الفضائيات الخليجية وحدود الحرية الإعلامية
::cck::2694::/cck::
::introtext::
مع انتشار الفضائيات في العالم العربي أواخر القرن الماضي، توقع الكثيرون أن تسهم هذه الفضائيات في رفع سقف الحرية ونشر الثقافة، وتقديم الأخبار الأكثر صدقاً واحتراماً لعقل المشاهد، بل والانطلاق من أسر المحليات إلى فضاء العالميات والدوليات، فلا يصبح المشاهد أسيراً لأخباره القطرية المصاغة بإحكام وتوجيه من القائمين عليها، بل يصبح له مطلق الحرية في انتقاء المحطة التي تزوده بالخبر الصحيح أو الأكثر إقناعاً على الأقل.
::/introtext::
::fulltext::
مع انتشار الفضائيات في العالم العربي أواخر القرن الماضي، توقع الكثيرون أن تسهم هذه الفضائيات في رفع سقف الحرية ونشر الثقافة، وتقديم الأخبار الأكثر صدقاً واحتراماً لعقل المشاهد، بل والانطلاق من أسر المحليات إلى فضاء العالميات والدوليات، فلا يصبح المشاهد أسيراً لأخباره القطرية المصاغة بإحكام وتوجيه من القائمين عليها، بل يصبح له مطلق الحرية في انتقاء المحطة التي تزوده بالخبر الصحيح أو الأكثر إقناعاً على الأقل.
ثمة مجموعة من العوامل أدت إلى حدوث قفزة نوعية في الأداء الإعلامي الفضائي العربي عامة والخليجي خاصة من أهمها:
انفتاح الاتصال بين الدول والمناطق في ظل العولمة والتطورات التقنية، بما في ذلك الأطباق الفضائية، الأمر الذي أدى إلى توسيع قاعدة الإعلام المرئي وجعله في متناول أكبر عدد من المشاهدين، وبالتالي جعله أكثر تأثيراً.
تحكم وكالات الأنباء العالمية الكبرى في مجال انسياب الأخبار وفي تقديم تفسير متحيز للأحداث التي تقع في منطقة الشرق الأوسط، والحضور المهيمن لشبكات الإعلام الغربية والأمريكية خاصة، وتوفير تقنيات متطورة للتواصل مع المراسلين مثل الهواتف المحمولة التي تعمل بواسطة الأقمار الصناعية.
ومن المفترض في ظل كثافة التحولات الإعلامية الدولية أن يكون هناك تكامل وتنسيق بين الفضائيات العربية والخليجية، ولكن واقع الحال يكشف أن ثمة عدداً من الظواهر الفضائية أثرت بشكل غير إيجابي في قدرة هذه الفضائيات العربية والخليجية، حيث زادت حدة المنافسة بين الفضائيات العربية والخليجية بشكل خاص لجذب أكبر عدد من المشاهدين، وسلكت من أجل ذلك شتى الطرق والوسائل والبرامج المشروعة وغير المشروعة، فكان أن حققت بعض هذه الفضائيات نجاحاً مشهوداً على المستوى العربي، ونالت المصداقية، واستطاعت بالفعل أن تجذب الجماهير إليها، في حين أن بعض الفضائيات ظلت أسيرة نطاقها الضيق ولم تَعْدُ عن كونها إعادة بث للمحطة الأرضية لدولة ما كثيراً ما يلجأ مواطنوها إلى فضائيات أخرى لمعرفة أخبارهم المحلية الصحيحة.
من ناحية أخرى وفي الوقت الذي كان من المفترض أن تسهم الفضائيات العربية والخليجية في كسر قاعدة أحادية المعلومات والأخبار التي تتدفق في كل لحظة من دول العالم الصناعي إلى دول العالم الثالث، حدث خلل على أرض الواقع، ويعزى هذا الخلل ـ جزئياً ـ في أداء الدور إلى أن الغرب الصناعي لا يزال يحتكر الوكالات الإخبارية الأربع الكبرى لبث الأخبار العالمية، ولا يزال يحتكر مؤسستين أو ثلاثاً للصورة الخبرية مع عدم وجود شبكة أخبار عربية فاعلة تمتلك مقومات النجاح لتزويد المحطات العربية بالأخبار المطلوبة، وعدم سرعة تحرك أطقم الشبكات الغربية إلى مواقع الحدث، وإدهاش المشاهدين بدقة التغطية وآنيتها.
ونظراً لأهمية هذا التواصل يمكن للفضائيات الخليجية والعربية أن تلعب دوراً كبيراً بالنظر إلى ما تملكه من إمكانيات، حيث إن هذه الفضائيات تستطيع أن تلغي حواجز الرقابة وعرقلة وصول الكتاب أو المجلة إلى الأطراف الأخرى في العالم العربي والخليجي، وتستطيع وبسهولة بناء ثقافة جيدة لدى المشاهد وتعويضه عن فقدانه عادة القراءة، وشيوع الأمية الثقافية بين الجماهير التي بهرها الإعلام الغربي، وما يسهل عملية البناء هذه من قبل الفضائيات الخليجية وجود القواسم الثقافية المشتركة. ولعل أهمها الجذور الموحدة للثقافة، ووحدة اللغة بين الشعوب، والمصادر المشتركة للحركة الثقافية.
والواقع أن المشاهد العربي والخليجي لديه ميول وإقبال على المحطات الأجنبية لمحاولة استقاء الخبر اليقين منها، وهذا الإقبال لم ينتج عن حب لتلك المحطات، بل لأن التجربة في الإعلام العربي عامة والخليجي خاصة، أفقدت الإنسان مصداقيته في وسائل إعلامه.
فالإعلام الخليجي في معركة مع الإعلام الوافد، ومادام الغرب يمتلك أدوات الخبر فهذا يمنحه التفوق، فضلاً عن ذلك، هناك مجموعة من القيود والعراقيل المطروحة أمام منافسة حقيقية للفضائيات العربية والخليجية في مواجهة الفضائيات العالمية ومن أهمها:
1- هيمنة السلطة التنفيذية وفرض وصايتها على الإعلام بشكل عام والفضائيات على وجه الخصوص، ويبدو ذلك في صور كثيرة تتجلى في فرض قيود على حرية الوصول إلى المعلومات وحرية تداولها وفرض قيود على حرية البث الإذاعي والتلفزيوني وفرض الرقابة على المطبوعات الداخلية والقادمة من الخارج وفرض قيود على حرية الطباعة والتوزيع والإعلان وفرض قيود أيضاً على حرية التنظيم المهني والنقابي والتحكم بظروف عمل الإعلاميين من خلال قوانين جائرة تكرس مفهوم سيطرة الدولة وحرمان الأفراد من حق الاختيار. ويصل تدخل الدولة في بعض الأحيان إلى حد الاحتكار والسيطرة الكاملة، لكنه يقل عن ذلك كثيراً في بعض الأحوال حيث تراقب الدولة أداء المؤسسات الإعلامية عن بعد.
2- إشكالية الحصول على المعلومات: هناك قواعد لتنظيم حرية تداول المعلومات وتحديد نطاق السرية التي قد تفرض على بعض المعلومات. ويكون حظر المعلومات في حدود معينة، تضيق ولا تتسع، نظراً لطبيعتها ويكون الحظر لفترة زمنية محددة وليس بصورة مطلقة.
فالشفافية في نظم المعلومات هي الوسيلة الأهم في مكافحة حالات نشر أو إذاعة معلومات ناقصة أو مخالفة للحقيقة. وتضمن قوانين الدول الديمقراطية حماية الحقيقة ليس من خلال إنزال العقاب البدني بالأفراد وإنما من خلال فتح قنوات الحصول على المعلومات وإتاحة قنوات إضافية تضمن حقوق الرد والتصحيح وطلب الاعتذار إلى طلب التعويض في حال وجود ضرر مادي أو معنوي ترتب على الخطأ. 3- التذرع باعتبارات الحفاظ على الأمن القومي : على الرغم من القوة التي تتمتع بها وسائل الإعلام (الإذاعية والفضائية) للعمل على تنمية الوعي الأمني، فإنها تبقى رهينة للمصادر التي تزودها بالمعلومات والتوضيحات والبيانات (وهي الأجهزة الأمنية التي تمتلك المعلومات).
وفي ظل العولمة الإعلامية وانتشار القنوات الفضائية الإذاعية والتلفزيونية وشبكات الإنترنت العربية، وغير العربية لم يعد بمقدور أية دولة التحكم بسياسة إعلامها الأمني، كما كان سابقاً، إلا من خلال وسائلها الإعلامية المملوكة فقط والتي سوف يترتب عليها عدم مشاهدتها إلا في المناسبات الوطنية المهمة. لذا فالقيود الإعلامية أوشكت على التلاشي في ظل العولمة الكونية، وحل بدلاً منها الانفتاح الإعلامي، وأصبح الحل الوحيد للحد من هذه المشكلة هو إيجاد قنوات فضائية حديثة ومتطورة بأجهزتها ومعداتها وآلياتها وكوادرها البشرية المؤهلة والمدربة لكي تحاول منافسة القنوات الفضائية الأخرى، من خلال جذب أكبر عدد ممكن من المشاهدين، وبالتالي ضمان استمرار العمل الإعلامي قبل أن تصبح هذه القنوات مجرد تكملة عدد للقنوات الفضائية الأخرى.
4- القيود الاحتكارية: إن مصالح المالكين للهياكل الإعلامية ـ في ظل الاتجاه العام نحو خصخصة الإعلام ـ باتت أحد أبرز مكونات الممارسة الإعلامية، ومتطلبات التسويق الإعلاني هي من دون شك العنصر الأهم في رسم الهوية البرامجية لوسائل الإعلام، وهذان البعدان: المال والأيديولوجيا، يحدان في شتى أنحاء العالم من مساحة الحرية والديمقراطية في الإعلام المعاصر على حساب عاملين أساسيين هما : حقوق المواطن المعاصر، وحرية الإعلاميين.
ويمكن القول إن لجم انفلات قوتي المال والأيديولوجيا لا يتحقق واقعياً بنسب معقولة إلا حيث تقوم أنظمة وتشريعات تعطي المرجعيات المستقلة الناظمة للإعلام سلطة عامة للتدخل وحماية حقوق المجتمع وحريات الأفراد والجماعات.
وفي ضوء الإشكاليات والقيود السابقة، فإنه يظل من الضروري وضع المعايير السليمة التي تضمن مسؤولية الحرية الإعلامية وعدم تجاوزها المسموح به، خصوصاً في ما يتعلق بتدقيق المعلومات وتوثيق الوقائع، وعدم المساس بالحرية الشخصية للأفراد، وعدم التمييز ضد الأشخاص أو الجماعات، وعدم الحض على العنف أو كراهية الآخرين، والتعبير عن تنوع المصالح والآراء والبحث عن الحقيقة بكل جوانبها وقبول الرأي الآخر وإتاحة حق النقد وحق الرد بصورة متكافئة. فهذه القواعد يمكن اعتبارها ضوابط للحرية الإعلامية، ولا يقصد منها في أي حال من الأحوال تقييد حريات الأفراد أو الجماعات، وإنما المقصود هو المحافظة على روح المسؤولية في إطار هذه الحرية.
ومن الضروري أن يحدد القانون النطاق الذي يشمل واجبات الإعلام والفضائيات في فترات الكوارث وفترات الحروب (أو أوقات الطوارئ). فاللجوء إلى إعلان حالات الطوارئ في فترات الحروب أو الكوارث يعني في حقيقة الأمر إطلاق يد السلطة التنفيذية في كل ما يتعلق بفرض إجراءات استثنائية تساعد المواطن على الخروج من حالة المشقة التي تترافق مع الكوارث أو الحروب، ولا يشمل ذلك بأي حال من الأحوال تكميم أفواه المواطنين وحرمانهم من حق حرية التعبير أو تقييد هذا الحق.
وعلى أي حال، فإن تحقيق التوازن بين الحرية والمسؤولية في الممارسة الإعلامية والفضائية سيظل عملية في غاية الصعوبة والتعقيد، وتحتاج إلى إجراءات وآليات كثيرة، في مقدمتها:
* إثراء مجتمع المعرفة وتطوير مجال التكنولوجيا والاتصالات والفضائيات، وذلك من خلال: إتاحة خدمة الاتصال بشبكة الإنترنت وتخفيض تكلفتها وزيادة ميزانية البنية الأساسية في مجال الاتصالات ولابد للحكومات أن تقوم بدورها في تشجيع الاستثمار بالتكنولوجيا عموماً، ومجال الاتصالات خصوصاً. والسماح بالملكية الخاصة لوسائل الإعلام والفضائيات مع ضرورة وضع إطار تنظيمي وقانوني يساهم في إيجاد جو من التنافسية يشجع على الاستثمار وتقديم خدمة للمستخدمين والمشاهدين بجودة أعلى وتكلفة أقل.
* تعزيز ضمانات حرية الرأي والتعبير والحق في تداول المعلومات، وذلك من خلال الالتزام بمبدأ حرية الرأي والتعبير والحق في تداول المعلومات كقاعدة لا يجوز إهدارها، وسن تشريعات جديدة مواكبة لعصرالقرية الكونية والنشر الإلكتروني والإنترنت.
وإجمالاً يمكن القول إن هناك حدوداً معينة تتحرك في إطارها الفضائيات من خلال الالتزام بمجموعة من المعايير التي تضمن مسؤولية الحرية الإعلامية وعدم تجاوزها المسموح به، مع مراعاة التوازن بين الحرية والمسؤولية في الممارسة الإعلامية والفضائية.
::/fulltext::
|
Getting your Trinity Audio player ready...
|
::cck::2694::/cck::
::introtext::
مع انتشار الفضائيات في العالم العربي أواخر القرن الماضي، توقع الكثيرون أن تسهم هذه الفضائيات في رفع سقف الحرية ونشر الثقافة، وتقديم الأخبار الأكثر صدقاً واحتراماً لعقل المشاهد، بل والانطلاق من أسر المحليات إلى فضاء العالميات والدوليات، فلا يصبح المشاهد أسيراً لأخباره القطرية المصاغة بإحكام وتوجيه من القائمين عليها، بل يصبح له مطلق الحرية في انتقاء المحطة التي تزوده بالخبر الصحيح أو الأكثر إقناعاً على الأقل.
::/introtext::
::fulltext::
مع انتشار الفضائيات في العالم العربي أواخر القرن الماضي، توقع الكثيرون أن تسهم هذه الفضائيات في رفع سقف الحرية ونشر الثقافة، وتقديم الأخبار الأكثر صدقاً واحتراماً لعقل المشاهد، بل والانطلاق من أسر المحليات إلى فضاء العالميات والدوليات، فلا يصبح المشاهد أسيراً لأخباره القطرية المصاغة بإحكام وتوجيه من القائمين عليها، بل يصبح له مطلق الحرية في انتقاء المحطة التي تزوده بالخبر الصحيح أو الأكثر إقناعاً على الأقل.
ثمة مجموعة من العوامل أدت إلى حدوث قفزة نوعية في الأداء الإعلامي الفضائي العربي عامة والخليجي خاصة من أهمها:
انفتاح الاتصال بين الدول والمناطق في ظل العولمة والتطورات التقنية، بما في ذلك الأطباق الفضائية، الأمر الذي أدى إلى توسيع قاعدة الإعلام المرئي وجعله في متناول أكبر عدد من المشاهدين، وبالتالي جعله أكثر تأثيراً.
تحكم وكالات الأنباء العالمية الكبرى في مجال انسياب الأخبار وفي تقديم تفسير متحيز للأحداث التي تقع في منطقة الشرق الأوسط، والحضور المهيمن لشبكات الإعلام الغربية والأمريكية خاصة، وتوفير تقنيات متطورة للتواصل مع المراسلين مثل الهواتف المحمولة التي تعمل بواسطة الأقمار الصناعية.
ومن المفترض في ظل كثافة التحولات الإعلامية الدولية أن يكون هناك تكامل وتنسيق بين الفضائيات العربية والخليجية، ولكن واقع الحال يكشف أن ثمة عدداً من الظواهر الفضائية أثرت بشكل غير إيجابي في قدرة هذه الفضائيات العربية والخليجية، حيث زادت حدة المنافسة بين الفضائيات العربية والخليجية بشكل خاص لجذب أكبر عدد من المشاهدين، وسلكت من أجل ذلك شتى الطرق والوسائل والبرامج المشروعة وغير المشروعة، فكان أن حققت بعض هذه الفضائيات نجاحاً مشهوداً على المستوى العربي، ونالت المصداقية، واستطاعت بالفعل أن تجذب الجماهير إليها، في حين أن بعض الفضائيات ظلت أسيرة نطاقها الضيق ولم تَعْدُ عن كونها إعادة بث للمحطة الأرضية لدولة ما كثيراً ما يلجأ مواطنوها إلى فضائيات أخرى لمعرفة أخبارهم المحلية الصحيحة.
من ناحية أخرى وفي الوقت الذي كان من المفترض أن تسهم الفضائيات العربية والخليجية في كسر قاعدة أحادية المعلومات والأخبار التي تتدفق في كل لحظة من دول العالم الصناعي إلى دول العالم الثالث، حدث خلل على أرض الواقع، ويعزى هذا الخلل ـ جزئياً ـ في أداء الدور إلى أن الغرب الصناعي لا يزال يحتكر الوكالات الإخبارية الأربع الكبرى لبث الأخبار العالمية، ولا يزال يحتكر مؤسستين أو ثلاثاً للصورة الخبرية مع عدم وجود شبكة أخبار عربية فاعلة تمتلك مقومات النجاح لتزويد المحطات العربية بالأخبار المطلوبة، وعدم سرعة تحرك أطقم الشبكات الغربية إلى مواقع الحدث، وإدهاش المشاهدين بدقة التغطية وآنيتها.
ونظراً لأهمية هذا التواصل يمكن للفضائيات الخليجية والعربية أن تلعب دوراً كبيراً بالنظر إلى ما تملكه من إمكانيات، حيث إن هذه الفضائيات تستطيع أن تلغي حواجز الرقابة وعرقلة وصول الكتاب أو المجلة إلى الأطراف الأخرى في العالم العربي والخليجي، وتستطيع وبسهولة بناء ثقافة جيدة لدى المشاهد وتعويضه عن فقدانه عادة القراءة، وشيوع الأمية الثقافية بين الجماهير التي بهرها الإعلام الغربي، وما يسهل عملية البناء هذه من قبل الفضائيات الخليجية وجود القواسم الثقافية المشتركة. ولعل أهمها الجذور الموحدة للثقافة، ووحدة اللغة بين الشعوب، والمصادر المشتركة للحركة الثقافية.
والواقع أن المشاهد العربي والخليجي لديه ميول وإقبال على المحطات الأجنبية لمحاولة استقاء الخبر اليقين منها، وهذا الإقبال لم ينتج عن حب لتلك المحطات، بل لأن التجربة في الإعلام العربي عامة والخليجي خاصة، أفقدت الإنسان مصداقيته في وسائل إعلامه.
فالإعلام الخليجي في معركة مع الإعلام الوافد، ومادام الغرب يمتلك أدوات الخبر فهذا يمنحه التفوق، فضلاً عن ذلك، هناك مجموعة من القيود والعراقيل المطروحة أمام منافسة حقيقية للفضائيات العربية والخليجية في مواجهة الفضائيات العالمية ومن أهمها:
1- هيمنة السلطة التنفيذية وفرض وصايتها على الإعلام بشكل عام والفضائيات على وجه الخصوص، ويبدو ذلك في صور كثيرة تتجلى في فرض قيود على حرية الوصول إلى المعلومات وحرية تداولها وفرض قيود على حرية البث الإذاعي والتلفزيوني وفرض الرقابة على المطبوعات الداخلية والقادمة من الخارج وفرض قيود على حرية الطباعة والتوزيع والإعلان وفرض قيود أيضاً على حرية التنظيم المهني والنقابي والتحكم بظروف عمل الإعلاميين من خلال قوانين جائرة تكرس مفهوم سيطرة الدولة وحرمان الأفراد من حق الاختيار. ويصل تدخل الدولة في بعض الأحيان إلى حد الاحتكار والسيطرة الكاملة، لكنه يقل عن ذلك كثيراً في بعض الأحوال حيث تراقب الدولة أداء المؤسسات الإعلامية عن بعد.
2- إشكالية الحصول على المعلومات: هناك قواعد لتنظيم حرية تداول المعلومات وتحديد نطاق السرية التي قد تفرض على بعض المعلومات. ويكون حظر المعلومات في حدود معينة، تضيق ولا تتسع، نظراً لطبيعتها ويكون الحظر لفترة زمنية محددة وليس بصورة مطلقة.
فالشفافية في نظم المعلومات هي الوسيلة الأهم في مكافحة حالات نشر أو إذاعة معلومات ناقصة أو مخالفة للحقيقة. وتضمن قوانين الدول الديمقراطية حماية الحقيقة ليس من خلال إنزال العقاب البدني بالأفراد وإنما من خلال فتح قنوات الحصول على المعلومات وإتاحة قنوات إضافية تضمن حقوق الرد والتصحيح وطلب الاعتذار إلى طلب التعويض في حال وجود ضرر مادي أو معنوي ترتب على الخطأ. 3- التذرع باعتبارات الحفاظ على الأمن القومي : على الرغم من القوة التي تتمتع بها وسائل الإعلام (الإذاعية والفضائية) للعمل على تنمية الوعي الأمني، فإنها تبقى رهينة للمصادر التي تزودها بالمعلومات والتوضيحات والبيانات (وهي الأجهزة الأمنية التي تمتلك المعلومات).
وفي ظل العولمة الإعلامية وانتشار القنوات الفضائية الإذاعية والتلفزيونية وشبكات الإنترنت العربية، وغير العربية لم يعد بمقدور أية دولة التحكم بسياسة إعلامها الأمني، كما كان سابقاً، إلا من خلال وسائلها الإعلامية المملوكة فقط والتي سوف يترتب عليها عدم مشاهدتها إلا في المناسبات الوطنية المهمة. لذا فالقيود الإعلامية أوشكت على التلاشي في ظل العولمة الكونية، وحل بدلاً منها الانفتاح الإعلامي، وأصبح الحل الوحيد للحد من هذه المشكلة هو إيجاد قنوات فضائية حديثة ومتطورة بأجهزتها ومعداتها وآلياتها وكوادرها البشرية المؤهلة والمدربة لكي تحاول منافسة القنوات الفضائية الأخرى، من خلال جذب أكبر عدد ممكن من المشاهدين، وبالتالي ضمان استمرار العمل الإعلامي قبل أن تصبح هذه القنوات مجرد تكملة عدد للقنوات الفضائية الأخرى.
4- القيود الاحتكارية: إن مصالح المالكين للهياكل الإعلامية ـ في ظل الاتجاه العام نحو خصخصة الإعلام ـ باتت أحد أبرز مكونات الممارسة الإعلامية، ومتطلبات التسويق الإعلاني هي من دون شك العنصر الأهم في رسم الهوية البرامجية لوسائل الإعلام، وهذان البعدان: المال والأيديولوجيا، يحدان في شتى أنحاء العالم من مساحة الحرية والديمقراطية في الإعلام المعاصر على حساب عاملين أساسيين هما : حقوق المواطن المعاصر، وحرية الإعلاميين.
ويمكن القول إن لجم انفلات قوتي المال والأيديولوجيا لا يتحقق واقعياً بنسب معقولة إلا حيث تقوم أنظمة وتشريعات تعطي المرجعيات المستقلة الناظمة للإعلام سلطة عامة للتدخل وحماية حقوق المجتمع وحريات الأفراد والجماعات.
وفي ضوء الإشكاليات والقيود السابقة، فإنه يظل من الضروري وضع المعايير السليمة التي تضمن مسؤولية الحرية الإعلامية وعدم تجاوزها المسموح به، خصوصاً في ما يتعلق بتدقيق المعلومات وتوثيق الوقائع، وعدم المساس بالحرية الشخصية للأفراد، وعدم التمييز ضد الأشخاص أو الجماعات، وعدم الحض على العنف أو كراهية الآخرين، والتعبير عن تنوع المصالح والآراء والبحث عن الحقيقة بكل جوانبها وقبول الرأي الآخر وإتاحة حق النقد وحق الرد بصورة متكافئة. فهذه القواعد يمكن اعتبارها ضوابط للحرية الإعلامية، ولا يقصد منها في أي حال من الأحوال تقييد حريات الأفراد أو الجماعات، وإنما المقصود هو المحافظة على روح المسؤولية في إطار هذه الحرية.
ومن الضروري أن يحدد القانون النطاق الذي يشمل واجبات الإعلام والفضائيات في فترات الكوارث وفترات الحروب (أو أوقات الطوارئ). فاللجوء إلى إعلان حالات الطوارئ في فترات الحروب أو الكوارث يعني في حقيقة الأمر إطلاق يد السلطة التنفيذية في كل ما يتعلق بفرض إجراءات استثنائية تساعد المواطن على الخروج من حالة المشقة التي تترافق مع الكوارث أو الحروب، ولا يشمل ذلك بأي حال من الأحوال تكميم أفواه المواطنين وحرمانهم من حق حرية التعبير أو تقييد هذا الحق.
وعلى أي حال، فإن تحقيق التوازن بين الحرية والمسؤولية في الممارسة الإعلامية والفضائية سيظل عملية في غاية الصعوبة والتعقيد، وتحتاج إلى إجراءات وآليات كثيرة، في مقدمتها:
* إثراء مجتمع المعرفة وتطوير مجال التكنولوجيا والاتصالات والفضائيات، وذلك من خلال: إتاحة خدمة الاتصال بشبكة الإنترنت وتخفيض تكلفتها وزيادة ميزانية البنية الأساسية في مجال الاتصالات ولابد للحكومات أن تقوم بدورها في تشجيع الاستثمار بالتكنولوجيا عموماً، ومجال الاتصالات خصوصاً. والسماح بالملكية الخاصة لوسائل الإعلام والفضائيات مع ضرورة وضع إطار تنظيمي وقانوني يساهم في إيجاد جو من التنافسية يشجع على الاستثمار وتقديم خدمة للمستخدمين والمشاهدين بجودة أعلى وتكلفة أقل.
* تعزيز ضمانات حرية الرأي والتعبير والحق في تداول المعلومات، وذلك من خلال الالتزام بمبدأ حرية الرأي والتعبير والحق في تداول المعلومات كقاعدة لا يجوز إهدارها، وسن تشريعات جديدة مواكبة لعصرالقرية الكونية والنشر الإلكتروني والإنترنت.
وإجمالاً يمكن القول إن هناك حدوداً معينة تتحرك في إطارها الفضائيات من خلال الالتزام بمجموعة من المعايير التي تضمن مسؤولية الحرية الإعلامية وعدم تجاوزها المسموح به، مع مراعاة التوازن بين الحرية والمسؤولية في الممارسة الإعلامية والفضائية.
::/fulltext::
::cck::2694::/cck::
