الإعلام المرئي والشارع العراقي
::cck::2707::/cck::
::introtext::
إن مصطلحات مثل السلطة الرابعة أو الإعلام الحر قد لا تجد لها مكاناً في وسائل الإعلام العربية كما يشير إلى ذلك بعض المتشائمين بصورة دائمة، لكنه في الحقيقة أمر لا يخلو من واقع حقيقي تعيشه هذه الفضائيات بسبب الدعم المادي الكبير الذي تتلقاه من الحكومات الداعمة لها وهذه هي نقطة الضعف التي يتمسك بها الكثيرون ممن يجدون أن حرية الدعم المادي من دون انتظار الأموال من الحاكم هي الأساس في حرية التعبير عن الرأي وانتقاد الأوضاع غير الصحيحة مما يسهل عمل وسائل الإعلام في عملية أداء الرسالة الحقيقية التي يجب أن تكون عليها.
::/introtext::
::fulltext::
إن مصطلحات مثل السلطة الرابعة أو الإعلام الحر قد لا تجد لها مكاناً في وسائل الإعلام العربية كما يشير إلى ذلك بعض المتشائمين بصورة دائمة، لكنه في الحقيقة أمر لا يخلو من واقع حقيقي تعيشه هذه الفضائيات بسبب الدعم المادي الكبير الذي تتلقاه من الحكومات الداعمة لها وهذه هي نقطة الضعف التي يتمسك بها الكثيرون ممن يجدون أن حرية الدعم المادي من دون انتظار الأموال من الحاكم هي الأساس في حرية التعبير عن الرأي وانتقاد الأوضاع غير الصحيحة مما يسهل عمل وسائل الإعلام في عملية أداء الرسالة الحقيقية التي يجب أن تكون عليها.
إن الصراع الدائم والمستمر بين أقطاب العمل الصحفي في تحديد أهداف العملية الإعلامية وهل هي لخدمة المجتمع أم الحكومة أم من يمتلك رأس المال أوجد مدارس صحفية عديدة ساهمت الظروف التي مر بها العالم بكل اختلافاته في الأخذ بالبعض وترك البعض الآخر. فالاشتراكية قبل التغير كانت تمتلك مدرسة ومروجين، والرأسمالية كذلك وظفت مختلف الصيغ الإعلامية لدعم ما تؤمن به وسط هذا وذاك من التجاذبات الفكرية والسياسية وخلالها وبعدها. وبصورة متأخرة ظهرت الفضائيات العربية في واقعنا الحالي المؤسف الذي نمر به من دون هوية حقيقية أو أهداف عامة اجتماعية تساهم في النهوض بما هو جديد وغير متعارف عليه في الإعلام الدولي من صيغ تنفرد بها عن الآخرين والأمثلة على ذلك كثيرة، لكن لنأخذ أهم القنوات في الواقع العربي وعلى صعيد الشرق الأوسط والتي أخذت على عاتقها أن تصبح قنوات إخبارية متخصصة وهي (العربية والجزيرة والحرة) أو حسب الأسبقية الجزيرة والحرة والعربية، ولنأخذ معها التوجه الذي تتخذ منه أسلوب العمل في ما يخص الوضع في العراق بعد عام 2003، خاصة أن قناتي العربية والحرة سبقتا أحداث العراق بالظهور بفترة قليلة.
إن المتابع العراقي انقسم لأجزاء عديدة بسبب هذه القنوات الفضائية، حيث يجد البعض أن ما تبثه (العربية) أصدق من (الجزيرة) و(الحرة) وآخرون يجدون العكس أن الحرة هي الأصدق وبعض آخر يؤكد أن كلتا القناتين تمتلكان المصداقية، والعربية ليست كذلك، ويرى آخرون أيضاً عكس ذلك، فما هو السبب الذي أدى إلى هذا الاختلاف في الرؤية نحو ما تبثه هذه القنوات الفضائية الثلاث؟
إن متابعة البرامج السياسية التي تبثها هذه القنوات ترسخ الانحياز نحو ما تريد أن يشاهده المتابع العراقي وهو السمة المشتركة بينها وما تريد أن يصل للمشاهد العراقي هو في الواقع وجهة النظر الخاصة بمن يمول هذه القنوات أصلاً، فاختيار المواضيع والأحداث التي تركز عليها قنوات الحرة والعربية والجزيرة والأشخاص الذي يظهرون ومدى الاندفاع نحو هدف ما والتلكؤ باتجاه آخر هو الذي ترك هذا الاختلاف كما أراه بين أفراد الشعب العراقي ليضيف إلى الاختلاف الحاصل أساساً بين أفراده هماً آخر، فقد تبنت قناة (الجزيرة) وعلى المدى الطويل دعماً مستمراً لما تجد أنه يتوافق مع مصلحتها الخاصة ومتبنية مبدأ أن ما يجب أن يعرض هو الحقيقة رغم أن الحقيقة التي تعرضها في الواقع هي الرؤية السياسية للجهة التي تدعمها حتى إنها اتهمت في العديد من المرات بفبركة أخبار وحوادث لم تحصل على أرض الواقع العراقي، وكان هذا أحد الأسباب التي جعلت الطيف الشيعي في العراق يعتبرها منحازة للأخوة السنة، وأنها تهاجم وتتهم كل الرموز والشخصيات الدينية وكل عمل يقومون به وهذا عكس ما حاولت أن تقوم به قناة (العربية) التي لها مشاهدون من الشيعة يجدون أنها أكثر حيادية بقليل من نظيرتها الجزيرة وهو ما أثار رد فعل السنة الذين اعتبروا هذا الأمر تسويفاً وإخفاء لحقائق تنشرها الجزيرة من دون خوف من أحد رغم أن السياسة التي تنتهجها الجزيرة والعربية هي في الواقع واحدة وإن اختلفت الطريقة التي يستعملها الطرفان، وهنا حاولت قناة الحرة بكل الدعم الأمريكي الكبير أن تجد لها مكاناً بين الاثنتين لتحمل صفة الحيادية المطلقة لكنها وقعت أو تناست أنها ممولة من الحكومة الأمريكية وهو ما أعطى رد فعل أولي مضاد لها لدى الشارع العراقي بكل أطيافه الموجودة على الساحة.
إن الفرد في المجتمع كثيراً ما ينتقي وسائل الاتصال الجماهيري بوحي من تجربته بصفته عضواً في جماعة اجتماعية، كما أن عملية تعرضه الانتقائي لما تقدمه هذه الوسائل تبدو كأنها نوع من العادة التي اكتسبها من المجتمع الذي يحيط ويتأثر به، وهو الأمر الذي ركزت عليه القنوات الفضائية الثلاث باستخدام أسلوب معين يتمثل بإضافة بعض التعليقات التي ليس من الضروري إضافتها مثل الإشارة إلى بعض المؤشرات الطائفية أو عندما تنشر خبراً عن الطائفة التي قتل منها شخص معين ووضع مؤشرات إلى أن من قتل هذا الشخص ينتمي إلى الطائفة الأخرى وذلك أثناء تغطيتها لأي حدث يقع في العراق مما يؤدي إلى احتقان أو ردود فعل غير محسوبة من قبل الطائفة التي أشير إلى أنه تم الاعتداء على أحد أفرادها من قبل الطائفة الأخرى وهي تحاول كذلك الإشارة إلى أحد رجال الدين على أنه السبب في حوادث طائفية ما يؤدي إلى ردود فعل من قبل أو ضد أتباع رجل الدين المشار إليه. ثم هنالك أسلوب الصورة التي تظهر مع التقرير أو الخبر المعين والتي قد تحمل مؤشرات طائفية مثل التركيز على جامع أو حسينية مهدمة أو التركيز على عبارات طائفية مكتوبة على الحائط ضد طائفة معينة عندما ينقل المقدم خبراً عن هذه الطائفة أو الأخرى وكذلك صور القتلى أو الجثث التي يجدها يومياً رجال الشرطة فإنها توظف بشكل مثالي عند اتهام طائفة لطائفة محددة وهو ما يؤدي إلى ردود فعل قد تبدو عنيفة تبعاً لما تتركه من أثر في نفس المشاهد.إن محاولة وسائل الإعلام المرئية ترك ما يسمى الصورة الذهنية لدى المتلقي والتي تتكون من خلال ما يراه أو يسمعه الشخص أو من خلال المجتمع المتأثر بما تبثه وسائل الإعلام هي التي تحدد تصرف أو رد فعل الشخص تجاه الأشياء وفقاً لهذه الصورة الموجودة لديه والتي ظهرت بسبب ما تبثه القنوات الفضائية من أخبار خلال عرضها لما يجري على أرض العراق، حيث تتداخل عوامل اجتماعية وتربوية وأخلاقية في عملية استقباله لهذه الأخبار ومدى تأثره بها وردود الفعل هذه تعتمد على عدد الأفراد الذين يتعرضون للوسيلة أو للرسالة الاتصالية، كذلك الطبقات الاجتماعية أو الجماعات أو الفئات الاجتماعية التي يتألف منها الجمهور المتلقي وأيضاً المدة الزمنية التي يقضيها أفراد الجمهور في مشاهدة وسائل الإعلام هذه، حيث يتفاوت هنا التأثير بسبب اختلاف طبقات الشعب وأطيافه وما يسببه ذلك من إشاعة روح الفرقة والاختلاف.
فهل هذه هي حقيقة الرسالة الإعلامية ؟ وهل هذا هو هدف ما تبثه الجزيرة والعربية والحرة أي زرع الخلاف ؟ وكيف يمكننا الحكم من دون أن نفحص بتمعن الأسلوب الذي تعمل به هذه القنوات ؟
وهذا ما يقودنا إلى السؤال المهم هل سياسة القنوات الفضائية تلك تعتمد على المهنية والعمل الإعلامي الحر وعرض الرأي والرأي الآخر أم هي وجهة نظر تتستر خلفها أهداف سياسية أخرى لا يتم الإعلان عنها بالصورة المباشرة، وتتخذ من الكلمة المرسلة عبر الأثير طريقاً سريعاً للوصول إلى أهداف يصعب بلوغها بوسائل علنية أخرى.
وسنحاول الإجابة عن هذا التساؤل من خلال تقييم على شكل أسئلة طرحت على عينة بحثية في المجتمع العراقي للإجابة عن الأسئلة الخمسة المهمة في عملية الاتصال وهي (من – يقول ماذا – بأية قناة – إلى من – بأي تأثير).
وشمل البحث (80) عينة للأعمار من (20) سنة إلى (59) سنة وعلى شكل أربع فئات كل فئة تتكون من (20) شخصاً هي عشرة رجال وعشر نساء وعلى النحو التالي:
20 سنة – إلى – 29 سنة فئة (أ)
30 سنة – إلى – 39 سنة فئة (ب)
40 سنة – إلى – 49 سنة فئة (ج)
50 سنة – إلى – 59 سنة فئة (د)
والمشتركات من الإناث توزعن كالآتي:
نسبة ربات البيوت هي 30 في المائة
نسبة الموظفات هي 40 في المائة
نسبة الطالبات هي 30 في المائة
والأشخاص المشتركون من الرجال توزعوا كالآتي:
نسبة الأعمال الحرة هي 30 في المائة
نسبة الموظفين هي 40 في المائة
نسبة الطلاب هي 30 في المائة
وكذلك تمت محاولة جمع أكبر نسبة من الانتماءات الدينية والقومية المختلفة في هذا البحث البسيط كالآتي:
المسلمون 67 عينة 30 رجلاً 37 امرأة
المسيحيون 13 عينة 10 رجال 3 نساء
ويتكونون من عرب وأكراد وكالآتي:
العرب 70 عينة 32 رجلاً 38 امرأة
الأكراد 10 عينات 8 رجال امرأتان
وتم ترميز القنوات كالآتي:
الجزيرة (A)
العربية (B)
الحرة (C)
وشمل البحث البسيط هذه الإجابة عن خمسة أسئلة بوضع اسم القناة:
1- ما هي القناة المفضلة لديك؟
2- ما هي الأكثر مصداقية برأيك؟
3- عند سماعك لأي خبر أيها تشاهد؟
4- كم من الوقت تشاهد قناتك المفضلة؟
5- أي من هذه القنوات محرضة على العنف الطائفي؟وهذا يقودنا إلى السؤال المهم هل سياسة هذه القنوات تعتمد على المهنية والعمل الإعلامي الحر وعرض الرأي والرأي الآخر أم هي واجهة تتستر خلفها أهداف سياسية أخرى لا يتم الإعلان عنها بالصورة المباشرة وتتخذ من الكلمة المرسلة عبر الأثير طريقاً سريعاً للوصول إلى أهداف يصعب بلوغها بوسائل علنية أخرى؟
ولذلك نجد الشارع العراقي يلجأ في بعض الأحيان إلى مشاهدة الأخبار التي يعرفها مسبقاً من واقع المعايشة اليومية لها ليقيس مدى المصداقية التي تمتلكها هذه القناة أو تلك وهو في واقع الأمر مقياس خطير جداً إذا لم تنتبه إليه وسائل الإعلام التي تتبنى الشأن العراقي على وجه التحديد وذلك بسبب التمازج الشديد بين مكوناته في مختلف مواقع الحياة، فبعد أي موضوع يتم طرحه على شاشة التلفاز تجد أن النقاش يبلغ أقصى حدوده بين مكذب ومصدق وبين من هو في قلب الحدث ومن هو خارجه، وهذه النقاشات في حقيقة الأمر هي التي تحدد الاستجابة وهو ما يسمى في مصطلحات الإعلام (رجع الصدى) وهو من أهم الأشياء التي على القنوات أو أي وسيلة إعلام تريد أن تعرف ما تأثير ما تبثه في المتلقي.
إن الوسيلة الوحيدة التي اعتمدها المتابع في استقبال رجع الصدى هي البريد الإلكتروني الذي لا تجيد استخدامه الغالبية العظمى من الشعب العراقي نظراً لقلة الإمكانات المتاحة لاستخدامه، لذلك يجد المتابع صعوبة في فهم استمرارية النهج الذي تسير عليه هذه القنوات إذا كانت على درجة كبيرة من المهنية أو تمتلك فعلاً الحرية في التعبير وإيصال الرأي والرأي الآخر بكامل الحرية ودون انحياز، فهل السياسة هي ما تملي عليها خطها أم هي الحرفة الحقيقية؟
إن ما تقدم لا يعني أن العالم من حولنا يمتلك تلك الشفافية (السوبر) بنقل الحقيقة بل هو في واقع الحال قد يكون مسيساً أكثر من الإعلام العربي بكثير، لكنه استطاع أن يتغلغل داخل عقولنا بكونه مستقلاً عندما قام بين الحين والآخر بنقد وملاحقة أخطاء قادته ورموزه كلما وجد أن ذلك يعطيه دفعة نحو الأمام في عالم أصبحت الحقيقة فيه أصعب بكثير من الزيف والرياء وكونه اعتمد على حقيقة واقعية هي أنه إعلام لا تتدخل الدولة في إدارته ولو أمام الرأي العام على الأقل وهو ما دفع عنه تهمة أنه إعلام يخدم رب عمله وسبب معيشته، واستفاد من مساحة الحرية هذه في دعم توجهات الدولة التي ينتمي إليها أكثر مما لو كان ممولاً من قبلها.
فهل بإمكاننا أن ننشئ مثل هكذا إعلام يسعى للحقيقة وحدها من دون أن يتأثر بآراء وأفكار ترسل له من أعلى الهرم السلطوي على شكل أوامر عليه تنفيذها ؟
وأخيراً هل بإمكاننا أيضاً أن نكون مهنيين وليس تابعين؟
::/fulltext::
|
Getting your Trinity Audio player ready...
|
::cck::2707::/cck::
::introtext::
إن مصطلحات مثل السلطة الرابعة أو الإعلام الحر قد لا تجد لها مكاناً في وسائل الإعلام العربية كما يشير إلى ذلك بعض المتشائمين بصورة دائمة، لكنه في الحقيقة أمر لا يخلو من واقع حقيقي تعيشه هذه الفضائيات بسبب الدعم المادي الكبير الذي تتلقاه من الحكومات الداعمة لها وهذه هي نقطة الضعف التي يتمسك بها الكثيرون ممن يجدون أن حرية الدعم المادي من دون انتظار الأموال من الحاكم هي الأساس في حرية التعبير عن الرأي وانتقاد الأوضاع غير الصحيحة مما يسهل عمل وسائل الإعلام في عملية أداء الرسالة الحقيقية التي يجب أن تكون عليها.
::/introtext::
::fulltext::
إن مصطلحات مثل السلطة الرابعة أو الإعلام الحر قد لا تجد لها مكاناً في وسائل الإعلام العربية كما يشير إلى ذلك بعض المتشائمين بصورة دائمة، لكنه في الحقيقة أمر لا يخلو من واقع حقيقي تعيشه هذه الفضائيات بسبب الدعم المادي الكبير الذي تتلقاه من الحكومات الداعمة لها وهذه هي نقطة الضعف التي يتمسك بها الكثيرون ممن يجدون أن حرية الدعم المادي من دون انتظار الأموال من الحاكم هي الأساس في حرية التعبير عن الرأي وانتقاد الأوضاع غير الصحيحة مما يسهل عمل وسائل الإعلام في عملية أداء الرسالة الحقيقية التي يجب أن تكون عليها.
إن الصراع الدائم والمستمر بين أقطاب العمل الصحفي في تحديد أهداف العملية الإعلامية وهل هي لخدمة المجتمع أم الحكومة أم من يمتلك رأس المال أوجد مدارس صحفية عديدة ساهمت الظروف التي مر بها العالم بكل اختلافاته في الأخذ بالبعض وترك البعض الآخر. فالاشتراكية قبل التغير كانت تمتلك مدرسة ومروجين، والرأسمالية كذلك وظفت مختلف الصيغ الإعلامية لدعم ما تؤمن به وسط هذا وذاك من التجاذبات الفكرية والسياسية وخلالها وبعدها. وبصورة متأخرة ظهرت الفضائيات العربية في واقعنا الحالي المؤسف الذي نمر به من دون هوية حقيقية أو أهداف عامة اجتماعية تساهم في النهوض بما هو جديد وغير متعارف عليه في الإعلام الدولي من صيغ تنفرد بها عن الآخرين والأمثلة على ذلك كثيرة، لكن لنأخذ أهم القنوات في الواقع العربي وعلى صعيد الشرق الأوسط والتي أخذت على عاتقها أن تصبح قنوات إخبارية متخصصة وهي (العربية والجزيرة والحرة) أو حسب الأسبقية الجزيرة والحرة والعربية، ولنأخذ معها التوجه الذي تتخذ منه أسلوب العمل في ما يخص الوضع في العراق بعد عام 2003، خاصة أن قناتي العربية والحرة سبقتا أحداث العراق بالظهور بفترة قليلة.
إن المتابع العراقي انقسم لأجزاء عديدة بسبب هذه القنوات الفضائية، حيث يجد البعض أن ما تبثه (العربية) أصدق من (الجزيرة) و(الحرة) وآخرون يجدون العكس أن الحرة هي الأصدق وبعض آخر يؤكد أن كلتا القناتين تمتلكان المصداقية، والعربية ليست كذلك، ويرى آخرون أيضاً عكس ذلك، فما هو السبب الذي أدى إلى هذا الاختلاف في الرؤية نحو ما تبثه هذه القنوات الفضائية الثلاث؟
إن متابعة البرامج السياسية التي تبثها هذه القنوات ترسخ الانحياز نحو ما تريد أن يشاهده المتابع العراقي وهو السمة المشتركة بينها وما تريد أن يصل للمشاهد العراقي هو في الواقع وجهة النظر الخاصة بمن يمول هذه القنوات أصلاً، فاختيار المواضيع والأحداث التي تركز عليها قنوات الحرة والعربية والجزيرة والأشخاص الذي يظهرون ومدى الاندفاع نحو هدف ما والتلكؤ باتجاه آخر هو الذي ترك هذا الاختلاف كما أراه بين أفراد الشعب العراقي ليضيف إلى الاختلاف الحاصل أساساً بين أفراده هماً آخر، فقد تبنت قناة (الجزيرة) وعلى المدى الطويل دعماً مستمراً لما تجد أنه يتوافق مع مصلحتها الخاصة ومتبنية مبدأ أن ما يجب أن يعرض هو الحقيقة رغم أن الحقيقة التي تعرضها في الواقع هي الرؤية السياسية للجهة التي تدعمها حتى إنها اتهمت في العديد من المرات بفبركة أخبار وحوادث لم تحصل على أرض الواقع العراقي، وكان هذا أحد الأسباب التي جعلت الطيف الشيعي في العراق يعتبرها منحازة للأخوة السنة، وأنها تهاجم وتتهم كل الرموز والشخصيات الدينية وكل عمل يقومون به وهذا عكس ما حاولت أن تقوم به قناة (العربية) التي لها مشاهدون من الشيعة يجدون أنها أكثر حيادية بقليل من نظيرتها الجزيرة وهو ما أثار رد فعل السنة الذين اعتبروا هذا الأمر تسويفاً وإخفاء لحقائق تنشرها الجزيرة من دون خوف من أحد رغم أن السياسة التي تنتهجها الجزيرة والعربية هي في الواقع واحدة وإن اختلفت الطريقة التي يستعملها الطرفان، وهنا حاولت قناة الحرة بكل الدعم الأمريكي الكبير أن تجد لها مكاناً بين الاثنتين لتحمل صفة الحيادية المطلقة لكنها وقعت أو تناست أنها ممولة من الحكومة الأمريكية وهو ما أعطى رد فعل أولي مضاد لها لدى الشارع العراقي بكل أطيافه الموجودة على الساحة.
إن الفرد في المجتمع كثيراً ما ينتقي وسائل الاتصال الجماهيري بوحي من تجربته بصفته عضواً في جماعة اجتماعية، كما أن عملية تعرضه الانتقائي لما تقدمه هذه الوسائل تبدو كأنها نوع من العادة التي اكتسبها من المجتمع الذي يحيط ويتأثر به، وهو الأمر الذي ركزت عليه القنوات الفضائية الثلاث باستخدام أسلوب معين يتمثل بإضافة بعض التعليقات التي ليس من الضروري إضافتها مثل الإشارة إلى بعض المؤشرات الطائفية أو عندما تنشر خبراً عن الطائفة التي قتل منها شخص معين ووضع مؤشرات إلى أن من قتل هذا الشخص ينتمي إلى الطائفة الأخرى وذلك أثناء تغطيتها لأي حدث يقع في العراق مما يؤدي إلى احتقان أو ردود فعل غير محسوبة من قبل الطائفة التي أشير إلى أنه تم الاعتداء على أحد أفرادها من قبل الطائفة الأخرى وهي تحاول كذلك الإشارة إلى أحد رجال الدين على أنه السبب في حوادث طائفية ما يؤدي إلى ردود فعل من قبل أو ضد أتباع رجل الدين المشار إليه. ثم هنالك أسلوب الصورة التي تظهر مع التقرير أو الخبر المعين والتي قد تحمل مؤشرات طائفية مثل التركيز على جامع أو حسينية مهدمة أو التركيز على عبارات طائفية مكتوبة على الحائط ضد طائفة معينة عندما ينقل المقدم خبراً عن هذه الطائفة أو الأخرى وكذلك صور القتلى أو الجثث التي يجدها يومياً رجال الشرطة فإنها توظف بشكل مثالي عند اتهام طائفة لطائفة محددة وهو ما يؤدي إلى ردود فعل قد تبدو عنيفة تبعاً لما تتركه من أثر في نفس المشاهد.إن محاولة وسائل الإعلام المرئية ترك ما يسمى الصورة الذهنية لدى المتلقي والتي تتكون من خلال ما يراه أو يسمعه الشخص أو من خلال المجتمع المتأثر بما تبثه وسائل الإعلام هي التي تحدد تصرف أو رد فعل الشخص تجاه الأشياء وفقاً لهذه الصورة الموجودة لديه والتي ظهرت بسبب ما تبثه القنوات الفضائية من أخبار خلال عرضها لما يجري على أرض العراق، حيث تتداخل عوامل اجتماعية وتربوية وأخلاقية في عملية استقباله لهذه الأخبار ومدى تأثره بها وردود الفعل هذه تعتمد على عدد الأفراد الذين يتعرضون للوسيلة أو للرسالة الاتصالية، كذلك الطبقات الاجتماعية أو الجماعات أو الفئات الاجتماعية التي يتألف منها الجمهور المتلقي وأيضاً المدة الزمنية التي يقضيها أفراد الجمهور في مشاهدة وسائل الإعلام هذه، حيث يتفاوت هنا التأثير بسبب اختلاف طبقات الشعب وأطيافه وما يسببه ذلك من إشاعة روح الفرقة والاختلاف.
فهل هذه هي حقيقة الرسالة الإعلامية ؟ وهل هذا هو هدف ما تبثه الجزيرة والعربية والحرة أي زرع الخلاف ؟ وكيف يمكننا الحكم من دون أن نفحص بتمعن الأسلوب الذي تعمل به هذه القنوات ؟
وهذا ما يقودنا إلى السؤال المهم هل سياسة القنوات الفضائية تلك تعتمد على المهنية والعمل الإعلامي الحر وعرض الرأي والرأي الآخر أم هي وجهة نظر تتستر خلفها أهداف سياسية أخرى لا يتم الإعلان عنها بالصورة المباشرة، وتتخذ من الكلمة المرسلة عبر الأثير طريقاً سريعاً للوصول إلى أهداف يصعب بلوغها بوسائل علنية أخرى.
وسنحاول الإجابة عن هذا التساؤل من خلال تقييم على شكل أسئلة طرحت على عينة بحثية في المجتمع العراقي للإجابة عن الأسئلة الخمسة المهمة في عملية الاتصال وهي (من – يقول ماذا – بأية قناة – إلى من – بأي تأثير).
وشمل البحث (80) عينة للأعمار من (20) سنة إلى (59) سنة وعلى شكل أربع فئات كل فئة تتكون من (20) شخصاً هي عشرة رجال وعشر نساء وعلى النحو التالي:
20 سنة – إلى – 29 سنة فئة (أ)
30 سنة – إلى – 39 سنة فئة (ب)
40 سنة – إلى – 49 سنة فئة (ج)
50 سنة – إلى – 59 سنة فئة (د)
والمشتركات من الإناث توزعن كالآتي:
نسبة ربات البيوت هي 30 في المائة
نسبة الموظفات هي 40 في المائة
نسبة الطالبات هي 30 في المائة
والأشخاص المشتركون من الرجال توزعوا كالآتي:
نسبة الأعمال الحرة هي 30 في المائة
نسبة الموظفين هي 40 في المائة
نسبة الطلاب هي 30 في المائة
وكذلك تمت محاولة جمع أكبر نسبة من الانتماءات الدينية والقومية المختلفة في هذا البحث البسيط كالآتي:
المسلمون 67 عينة 30 رجلاً 37 امرأة
المسيحيون 13 عينة 10 رجال 3 نساء
ويتكونون من عرب وأكراد وكالآتي:
العرب 70 عينة 32 رجلاً 38 امرأة
الأكراد 10 عينات 8 رجال امرأتان
وتم ترميز القنوات كالآتي:
الجزيرة (A)
العربية (B)
الحرة (C)
وشمل البحث البسيط هذه الإجابة عن خمسة أسئلة بوضع اسم القناة:
1- ما هي القناة المفضلة لديك؟
2- ما هي الأكثر مصداقية برأيك؟
3- عند سماعك لأي خبر أيها تشاهد؟
4- كم من الوقت تشاهد قناتك المفضلة؟
5- أي من هذه القنوات محرضة على العنف الطائفي؟وهذا يقودنا إلى السؤال المهم هل سياسة هذه القنوات تعتمد على المهنية والعمل الإعلامي الحر وعرض الرأي والرأي الآخر أم هي واجهة تتستر خلفها أهداف سياسية أخرى لا يتم الإعلان عنها بالصورة المباشرة وتتخذ من الكلمة المرسلة عبر الأثير طريقاً سريعاً للوصول إلى أهداف يصعب بلوغها بوسائل علنية أخرى؟
ولذلك نجد الشارع العراقي يلجأ في بعض الأحيان إلى مشاهدة الأخبار التي يعرفها مسبقاً من واقع المعايشة اليومية لها ليقيس مدى المصداقية التي تمتلكها هذه القناة أو تلك وهو في واقع الأمر مقياس خطير جداً إذا لم تنتبه إليه وسائل الإعلام التي تتبنى الشأن العراقي على وجه التحديد وذلك بسبب التمازج الشديد بين مكوناته في مختلف مواقع الحياة، فبعد أي موضوع يتم طرحه على شاشة التلفاز تجد أن النقاش يبلغ أقصى حدوده بين مكذب ومصدق وبين من هو في قلب الحدث ومن هو خارجه، وهذه النقاشات في حقيقة الأمر هي التي تحدد الاستجابة وهو ما يسمى في مصطلحات الإعلام (رجع الصدى) وهو من أهم الأشياء التي على القنوات أو أي وسيلة إعلام تريد أن تعرف ما تأثير ما تبثه في المتلقي.
إن الوسيلة الوحيدة التي اعتمدها المتابع في استقبال رجع الصدى هي البريد الإلكتروني الذي لا تجيد استخدامه الغالبية العظمى من الشعب العراقي نظراً لقلة الإمكانات المتاحة لاستخدامه، لذلك يجد المتابع صعوبة في فهم استمرارية النهج الذي تسير عليه هذه القنوات إذا كانت على درجة كبيرة من المهنية أو تمتلك فعلاً الحرية في التعبير وإيصال الرأي والرأي الآخر بكامل الحرية ودون انحياز، فهل السياسة هي ما تملي عليها خطها أم هي الحرفة الحقيقية؟
إن ما تقدم لا يعني أن العالم من حولنا يمتلك تلك الشفافية (السوبر) بنقل الحقيقة بل هو في واقع الحال قد يكون مسيساً أكثر من الإعلام العربي بكثير، لكنه استطاع أن يتغلغل داخل عقولنا بكونه مستقلاً عندما قام بين الحين والآخر بنقد وملاحقة أخطاء قادته ورموزه كلما وجد أن ذلك يعطيه دفعة نحو الأمام في عالم أصبحت الحقيقة فيه أصعب بكثير من الزيف والرياء وكونه اعتمد على حقيقة واقعية هي أنه إعلام لا تتدخل الدولة في إدارته ولو أمام الرأي العام على الأقل وهو ما دفع عنه تهمة أنه إعلام يخدم رب عمله وسبب معيشته، واستفاد من مساحة الحرية هذه في دعم توجهات الدولة التي ينتمي إليها أكثر مما لو كان ممولاً من قبلها.
فهل بإمكاننا أن ننشئ مثل هكذا إعلام يسعى للحقيقة وحدها من دون أن يتأثر بآراء وأفكار ترسل له من أعلى الهرم السلطوي على شكل أوامر عليه تنفيذها ؟
وأخيراً هل بإمكاننا أيضاً أن نكون مهنيين وليس تابعين؟
::/fulltext::
::cck::2707::/cck::
