الحملات العنصرية ضد المسلمين وأهدافها الاستعمارية

::cck::2674::/cck::
::introtext::

يتعرض الإسلام والمسلمون في الفترات الأخيرة وخاصة منذ انتهاء الحرب الباردة  إلى حملات عنصرية شرسة جعلت منهما رمزاً للإرهاب والتخلف في الغرب، كما أن المسلمين في أوروبا وأمريكا أصبحوا أهدافاً للكراهية والتمييز العنصري بسبب انتمائهم الديني أو حتى أسمائهم الإسلامية فقط، هذا عدا التمييز العنصري التقليدي الذي يتعرض له المهاجرون من دول العالم الثالث في الغرب.

::/introtext::
::fulltext::

يتعرض الإسلام والمسلمون في الفترات الأخيرة وخاصة منذ انتهاء الحرب الباردة  إلى حملات عنصرية شرسة جعلت منهما رمزاً للإرهاب والتخلف في الغرب، كما أن المسلمين في أوروبا وأمريكا أصبحوا أهدافاً للكراهية والتمييز العنصري بسبب انتمائهم الديني أو حتى أسمائهم الإسلامية فقط، هذا عدا التمييز العنصري التقليدي الذي يتعرض له المهاجرون من دول العالم الثالث في الغرب.

وقد اشتد التمييز العنصري ضد المسلمين في الغرب ولو بفارق بين دولة ودولة في الآونة الأخيرة إلى درجة أصبحت الرموز الإسلامية كالحجاب واللحى رمزاً للإرهاب والتطرف وينظر إليها كمصدر للتهديد من قبل أكثرية سكان الدول الغربية، حيث إن ظاهرة التمييز العنصري ضد المسلمين في أماكن العمل والتعليم وحتى الأماكن العامة أصبحت شيئاً مألوفاً مما يشكل عائقاً كبيراً أمام الحياة العادية للإنسان المسلم في الغرب بحيث يشعر بأنه شخص غير مرغوب فيه وشبه منعزل عن المجتمع الذي عليه أن يعيش فيه وحتى لو ولد وترعرع  فيه. والسبب مرة أخرى هو الانتماء إلى الدين الإسلامي فقط.

هذا الوضع تأزم إلى درجة اضطر المقرر الخاص للأمم المتحدة حول العنصرية للاعتراف في مؤتمر المنظمة الأوروبية للأمن والتعاون التي تضم أمريكا وكندا أيضاً في حزيران 2003  بأن المعاداة للإسلام أصبحت  التحدي الرئيسي للدول الأوروبية في ميدان التمييز العنصري بحيث ينظر إلى المسلمين في هذه الدول كأعداء في الداخل. ويقول أيضاً إن المعاداة للسامية في الغرب استبدلت بالمعاداة للإسلام.
 ظاهرة التمييز العنصري ضد المسلمين ازدادت منذ ذلك الحين، هذا ما أكده قرار لجنة حقوق الإنسان التابعة للأمم المتحدة الصادر في نيسان  2005 والذي يتحدث عن حملة تشويه ضد الإسلام والمسلمين في الغرب، ويؤكد على تنامي هذه الظاهرة فيه.

وحسب قول الأمين العام للأمم المتحدة كوفي أنان فإن ملاحقة المسلمين بسبب انتمائهم الديني في الغرب اشتدت بصورة مخيفة بعد أحداث الحادي عشر من أيلول الإرهابية في أمريكا حيث طالب الأمين العام بداية عام 2005 بالكف عن ملاحقة واستهداف المسلمين اللذين يتزايدان باستمرار حسب رأيه منذ  هذه الأحداث.

و من حق المرء أن يتساءل عن مغزى هذا التغير المفاجئ في موقف الغرب تجاه الإسلام، حيث كان ينظر إلى المسلمين كحلفاء له ضد الاتحاد السوفييتي إبان الحرب الباردة خاصة في أفغانستان.

إن محاولة الإجابة عن هذا السؤال تعود بنا إلى تاريخ العنصرية والاستعمار أو بالأحرى الربط بينهما، أي أن أية حملة استعمارية في التأريخ سبقتها حملة عنصرية ضد الشعوب والبلدان المستهدفة. والحملات العنصرية كانت تشن بطريقة تتناسب مع الزمن والثقافة السائدة في هذه الحقبة الزمنية، فمثلاً الحملات العنصرية ضد شعوب آسيا وإفريقيا وأمريكا منذ القرن السادس عشر وإلى الحرب العالمية الثانية كانت تستند إلى ادعاءات حول همجية وتأخر هذه الشعوب لتبرير استعمارها وكأنه حملة تنويرية لجلب التمدن والرفاهية لهذه الشعوب من قبل الشعوب الأوروبية المتحضرة.

و لكن كما يبدو فإن الأمر تغير الآن لأن الشعوب والبلدان الإسلامية من الصعب اتهامها بالتأخر لتبرير استعمارها ولذلك وجدت وسيلة أخرى لتوفير هذا التبرير عن طريق تشويه صورتهم من خلال حملات عنصرية تتخذ من الدين أساساً لها وخاصة في إطار اتهامات تستهدف الربط بين الدين الإسلامي والإرهاب.

 

لذا يجب علينا عند بحثنا عن الأسباب الحقيقية وراء هذه الحملات العنصرية الانطلاق بالذات من هذه النقطة، أي الحملات العنصرية الجديدة ضد المسلمين والاتهامات المتعلقة بالإرهاب ضدهم بأنها ليست غاية بذاتها بل وسيلة تمهيدا لحملات استعمارية جديدة بدأت ظواهرها في الأفق الآن ضد الدول الإسلامية وخاصة الغنية منها بالنفط.

من العنصرية إلى الاستعمار

هناك ربط عضوي بين العنصرية والاستعمار أي أن الاستعمار يعني دائماً الاستغلال والإذلال واضطهاد الآخرين وإهانة كرامتهم وهي جرائم من الصعب تبريرها ضد شعوب وجماعات معينة تتمتع بالمساواة مع المستعمر نفسه، فلذلك على الأخير أن يقوم بإطلاق مواصفات غير لائقة اجتماعياً ودينياً وسياسياً على الشعوب التي ينوي المستعمر استعمارها وإذلالها بهدف التقليص من كرامتها وقيمتها الإنسانية وحرمانها من حق المساواة الكاملة مع الآخرين كأعضاء في المجتمع البشري تبريراً لجرائمه الاستعمارية ضد هذه الشعوب.

والعنصرية هي أيديولوجية هدفها الرئيسي تبرير الاضطهاد والهيمنة وحرمان الآخرين من حقوقهم الطبيعية وتستند إلى ادعاءات باطلة بأن الاختلافات في العرق والأصل والمنشأ وحتى الدين تؤدي إلى تفوق جماعة على أخرى. وهي بذلك نظرية تقسم المجتمع البشري على أساس هرمي تكون لها نتائج وخيمة على الشعوب والجماعات التي تكون حصتها المواقع السفلية في هذا الهرم.

ومن أهم خصائص  الأيديولوجية العنصرية قدرتها على التكيف وتغير جلدها، فهي مرة تعتمد على النظرية البيولوجية، وإذا أثبتت هذه النظرية فشلها فإنها تتحول إلى النظرية الاجتماعية وفي حالة فشل هذه النظرية أيضاً تلجأ إلى الدين كأساس لتبرير نفسها كما هو الحال مع الحملات العنصرية الجديدة ضد المسلمين في بعض بلدان الغرب.

و يجب أن نعترف هنا أيضاً بأن ظاهرة العنصرية ليست اختراعاً غربياً بل وجدت منذ قدم التاريخ ولكنها كأيديولوجية تحاول تبرير نفسها بطرق علمية مزيفة فهي من صنع غربي.

ولو نظرنا إلى تاريخ الفلسفة الغربية لرأينا أن أكثرية فلاسفتها الكلاسيكيين من (أرسطو) إلى (كانت) كانوا عنصريين في كتاباتهم وآرائهم حتى المعروفين منهم بالتقدميين. فمثلاً كان الفيلسوف الثوري فولتير يعتقد بأن السود هم صنف من الحيوان والفيلسوف (كانت) نفسه يعتبر من آباء المنهج العنصري والقائمة طويلة جداً لتشمل (فيخته ودافيد هوم ومونتينيسكو).

و ليست الموجة العنصرية الجديدة ضد المسلمين وشعوب الجنوب إلا امتدادا لهذه الفلسفة العنصرية مهما تغيرت أشكالها وطرق تبريرها فإن هدفها الرئيسي يبقي الهدف الاستعماري  نفسه وهو الهيمنة على الشعوب ونهب ثرواتها.

 
 

و الاستعمار كمصطلح سياسي يعني الهيمنة وفرض إرادة طرف على طرف آخر عن طريق القوة أو التهديد بها وهو أيضاً امتداد لسيادة دولة ما لتشمل دولاً وشعوباً أخرى. وكمصطلح اقتصادي يستهدف الاستعمار إلى الهيمنة الاقتصادية بكافة أشكالها.

و الاستعمار يختلف عن الامبريالية التي هي وليدة القرن التاسع عشر ومرتبطة بالتراكم الرأسمالي، حيث تبحث القوى الامبريالية عن أسواق جديدة والهيمنة السياسية وهي لا تعتمد بالضرورة على الاحتلال المباشر كالاستعمار الذي هو أقدم من الامبريالية بكثير.

وهناك نظريات عدة حول أسباب نشوء الامبريالية والاستعمار وأشهرها النظرية الاقتصادية، حيث اعتبر لينين الامبريالية أعلى مرحلة للرأسمالية، ولكن الفيلسوف شومبيتر في كتابه (الامبريالية والطبقات الاجتماعية) يقول إن للامبريالية أسباباً متنوعة كالأنانية وحب الهيمنة على الآخرين والميل لاستعمال العنف والإثراء غير المشروع، وأن الحقد الشخصي والديني وحب الظهور أو التعويض عن نقص ما كلها تلعب دوراً مهماً لدى القيادات التي تميل إلى حروب استعمارية. كما يضيف شومبيتر بهذا الصدد إن الحروب الامبريالية هي من صنع أشخاص ذوي غرائز متدنية كحب المغامرة وتأسيس الامبراطوريات مقارنين أنفسهم بأمراء العصور الوسطى ويخوضون حروباً عدوانية من أجل توسيع سلطاتهم فقط أو ربما لافتقارهم لقدرة القيام بعمل مفيد.

و بما أن الاستعمار هو الهيمنة عن طريق استعمال القوة فإنه لا يتم إلا من خلال شن حروب استعمارية التي تعتبر أشرس أنواع الحروب وأكثرها دموية في تاريخ الشعوب لأنها حروب شاملة ضد الشعوب وليست ضد الجيوش  فقط. فالاستعمار يحتل أرضاً ليبقى فيها وممارسة الهيمنة الشاملة على شعبها، لذلك فإن للاستعمار أهدافاً شاملة تشمل كل مجالات حياة الشعوب الاقتصادية والاجتماعية والسياسية والدينية.

 إن آثار الهيمنة الاستعمارية على شعب ما، هي في الواقع أوسع من هذه المجالات بكثير كما يقول فرانتس فانون الطبيب النفسي والكاتب الثوري الفرنسي الذي اشترك في ثورة الجزائر ضد الاستعمار الفرنسي، إذ يقول في كتابه (معدومي الأرض) إن الاستعمار يخلف حالة نفسية معينة لدى أفراد الشعوب الخاضعة للهيمنة الاستعمارية تؤثر في التصرفات الشخصية لهؤلاء الأفراد كازدياد معدلات الجرائم والفساد بأنواعه والأمراض النفسية والجسدية.

و لكن هذه الأضرار لا تقتصر على جانب واحد، بل تشمل كلا الجانبين. وحسب رأي (فانون) فإن الاحتلال هو إذلال للمحتل أيضاً بسبب الممارسات اللاإنسانية التي يمارسها ضد الشعوب الخاضعة للاحتلال. وخير مثال على صحة هذا القول هو العراق الحالي إذ إن سمعة أمريكا بعد ممارساتها اللاإنسانية ضد الشعب العراقي تضررت كثيراً في العالم فهي تعاني حالياً من فقدان المصداقية، وأصبح اسمها في العالم الثالث رمزاً للاضطهاد والعنف والتعذيب خاصة بعد نشر صور فضائح سجن أبو غريب.

فالحالة العراقية يمكن اعتبارها بداية لحملة استعمارية جديدة ولكن تحت ذرائع أخرى، فالعراقيون رحبوا بالدعم الأمريكي لإسقاط النظام البعثي الذي جاء إلى الحكم بدعم أمريكي ولكنهم فوجئوا بتحول المحرر إلى محتل.

وربما ستتكرر هذه الحالة في بلدان إسلامية أخرى لأن الحملات العنصرية ضد المسلمين مستمرة وبصورة متزايدة ما يؤدي بنا إلى السؤال التالي:

هل الحملات العنصرية ضد المسلمين بداية لحملات استعمارية جديدة واسعة ضد الشعوب الإسلامية؟

إن الربط العضوي بين العنصرية والاستعمار يمكن التأكد منه ميدانياً من خلال تحليل الحملات العنصرية الجديدة ضد الإسلام والمسلمين والتحركات والتهديدات العسكرية ضد العالم الإسلامي وخاصة الدول الغنية بالنفط أو الدول التي تبدي مقاومة ضد محاولات الهيمنة عليها. كما أن الحملات الاستعمارية الجديدة ضد الشعوب الإسلامية تختلف هذه المرة قليلا عن الحملات الأوروبية السابقة، إذ هي عبارة عن تحالف غريب بين دول أنجلوساكسونية كأمريكا وبريطانيا والحركة الصهيونية العالمية. وكل البوادر والتجارب الاستعمارية السابقة تشير إلى إمكانية تحقيق هذه المخاوف لأنه كما يبدو فإن التاريخ يكرر نفسه.

فمثلا قبل بدأ الحملات الاستعمارية الأوروبية ضد إفريقيا بدأت الأوساط الاستعمارية آنذاك بشن حملة عنصرية ضد الشعوب الإفريقية ووصفتها بشعوب بدائية وهمجية غير متحضرة وصل إلى حد اتهامها بأكل لحوم البشر.

و لم يختلف الأمر كثيراً مع شعوب أمريكا الأصليين بعد اكتشاف هذه القارة إذ وصفت هذه الشعوب بالوحشية والتهام لحم البشر.
فمثلا نشر في أطلس انكليزي سنة (1606) رسم مخططي لامرأة شبه عارية من السكان الأصليين وفي يدها آلة حادة يقول الأطلس عنها إنها تستعملها لتقطيع لحم البشر تمهيداً لشيّه على النار وثم التهامه فيما بعد.
و كولومبوس نفسه كان يطلق اسم (Caribs) على هنود الحمر وهو بدوره مشتق من مصطلح (Canibals)  أي آكلي لحوم البشر وأصله (Canis) ويعني في اللغة اللاتينية الكلب الذي يصطاد في قطيع.
ومن المعلوم بأن اتهامات من هذا النوع فسحت المجال فيما بعد أمام الإبادة شبه الكاملة لسكان أمريكا الأصليين على يد المهاجرين الأوروبيين.

إن إطلاق تسميات واتهامات مهينة للكرامة الإنسانية لم يقتصر فقط على الشعوب من غير الجنس الأبيض، بل شمل كافة الشعوب المستهدفة من قبل الاستعمار، فمثلا كان العنصريون الانكليز يطلقون اسم (الشمبانزيه الأبيض) على الايرلنديين تمهيدا لاحتلال أراضيهم. وحتى بعد احتلال أراضي هذه الشعوب فإن هذه الاتهامات لم تتوقف بل اشتدت في بعض المرات خاصة إذا تجرأ شعب ما على مقاومة الاحتلال، فمثلا كان الانكليز بعد احتلالهم الهند وعدم مواجهتهم مقاومة تذكر من قبل الأكثرية الهندوسية في المراحل الأولى من الاحتلال كانوا يطلقون على الهندوس اسم (الهندوس الناعم) للتعبير عن رضاهم عن قبول الهندوس بالاحتلال، ولكن بعدما قام الهندوس بانتفاضة عام 1857 انقلب عليهم الانكليز واتهموهم باغتصاب النساء الانكليزيات وبأن الهدف الرئيسي وراء هذه الانتفاضة هو اغتصاب الانكليزيات.
حتى إن بعض الكتاب والعلماء الأوروبيين المشهورين جداً تأثروا بالادعاءات العنصرية ضد الشعوب الأخرى غير الأوروبية كشكسبير مثلا  الذي لمّح في مسرحيته (أوتيلو) إلى مصطلح Cabibalsim.

وحاول بعض العلماء الأوروبيين في مجالات البيولوجيا والطب والعلوم الإنسانية إسناد النظرية العنصرية بطريقة علمية أو حتى تبرير الإبادة الجماعية للشعوب غير الأوروبية. فكتب داروين مثلا في كتابه (Decent of Man) سنة 1871 (الانقراض يكون عادة سببه المنافسة،  المنافسة بين قبيلة وقبيلة أو جنس مع جنس، وعندما تقابل الأمم المتمدنة الأمم البربرية فإن المعركة ستكون قصيرة). وفعلاً كانت المعركة قصيرة للسكان الأصليين في أمريكا واستراليا وبعض مناطق إفريقيا حيث أبيدت شعوبا بأكملها.

هذه النظرية تعرف الآن بالداروينية الاجتماعية وهي من المبادئ التي يؤمن بها المحافظون الجدد.

وبعض من هؤلاء العلماء كانوا ينادون علناً بإبادة الأجناس غير الأوروبية كعالم الانثروبولوجيا الألماني (ثيودور ويتز) سنة 1859 عندما كتب: (لو كانت هناك أجناس بشرية مختلفة اذن لا بد من وجود جنس ارستقراطي بينها يهيمن على الأجناس الأخرى التي حددت الطبيعة مصيرها لخدمة الجنس الارستقراطي بحيث يمكن تدجينهم لهذه الغاية كالحيوانات المدجنة، وكذلك يمكن إجراء التجارب العلمية على أجسادهم من دون أي تردد، وإذا وقفت الأجناس السفلية هذه في طريق الرجل الأبيض فإن إبادتها بصورة كاملة تكون حينئذ لها ما يبررها).

هذه النظرية، أي النظرية العنصرية الاجتماعية، ظهرت بعد فشل النظرية البيولوجية القائلة بأن الجنس الأبيض يختلف عن الأجناس الأخرى في تكوينه البيولوجي وأن التزاوج بين البيض والسود غير ممكن بيولوجياً.

و لكن كان هناك أيضاً كتاب وعلماء أوروبيون معارضون للنظريات العنصرية والاستعمار كالكاتب الانكليزي ميلتون الذي قارن في أشعاره (الجنة المفقودة) استعمار الشعوب بطرد آدم وحواء من الجنة لأن الاستعمار لا يجلب إلا الفساد والتفسخ.
 ولكن هذه المعارضة لم تأخذ شكلاً عاماً، بل كانت النزعة العنصرية والرغبة في التوسع وخوض الحروب الاستعمارية تتمتع بتأييد شعبي واسع بسبب فاعلية الادعاءات العنصرية والمصالح الشخصية لبعض مواطني أوروبا، حيث كان باستطاعة الإنسان الأوروبي المعدوم العاطل عن العمل  وحتى المجرم أن يتحول إلى إنسان ارستقراطي بين ليلة وضحاها في إحدى المستعمرات. فمثلاً رئيس وزراء مستعمرة (كاب) في جنوب إفريقيا كتب عام 1908  بأن العمال البيض تنهال عليهم النعمة عند وصولهم إلى المستعمرات حيث يجدون أنفسهم في موقع الإنسان الارستقراطي.

ولا يختلف الحال الآن كثيرا في العراق حيث إن بوسع الجندي الأمريكي الذي ربما كان مشردا في شوارع أمريكا قبل مجيئه إلى العراق أو نادلاً في (البيتسريا) أن يتحول إلى حاكم يحكم على الحياة والموت في العراق. وكما أن حالة الاحتلال توفر فرصة ذهبية لكل المجرمين والمرضى النفسيين لإشباع رغباتهم الإجرامية المريضة، إذ لا مسؤولية لجرائمهم من القتل والترهيب والتخويف في الأراضي المحتلة.

ومع بشاعة العنصرية والاستعمار فإن المرء يحتاج دائماً إلى مبرر لقتل إنسان آخر وهذا المبرر من الصعب إيجاده في حالة قتل إنسان يتمتع بحق المساواة الكاملة مع القاتل وعلى رأسها حق الحياة، لهذا فإن القاتل يلجأ أولاً إلى تجريد الضحية من خصائصها الإنسانية – كما يقول الفيلسوف الفرنسي سارتر – والنزول بها إلى منزلة القرود لتبرير جريمته. هذه التبريرات ساعدت على إبادة الكثير من الشعوب للاستلاء على أراضيها وثرواتها.

 والسر وراء بقاء بعض الشعوب التي خضعت فيما مضي للاحتلال والعبودية على قيد الحياة – كما يضيف سارتر – هو ليس إنسانية المستعمر أو أسياد العبيد، بل أسباب اقتصادية لأن المستعمر أو مالك العبيد كان يحتاج  إلى الأيدي العاملة الرخيصة، ولذا فإنه في بعض الأحيان عندما لم تكن هذه الشعوب مستعدة لخدمة المستعمر كانت تتم إبادتها مثلما حدث للهنود الحمر الأمريكيين عندما أعلنوا عدم استعدادهم للعيش كعبيد.

و هذه نظرية خطيرة جداً إذا طبقناها على الحملات الاستعمارية التي يتعرض لها العالم الإسلامي حالياً وخاصة الدول الغنية بالنفط، لأن الاستعمار الجديد لا يحتاج إلى الأيدي العاملة الرخيصة، بل إلى الثروات الطبيعية فقط، وهذا يعني على الأقل  من الناحية النظرية أن إبادة شعوب هذه الدول ليست إلا مسألة وقت، كما حدث للهنود الحمر، ولكن  بعد مجيء الفرصة المناسبة. ولهذا فإن كفاح الشعوب المستعمرة  يكون في أكثر الأحيان على شكل حروب شاملة ضد المحتلين الأجانب، والتضحية  بروح الملايين من أبنائها ليست إلا محاولة للإفلات من الإبادة الجماعية على يد المحتلين حتى لو كانت وسائل الدفاع عن النفس بدائية. في أنغولا مثلاً التي كانت خاضعة لاحتلال برتغالي وحشي إلى سبعينات القرن الماضي كان السكان يقومون في بعض الأحيان بهجمات انتحارية جماعية ضد جنود الاحتلال بحيث كان الرجال والنساء والأطفال يقذفون بأجسادهم فوق أجساد جنود المحتلين وأسلحتهم لعدم توفر أسلحة لديهم للدفاع عن أنفسهم.

و لم تكن حصة المسلمين من الحملات العنصرية والاستعمارية الأوروبية أفضل من حصة الشعوب غير الأوروبية الأخرى ولكن بفارق واحد هو تميز هذه الحملات بطابع ديني أيضاً، أي المعاداة للدين الإسلامي إضافة إلى العنصرية العرقية.
فصورة المسلمين في أوروبا قبل وخلال الحروب الصليبية كانت توصف بالبربرية والانحطاط والاعتقاد بأن الإسلام لم ينتج إلا الاستبداد والعنف والدمار.

وفي ما يتعلق بتاريخ العلاقات الأمريكية – الإسلامية فإن أولى الاتصالات بين الأمريكيين من أصل أوروبي والمسلمين لم تكن ودية، إذ إن نسبة لا بأس بها من العبيد السود المختطفين من إفريقيا إلى أمريكا كانت ذات أصول إسلامية تقدرها الباحثة الأمريكية اليزابيث صديقي في بحث لها نشر على موقع   www.islamamerica.org بحوالي 10 في المائة.  ومن بين هؤلاء العبيد المسلمين كان علماء دين تفوق ثقافتهم ثقافة مالكي العبيد البيض في بعض الأحيان، ولهذا لم يكن من المستغرب أن يصبح هؤلاء العبيد المسلمون مصدراً لتحريض العبيد على الثورة ضد العبودية. فصورة المسلم لم تكن من البداية كما يريد أن يراها الرجل الأبيض.

وفي يومنا هذا يعيش حوالي عشرين مليون مسلم في دول الاتحاد الأوروبي وحوالي عشرة ملايين مسلم في الولايات المتحدة الأمريكية والحملات العنصرية ضدهم في تزايد مستمر، وتشتد حسب تقرير الاتحاد الهلسنكي العالمي لحقوق الإنسان الصادر في آذار 2005. التقرير المؤلف من 160 صفحة يتكلم عن هجمات جسدية وإهانات لفظية والتمييز في شتى المجالات ضد الأقليات المسلمة في الغرب وخاصة بعد أحداث 11 سبتمبر الإرهابية في أمريكا. ويشير التقرير إلى أن المسلمين ينظر إليهم في بعض الأحيان كطابور خامس في الغرب ويتهمون بتشكيلهم مصدراً للإرهاب وعدم الاستقرار فيه.

فمثلا يذكر التقرير استطلاعا للرأي أجري في ألمانيا عن المسلمين ربط فيه 80 في المائة من الذين شملهم استطلاع الرأي بين الإسلام والإرهاب. وفي استطلاع آخر أجري بين مسلمي بريطانيا تحدث أكثر من 80 في المائة من المسلمين الذين شملهم الاستطلاع عن تعرضهم لشكل من أشكال التمييز العنصري. وفي تقرير آخر لمنظمة (هيومان رايتس ووتش) لحقوق الإنسان ومقرها في نيويورك جاء بأن نسبة البطالة بين الأقليات المسلمة تبلغ أعلى نسبة في الغرب، وأنه يكفي  الإنسان أن يحمل رمزاً إسلامياً كالحجاب واسم إسلامي لكي تغلق كل الأبواب بوجهه.

ومن الطبيعي في ظروف كهذه أن تمارس ضغوط كبيرة على الجاليات المسلمة في الغرب يمكن أن تؤدي في بعض الأحيان إلى أعمال عنف تمارسها عناصر من أصول إسلامية ذات نزعات إجرامية تصل في بعض الأحيان إلى عمليات إرهابية وحشية وتؤدي أعمال العنف والإرهاب هذه بدورها أيضاً إلى المزيد من الضغط على المسلمين والتمييز ضدهم وهكذا تتكون دائرة شيطانية من العنف والتمييز والإرهاب.

لذلك لا يمكن اعتبار الإرهاب الذي يمارس باسم الإسلام إلا إرهابا ضد المسلمين في الحقيقة لأنه يوفر الغطاء الشرعي لشن هجمات انتقامية على المسلمين وأراضيهم كما حدث في أفغانستان مثلا. لذا يجب على المسلمين والدول الإسلامية رفع أصواتها بصورة مسموعة ضد الإرهاب وتعلن براءتها من هؤلاء المجرمين.
و على المستوى الداخلي لا بد من إجراء إصلاحات اقتصادية وسياسية ومحاربة الفساد والفقر والمرض والبطالة التي تغذي الإرهاب أيضاً.

::/fulltext::

Getting your Trinity Audio player ready...

::cck::2674::/cck::
::introtext::

يتعرض الإسلام والمسلمون في الفترات الأخيرة وخاصة منذ انتهاء الحرب الباردة  إلى حملات عنصرية شرسة جعلت منهما رمزاً للإرهاب والتخلف في الغرب، كما أن المسلمين في أوروبا وأمريكا أصبحوا أهدافاً للكراهية والتمييز العنصري بسبب انتمائهم الديني أو حتى أسمائهم الإسلامية فقط، هذا عدا التمييز العنصري التقليدي الذي يتعرض له المهاجرون من دول العالم الثالث في الغرب.

::/introtext::
::fulltext::

يتعرض الإسلام والمسلمون في الفترات الأخيرة وخاصة منذ انتهاء الحرب الباردة  إلى حملات عنصرية شرسة جعلت منهما رمزاً للإرهاب والتخلف في الغرب، كما أن المسلمين في أوروبا وأمريكا أصبحوا أهدافاً للكراهية والتمييز العنصري بسبب انتمائهم الديني أو حتى أسمائهم الإسلامية فقط، هذا عدا التمييز العنصري التقليدي الذي يتعرض له المهاجرون من دول العالم الثالث في الغرب.

وقد اشتد التمييز العنصري ضد المسلمين في الغرب ولو بفارق بين دولة ودولة في الآونة الأخيرة إلى درجة أصبحت الرموز الإسلامية كالحجاب واللحى رمزاً للإرهاب والتطرف وينظر إليها كمصدر للتهديد من قبل أكثرية سكان الدول الغربية، حيث إن ظاهرة التمييز العنصري ضد المسلمين في أماكن العمل والتعليم وحتى الأماكن العامة أصبحت شيئاً مألوفاً مما يشكل عائقاً كبيراً أمام الحياة العادية للإنسان المسلم في الغرب بحيث يشعر بأنه شخص غير مرغوب فيه وشبه منعزل عن المجتمع الذي عليه أن يعيش فيه وحتى لو ولد وترعرع  فيه. والسبب مرة أخرى هو الانتماء إلى الدين الإسلامي فقط.

هذا الوضع تأزم إلى درجة اضطر المقرر الخاص للأمم المتحدة حول العنصرية للاعتراف في مؤتمر المنظمة الأوروبية للأمن والتعاون التي تضم أمريكا وكندا أيضاً في حزيران 2003  بأن المعاداة للإسلام أصبحت  التحدي الرئيسي للدول الأوروبية في ميدان التمييز العنصري بحيث ينظر إلى المسلمين في هذه الدول كأعداء في الداخل. ويقول أيضاً إن المعاداة للسامية في الغرب استبدلت بالمعاداة للإسلام.
 ظاهرة التمييز العنصري ضد المسلمين ازدادت منذ ذلك الحين، هذا ما أكده قرار لجنة حقوق الإنسان التابعة للأمم المتحدة الصادر في نيسان  2005 والذي يتحدث عن حملة تشويه ضد الإسلام والمسلمين في الغرب، ويؤكد على تنامي هذه الظاهرة فيه.

وحسب قول الأمين العام للأمم المتحدة كوفي أنان فإن ملاحقة المسلمين بسبب انتمائهم الديني في الغرب اشتدت بصورة مخيفة بعد أحداث الحادي عشر من أيلول الإرهابية في أمريكا حيث طالب الأمين العام بداية عام 2005 بالكف عن ملاحقة واستهداف المسلمين اللذين يتزايدان باستمرار حسب رأيه منذ  هذه الأحداث.

و من حق المرء أن يتساءل عن مغزى هذا التغير المفاجئ في موقف الغرب تجاه الإسلام، حيث كان ينظر إلى المسلمين كحلفاء له ضد الاتحاد السوفييتي إبان الحرب الباردة خاصة في أفغانستان.

إن محاولة الإجابة عن هذا السؤال تعود بنا إلى تاريخ العنصرية والاستعمار أو بالأحرى الربط بينهما، أي أن أية حملة استعمارية في التأريخ سبقتها حملة عنصرية ضد الشعوب والبلدان المستهدفة. والحملات العنصرية كانت تشن بطريقة تتناسب مع الزمن والثقافة السائدة في هذه الحقبة الزمنية، فمثلاً الحملات العنصرية ضد شعوب آسيا وإفريقيا وأمريكا منذ القرن السادس عشر وإلى الحرب العالمية الثانية كانت تستند إلى ادعاءات حول همجية وتأخر هذه الشعوب لتبرير استعمارها وكأنه حملة تنويرية لجلب التمدن والرفاهية لهذه الشعوب من قبل الشعوب الأوروبية المتحضرة.

و لكن كما يبدو فإن الأمر تغير الآن لأن الشعوب والبلدان الإسلامية من الصعب اتهامها بالتأخر لتبرير استعمارها ولذلك وجدت وسيلة أخرى لتوفير هذا التبرير عن طريق تشويه صورتهم من خلال حملات عنصرية تتخذ من الدين أساساً لها وخاصة في إطار اتهامات تستهدف الربط بين الدين الإسلامي والإرهاب.

 

لذا يجب علينا عند بحثنا عن الأسباب الحقيقية وراء هذه الحملات العنصرية الانطلاق بالذات من هذه النقطة، أي الحملات العنصرية الجديدة ضد المسلمين والاتهامات المتعلقة بالإرهاب ضدهم بأنها ليست غاية بذاتها بل وسيلة تمهيدا لحملات استعمارية جديدة بدأت ظواهرها في الأفق الآن ضد الدول الإسلامية وخاصة الغنية منها بالنفط.

من العنصرية إلى الاستعمار

هناك ربط عضوي بين العنصرية والاستعمار أي أن الاستعمار يعني دائماً الاستغلال والإذلال واضطهاد الآخرين وإهانة كرامتهم وهي جرائم من الصعب تبريرها ضد شعوب وجماعات معينة تتمتع بالمساواة مع المستعمر نفسه، فلذلك على الأخير أن يقوم بإطلاق مواصفات غير لائقة اجتماعياً ودينياً وسياسياً على الشعوب التي ينوي المستعمر استعمارها وإذلالها بهدف التقليص من كرامتها وقيمتها الإنسانية وحرمانها من حق المساواة الكاملة مع الآخرين كأعضاء في المجتمع البشري تبريراً لجرائمه الاستعمارية ضد هذه الشعوب.

والعنصرية هي أيديولوجية هدفها الرئيسي تبرير الاضطهاد والهيمنة وحرمان الآخرين من حقوقهم الطبيعية وتستند إلى ادعاءات باطلة بأن الاختلافات في العرق والأصل والمنشأ وحتى الدين تؤدي إلى تفوق جماعة على أخرى. وهي بذلك نظرية تقسم المجتمع البشري على أساس هرمي تكون لها نتائج وخيمة على الشعوب والجماعات التي تكون حصتها المواقع السفلية في هذا الهرم.

ومن أهم خصائص  الأيديولوجية العنصرية قدرتها على التكيف وتغير جلدها، فهي مرة تعتمد على النظرية البيولوجية، وإذا أثبتت هذه النظرية فشلها فإنها تتحول إلى النظرية الاجتماعية وفي حالة فشل هذه النظرية أيضاً تلجأ إلى الدين كأساس لتبرير نفسها كما هو الحال مع الحملات العنصرية الجديدة ضد المسلمين في بعض بلدان الغرب.

و يجب أن نعترف هنا أيضاً بأن ظاهرة العنصرية ليست اختراعاً غربياً بل وجدت منذ قدم التاريخ ولكنها كأيديولوجية تحاول تبرير نفسها بطرق علمية مزيفة فهي من صنع غربي.

ولو نظرنا إلى تاريخ الفلسفة الغربية لرأينا أن أكثرية فلاسفتها الكلاسيكيين من (أرسطو) إلى (كانت) كانوا عنصريين في كتاباتهم وآرائهم حتى المعروفين منهم بالتقدميين. فمثلاً كان الفيلسوف الثوري فولتير يعتقد بأن السود هم صنف من الحيوان والفيلسوف (كانت) نفسه يعتبر من آباء المنهج العنصري والقائمة طويلة جداً لتشمل (فيخته ودافيد هوم ومونتينيسكو).

و ليست الموجة العنصرية الجديدة ضد المسلمين وشعوب الجنوب إلا امتدادا لهذه الفلسفة العنصرية مهما تغيرت أشكالها وطرق تبريرها فإن هدفها الرئيسي يبقي الهدف الاستعماري  نفسه وهو الهيمنة على الشعوب ونهب ثرواتها.

 
 

و الاستعمار كمصطلح سياسي يعني الهيمنة وفرض إرادة طرف على طرف آخر عن طريق القوة أو التهديد بها وهو أيضاً امتداد لسيادة دولة ما لتشمل دولاً وشعوباً أخرى. وكمصطلح اقتصادي يستهدف الاستعمار إلى الهيمنة الاقتصادية بكافة أشكالها.

و الاستعمار يختلف عن الامبريالية التي هي وليدة القرن التاسع عشر ومرتبطة بالتراكم الرأسمالي، حيث تبحث القوى الامبريالية عن أسواق جديدة والهيمنة السياسية وهي لا تعتمد بالضرورة على الاحتلال المباشر كالاستعمار الذي هو أقدم من الامبريالية بكثير.

وهناك نظريات عدة حول أسباب نشوء الامبريالية والاستعمار وأشهرها النظرية الاقتصادية، حيث اعتبر لينين الامبريالية أعلى مرحلة للرأسمالية، ولكن الفيلسوف شومبيتر في كتابه (الامبريالية والطبقات الاجتماعية) يقول إن للامبريالية أسباباً متنوعة كالأنانية وحب الهيمنة على الآخرين والميل لاستعمال العنف والإثراء غير المشروع، وأن الحقد الشخصي والديني وحب الظهور أو التعويض عن نقص ما كلها تلعب دوراً مهماً لدى القيادات التي تميل إلى حروب استعمارية. كما يضيف شومبيتر بهذا الصدد إن الحروب الامبريالية هي من صنع أشخاص ذوي غرائز متدنية كحب المغامرة وتأسيس الامبراطوريات مقارنين أنفسهم بأمراء العصور الوسطى ويخوضون حروباً عدوانية من أجل توسيع سلطاتهم فقط أو ربما لافتقارهم لقدرة القيام بعمل مفيد.

و بما أن الاستعمار هو الهيمنة عن طريق استعمال القوة فإنه لا يتم إلا من خلال شن حروب استعمارية التي تعتبر أشرس أنواع الحروب وأكثرها دموية في تاريخ الشعوب لأنها حروب شاملة ضد الشعوب وليست ضد الجيوش  فقط. فالاستعمار يحتل أرضاً ليبقى فيها وممارسة الهيمنة الشاملة على شعبها، لذلك فإن للاستعمار أهدافاً شاملة تشمل كل مجالات حياة الشعوب الاقتصادية والاجتماعية والسياسية والدينية.

 إن آثار الهيمنة الاستعمارية على شعب ما، هي في الواقع أوسع من هذه المجالات بكثير كما يقول فرانتس فانون الطبيب النفسي والكاتب الثوري الفرنسي الذي اشترك في ثورة الجزائر ضد الاستعمار الفرنسي، إذ يقول في كتابه (معدومي الأرض) إن الاستعمار يخلف حالة نفسية معينة لدى أفراد الشعوب الخاضعة للهيمنة الاستعمارية تؤثر في التصرفات الشخصية لهؤلاء الأفراد كازدياد معدلات الجرائم والفساد بأنواعه والأمراض النفسية والجسدية.

و لكن هذه الأضرار لا تقتصر على جانب واحد، بل تشمل كلا الجانبين. وحسب رأي (فانون) فإن الاحتلال هو إذلال للمحتل أيضاً بسبب الممارسات اللاإنسانية التي يمارسها ضد الشعوب الخاضعة للاحتلال. وخير مثال على صحة هذا القول هو العراق الحالي إذ إن سمعة أمريكا بعد ممارساتها اللاإنسانية ضد الشعب العراقي تضررت كثيراً في العالم فهي تعاني حالياً من فقدان المصداقية، وأصبح اسمها في العالم الثالث رمزاً للاضطهاد والعنف والتعذيب خاصة بعد نشر صور فضائح سجن أبو غريب.

فالحالة العراقية يمكن اعتبارها بداية لحملة استعمارية جديدة ولكن تحت ذرائع أخرى، فالعراقيون رحبوا بالدعم الأمريكي لإسقاط النظام البعثي الذي جاء إلى الحكم بدعم أمريكي ولكنهم فوجئوا بتحول المحرر إلى محتل.

وربما ستتكرر هذه الحالة في بلدان إسلامية أخرى لأن الحملات العنصرية ضد المسلمين مستمرة وبصورة متزايدة ما يؤدي بنا إلى السؤال التالي:

هل الحملات العنصرية ضد المسلمين بداية لحملات استعمارية جديدة واسعة ضد الشعوب الإسلامية؟

إن الربط العضوي بين العنصرية والاستعمار يمكن التأكد منه ميدانياً من خلال تحليل الحملات العنصرية الجديدة ضد الإسلام والمسلمين والتحركات والتهديدات العسكرية ضد العالم الإسلامي وخاصة الدول الغنية بالنفط أو الدول التي تبدي مقاومة ضد محاولات الهيمنة عليها. كما أن الحملات الاستعمارية الجديدة ضد الشعوب الإسلامية تختلف هذه المرة قليلا عن الحملات الأوروبية السابقة، إذ هي عبارة عن تحالف غريب بين دول أنجلوساكسونية كأمريكا وبريطانيا والحركة الصهيونية العالمية. وكل البوادر والتجارب الاستعمارية السابقة تشير إلى إمكانية تحقيق هذه المخاوف لأنه كما يبدو فإن التاريخ يكرر نفسه.

فمثلا قبل بدأ الحملات الاستعمارية الأوروبية ضد إفريقيا بدأت الأوساط الاستعمارية آنذاك بشن حملة عنصرية ضد الشعوب الإفريقية ووصفتها بشعوب بدائية وهمجية غير متحضرة وصل إلى حد اتهامها بأكل لحوم البشر.

و لم يختلف الأمر كثيراً مع شعوب أمريكا الأصليين بعد اكتشاف هذه القارة إذ وصفت هذه الشعوب بالوحشية والتهام لحم البشر.
فمثلا نشر في أطلس انكليزي سنة (1606) رسم مخططي لامرأة شبه عارية من السكان الأصليين وفي يدها آلة حادة يقول الأطلس عنها إنها تستعملها لتقطيع لحم البشر تمهيداً لشيّه على النار وثم التهامه فيما بعد.
و كولومبوس نفسه كان يطلق اسم (Caribs) على هنود الحمر وهو بدوره مشتق من مصطلح (Canibals)  أي آكلي لحوم البشر وأصله (Canis) ويعني في اللغة اللاتينية الكلب الذي يصطاد في قطيع.
ومن المعلوم بأن اتهامات من هذا النوع فسحت المجال فيما بعد أمام الإبادة شبه الكاملة لسكان أمريكا الأصليين على يد المهاجرين الأوروبيين.

إن إطلاق تسميات واتهامات مهينة للكرامة الإنسانية لم يقتصر فقط على الشعوب من غير الجنس الأبيض، بل شمل كافة الشعوب المستهدفة من قبل الاستعمار، فمثلا كان العنصريون الانكليز يطلقون اسم (الشمبانزيه الأبيض) على الايرلنديين تمهيدا لاحتلال أراضيهم. وحتى بعد احتلال أراضي هذه الشعوب فإن هذه الاتهامات لم تتوقف بل اشتدت في بعض المرات خاصة إذا تجرأ شعب ما على مقاومة الاحتلال، فمثلا كان الانكليز بعد احتلالهم الهند وعدم مواجهتهم مقاومة تذكر من قبل الأكثرية الهندوسية في المراحل الأولى من الاحتلال كانوا يطلقون على الهندوس اسم (الهندوس الناعم) للتعبير عن رضاهم عن قبول الهندوس بالاحتلال، ولكن بعدما قام الهندوس بانتفاضة عام 1857 انقلب عليهم الانكليز واتهموهم باغتصاب النساء الانكليزيات وبأن الهدف الرئيسي وراء هذه الانتفاضة هو اغتصاب الانكليزيات.
حتى إن بعض الكتاب والعلماء الأوروبيين المشهورين جداً تأثروا بالادعاءات العنصرية ضد الشعوب الأخرى غير الأوروبية كشكسبير مثلا  الذي لمّح في مسرحيته (أوتيلو) إلى مصطلح Cabibalsim.

وحاول بعض العلماء الأوروبيين في مجالات البيولوجيا والطب والعلوم الإنسانية إسناد النظرية العنصرية بطريقة علمية أو حتى تبرير الإبادة الجماعية للشعوب غير الأوروبية. فكتب داروين مثلا في كتابه (Decent of Man) سنة 1871 (الانقراض يكون عادة سببه المنافسة،  المنافسة بين قبيلة وقبيلة أو جنس مع جنس، وعندما تقابل الأمم المتمدنة الأمم البربرية فإن المعركة ستكون قصيرة). وفعلاً كانت المعركة قصيرة للسكان الأصليين في أمريكا واستراليا وبعض مناطق إفريقيا حيث أبيدت شعوبا بأكملها.

هذه النظرية تعرف الآن بالداروينية الاجتماعية وهي من المبادئ التي يؤمن بها المحافظون الجدد.

وبعض من هؤلاء العلماء كانوا ينادون علناً بإبادة الأجناس غير الأوروبية كعالم الانثروبولوجيا الألماني (ثيودور ويتز) سنة 1859 عندما كتب: (لو كانت هناك أجناس بشرية مختلفة اذن لا بد من وجود جنس ارستقراطي بينها يهيمن على الأجناس الأخرى التي حددت الطبيعة مصيرها لخدمة الجنس الارستقراطي بحيث يمكن تدجينهم لهذه الغاية كالحيوانات المدجنة، وكذلك يمكن إجراء التجارب العلمية على أجسادهم من دون أي تردد، وإذا وقفت الأجناس السفلية هذه في طريق الرجل الأبيض فإن إبادتها بصورة كاملة تكون حينئذ لها ما يبررها).

هذه النظرية، أي النظرية العنصرية الاجتماعية، ظهرت بعد فشل النظرية البيولوجية القائلة بأن الجنس الأبيض يختلف عن الأجناس الأخرى في تكوينه البيولوجي وأن التزاوج بين البيض والسود غير ممكن بيولوجياً.

و لكن كان هناك أيضاً كتاب وعلماء أوروبيون معارضون للنظريات العنصرية والاستعمار كالكاتب الانكليزي ميلتون الذي قارن في أشعاره (الجنة المفقودة) استعمار الشعوب بطرد آدم وحواء من الجنة لأن الاستعمار لا يجلب إلا الفساد والتفسخ.
 ولكن هذه المعارضة لم تأخذ شكلاً عاماً، بل كانت النزعة العنصرية والرغبة في التوسع وخوض الحروب الاستعمارية تتمتع بتأييد شعبي واسع بسبب فاعلية الادعاءات العنصرية والمصالح الشخصية لبعض مواطني أوروبا، حيث كان باستطاعة الإنسان الأوروبي المعدوم العاطل عن العمل  وحتى المجرم أن يتحول إلى إنسان ارستقراطي بين ليلة وضحاها في إحدى المستعمرات. فمثلاً رئيس وزراء مستعمرة (كاب) في جنوب إفريقيا كتب عام 1908  بأن العمال البيض تنهال عليهم النعمة عند وصولهم إلى المستعمرات حيث يجدون أنفسهم في موقع الإنسان الارستقراطي.

ولا يختلف الحال الآن كثيرا في العراق حيث إن بوسع الجندي الأمريكي الذي ربما كان مشردا في شوارع أمريكا قبل مجيئه إلى العراق أو نادلاً في (البيتسريا) أن يتحول إلى حاكم يحكم على الحياة والموت في العراق. وكما أن حالة الاحتلال توفر فرصة ذهبية لكل المجرمين والمرضى النفسيين لإشباع رغباتهم الإجرامية المريضة، إذ لا مسؤولية لجرائمهم من القتل والترهيب والتخويف في الأراضي المحتلة.

ومع بشاعة العنصرية والاستعمار فإن المرء يحتاج دائماً إلى مبرر لقتل إنسان آخر وهذا المبرر من الصعب إيجاده في حالة قتل إنسان يتمتع بحق المساواة الكاملة مع القاتل وعلى رأسها حق الحياة، لهذا فإن القاتل يلجأ أولاً إلى تجريد الضحية من خصائصها الإنسانية – كما يقول الفيلسوف الفرنسي سارتر – والنزول بها إلى منزلة القرود لتبرير جريمته. هذه التبريرات ساعدت على إبادة الكثير من الشعوب للاستلاء على أراضيها وثرواتها.

 والسر وراء بقاء بعض الشعوب التي خضعت فيما مضي للاحتلال والعبودية على قيد الحياة – كما يضيف سارتر – هو ليس إنسانية المستعمر أو أسياد العبيد، بل أسباب اقتصادية لأن المستعمر أو مالك العبيد كان يحتاج  إلى الأيدي العاملة الرخيصة، ولذا فإنه في بعض الأحيان عندما لم تكن هذه الشعوب مستعدة لخدمة المستعمر كانت تتم إبادتها مثلما حدث للهنود الحمر الأمريكيين عندما أعلنوا عدم استعدادهم للعيش كعبيد.

و هذه نظرية خطيرة جداً إذا طبقناها على الحملات الاستعمارية التي يتعرض لها العالم الإسلامي حالياً وخاصة الدول الغنية بالنفط، لأن الاستعمار الجديد لا يحتاج إلى الأيدي العاملة الرخيصة، بل إلى الثروات الطبيعية فقط، وهذا يعني على الأقل  من الناحية النظرية أن إبادة شعوب هذه الدول ليست إلا مسألة وقت، كما حدث للهنود الحمر، ولكن  بعد مجيء الفرصة المناسبة. ولهذا فإن كفاح الشعوب المستعمرة  يكون في أكثر الأحيان على شكل حروب شاملة ضد المحتلين الأجانب، والتضحية  بروح الملايين من أبنائها ليست إلا محاولة للإفلات من الإبادة الجماعية على يد المحتلين حتى لو كانت وسائل الدفاع عن النفس بدائية. في أنغولا مثلاً التي كانت خاضعة لاحتلال برتغالي وحشي إلى سبعينات القرن الماضي كان السكان يقومون في بعض الأحيان بهجمات انتحارية جماعية ضد جنود الاحتلال بحيث كان الرجال والنساء والأطفال يقذفون بأجسادهم فوق أجساد جنود المحتلين وأسلحتهم لعدم توفر أسلحة لديهم للدفاع عن أنفسهم.

و لم تكن حصة المسلمين من الحملات العنصرية والاستعمارية الأوروبية أفضل من حصة الشعوب غير الأوروبية الأخرى ولكن بفارق واحد هو تميز هذه الحملات بطابع ديني أيضاً، أي المعاداة للدين الإسلامي إضافة إلى العنصرية العرقية.
فصورة المسلمين في أوروبا قبل وخلال الحروب الصليبية كانت توصف بالبربرية والانحطاط والاعتقاد بأن الإسلام لم ينتج إلا الاستبداد والعنف والدمار.

وفي ما يتعلق بتاريخ العلاقات الأمريكية – الإسلامية فإن أولى الاتصالات بين الأمريكيين من أصل أوروبي والمسلمين لم تكن ودية، إذ إن نسبة لا بأس بها من العبيد السود المختطفين من إفريقيا إلى أمريكا كانت ذات أصول إسلامية تقدرها الباحثة الأمريكية اليزابيث صديقي في بحث لها نشر على موقع   www.islamamerica.org بحوالي 10 في المائة.  ومن بين هؤلاء العبيد المسلمين كان علماء دين تفوق ثقافتهم ثقافة مالكي العبيد البيض في بعض الأحيان، ولهذا لم يكن من المستغرب أن يصبح هؤلاء العبيد المسلمون مصدراً لتحريض العبيد على الثورة ضد العبودية. فصورة المسلم لم تكن من البداية كما يريد أن يراها الرجل الأبيض.

وفي يومنا هذا يعيش حوالي عشرين مليون مسلم في دول الاتحاد الأوروبي وحوالي عشرة ملايين مسلم في الولايات المتحدة الأمريكية والحملات العنصرية ضدهم في تزايد مستمر، وتشتد حسب تقرير الاتحاد الهلسنكي العالمي لحقوق الإنسان الصادر في آذار 2005. التقرير المؤلف من 160 صفحة يتكلم عن هجمات جسدية وإهانات لفظية والتمييز في شتى المجالات ضد الأقليات المسلمة في الغرب وخاصة بعد أحداث 11 سبتمبر الإرهابية في أمريكا. ويشير التقرير إلى أن المسلمين ينظر إليهم في بعض الأحيان كطابور خامس في الغرب ويتهمون بتشكيلهم مصدراً للإرهاب وعدم الاستقرار فيه.

فمثلا يذكر التقرير استطلاعا للرأي أجري في ألمانيا عن المسلمين ربط فيه 80 في المائة من الذين شملهم استطلاع الرأي بين الإسلام والإرهاب. وفي استطلاع آخر أجري بين مسلمي بريطانيا تحدث أكثر من 80 في المائة من المسلمين الذين شملهم الاستطلاع عن تعرضهم لشكل من أشكال التمييز العنصري. وفي تقرير آخر لمنظمة (هيومان رايتس ووتش) لحقوق الإنسان ومقرها في نيويورك جاء بأن نسبة البطالة بين الأقليات المسلمة تبلغ أعلى نسبة في الغرب، وأنه يكفي  الإنسان أن يحمل رمزاً إسلامياً كالحجاب واسم إسلامي لكي تغلق كل الأبواب بوجهه.

ومن الطبيعي في ظروف كهذه أن تمارس ضغوط كبيرة على الجاليات المسلمة في الغرب يمكن أن تؤدي في بعض الأحيان إلى أعمال عنف تمارسها عناصر من أصول إسلامية ذات نزعات إجرامية تصل في بعض الأحيان إلى عمليات إرهابية وحشية وتؤدي أعمال العنف والإرهاب هذه بدورها أيضاً إلى المزيد من الضغط على المسلمين والتمييز ضدهم وهكذا تتكون دائرة شيطانية من العنف والتمييز والإرهاب.

لذلك لا يمكن اعتبار الإرهاب الذي يمارس باسم الإسلام إلا إرهابا ضد المسلمين في الحقيقة لأنه يوفر الغطاء الشرعي لشن هجمات انتقامية على المسلمين وأراضيهم كما حدث في أفغانستان مثلا. لذا يجب على المسلمين والدول الإسلامية رفع أصواتها بصورة مسموعة ضد الإرهاب وتعلن براءتها من هؤلاء المجرمين.
و على المستوى الداخلي لا بد من إجراء إصلاحات اقتصادية وسياسية ومحاربة الفساد والفقر والمرض والبطالة التي تغذي الإرهاب أيضاً.

::/fulltext::
::cck::2674::/cck::

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *