أهمية القنوات الفضائية الخليجية في صياغة الوعي السياسي والاقتصادي والاجتماعي
::cck::2692::/cck::
::introtext::
بدأ تفكير الإنسان في تسخير الفضاء لخدمة الأرض منذ حوالي نصف قرن، وتحديداً عام 1957م عندما أطلق الاتحاد السوفييتي السابق القمر (Spotnic). وفي إطار المنافسة الحادة بين القوتين العظميين في ذلك الحين واشتداد وتيرة الحرب الباردة بين الكتلتين الشرقية والغربية، بادرت الولايات المتحدة الأمريكية إلى إطلاق قمرها الأول (Echo) في أغسطس من عام 1960م كي لا تترك الفضاء سوفييتياً خالصاً.
::/introtext::
::fulltext::
بدأ تفكير الإنسان في تسخير الفضاء لخدمة الأرض منذ حوالي نصف قرن، وتحديداً عام 1957م عندما أطلق الاتحاد السوفييتي السابق القمر (Spotnic). وفي إطار المنافسة الحادة بين القوتين العظميين في ذلك الحين واشتداد وتيرة الحرب الباردة بين الكتلتين الشرقية والغربية، بادرت الولايات المتحدة الأمريكية إلى إطلاق قمرها الأول (Echo) في أغسطس من عام 1960م كي لا تترك الفضاء سوفييتياً خالصاً. ولكن ما ميز (Echo) عن القمر (Spotnic) أن (Echo) تمكن لأول مرة من نقل إشارات الصوت والصورة من موقع أو نقطة إلى نقطة أخرى على الأرض.
يشير (Wigand-Rolft) إلى أن الولايات المتحدة دخلت عصر الأقمار الصناعية النشطة بإطلاق القمر (Telestar) عام 1962م، وهكذا أصبح استخدام الأقمار الصناعية عبر الفضاء أمراً ممكناً وخاصة بعد تأسيس (Intelsat) الذي تغلب على اجتياز العقبات الطبيعية بين الدول والقارات.
وبحلول عام 1993م وصل عدد الأقمار الصناعية العاملة في المدار المتزامن الجغرافي (462) قمراً صناعياً منها، (140) قمراً للولايات المتحدة و (40) قمراً لجمهوريات الاتحاد السوفييتي السابق والبقية لمختلف دول العالم، أما نصيب العالم العربي فلم يزد على (3) أقمار لعربسات وقت إعداد الدراسة.
ويمثل عقد التسعينات أهم مظهر من مظاهر التطور التكنولوجي في مجال الاتصال واستخدام البث التلفزيوني المباشر. ويعتبر مجال الاتصال عموماً من أخصب المجالات تطوراً في عالم اليوم سواء في المجال الفني التكنولوجي أو المالي الاستثماري. وبهذه الطفرة الكبرى أحدثت التطورات التكنولوجية تغييرات كبيرة في وسائل الاتصال التقليدية، حيث أمكن الانتقال من حقبة أقمار التوزيع (أقمار الاتصال الصناعية) ذات القوة المنخفضة إلى حقبة أكثر رحابة هي أقمار البث المباشر عالية التردد Direct Broadcasting Saltelite (DBS) ذات الإشارة القوية والتي تخصص للإرسال المباشر (DBS)، وأصبح البث المباشر السمة المميزة لعقد التسعينات. والمقصود بنظام البث المباشر إمكانية الاتصال بين القطاع الفضائي وأجهزة الاستقبال مباشرة دون الحاجة للمرور عبر المحطات الأرضية لتصفية الرسائل (Filtering) أو أية محطات ترحيل أخرى.
وتمتلئ سموات المنطقة العربية اليوم بالمحطات التلفزيونية التي تغطى مجالاتها الجغرافية عبر الأقمار الصناعية المباشرة. ولا غرو أن أجبرت هذه التكنولوجيا الحديثة الغالبية العظمى من الدول العربية على تحديث وتطوير وسائل اتصالها الإعلامية، وخاصة في مجال إعداد وإنشاء المحطات الفضائية العامة والخاصة. ولم يقف الحد عند استخدام أو استئجار القنوات الفضائية، بل إن هناك دولاً عربية مثل المملكة العربية السعودية ودولة الإمارات العربية المتحدة وجمهورية مصر العربية والجمهورية اللبنانية تمتلك أكثر من قناة فضائية واحدة.
وفي تناولنا للفضائيات وبيئة الاتصال في المنطقة العربية والخليجية على وجه الخصوص يجب ألا تغيب عن أذهاننا البيئة الدولية وإرهاصات العولمة (Globalization) بما لها وما عليها وبتأثيراتها الإيجابية والسلبية علينا شئنا ذلك أو لم نشأ. وإذا كانت سياسات العولمة لها أهدافها ممن بشروا بها، كان لابد من إيجاد الوسائل لتنفيذ تلك الأهداف والغايات. وفي يقيننا أن استخدامات الفضاء والتطور التكنولوجي المذهل في عصر التلفزيون التفاعلي هي أهم أدوات تفعيل سياسة العولمة.
وتحاول هذه الورقة تسليط إضاءات على القنوات الفضائية الخليجية وما يمكن أن تسهم في زيادة التراكم والمخزون الثقافي والمعرفي لسكان منطقة الخليج، والعالم العربي، في إطار رؤية شاملة تتضمن الأبعاد السياسية والاقتصادية والاجتماعية. وتحقيقاً لهذا الهدف فإن هذه الدراسة تحاول الإجابة عن بعض الأسئلة الآتية:
1- ما الأساليب التي تتبعها الفضائيات الخليجية في زيادة الوعي السياسي للجمهور؟
2- ما هي الأوعية أو الهياكل البرامجية التي تتبعها الفضائيات عموماً والخليجية خصوصاً للارتفاع بالذوق الثقافي العام والتنمية الاجتماعية لدى الجمهور بشكل عام؟
3- ما هي الفرص الاقتصادية التي تتيحها هذه الفضائيات سواء للجمهور العام أو المستثمرين؟
4- ما السبل التي يمكن اتباعها كي تستطيع هذه الفضائيات استمالة المشاهدين الخليجيين أو العرب الذين تعودوا على مشاهدة الأجود والأفضل من القنوات الأجنبية الوافدة؟
5- لماذا تبوأت القنوات الفضائية الخليجية والخاصة منها على وجه الخصوص مكانة متقدمة عند جمهور المشاهدين خليجيين كانوا أم عرباً؟
هذه بعض التساؤلات التي تحاول هذه الورقة الإجابة عنها وهي تنقب في مضمار الفضائيات الخليجية.
فعلى الرغم من أن دول الخليج جزء أصيل في نسيج الأمة العربية، إلا أن لها وضعاً مميزاً عن بقية تلك الدول. ففي البعد الجغرافي نجد تماسكاً مكانياً بين دول الخليج إذا ما قورنت بدول عربية أخرى، ولا تعاني دول الخليج اكتظاظاً سكانياً كما هو الحال في بعض الدول، بل تشهد دول المنطقة رخاء اقتصادياً جيداً انعكس على مواطني الخليج. وحدة أو تشابه النظم السياسية في بلاد الخليج مكنها من إقامة تعاون يتمثل في مجلس التعاون الخليجي الذي خطى خطوات جيدة، نرجو له أن يكون نواة لوحدة عربية كبرى.
ويحمد لدول منطقة الخليج ذلك التعامل الإيجابي المبكر مع المتغيرات الدولية سواء في مجال الاتصال الورقي المهاجر أو القنوات الفضائية التي تبث من خارج المنطقة التي كانت لها سبق الريادة في مجال الاتصال والإعلام كمبادرة أولى في مجال العمل الإعلامي، تبعها بعد ذلك المزيد من الجرأة والتطور في البث الإعلامي من داخل البلدان الخليجية. وكانت ظروف التسعينات من القرن العشرين تواجه الكثير من المحاذير السياسية في ما يتعلق بالحرية الإعلامية وهيمنة السياسات الوطنية والتي خفت وطأتها كثيراً مع بزوغ القرن الحادي والعشرين.
وثمة عامل إيجابي آخر زاد من فاعلية وحركية القنوات الفضائية الخليجية مرتبط باتجاه المستثمر الخليجي لاستثمار أمواله في مجال القنوات الفضائية بعيداً عن الاستثمار التقليدي الذي تعوّد عليه المستثمرون العرب، وهو الأمر الذي نشّط من زيادة عدد القنوات الفضائية الخاصة غير الحكومية والتي ربما أرضت طموحات المستثمرين من عائدات مالية مجزية تأتي عبر الفضاء، والظاهرة الاقتصادية كما هو معلوم هي التجسيد الحقيقي لمفهوم العولمة.جدلية الفضائيات
لا يزال الجدل والنقاش محتدمين عن الدور الذي تلعبه الفضائيات سواء في المنطقة العربية عموماً أو منطقة الخليج على وجه الخصوص. وعلنا نشير إلى تيارات ثلاثة ذات آراء متباينة في البث الفضائي.
فالتيار الأول من الجمهور يرى في هذه القنوات إضافة أساسية لمصادر معلوماته، وأن التدفق الحر للمعلومات من خلالها يحقق الاحتياجات الاتصالية لشرائح متعددة من السكان. ويرى هذا التيار أيضاً أن القنوات الفضائية العربية في حد ذاتها كفيلة باستقطاب قطاعات كبيرة خاصة من الشباب للتعامل معها بدلاً من الاتجاه إلى قنوات وافدة أخرى. وهي كثيرة، قد يكون الضرر في برامجها أشد إيذاء أو إيلاماً من تلك التي تقدمها القنوات المحلية، فالخير يكمن من وجهة نظر هذا التيار في الاعتدال بقدر الإمكان في البرامج المقدمة سواء من جانب النص أو الإخراج أو الجانب الفني. والفكرة هنا بالنسبة لهذا التيار، أنه لم يعد بالإمكان النأي أو الانعزال عن تأثير مختلف الثقافات الوافدة من الفضائيات الأجنبية وهي على قدر كبير من المغريات، وربما تكون أكثر تأثيراً في المشاهدين العرب إذا ما ترك المجال مفتوحاً لها بمفردها.
أما التيار الثاني فهو ذلك التيار الرافض لهذه الفضائيات باعتبار أن ما تقدمه من برامج لا يتفق مع القيم الاجتماعية المتعارف عليها، بل هي خروج على تعاليم الدين ومنافية للأعراف الاجتماعية. وهذا الرأي له ما يبرره، ولكننا أمام خيار صعب، فمنع هذه القنوات لا يعني بالضرورة المحافظة على الكيان الاجتماعي من دون تأثير ثقافي يغزو كل المجتمعات. فلو كان بالإمكان السيطرة على القنوات الأجنبية الوافدة عالية التقنية وحرمان الناس من المشاهدة، ربما لكان هذ أمراً آخر، مع الأخذ في الاعتبار أن سياسات المنع والرقابة قد يكون لهما تأثير آني ومؤقت، ولكن سرعان ما يزول هذا التأثير عندما يكون الأمر متاحاً للجميع قي مناخ متاح من التداول الحر للمعلومات. وفي تقديرنا أن السياسة الأكثر نجاغاً ونجاحاً هي تحصين المشاهدين وعدم استجابتهم الطوعية لما هو مخالف للتقاليد والقيم الاجتماعية عن طريق القناعات الفردية وليس المنع أو الرفض وهذه هي غاية التربية الثقافية والاجتماعية بلا منازع.
أما النوع الثالث، فهو ذلك التيار المتردد الذي لم يحدد رأيه بعد فيما بين السماح أو المنع. وهذا التيار لايزال حنيناً للقديم ولكن عينيه تنظران إلى الأمام، لذا فهو في حيرة من أمره، وهو دائماً متأرجح بين ما هو أفضل بين ماض تعود عليه وتعامل معه، وجديد لم تضح معالمه بعد.
وإجمالاً يمكن القول، إن الاتصال والإعلام ليسا عملية إرسال واستقبال، طرف يرسل ومتلق يستجيب. إن الأمر يبدو أكثر تعقيداً لأن هناك الكثير من العوامل الوسيطية والبيئية والنفسية والثقافية والترفيهية والواقعية والخيالية التي تقف حائلاً بين الإرسال والاستجابة. والإعلام قبل كل شيء علم وفن، والعاملون في حقل الإعلام والاتصال يدركون جيداً أساليب استمالة المشاهد أو القارئ أو المستمع.
إن الفرد العادي يتطلع دائماً إلى مشاهدة ما هو أجود وقراءة ما هو مسل، وسماع ما هو شائق، والفضائيات الأجنبية تجمع بين هذه المغريات أو الحاجات مجتمعة، لذا فإن الشخص يجد نفسه منساقاً للتعامل مع هذه الوسائل من دون أن يرجع في الغالب إلى مراجعه العقائدية أو الاجتماعية أو الفكرية أحياناً. والأسلوب الذي تتبعه القنوات الفضائية الدولية يقوم على تقديم ما هو محبب إلى النفس البشرية وكل ما يؤدي إلى الراحة النفسية في نهج شائق ورائع. ومن خلال هذا الأسلوب تستطيع تلك الوسائل على المدى الطويل إعادة تشكيل الأذواق والمفاهيم بحيث تلتقي مع ما تدعو إليه سياسات العولمة في خلق الإنسان العالمي.
والقنوات الخليجية عندما دخلت معترك البث الفضائي كان لزاماً عليها أن تسلك مسالك نفسية ولمسات فنية ومغريات ترفيهية لجذب المشاهد الخليجي والعربي على حد سواء، حتى لا تترك المشاهدين العرب نهباً للفضائيات الدولية، حيث إن جذب الجمهور المشاهد والاحتفاظ به ليس بالأمر الهين أو اليسير، وإنما يتطلب ذلك الكثير من التحدي والقدرة على المنافسة. وكل ذلك يتطلب مهارات عالية في مخاطبة النفس البشرية ومعرفة حاجات ورغبات هذه النفس وإشباعها. وهذه الغاية تعتمد في جوانبها الأساسية على دراسة الجمهور واستخلاص النتائج التي تصمم على أساسها الاستراتيجيات الإعلامية.
وفي حالة الفضائيات الخليجية وهي تطرق مجالاً متخماً بالتحديات ستجد أن لا مناص للمنافسة إلا اتباع بعض الأساليب الإعلامية الجاذبة التي ربما قد لا ترضي بعض الأمزجة. ولكن إلى جانب حسن استخدام تكنولوجيا الاتصال الحديثة والاهتمام بالرسالة نصاً وإخراجاً وفناً، فإن الفضائيات الخليجية مطالبة بحسن توظيف فنون الاتصال لجذب المشاهدين فيما يعرف (البرامج المغطاة بالحلوى) (Sugar Coated Programs) بشيء من التوازن في الوقت الراهن، إلى أن يحين الوقت المناسب الذي تتسنى فيه مخاطبة الذوق العام الخليجي والعربي بالبرامج والمعلومات الجادة.
1- البعد الثقافي والاجتماعي في الفضائيات الخليجية
أول ما يلفت الانتباه في الأداء المهني الإعلامي للفضائيات الخليجية ظاهرة التخصص. فالمتابع للقنوات الفضائية الإماراتية يلاحظ التنوع في أداء تلك القنوات. والمثال على ذلك تلفزيون الشارقة الذي يخصص جل أوقات بثه للبرامج الدينية والثقافية. ومن خلال الأساليب البرامجية التي يتبعها تلفزيون الشارقة، فإنه يقدم جرعات جيدة في الشؤون الدينية وينشر بذور الخير والتسامح والأمانة والإخلاص في العمل والتمسك بفضائل الأخلاق. وهذه التوعية الروحية مقدمة أساسية يحتاجها المواطن في قضايا التنمية والمساهمة في حلول المشكلات الاجتماعية والانتماء الوطني.
أما البرامج الثقافية التي يقدمها تلفزيون الشارقة، فالقصد من ورائها العودة إلى الجذور والمحافظة على التراث وفي هذا إذكاء للروح الوطنية وتمسك بالقيم الاجتماعية الأصيلة. والثقافة باعتبارها كلاً مركباً يحتوي على كل مناحي الحياة، لا تقف عند حد معين أو شكل محدد من البرامج، بل إن البرامج الدينية والثقافية والدرامية تتداخل خيوطها، وتختلف أشكال تقديمها من حوار إلى مقال إلى حديث إلى تمثيلية أو غناء أو موسيقا أو شعر أو نثر…إلخ. أو بمعنى آخر، إننا لا نستطيع أن نحدد هيكلاً محدداً للبرنامج الثقافي أو الديني أو الاقتصادي وإنما كل ذلك شيء من هذا وذاك.
أما تلفزيون أبو ظبي فيأخذ من العمل الخبري تخصصاً له. والخبر رغم أنه شديد الارتباط بالنواحي السياسية، إلا أنه لا يهمل الأعمال الثقافية أو الاجتماعية، وهذه القناة بهذا التخصص تجذب المشاهدين ذوي الاهتمام بالنواحي السياسية بالدرجة الأولى. والتنمية السياسية جزء من التنمية الاقتصادية والاجتماعية ويوجد لكل تخصص مؤيدوه ومشاهدوه. وبالمقابل فإن تلفزيون الإمارات يجد نفسه في مجال المنوعات، وهو جاذب لمشاهدين تحبب إليهم مثل هذه المنوعات، وأيضا هذه المنوعات تتضمن فيما تتضمن جوانب تمس الرياضة والفن والموسيقا والحوارات وكلها معلومات تصب في الارتقاء بذوق المشاهد وتوسع من مداركه. وفي الجانب الآخر فإن قناة عجمان اتخذت من برامج المسابقات حقلاً لتخصصها. ومن المشاهدين من تروق لهم برامج المسابقات. وهذه القنوات باختلاف تخصصاتها تصب كلها في الارتقاء بالذوق الثقافي والتنمية الاجتماعية بمعناها الأشمل، وهذه إحدى فوائد القنوات الفضائية بل هي رسالتها الأولى والأخيرة.وإذا كنا قد تناولنا القنوات الفضائية الإماراتية تخصيصاً في ما سبق، فإن هناك العديد من الفضائيات الخليجية التي تقدم معلومات في غاية من الأهمية في كل المجالات في أرجاء دول الخليج، ولعل من أبرز تلك الفضائيات قناة (الجزيرة) التي بدأت بثها اعتباراً من نوفمبر 1996م وهي الرائدة بين الفضائيات الخليجية. وتعتمد الجزيرة أيضاً على التنوع في خدماتها الإعلامية من خلال قنوات متخصصة كالقناة الرياضية وقناة الجزيرة مباشر و(الجزيرة نت) والجزيرة الناطقة بالإنجليزية لمخاطبة الرأي العام الدولي، إضافة إلى قناة الجزيرة الوثائقية التي أنشئت حديثاً. ويضاف إلى كل ما سبق إنشاء مركز إعلامي للتدريب والتطوير التلفزيوني بهدف الارتقاء والمهنية في مجال الإعلام والاتصال.
ومن خلال هذه القنوات المتعددة والبرامج المختلفة التي تقدمها قناة الجزيرة الفضائية تتم خدمة المواطن الخليجي والعربي ثقافياً ودينياً وسياسياً واجتماعياً. فبرامج الحوارات واللقاءات والرأي والرأي الآخر والمناقشات والزيارات الخاصة وبرنامج (الكتاب خير جليس – بلا حدود – الشريعة والحياة) ونشاط المراسلين الذين يجوبون كثيراً من دول العالم، تزود المشاهدين بمعلومات وافرة وجديرة بالاهتمام في رفع مستواهم ثقافياً وسياسياً واجتماعياً.
ومن الجانب الآخر فإن قناة الفضائية العربية التي بدأت بثها في العشرين من فبراير للعام 2003م والمملوكة لشركة الشرق الأوسط، التي تمتلك أيضاً مركز تلفزيون الشرق الأوسط (MBC) و(MBC2) و(MBC4) إضافة إلى قنوات أخرى، تسهم مع نظيراتها الأخريات في تقديم برامج حوارية ووثائقية وسياسية تلعب دوراً فاعلاً في التنمية القومية، ويبدو أن الأيام حبلى بالقادم من الفضائيات التي ستعمل على توسيع (المواعين) الثقافية وتزيد من قدرات المشاهدين على الحكم على الأمور بدراية ومعرفة خاصة ويقول المثل (من لا علم له لا رأي له).
وينطبق ما سبق ذكره على كثير من الفضائيات الخليجية الأخرى التي لم يرد ذكرها، وهي تعمل جاهدة لتلبية حاجات الجماهير وتثقيفها معرفياً واقتصادياً وسياسياً.
2- البعد السياسي للفضائيات الخليجية
قبل إنشاء قناة الجزيرة الفضائية (JSC) عام 1996م تعوّد المشاهد الخليجي والعربي على استقاء معلوماته الخبرية من قناة الأخبار الإمريكية (CNN) و قناة (BBc tv) البريطانية كقناتين متخصصتين بنشر الأخبار. ومع احترامنا لهاتين القناتين، فإن الموضوعية المطلقة لا وجود لها في عالم اليوم، وهناك الكثير من القضايا، وخاصة العربية منها ذات خيوط متشابكة ومصالح متنافرة وسياسات دولية وإقليمية متعارضة قد لا تتناولها هاتان القناتان بالاستقلال والحياد المطلوبين.
وبإنشاء قناة الجزيرة، أصبحت الأخبار العربية تصاغ بعقول عربية، وتكتب وتحرر من مصادر عربية، إضافة إلى نقل الحدث من مسرح حدوثه بفضل المراسلين المنتشرين في كثير من بقاع العالم، واستطاعت قناة الجزيرة في وقت وجيز تكوين جمهور عريض من المشاهدين في كل من دول الخليج والوطن العربي قاطبة، بل في كل أنحاء العالم، وخاصة بعد انطلاقة القناة الإنجليزية. وهكذا كانت عودة المشاهدين العرب للقنوات الأجنبية عوداً حميداً وطوعياً لأنهم وجدوا في الجزيرة ما كانوا يبحثون عنه.
لقد استطاعت قناة الجزيرة تحويل اهتمامات الجمهور العربي من الإعلام الذي تمارسه المؤسسات الإعلامية الحكومية الرسمية إلى متابعة ما تقدمه الجزيرة من أخبار وتعليقات ومقابلات وحوارات وموضوعات أخرى متنوعة، واستقطاب جمهور المؤسسات الإعلامية الحكومية الرسمية ليس بالأمر السيئ، لأنه يخلق منافسة جيدة بين الجزيرة وإعلام البروتوكول، مما سينعكس أثره إيجاباً على محاكاة (الجزيرة) أو (العربية) وتوسع دائرة الحرية الإعلامية وتجويد البرامج وتقديم الأفضل مما ينعكس إيجاباً أيضاً على المواطن وكذلك التدفق الحر للمعلومات.
وباحتلال قناة الجزيرة مكانة متقدمة في نشر الأخبار، أصبحت مصدراً للأخبار والمعلومات لكبرى وكالات الأنباء العالمية والإذاعات والصحف وأجهزة التلفاز الدولية في كثير من الحالات.
وفي الإطار السياسي تقوم قناة الجزيرة بجهود مقدرة سواء في نشر الأخبار الجديدة ونقل مسرح الحدث أو الاهتمام بالقضايا الرئيسية ونقل الوقائع أولاً بأول، كما هو الحال في فلسطين والعراق وأفغانستان، وجل المواقع الساخنة في كل أنحاء العالم، بفضل شبكتها الواسعة من المراسلين، من دون الاعتماد على وكالات الأنباء العالمية الكبرى.
وفي مجال الثقافة والرياضة والفن والدين والتاريخ تلعب قناة الجزيرة دوراً متميزاً في توفير معلومات ذات دلالة مهمة للمتابعين لها، تسهم كلها في إيجاد رأي عام صائب ويرتكز على جملة من المعطيات المستنيرة والحقائق الثابتة.
3- البعد الاقتصادي للفضائيات الخليجية
لم تعد العائدات الاقتصادية في عالمنا المعاصر حصراً على الإنتاج الملموس أو أدوات الإنتاج كما ينظر إليها في الماضي، ولم تعد أيضاً الثقافة محتفظة بملمسها الناعم كما كان يعرف قبلاً.. حيث إن التطور الهائل في تكنولوجيا الاتصال وأدواته، حوّل الثقافة إلى أحد أهم الموارد الاقتصادية الجاذبة، بل سلعة اقتصادية وتجارة عالمية شديدة التعقيد، وأصبح الإعلام صناعة وتخصصاً للشركات الكبرى عابرة القارات بجنسياتها المختلفة التي تحقق أرباحاً طائلة في مجال الإنتاج الثقافي. وتشير بعض الإحصائيات إلى أن (30 في المائة) من الدخل القومي الأمريكي يأتي من المبيعات الثقافية. ويقول إياد شاكر البكري (أصبح الإنتاج الثقافي سلعة اقتصادية، وأصبح مقياس الجودة والإبداع مقدراً بالعائد المادي وحده لا بالقيمة الفنية المطلقة للعمل الثقافي).
ولم يكن هذا البعد الاقتصادي-الثقافي للإعلام والاتصال غائباً عن فكر القائمين على أمر الفضائيات الخليجية، فالتوسع الكبير في إنشاء القنوات الفضائية من قبل المستثمرين الخليجيين خير دليل على عائدها المجزي، كما أن الإعلان يمثل ركناً رئيسياً في المردود المادي للفضائيات.
وتفتح الفضائيات الخليجية آفاقاً واسعة للاستثمار في مجال المشروعات أو البورصات أو أسواق الأوراق المالية والخدمات البنكية سواء على المستوى المحلي أوالإقليمي أو الدولي. والبعد الاقتصادي للفضائيات لا يقف عند حد خدمة المستثمرين فقط، بل يتعدى ذلك لخدمة الجمهور العام أيضاً، عن طريق تزويده بالمعلومات المرتبطة بالسلع والخدمات والأسواق وفرص العمل المتاحة وأخبار الشركات وغير ذلك. واستناداً إلى ذلك يمكن القول إن الفضائيات الخليجية تقدم خدمات جيدة للمستثمرين فيها والجمهور المتعامل معها في الوقت ذاته.
أخيراً يمكن من خلال ما جاء في الصفحات القليلة لهذه الورقة، القول إن الفضائيات الخليجية كان لها قصب السبق في ارتياد المجال الفضائي خلافاً لبقية الدول العربية. ورغم قصر عمر الفضائيات الخليجية، إلا أنه كانت لها بصمات واسعة في مجال الثقافة سواء من خلال تخصص القنوات أو البرامج المبثوثة من خلالها. وأبلَت الفضائيات الخليجية، والخاصة منها على وجه التحديد، بلاء طيباً في إثراء الفكر السياسي وتنوير الرأي العام الخليجي والعربي، وولوج أبواب في السياسة العربية كانت مغلقة من قبل. وفي الجانب الاقتصادي، جذبت الفضائيات أعداداً جيدة من المستثمرين ورجال الأعمال لولوج حقل جديد غير تقليدي للاستثمار، وهو الأمر الذي أفاد المستثمر من جانب والمشاهد للفضائيات من جانب آخر.
::/fulltext::
|
Getting your Trinity Audio player ready...
|
::cck::2692::/cck::
::introtext::
بدأ تفكير الإنسان في تسخير الفضاء لخدمة الأرض منذ حوالي نصف قرن، وتحديداً عام 1957م عندما أطلق الاتحاد السوفييتي السابق القمر (Spotnic). وفي إطار المنافسة الحادة بين القوتين العظميين في ذلك الحين واشتداد وتيرة الحرب الباردة بين الكتلتين الشرقية والغربية، بادرت الولايات المتحدة الأمريكية إلى إطلاق قمرها الأول (Echo) في أغسطس من عام 1960م كي لا تترك الفضاء سوفييتياً خالصاً.
::/introtext::
::fulltext::
بدأ تفكير الإنسان في تسخير الفضاء لخدمة الأرض منذ حوالي نصف قرن، وتحديداً عام 1957م عندما أطلق الاتحاد السوفييتي السابق القمر (Spotnic). وفي إطار المنافسة الحادة بين القوتين العظميين في ذلك الحين واشتداد وتيرة الحرب الباردة بين الكتلتين الشرقية والغربية، بادرت الولايات المتحدة الأمريكية إلى إطلاق قمرها الأول (Echo) في أغسطس من عام 1960م كي لا تترك الفضاء سوفييتياً خالصاً. ولكن ما ميز (Echo) عن القمر (Spotnic) أن (Echo) تمكن لأول مرة من نقل إشارات الصوت والصورة من موقع أو نقطة إلى نقطة أخرى على الأرض.
يشير (Wigand-Rolft) إلى أن الولايات المتحدة دخلت عصر الأقمار الصناعية النشطة بإطلاق القمر (Telestar) عام 1962م، وهكذا أصبح استخدام الأقمار الصناعية عبر الفضاء أمراً ممكناً وخاصة بعد تأسيس (Intelsat) الذي تغلب على اجتياز العقبات الطبيعية بين الدول والقارات.
وبحلول عام 1993م وصل عدد الأقمار الصناعية العاملة في المدار المتزامن الجغرافي (462) قمراً صناعياً منها، (140) قمراً للولايات المتحدة و (40) قمراً لجمهوريات الاتحاد السوفييتي السابق والبقية لمختلف دول العالم، أما نصيب العالم العربي فلم يزد على (3) أقمار لعربسات وقت إعداد الدراسة.
ويمثل عقد التسعينات أهم مظهر من مظاهر التطور التكنولوجي في مجال الاتصال واستخدام البث التلفزيوني المباشر. ويعتبر مجال الاتصال عموماً من أخصب المجالات تطوراً في عالم اليوم سواء في المجال الفني التكنولوجي أو المالي الاستثماري. وبهذه الطفرة الكبرى أحدثت التطورات التكنولوجية تغييرات كبيرة في وسائل الاتصال التقليدية، حيث أمكن الانتقال من حقبة أقمار التوزيع (أقمار الاتصال الصناعية) ذات القوة المنخفضة إلى حقبة أكثر رحابة هي أقمار البث المباشر عالية التردد Direct Broadcasting Saltelite (DBS) ذات الإشارة القوية والتي تخصص للإرسال المباشر (DBS)، وأصبح البث المباشر السمة المميزة لعقد التسعينات. والمقصود بنظام البث المباشر إمكانية الاتصال بين القطاع الفضائي وأجهزة الاستقبال مباشرة دون الحاجة للمرور عبر المحطات الأرضية لتصفية الرسائل (Filtering) أو أية محطات ترحيل أخرى.
وتمتلئ سموات المنطقة العربية اليوم بالمحطات التلفزيونية التي تغطى مجالاتها الجغرافية عبر الأقمار الصناعية المباشرة. ولا غرو أن أجبرت هذه التكنولوجيا الحديثة الغالبية العظمى من الدول العربية على تحديث وتطوير وسائل اتصالها الإعلامية، وخاصة في مجال إعداد وإنشاء المحطات الفضائية العامة والخاصة. ولم يقف الحد عند استخدام أو استئجار القنوات الفضائية، بل إن هناك دولاً عربية مثل المملكة العربية السعودية ودولة الإمارات العربية المتحدة وجمهورية مصر العربية والجمهورية اللبنانية تمتلك أكثر من قناة فضائية واحدة.
وفي تناولنا للفضائيات وبيئة الاتصال في المنطقة العربية والخليجية على وجه الخصوص يجب ألا تغيب عن أذهاننا البيئة الدولية وإرهاصات العولمة (Globalization) بما لها وما عليها وبتأثيراتها الإيجابية والسلبية علينا شئنا ذلك أو لم نشأ. وإذا كانت سياسات العولمة لها أهدافها ممن بشروا بها، كان لابد من إيجاد الوسائل لتنفيذ تلك الأهداف والغايات. وفي يقيننا أن استخدامات الفضاء والتطور التكنولوجي المذهل في عصر التلفزيون التفاعلي هي أهم أدوات تفعيل سياسة العولمة.
وتحاول هذه الورقة تسليط إضاءات على القنوات الفضائية الخليجية وما يمكن أن تسهم في زيادة التراكم والمخزون الثقافي والمعرفي لسكان منطقة الخليج، والعالم العربي، في إطار رؤية شاملة تتضمن الأبعاد السياسية والاقتصادية والاجتماعية. وتحقيقاً لهذا الهدف فإن هذه الدراسة تحاول الإجابة عن بعض الأسئلة الآتية:
1- ما الأساليب التي تتبعها الفضائيات الخليجية في زيادة الوعي السياسي للجمهور؟
2- ما هي الأوعية أو الهياكل البرامجية التي تتبعها الفضائيات عموماً والخليجية خصوصاً للارتفاع بالذوق الثقافي العام والتنمية الاجتماعية لدى الجمهور بشكل عام؟
3- ما هي الفرص الاقتصادية التي تتيحها هذه الفضائيات سواء للجمهور العام أو المستثمرين؟
4- ما السبل التي يمكن اتباعها كي تستطيع هذه الفضائيات استمالة المشاهدين الخليجيين أو العرب الذين تعودوا على مشاهدة الأجود والأفضل من القنوات الأجنبية الوافدة؟
5- لماذا تبوأت القنوات الفضائية الخليجية والخاصة منها على وجه الخصوص مكانة متقدمة عند جمهور المشاهدين خليجيين كانوا أم عرباً؟
هذه بعض التساؤلات التي تحاول هذه الورقة الإجابة عنها وهي تنقب في مضمار الفضائيات الخليجية.
فعلى الرغم من أن دول الخليج جزء أصيل في نسيج الأمة العربية، إلا أن لها وضعاً مميزاً عن بقية تلك الدول. ففي البعد الجغرافي نجد تماسكاً مكانياً بين دول الخليج إذا ما قورنت بدول عربية أخرى، ولا تعاني دول الخليج اكتظاظاً سكانياً كما هو الحال في بعض الدول، بل تشهد دول المنطقة رخاء اقتصادياً جيداً انعكس على مواطني الخليج. وحدة أو تشابه النظم السياسية في بلاد الخليج مكنها من إقامة تعاون يتمثل في مجلس التعاون الخليجي الذي خطى خطوات جيدة، نرجو له أن يكون نواة لوحدة عربية كبرى.
ويحمد لدول منطقة الخليج ذلك التعامل الإيجابي المبكر مع المتغيرات الدولية سواء في مجال الاتصال الورقي المهاجر أو القنوات الفضائية التي تبث من خارج المنطقة التي كانت لها سبق الريادة في مجال الاتصال والإعلام كمبادرة أولى في مجال العمل الإعلامي، تبعها بعد ذلك المزيد من الجرأة والتطور في البث الإعلامي من داخل البلدان الخليجية. وكانت ظروف التسعينات من القرن العشرين تواجه الكثير من المحاذير السياسية في ما يتعلق بالحرية الإعلامية وهيمنة السياسات الوطنية والتي خفت وطأتها كثيراً مع بزوغ القرن الحادي والعشرين.
وثمة عامل إيجابي آخر زاد من فاعلية وحركية القنوات الفضائية الخليجية مرتبط باتجاه المستثمر الخليجي لاستثمار أمواله في مجال القنوات الفضائية بعيداً عن الاستثمار التقليدي الذي تعوّد عليه المستثمرون العرب، وهو الأمر الذي نشّط من زيادة عدد القنوات الفضائية الخاصة غير الحكومية والتي ربما أرضت طموحات المستثمرين من عائدات مالية مجزية تأتي عبر الفضاء، والظاهرة الاقتصادية كما هو معلوم هي التجسيد الحقيقي لمفهوم العولمة.جدلية الفضائيات
لا يزال الجدل والنقاش محتدمين عن الدور الذي تلعبه الفضائيات سواء في المنطقة العربية عموماً أو منطقة الخليج على وجه الخصوص. وعلنا نشير إلى تيارات ثلاثة ذات آراء متباينة في البث الفضائي.
فالتيار الأول من الجمهور يرى في هذه القنوات إضافة أساسية لمصادر معلوماته، وأن التدفق الحر للمعلومات من خلالها يحقق الاحتياجات الاتصالية لشرائح متعددة من السكان. ويرى هذا التيار أيضاً أن القنوات الفضائية العربية في حد ذاتها كفيلة باستقطاب قطاعات كبيرة خاصة من الشباب للتعامل معها بدلاً من الاتجاه إلى قنوات وافدة أخرى. وهي كثيرة، قد يكون الضرر في برامجها أشد إيذاء أو إيلاماً من تلك التي تقدمها القنوات المحلية، فالخير يكمن من وجهة نظر هذا التيار في الاعتدال بقدر الإمكان في البرامج المقدمة سواء من جانب النص أو الإخراج أو الجانب الفني. والفكرة هنا بالنسبة لهذا التيار، أنه لم يعد بالإمكان النأي أو الانعزال عن تأثير مختلف الثقافات الوافدة من الفضائيات الأجنبية وهي على قدر كبير من المغريات، وربما تكون أكثر تأثيراً في المشاهدين العرب إذا ما ترك المجال مفتوحاً لها بمفردها.
أما التيار الثاني فهو ذلك التيار الرافض لهذه الفضائيات باعتبار أن ما تقدمه من برامج لا يتفق مع القيم الاجتماعية المتعارف عليها، بل هي خروج على تعاليم الدين ومنافية للأعراف الاجتماعية. وهذا الرأي له ما يبرره، ولكننا أمام خيار صعب، فمنع هذه القنوات لا يعني بالضرورة المحافظة على الكيان الاجتماعي من دون تأثير ثقافي يغزو كل المجتمعات. فلو كان بالإمكان السيطرة على القنوات الأجنبية الوافدة عالية التقنية وحرمان الناس من المشاهدة، ربما لكان هذ أمراً آخر، مع الأخذ في الاعتبار أن سياسات المنع والرقابة قد يكون لهما تأثير آني ومؤقت، ولكن سرعان ما يزول هذا التأثير عندما يكون الأمر متاحاً للجميع قي مناخ متاح من التداول الحر للمعلومات. وفي تقديرنا أن السياسة الأكثر نجاغاً ونجاحاً هي تحصين المشاهدين وعدم استجابتهم الطوعية لما هو مخالف للتقاليد والقيم الاجتماعية عن طريق القناعات الفردية وليس المنع أو الرفض وهذه هي غاية التربية الثقافية والاجتماعية بلا منازع.
أما النوع الثالث، فهو ذلك التيار المتردد الذي لم يحدد رأيه بعد فيما بين السماح أو المنع. وهذا التيار لايزال حنيناً للقديم ولكن عينيه تنظران إلى الأمام، لذا فهو في حيرة من أمره، وهو دائماً متأرجح بين ما هو أفضل بين ماض تعود عليه وتعامل معه، وجديد لم تضح معالمه بعد.
وإجمالاً يمكن القول، إن الاتصال والإعلام ليسا عملية إرسال واستقبال، طرف يرسل ومتلق يستجيب. إن الأمر يبدو أكثر تعقيداً لأن هناك الكثير من العوامل الوسيطية والبيئية والنفسية والثقافية والترفيهية والواقعية والخيالية التي تقف حائلاً بين الإرسال والاستجابة. والإعلام قبل كل شيء علم وفن، والعاملون في حقل الإعلام والاتصال يدركون جيداً أساليب استمالة المشاهد أو القارئ أو المستمع.
إن الفرد العادي يتطلع دائماً إلى مشاهدة ما هو أجود وقراءة ما هو مسل، وسماع ما هو شائق، والفضائيات الأجنبية تجمع بين هذه المغريات أو الحاجات مجتمعة، لذا فإن الشخص يجد نفسه منساقاً للتعامل مع هذه الوسائل من دون أن يرجع في الغالب إلى مراجعه العقائدية أو الاجتماعية أو الفكرية أحياناً. والأسلوب الذي تتبعه القنوات الفضائية الدولية يقوم على تقديم ما هو محبب إلى النفس البشرية وكل ما يؤدي إلى الراحة النفسية في نهج شائق ورائع. ومن خلال هذا الأسلوب تستطيع تلك الوسائل على المدى الطويل إعادة تشكيل الأذواق والمفاهيم بحيث تلتقي مع ما تدعو إليه سياسات العولمة في خلق الإنسان العالمي.
والقنوات الخليجية عندما دخلت معترك البث الفضائي كان لزاماً عليها أن تسلك مسالك نفسية ولمسات فنية ومغريات ترفيهية لجذب المشاهد الخليجي والعربي على حد سواء، حتى لا تترك المشاهدين العرب نهباً للفضائيات الدولية، حيث إن جذب الجمهور المشاهد والاحتفاظ به ليس بالأمر الهين أو اليسير، وإنما يتطلب ذلك الكثير من التحدي والقدرة على المنافسة. وكل ذلك يتطلب مهارات عالية في مخاطبة النفس البشرية ومعرفة حاجات ورغبات هذه النفس وإشباعها. وهذه الغاية تعتمد في جوانبها الأساسية على دراسة الجمهور واستخلاص النتائج التي تصمم على أساسها الاستراتيجيات الإعلامية.
وفي حالة الفضائيات الخليجية وهي تطرق مجالاً متخماً بالتحديات ستجد أن لا مناص للمنافسة إلا اتباع بعض الأساليب الإعلامية الجاذبة التي ربما قد لا ترضي بعض الأمزجة. ولكن إلى جانب حسن استخدام تكنولوجيا الاتصال الحديثة والاهتمام بالرسالة نصاً وإخراجاً وفناً، فإن الفضائيات الخليجية مطالبة بحسن توظيف فنون الاتصال لجذب المشاهدين فيما يعرف (البرامج المغطاة بالحلوى) (Sugar Coated Programs) بشيء من التوازن في الوقت الراهن، إلى أن يحين الوقت المناسب الذي تتسنى فيه مخاطبة الذوق العام الخليجي والعربي بالبرامج والمعلومات الجادة.
1- البعد الثقافي والاجتماعي في الفضائيات الخليجية
أول ما يلفت الانتباه في الأداء المهني الإعلامي للفضائيات الخليجية ظاهرة التخصص. فالمتابع للقنوات الفضائية الإماراتية يلاحظ التنوع في أداء تلك القنوات. والمثال على ذلك تلفزيون الشارقة الذي يخصص جل أوقات بثه للبرامج الدينية والثقافية. ومن خلال الأساليب البرامجية التي يتبعها تلفزيون الشارقة، فإنه يقدم جرعات جيدة في الشؤون الدينية وينشر بذور الخير والتسامح والأمانة والإخلاص في العمل والتمسك بفضائل الأخلاق. وهذه التوعية الروحية مقدمة أساسية يحتاجها المواطن في قضايا التنمية والمساهمة في حلول المشكلات الاجتماعية والانتماء الوطني.
أما البرامج الثقافية التي يقدمها تلفزيون الشارقة، فالقصد من ورائها العودة إلى الجذور والمحافظة على التراث وفي هذا إذكاء للروح الوطنية وتمسك بالقيم الاجتماعية الأصيلة. والثقافة باعتبارها كلاً مركباً يحتوي على كل مناحي الحياة، لا تقف عند حد معين أو شكل محدد من البرامج، بل إن البرامج الدينية والثقافية والدرامية تتداخل خيوطها، وتختلف أشكال تقديمها من حوار إلى مقال إلى حديث إلى تمثيلية أو غناء أو موسيقا أو شعر أو نثر…إلخ. أو بمعنى آخر، إننا لا نستطيع أن نحدد هيكلاً محدداً للبرنامج الثقافي أو الديني أو الاقتصادي وإنما كل ذلك شيء من هذا وذاك.
أما تلفزيون أبو ظبي فيأخذ من العمل الخبري تخصصاً له. والخبر رغم أنه شديد الارتباط بالنواحي السياسية، إلا أنه لا يهمل الأعمال الثقافية أو الاجتماعية، وهذه القناة بهذا التخصص تجذب المشاهدين ذوي الاهتمام بالنواحي السياسية بالدرجة الأولى. والتنمية السياسية جزء من التنمية الاقتصادية والاجتماعية ويوجد لكل تخصص مؤيدوه ومشاهدوه. وبالمقابل فإن تلفزيون الإمارات يجد نفسه في مجال المنوعات، وهو جاذب لمشاهدين تحبب إليهم مثل هذه المنوعات، وأيضا هذه المنوعات تتضمن فيما تتضمن جوانب تمس الرياضة والفن والموسيقا والحوارات وكلها معلومات تصب في الارتقاء بذوق المشاهد وتوسع من مداركه. وفي الجانب الآخر فإن قناة عجمان اتخذت من برامج المسابقات حقلاً لتخصصها. ومن المشاهدين من تروق لهم برامج المسابقات. وهذه القنوات باختلاف تخصصاتها تصب كلها في الارتقاء بالذوق الثقافي والتنمية الاجتماعية بمعناها الأشمل، وهذه إحدى فوائد القنوات الفضائية بل هي رسالتها الأولى والأخيرة.وإذا كنا قد تناولنا القنوات الفضائية الإماراتية تخصيصاً في ما سبق، فإن هناك العديد من الفضائيات الخليجية التي تقدم معلومات في غاية من الأهمية في كل المجالات في أرجاء دول الخليج، ولعل من أبرز تلك الفضائيات قناة (الجزيرة) التي بدأت بثها اعتباراً من نوفمبر 1996م وهي الرائدة بين الفضائيات الخليجية. وتعتمد الجزيرة أيضاً على التنوع في خدماتها الإعلامية من خلال قنوات متخصصة كالقناة الرياضية وقناة الجزيرة مباشر و(الجزيرة نت) والجزيرة الناطقة بالإنجليزية لمخاطبة الرأي العام الدولي، إضافة إلى قناة الجزيرة الوثائقية التي أنشئت حديثاً. ويضاف إلى كل ما سبق إنشاء مركز إعلامي للتدريب والتطوير التلفزيوني بهدف الارتقاء والمهنية في مجال الإعلام والاتصال.
ومن خلال هذه القنوات المتعددة والبرامج المختلفة التي تقدمها قناة الجزيرة الفضائية تتم خدمة المواطن الخليجي والعربي ثقافياً ودينياً وسياسياً واجتماعياً. فبرامج الحوارات واللقاءات والرأي والرأي الآخر والمناقشات والزيارات الخاصة وبرنامج (الكتاب خير جليس – بلا حدود – الشريعة والحياة) ونشاط المراسلين الذين يجوبون كثيراً من دول العالم، تزود المشاهدين بمعلومات وافرة وجديرة بالاهتمام في رفع مستواهم ثقافياً وسياسياً واجتماعياً.
ومن الجانب الآخر فإن قناة الفضائية العربية التي بدأت بثها في العشرين من فبراير للعام 2003م والمملوكة لشركة الشرق الأوسط، التي تمتلك أيضاً مركز تلفزيون الشرق الأوسط (MBC) و(MBC2) و(MBC4) إضافة إلى قنوات أخرى، تسهم مع نظيراتها الأخريات في تقديم برامج حوارية ووثائقية وسياسية تلعب دوراً فاعلاً في التنمية القومية، ويبدو أن الأيام حبلى بالقادم من الفضائيات التي ستعمل على توسيع (المواعين) الثقافية وتزيد من قدرات المشاهدين على الحكم على الأمور بدراية ومعرفة خاصة ويقول المثل (من لا علم له لا رأي له).
وينطبق ما سبق ذكره على كثير من الفضائيات الخليجية الأخرى التي لم يرد ذكرها، وهي تعمل جاهدة لتلبية حاجات الجماهير وتثقيفها معرفياً واقتصادياً وسياسياً.
2- البعد السياسي للفضائيات الخليجية
قبل إنشاء قناة الجزيرة الفضائية (JSC) عام 1996م تعوّد المشاهد الخليجي والعربي على استقاء معلوماته الخبرية من قناة الأخبار الإمريكية (CNN) و قناة (BBc tv) البريطانية كقناتين متخصصتين بنشر الأخبار. ومع احترامنا لهاتين القناتين، فإن الموضوعية المطلقة لا وجود لها في عالم اليوم، وهناك الكثير من القضايا، وخاصة العربية منها ذات خيوط متشابكة ومصالح متنافرة وسياسات دولية وإقليمية متعارضة قد لا تتناولها هاتان القناتان بالاستقلال والحياد المطلوبين.
وبإنشاء قناة الجزيرة، أصبحت الأخبار العربية تصاغ بعقول عربية، وتكتب وتحرر من مصادر عربية، إضافة إلى نقل الحدث من مسرح حدوثه بفضل المراسلين المنتشرين في كثير من بقاع العالم، واستطاعت قناة الجزيرة في وقت وجيز تكوين جمهور عريض من المشاهدين في كل من دول الخليج والوطن العربي قاطبة، بل في كل أنحاء العالم، وخاصة بعد انطلاقة القناة الإنجليزية. وهكذا كانت عودة المشاهدين العرب للقنوات الأجنبية عوداً حميداً وطوعياً لأنهم وجدوا في الجزيرة ما كانوا يبحثون عنه.
لقد استطاعت قناة الجزيرة تحويل اهتمامات الجمهور العربي من الإعلام الذي تمارسه المؤسسات الإعلامية الحكومية الرسمية إلى متابعة ما تقدمه الجزيرة من أخبار وتعليقات ومقابلات وحوارات وموضوعات أخرى متنوعة، واستقطاب جمهور المؤسسات الإعلامية الحكومية الرسمية ليس بالأمر السيئ، لأنه يخلق منافسة جيدة بين الجزيرة وإعلام البروتوكول، مما سينعكس أثره إيجاباً على محاكاة (الجزيرة) أو (العربية) وتوسع دائرة الحرية الإعلامية وتجويد البرامج وتقديم الأفضل مما ينعكس إيجاباً أيضاً على المواطن وكذلك التدفق الحر للمعلومات.
وباحتلال قناة الجزيرة مكانة متقدمة في نشر الأخبار، أصبحت مصدراً للأخبار والمعلومات لكبرى وكالات الأنباء العالمية والإذاعات والصحف وأجهزة التلفاز الدولية في كثير من الحالات.
وفي الإطار السياسي تقوم قناة الجزيرة بجهود مقدرة سواء في نشر الأخبار الجديدة ونقل مسرح الحدث أو الاهتمام بالقضايا الرئيسية ونقل الوقائع أولاً بأول، كما هو الحال في فلسطين والعراق وأفغانستان، وجل المواقع الساخنة في كل أنحاء العالم، بفضل شبكتها الواسعة من المراسلين، من دون الاعتماد على وكالات الأنباء العالمية الكبرى.
وفي مجال الثقافة والرياضة والفن والدين والتاريخ تلعب قناة الجزيرة دوراً متميزاً في توفير معلومات ذات دلالة مهمة للمتابعين لها، تسهم كلها في إيجاد رأي عام صائب ويرتكز على جملة من المعطيات المستنيرة والحقائق الثابتة.
3- البعد الاقتصادي للفضائيات الخليجية
لم تعد العائدات الاقتصادية في عالمنا المعاصر حصراً على الإنتاج الملموس أو أدوات الإنتاج كما ينظر إليها في الماضي، ولم تعد أيضاً الثقافة محتفظة بملمسها الناعم كما كان يعرف قبلاً.. حيث إن التطور الهائل في تكنولوجيا الاتصال وأدواته، حوّل الثقافة إلى أحد أهم الموارد الاقتصادية الجاذبة، بل سلعة اقتصادية وتجارة عالمية شديدة التعقيد، وأصبح الإعلام صناعة وتخصصاً للشركات الكبرى عابرة القارات بجنسياتها المختلفة التي تحقق أرباحاً طائلة في مجال الإنتاج الثقافي. وتشير بعض الإحصائيات إلى أن (30 في المائة) من الدخل القومي الأمريكي يأتي من المبيعات الثقافية. ويقول إياد شاكر البكري (أصبح الإنتاج الثقافي سلعة اقتصادية، وأصبح مقياس الجودة والإبداع مقدراً بالعائد المادي وحده لا بالقيمة الفنية المطلقة للعمل الثقافي).
ولم يكن هذا البعد الاقتصادي-الثقافي للإعلام والاتصال غائباً عن فكر القائمين على أمر الفضائيات الخليجية، فالتوسع الكبير في إنشاء القنوات الفضائية من قبل المستثمرين الخليجيين خير دليل على عائدها المجزي، كما أن الإعلان يمثل ركناً رئيسياً في المردود المادي للفضائيات.
وتفتح الفضائيات الخليجية آفاقاً واسعة للاستثمار في مجال المشروعات أو البورصات أو أسواق الأوراق المالية والخدمات البنكية سواء على المستوى المحلي أوالإقليمي أو الدولي. والبعد الاقتصادي للفضائيات لا يقف عند حد خدمة المستثمرين فقط، بل يتعدى ذلك لخدمة الجمهور العام أيضاً، عن طريق تزويده بالمعلومات المرتبطة بالسلع والخدمات والأسواق وفرص العمل المتاحة وأخبار الشركات وغير ذلك. واستناداً إلى ذلك يمكن القول إن الفضائيات الخليجية تقدم خدمات جيدة للمستثمرين فيها والجمهور المتعامل معها في الوقت ذاته.
أخيراً يمكن من خلال ما جاء في الصفحات القليلة لهذه الورقة، القول إن الفضائيات الخليجية كان لها قصب السبق في ارتياد المجال الفضائي خلافاً لبقية الدول العربية. ورغم قصر عمر الفضائيات الخليجية، إلا أنه كانت لها بصمات واسعة في مجال الثقافة سواء من خلال تخصص القنوات أو البرامج المبثوثة من خلالها. وأبلَت الفضائيات الخليجية، والخاصة منها على وجه التحديد، بلاء طيباً في إثراء الفكر السياسي وتنوير الرأي العام الخليجي والعربي، وولوج أبواب في السياسة العربية كانت مغلقة من قبل. وفي الجانب الاقتصادي، جذبت الفضائيات أعداداً جيدة من المستثمرين ورجال الأعمال لولوج حقل جديد غير تقليدي للاستثمار، وهو الأمر الذي أفاد المستثمر من جانب والمشاهد للفضائيات من جانب آخر.
::/fulltext::
::cck::2692::/cck::
