأجنبية التي بدأت في الاهتمام بهذا القطاع مؤخراً، لا سيما مع بدء تطبيق اتفاقية منظمة التجارة العالمية، وما يستتبع ذلك من تبعات والتزامات تفرضها عملية الانضمام في مقدمتها فتح كل الأسواق من دون أي عوائق. فبريطانيا بدأت تنافس دولاً خليجية في التحول إلى مركز للقطاع المالي الإسلامي، الذي بدأ يحقق زخماً هائلاً في الغرب مدفوعاً بإصدارات متتالية من الصكوك، تجاوزت السنة الماضية 17 مليار دولار، أربعة منها من منطقة الخليج العربي، كما اتجهت شركة داو جونز العالمية إلى إعداد مؤشر إسلامي لسوق تداول في السعودية و البحرين والكويت ودبي.
وإضافة إلى ما سبق، فقد تزايد الإقبال على شراء الصكوك الإسلامية من جانب مستثمري أوروبا والولايات المتحدة، وفي هذا الجانب بادرت مدينة ألمانية إلى إصدار صكوك تتماشى والشريعة الإسلامية وكذلك فعل أخيراً البنك الدولي وشركة نفط في تكساس. ووصل حجم حيازة المستثمرين الأجانب من الصكوك الإسلامية إلى نحو 80 في المائة من إجمالي الإصدارات. وبدأ بنك الاستثمار الإسلامي الأوروبي فتح أسواق لتداول الصكوك الإسلامية في لندن، كما بادرت شركة الوساطة المالية (جي إف آي) إلى إنشاء مركز للتداول، كما أعلن البنك الياباني للتعاون الدولي أخيرا أنه يعتزم إصدار صكوك إسلامية تتراوح قيمتها بين 300 و500 مليون دولار.
3- محدودية أدوات الاستثمار لدى المصارف الإسلامية الخليجية، فرغم أن هذه المصارف بدأت تهتم في استثماراتها المباشرة بالجانب الذي يختص بأسواق المال إلا أنها لا تزال تستثمر بنسب منخفضة إلى حد ما ولا تزال أيضاً استثماراتها مرتبطة في معظمها بأسواق المال المحلية بالرغم من وجود مؤشرات خاصة بالتعامل الإسلامي في أسواق المال العالمية، كما سبق الإشارة.
وترجع مشكلة محدودية الاستثمار إلى عدة عوامل، أهمها: حداثة الصيرفة الإسلامية وعدم توافر خبرات مماثلة لتلك الموجودة لدى المصارف التقليدية، بالإضافة إلى العوائق أو الثغرات في التشريعات والقوانين التي من شأنها إيجاد وتفعيل الأدوات الاستثمارية، والافتقار إلى وجود الخبرات الفنية الكاملة خاصة في ما يتعلق بالمحللين الماليين للأسواق والاستثمارات المباشرة بشكل عام، ووجود اختلافات بين الأنظمة الضرائبية وقوانين ولوائح الاستثمار من بلد لآخر، ناهيك عن تعدد وتفاوت الفتاوى بين هيئات الرقابة الشرعية من بلد لآخر بخصوص عمل المصارف الإسلامية.
نحو تفعيل المصارف الإسلامية:
في ضوء التحديات السابق الإشارة إليها، فإن تطوير عمل المصارف الإسلامية بات ضرورة، وهذا يقتضي العمل على:
• توفير مجالات وفرص جديدة ملائمة للاستثمار، وذلك لعدم قدرة هذه المصارف على الاستفادة من السندات الحكومية التي تصدرها البنوك المركزية، والتي غالباً ما تشكل منفذًا للفوائض المالية، ما يستدعي وجود منافذ وأدوات استثمارية بديلة مطابقة للشريعة وقادرة على امتصاص السيولة المرتفعة لدى المصارف الإسلامية، ولعل هذا ما يبرز إقبال تلك المصارف على الاستثمار في المشاريع العقارية والإنتاجية في العديد من دول مجلس التعاون.
• إيجاد آلية لضمان النمو المستدام للمؤسسات المصرفية والمالية الإسلامية، وذلك بتضافر جهود جميع العاملين في هذا القطاع وتوافر الدعم من قبل الحكومات والسلطات النقدية التي يقع على عاتقها وضع الأطر التشريعية والتنظيمية لصناعة المال الإسلامية ومساعدة المصارف على تطبيق معايير المحاسبة الدولية ومتطلبات اتفاقية (بازل2) لجهة كفاية رأس المال وحسن إدارة المخاطر، وإيجاد الصيغ القانونية القادرة على دعم وتطوير العمل المصرفي الإسلامي، وخير مثال على ذلك ما قامت به مؤسسة نقد البحرين بتوفير البديل الشرعي للسندات الحكومية من خلال الصكوك الإسلامية التي قامت بإصدارها واعتمادها كوسيلة تمويل.• التحديث والتطوير المستمر أن لمواكبة تطورات النظام المصرفي التقليدي، وذلك بالتدريب المستمر والمتخصص، والتركيز على البحث العلمي المتخصص والمتابعة المستمرة والواعية للتجمعات والمؤتمرات الدولية، وكذلك دراسة وفهم القوانين والقرارات الدولية، والاتفاق على أنظمة ومعايير محاسبية وشرعية متوافقة، وتطوير نظم التحليل المالي ودراسات الجدوى الاقتصادية والاستثمارية وذلك عبر دفع لقاءات العاملين واستخدام أحدث الوسائل العلمية للخروج بدراسات علمية متينة، وتقوية وإعادة هيكلة الأجهزة الاستثمارية وتطوير الأدوات والمنتجات الإسلامية بما يزيد من حجم التعاملات ويخدم الاستثمار والتنمية ويرفع من مستويات العوائد للمصارف الإسلامية للخروج من المحلية إلي العالمية .
• تطوير مهارات القائمين على العمل المصرفي الإسلامي من خلال إطلاق مراكز تدريب علماء دين متخصصين في الصيرفة الإسلامية والقضايا المالية الإسلامية وتأهيلهم، وتمويل منح دراسية لتأهيل علماء دين للفتوى في المنتجات المالية الإسلامية، وذلك لمواجهة النقص في عدد العلماء المتخصصين القادرين على تحديد السياسات الخاصة بالصيرفة الإسلامية.
وأخيراً، وليس آخراً إن النجاح الهائل الذي حققته تجربة المصارف الإسلامية في دول مجلس التعاون الخليجي يفرض على هذه المصارف أهمية الإدراك المتزايد بحجم وطبيعة التغيرات التي تحيط بها في ظل العولمة الاقتصادية ، على أن يصاحب هذا الإدراك جهد حثيث للتحسين والتطوير من أجل مواكبة المستجدات العالمية وتجنب المخاطر واستثمار الفرص السانحة، فذلك الإدراك وهذا الجهد المتواصل يشكلان درعاً تحمي هذه المصارف من حملات التشكيك التي تعرضت لها عقب أحداث الحادي عشر من سبتمبر والتي قد تتعرض له مستقبلاً، كما يعتبران جسراً يحملها إلى بر الأمان في مواجهة التنافسية العالمية الحادة.
::/fulltext::
|
Getting your Trinity Audio player ready...
|
::cck::2638::/cck::
::introtext::
أصبحت المصارف الإسلامية واقعاً مميزاً على الساحة المصرفية والدولية، فهناك أكثر من 270 مؤسسة مالية إسلامية تعمل في نحو 50 بلداً في مختلف القارات، وتقدر أصولها بنحو 260 مليار دولار، كما ظهرت العديد من المؤسسات الداعمة للعمل المصرفي الإسلامي مثل هيئة المحاسبة والمراجعة للمؤسسات المالية الإسلامية، والمجلس العام للبنوك والمؤسسات المالية الإسلامية، السوق المالية الإسلامية الدولية، مركز إدارة السيولة، مجلس الخدمات المالية الإسلامية والوكالة الدولية الإسلامية للتصنيف.
::/introtext::
::fulltext::
أصبحت المصارف الإسلامية واقعاً مميزاً على الساحة المصرفية والدولية، فهناك أكثر من 270 مؤسسة مالية إسلامية تعمل في نحو 50 بلداً في مختلف القارات، وتقدر أصولها بنحو 260 مليار دولار، كما ظهرت العديد من المؤسسات الداعمة للعمل المصرفي الإسلامي مثل هيئة المحاسبة والمراجعة للمؤسسات المالية الإسلامية، والمجلس العام للبنوك والمؤسسات المالية الإسلامية، السوق المالية الإسلامية الدولية، مركز إدارة السيولة، مجلس الخدمات المالية الإسلامية والوكالة الدولية الإسلامية للتصنيف.
يشكل العمل المصرفي الإسلامي في دول مجلس التعاون الخليجي 40 في المائة من إجمالي العمل المصرفي الإسلامي عالمياً، وهناك توقعات بارتفاعه إلى 60 في المائة إذا ما عززت دول المنطقة هذا القطاع بشكل أكبر، ويتنبأ المجلس العام للبنوك والمؤسسات المالية الإسلامية بوصول حجم أصول الصناعة المالية الإسلامية في دول المجلس إلى حوالي 210 مليارات دولار في نهاية عام 2010.
وتلعب المؤسسات المصرفية والمالية الإسلامية العاملة في دول مجلس التعاون الخليجي دوراً أساسياً في تنمية وتطوير الصناعة المالية الإسلامية، سواء على الصعيدين المحلي والإقليمي من خلال تطوير وابتكار العديد من المنتجات والأدوات لتلبية احتياجات العملاء كصيرفة الأفراد وتسليف الشركات، وكذلك تغطية الحاجات التمويلية للمشاريع في مختلف القطاعات بدول المجلس.
كما اتجهت العديد من المصارف الإسلامية الخليجية إلى إصدار (صكوك)، ففي السعودية لاقت تجربة إصدار (سابك) للصكوك إقبالاً واسعاً من المستثمرين السعوديين عند طرحها للاكتتاب، كما مهدت الطريق بهذه الخطوة لفتح قناة استثمارية رأسمالية في السعودية غير الأسهم للمساهمة في تطوير السوق المالي السعودي وتزويد المستثمرين بخيارات أوسع للاستثمار. كما أعطى اعتماد الصكوك الإسلامية على أصول عقارية أو أوراق مالية، المزيد من الثقة للشركات الكبرى في العالم، للدخول في مشاريع تمويل البنية التحتية والطاقة والتطوير العقاري. وفي مملكة البحرين تم إصدار صكوك بقيمة ملايين الدولارات لمصلحة مشروع درة البحرين العقاري، كما أصدرت مؤسسة نقد البحرين صكوكًا قيمتها 1.3 مليار دولار في تسعة إصدارات منذ عام 2001 ، وتم إدراج جزء منها تبلغ قيمته 780 مليون دولار في سوق البحرين للأوراق المالية، كما تصدر المؤسسة أيضاً (صكوك السلم) وهي صكوك شهرية بقيمة 25 مليون دولار من أجل امتصاص السيولة الزائدة في السوق ولكنها لا تدرجها في البورصة. أما في الإمارات فيحتل بنك دبي الإسلامي مركزاً متقدماً لإصدارات الصكوك على مستوى العالم، حيث يقوم البنك بإدارة إصدارات صكوك تتراوح بين 1.775 – 2 مليار دولار ليستحوذ بذلك على نسبة 21 في المائة من حصة السوق لإصدارات الصكوك في العالم. كما حصل بنك دبي الإسلامي على تفويض من مركز دبي للسلع والمعادن لإدارة وترتيب إصدار صكوك مرتبطة بالذهب وهو أول إصدار لصكوك مرتبطة بالذهب. ويتوقع لإصدارات الصكوك في دول المجلس أن تشهد نمواً مطرداً خلال السنوات القليلة المقبلة مع تشجيع الحكومات على إصدار الصكوك من الشركات المملوكة للدولة.
ولم يقتصر توسع عمل المصارف الإسلامية الخليجية على النطاق الإقليمي، بل تعداه إلى القارتين الأوروبية والآسيوية، ففي بريطانيا تم افتتاح أول بنك إسلامي، تحت مسمى البنك البريطاني الإسلامي، يمتلك فيه بنك قطر الدولي الإسلامي الحصة الأكبر، ولعبت مؤسسة نقد البحرين دوراً مهماً في إنشائه، أما في ماليزيا، فقد منح البنك المركزي الماليزي ثلاثة تراخيص بالعمل المصرفي لكل من بيت التمويل الكويتي وشركة الراجحي المصرفية للاستثمار، وكونسورتيوم يضم بنك قطر الإسلامي وبنك (آر.يو.إس.دي) الاستثماري وبيت الاستثمار العالمي الكويتي.
ولعل الظاهرة الجديدة هي توجه البنوك التقليدية الخليجية إلى توسيع دائرة نشاطها المصرفي الإسلامي وتطوير أقسام إسلامية متخصصة، تلبية لرغبة العملاء، إذ نمت النوافذ الإسلامية التي تقدم الخدمات والمنتجات المصرفية المطابقة للشريعة، ومن أبرز المبادرات تلك التي قام بها البنك الأهلي التجاري السعودي، حيث وصل عدد الفروع التي تم افتتاحها إلى 111 فرعاً، واتجهت بعض البنوك الأخرى لتحويل كامل نشاطها للعمل المصرفي الإسلامي مثل بنك الشارقة الوطني، والبنك العقاري الكويتي وبنك الجزيرة السعودي، كما تحول بنك الشرق الأوسط، التابع لبنك الإمارات الدولي، إلى مصرف إسلامي تحت مسمى مصرف الإمارات الإسلامي.
كما أغرى النجاح الذي حققته المصارف الإسلامية الخليجية عدداً من المصارف التقليدية العالمية على الانخراط في صناعة المال الإسلامية، بتأسيس أقسام متخصصة كقسم الأمانة التابع لمجموعة (هونج كونج شنغهاي المصرفية (إتش.إس.بي.سي) ومركزه دبي، أو شركات فرعية منفصلة مختصة بالأعمال المصرفية الإسلامية، مثل سيتي بنك الإسلامي الاستثماري التابع لـ (سيتي غروب) والذي تأسس في البحرين، وبنك نوريبا التابع لبنك (يو.بي.إس) السويسري ومركزه البحرين أيضاً.
التحديات التي تواجه عمل المصارف الإسلامية
رغم النجاح الذي حققته المصارف الإسلامية في دول مجلس التعاون خلال السنوات القليلة الماضية، إلا أنها تواجه مجموعة من التحديات بعضها نابع من الضغوط الدولية وخاصة بعد أحداث الحادي عشر من سبتمبر، والبعض الآخر نابع من القيود الناجمة عن طبيعة العمل المصرفي الإسلامي، ويمكن توضيح هذه التحديات على النحو التالي:1- التشكيك في أهداف العمل المصرفي الإسلامي، ومحاولات الربط (المغلوط) بينه وبين تمويل الإرهاب، حيث أصبحت المصارف الإسلامية في بؤرة الاهتمام مع تزايد الجهود الدولية لتتبع أموال الإرهابيين بعد أحداث سبتمبر، حيث لم تقتصر الحرب الاقتصادية الدولية المزعومة ضد الإرهاب على تجميد أموال قائمة طويلة من المشتبه في تورطهم في أعمال إرهابية ، بل شملت عمليات التجميد العديد من المؤسسات الخيرية ورجال الأعمال الخيريين، بل والأخطر من ذلك كله هو حملة التشكيك والدعاية المشوهة تجاه البنوك والمصارف الإسلامية.
وتبدو هذه المشكلة أكثر خطورة بالنسبة لدول مجلس التعاون الخليجي، خاصة في ضوء عاملين رئيسيين: الأول أن الهجوم الذي شنته الولايات المتحدة والدول الغربية على المصادر المالية للإرهاب أدى إلى استهداف شامل من دون تمييز لجميع المصارف الإسلامية والجمعيات الخيرية التي ليست لها علاقة بالجماعات الإرهابية. الثاني أن الحملة على المصارف الإسلامية جاءت في وقت حققت فيه تقدماً ملحوظاً ولعبت دوراً مؤثراً في الأسواق المالية التقليدية بعدما نجحت في تعميم طريقة الاستثمار الإسلامية على أكثر من 48 دولة في العالم تمثل ثلث الدول الأعضاء في صندوق النقد الدولي وبلغ عددها حالياً نحو 192 مصرفاً، إضافة إلى عدد كبير من المصارف التقليدية الأجنبية التي أنشأت لديها محافظ وصناديق استثمار على الطريقة الإسلامية كما سبق الإشارة.
2- المنافسة الدولية، حيث تواجه المصارف الإسلامية الخليجية منافسة شرسة من المصارف الغربية والأجنبية التي بدأت في الاهتمام بهذا القطاع مؤخراً، لا سيما مع بدء تطبيق اتفاقية منظمة التجارة العالمية، وما يستتبع ذلك من تبعات والتزامات تفرضها عملية الانضمام في مقدمتها فتح كل الأسواق من دون أي عوائق. فبريطانيا بدأت تنافس دولاً خليجية في التحول إلى مركز للقطاع المالي الإسلامي، الذي بدأ يحقق زخماً هائلاً في الغرب مدفوعاً بإصدارات متتالية من الصكوك، تجاوزت السنة الماضية 17 مليار دولار، أربعة منها من منطقة الخليج العربي، كما اتجهت شركة داو جونز العالمية إلى إعداد مؤشر إسلامي لسوق تداول في السعودية و البحرين والكويت ودبي.
وإضافة إلى ما سبق، فقد تزايد الإقبال على شراء الصكوك الإسلامية من جانب مستثمري أوروبا والولايات المتحدة، وفي هذا الجانب بادرت مدينة ألمانية إلى إصدار صكوك تتماشى والشريعة الإسلامية وكذلك فعل أخيراً البنك الدولي وشركة نفط في تكساس. ووصل حجم حيازة المستثمرين الأجانب من الصكوك الإسلامية إلى نحو 80 في المائة من إجمالي الإصدارات. وبدأ بنك الاستثمار الإسلامي الأوروبي فتح أسواق لتداول الصكوك الإسلامية في لندن، كما بادرت شركة الوساطة المالية (جي إف آي) إلى إنشاء مركز للتداول، كما أعلن البنك الياباني للتعاون الدولي أخيرا أنه يعتزم إصدار صكوك إسلامية تتراوح قيمتها بين 300 و500 مليون دولار.
3- محدودية أدوات الاستثمار لدى المصارف الإسلامية الخليجية، فرغم أن هذه المصارف بدأت تهتم في استثماراتها المباشرة بالجانب الذي يختص بأسواق المال إلا أنها لا تزال تستثمر بنسب منخفضة إلى حد ما ولا تزال أيضاً استثماراتها مرتبطة في معظمها بأسواق المال المحلية بالرغم من وجود مؤشرات خاصة بالتعامل الإسلامي في أسواق المال العالمية، كما سبق الإشارة.
وترجع مشكلة محدودية الاستثمار إلى عدة عوامل، أهمها: حداثة الصيرفة الإسلامية وعدم توافر خبرات مماثلة لتلك الموجودة لدى المصارف التقليدية، بالإضافة إلى العوائق أو الثغرات في التشريعات والقوانين التي من شأنها إيجاد وتفعيل الأدوات الاستثمارية، والافتقار إلى وجود الخبرات الفنية الكاملة خاصة في ما يتعلق بالمحللين الماليين للأسواق والاستثمارات المباشرة بشكل عام، ووجود اختلافات بين الأنظمة الضرائبية وقوانين ولوائح الاستثمار من بلد لآخر، ناهيك عن تعدد وتفاوت الفتاوى بين هيئات الرقابة الشرعية من بلد لآخر بخصوص عمل المصارف الإسلامية.
نحو تفعيل المصارف الإسلامية:
في ضوء التحديات السابق الإشارة إليها، فإن تطوير عمل المصارف الإسلامية بات ضرورة، وهذا يقتضي العمل على:
• توفير مجالات وفرص جديدة ملائمة للاستثمار، وذلك لعدم قدرة هذه المصارف على الاستفادة من السندات الحكومية التي تصدرها البنوك المركزية، والتي غالباً ما تشكل منفذًا للفوائض المالية، ما يستدعي وجود منافذ وأدوات استثمارية بديلة مطابقة للشريعة وقادرة على امتصاص السيولة المرتفعة لدى المصارف الإسلامية، ولعل هذا ما يبرز إقبال تلك المصارف على الاستثمار في المشاريع العقارية والإنتاجية في العديد من دول مجلس التعاون.
• إيجاد آلية لضمان النمو المستدام للمؤسسات المصرفية والمالية الإسلامية، وذلك بتضافر جهود جميع العاملين في هذا القطاع وتوافر الدعم من قبل الحكومات والسلطات النقدية التي يقع على عاتقها وضع الأطر التشريعية والتنظيمية لصناعة المال الإسلامية ومساعدة المصارف على تطبيق معايير المحاسبة الدولية ومتطلبات اتفاقية (بازل2) لجهة كفاية رأس المال وحسن إدارة المخاطر، وإيجاد الصيغ القانونية القادرة على دعم وتطوير العمل المصرفي الإسلامي، وخير مثال على ذلك ما قامت به مؤسسة نقد البحرين بتوفير البديل الشرعي للسندات الحكومية من خلال الصكوك الإسلامية التي قامت بإصدارها واعتمادها كوسيلة تمويل.• التحديث والتطوير المستمر أن لمواكبة تطورات النظام المصرفي التقليدي، وذلك بالتدريب المستمر والمتخصص، والتركيز على البحث العلمي المتخصص والمتابعة المستمرة والواعية للتجمعات والمؤتمرات الدولية، وكذلك دراسة وفهم القوانين والقرارات الدولية، والاتفاق على أنظمة ومعايير محاسبية وشرعية متوافقة، وتطوير نظم التحليل المالي ودراسات الجدوى الاقتصادية والاستثمارية وذلك عبر دفع لقاءات العاملين واستخدام أحدث الوسائل العلمية للخروج بدراسات علمية متينة، وتقوية وإعادة هيكلة الأجهزة الاستثمارية وتطوير الأدوات والمنتجات الإسلامية بما يزيد من حجم التعاملات ويخدم الاستثمار والتنمية ويرفع من مستويات العوائد للمصارف الإسلامية للخروج من المحلية إلي العالمية .
• تطوير مهارات القائمين على العمل المصرفي الإسلامي من خلال إطلاق مراكز تدريب علماء دين متخصصين في الصيرفة الإسلامية والقضايا المالية الإسلامية وتأهيلهم، وتمويل منح دراسية لتأهيل علماء دين للفتوى في المنتجات المالية الإسلامية، وذلك لمواجهة النقص في عدد العلماء المتخصصين القادرين على تحديد السياسات الخاصة بالصيرفة الإسلامية.
وأخيراً، وليس آخراً إن النجاح الهائل الذي حققته تجربة المصارف الإسلامية في دول مجلس التعاون الخليجي يفرض على هذه المصارف أهمية الإدراك المتزايد بحجم وطبيعة التغيرات التي تحيط بها في ظل العولمة الاقتصادية ، على أن يصاحب هذا الإدراك جهد حثيث للتحسين والتطوير من أجل مواكبة المستجدات العالمية وتجنب المخاطر واستثمار الفرص السانحة، فذلك الإدراك وهذا الجهد المتواصل يشكلان درعاً تحمي هذه المصارف من حملات التشكيك التي تعرضت لها عقب أحداث الحادي عشر من سبتمبر والتي قد تتعرض له مستقبلاً، كما يعتبران جسراً يحملها إلى بر الأمان في مواجهة التنافسية العالمية الحادة.
::/fulltext::
::cck::2638::/cck::
