الفضائيات العراقية: البيئة الإعلامية وإشكاليات الخطاب الطائفي
::cck::2712::/cck::
::introtext::
منذ اليوم الأول للاحتلال، شهد العراق غزواً إعلامياً مبرمجاً، تمثل بإطلاق قناة فضائية أمريكية باللغة العربية تعمل من خلال تكنولوجيا فضائية متطورة عبر الأقمار الصناعية فوق مدينة بغداد. كما دخلت بعض الصحف العراقية والعربية مع القوات البريطانية إلى البصرة ووزعت مجاناً، وصدرت صحف عراقية بتمويل خارجي أجنبي ومن دول مجاورة للعراق. كما قام الجانب الأمريكي بتأسيس مشاريع إعلامية في المحافظات المستقرة أمنياً وخاصة الجنوب والوسط من خلال تمويلها مالياً، وأنشئت في زمن بول بريمر هيئة عراقية عامة للبث والإرسال بتمويل أمريكي.
::/introtext::
::fulltext::
منذ اليوم الأول للاحتلال، شهد العراق غزواً إعلامياً مبرمجاً، تمثل بإطلاق قناة فضائية أمريكية باللغة العربية تعمل من خلال تكنولوجيا فضائية متطورة عبر الأقمار الصناعية فوق مدينة بغداد. كما دخلت بعض الصحف العراقية والعربية مع القوات البريطانية إلى البصرة ووزعت مجاناً، وصدرت صحف عراقية بتمويل خارجي أجنبي ومن دول مجاورة للعراق. كما قام الجانب الأمريكي بتأسيس مشاريع إعلامية في المحافظات المستقرة أمنياً وخاصة الجنوب والوسط من خلال تمويلها مالياً، وأنشئت في زمن بول بريمر هيئة عراقية عامة للبث والإرسال بتمويل أمريكي.
لقد شهدت الساحة الإعلامية ولادة أكثر من 216 صحيفة من دون الحصول على أي ترخيص رسمي بسبب إلغاء وزارة الإعلام الجهة الوحيدة المتخصصة بمنح هذه التراخيص. ولم تصدر إدارة الاحتلال أي قوانين أو تعليمات تنظم العملية الإعلامية لأسباب مقصودة، وظهرت أكثر من (10) قنوات فضائية، و(30) قناة أرضية، وبالمقابل سرحت قوات الاحتلال أكثر من 6000 من العاملين في وزارة الإعلام معظمهم من الصحفيين البارزين، حيث فرضت عليهم بطالة قسرية.
وكانت الأهداف الأمريكية واضحة في استثمار الإعلام في تغذية الأزمات، وهذا ما ظهر في الميدان عملياً، كسياسة تعميق الفوضى في العراق من قبل المحتل لأسباب سياسية تتعلق بوجوده وباستراتيجية البقاء، وهي سياسة بدأت بحل الجيش العراقي ووزارة الإعلام والأجهزة الأمنية لتدمير الدولة العراقية وإشاعة الفوضى والاقتتال السياسي والطائفي، وإشاعة ثقافة الاحتلال وتعميقها من خلال أجهزة الإعلام الممولة من المحتل، وإيجاد سياسة احتلالية قائمة على مبدأ (فرّق تسد) وخلط الأوراق. إضافة إلى إشاعة النمط الإعلامي الغربي في التغطية الإعلامية وتكريس الصحافة الصفراء القائمة على مبدأ الإثارة والمبالغات والغرائز، وتكريس النظرية النفسية (التنفيس) من خلال فتح (قنوات التعبير) وتشجيعها بما يحقق للمحتل مصالحه السياسية في إلهاء المواطن بموضوعات مختلفة وثانوية ، وإبعاده عن التفكير بممارسات المحتل وأجندته السرية، لذلك كانت حرية التعبير في كثير من الأحيان تأخذ شكل صراعات ومنازعات حزبية وطائفية لا علاقة لها بمصلحة العراق.
وكان اللافت للنظر هو أن إدارة الاحتلال لم تصدر أي قوانين أو تعليمات تنظم العملية الصحفية، بل تركت الأمر للجميع أن يؤسس صحيفة أو فضائية وصلت إلى أكثر من (200) صحيفة وعشرات القنوات الفضائية والأرضية. وكان الهدف المركزي هو إشاعة الفوضى الإعلامية بقصد خلط الأوراق، وتعميق الصراعات بين الأحزاب، وإحداث الوقيعة بين فئات الشعب المختلفة لتحويل الصراع من مواجهة العدوالمحتل إلى المواجهة الداخلية.
ولم تكن إجراءات المحتل في ما يتعلق بالحرية الإعلامية هدفها تأسيس نظام إعلامي ديمقراطي بقدر ما كانت هذه الحرية (معلبة) في علب من صنع أمريكي، مملوءة بأجندات السيطرة والتحريض الطائفي والعرقي والديني، بدليل أن قوات الاحتلال أغلقت صحفاً دينية ومستقلة بحجة (ترويجها للإرهاب)، واعتقلت عدداً كبيراً من الصحفيين العراقيين، وتعرضت الصحافة العراقية إلى أعمال إهانة وممارسات لا أخلاقية مارسها جنود الاحتلال ضدها، كما قتل أكثر من (50) صحفياً معظمهم من مراسلي القنوات الفضائية المحلية والعربية، وأوقفت عمل قنوات عربية كالجزيرة بحجج واهية، كما اختلفت عمليات القتل ما بين إطلاق نار عن طريق الخطأ أو العمد من قبل قوات الاحتلال، كما قتل عشرات الصحفيين العراقيين على الهوية من قبل الميليشيات الطائفية وفرق الموت.
وهكذا حاول المحتل أن ينشئ بيئة إعلامية صراعية غير صحية، ويستثمرها لمصالحه السياسية وأجندته الخاصة، ويخترق وعي ومدركات المواطن من خلال استغلاله لحاجات الإنسان العراقي في ما يتعلق بحرية التعبير وتعطشه للديمقراطية بعد سنوات من المركزية الشديدة للإعلام، وإغلاق منافذ حرية التعبير، وافتقاده التعددية الحزبية والإعلامية. لذلك كان من حق المواطن العراقي أن تدهشه الحريات الإعلامية المستوردة مهما كانت صورها وأساليبها وأجندتها، ويمارسها بطرق عديدة بعضها مؤذ بحق الوطن وبعضها إيجابي للتعبير عن أفكاره وممارساته. فبدأنا نشهد فوضى الأحزاب والصحافة وحرية اللسان والكلام والصراخ من أجل إسكاتنا، والضحك علينا، وامتصاص غضبنا وإشغالنا عن هموم الاحتلال وخططه وتمريرها.
وما نراه اليوم في المشهد الإعلامي العراقي إلا صورة مؤلمة لممارسات تحمل في ثناياها خطاباً إعلامياً مؤججاً ومبرمجاً لصالح الانتماء الطائفي والعرقي أكثر مما هو لمصلحة الوطن من خلال أكثر من صورة:
1- وقوع الإعلام العراقي في فخ المنازعات والصراعات السياسية والحزبية والطائفية والفئوية والقومية لأسباب ترتبط بخلفيات بعض الأحزاب وأجندتها الخارجية، وعدم استيعاب الكثير منها للفكرة الحزبية في العراق وممارسة الديمقراطية.
2- ظاهرة تعددية الأفكار التي ترتبط معظمها بمعالجات طائفية وقومية تقترب من الولاء إلى المذهب والعشيرة والقومية أكثر من اقترابها إلى الهم الوطني والولاء للوطن.
3- التنوع في وسائل الإعلام، وهو تنوع إيجابي إذا كان هذا التنوع يهدف إلى بناء الإنسان العراقي الجديد، وتوعيته بوحدة العراق ومخاطر التقسيم والاحتلال وأجندته السياسية، وتعميق الوحدة الوطنية، وإشاعة ثقافة الديمقراطية واحترام الرأي الآخر، ولكن هذا التنوع الإعلامي اتجه إلى مسارات تخدم المحتل وتلتقي أجندته السياسية. فبتنا نشهد اليوم ظهور صحف حزبية ودينية ذات ولاءات طائفية تشيع ثقافة الولاء للطائفة، وصحف مستقلة وحزبية تبرر للمحتل وجوده وممارساته القمعية. كما ظهرت فضائيات تبشر علنية بثقافة المذهب وتلغي الآخر تحت مبررات عديدة، مرة تشكو طائفة بتهميشها من المذهب الآخر، ومرة تشكو طائفة أخرى بتكفيرها من الطائفة الأخرى، وليصبح المشهد العراقي مشهداً إعلامياً صراعياً بين الطوائف والقوميات والأديان، وهو أمر يصب في النهاية لصالح المحتل.
4- ظاهرة التمويل الإعلامي ومخاطره على مستقبل الإعلام العراقي واستقلاليته، خاصة إذا كان هذا التمويل خارجياً هدفه تحقيق أهداف سياسية ضد مصلحة الوطن، ولا غرابة أن بعض الصحف والفضائيات تم دعمها من قبل الاحتلال أو من دول مجاورة للعراق، بحيث أصبح التمويل امتيازاً لبقاء البعض على حساب صحف وطنية وقومية قاومت الاحتلال إعلامياً، ولكنها لم تستطع مقاومة البقاء لأسباب مادية.
كذلك انعكست الظروف السياسية وصراعات الأحزاب على الصحفيين العراقيين مادياً ومهنياً، فقد شهدت معارك واحتدامات بين الصحفيين تبعاً لانتماءاتهم السياسية والطائفية والقومية، مؤدية إلى شق وحدة الصحفيين، الأمر الذي أدى إلى تشكيل منظمة صحفية رديفة لنقابة الصحفيين العراقيين تعمل تحت اسم (اتحاد الصحفيين العراقيين). وهذه الصراعات ساهمت في إضعاف وحدة الصحفيين ومؤسساتهم، وشكلت عائقاً أمام حل مشكلاتهم الحياتية والمهنية والأمنية، حيث لا وجود لحصانة تحميهم من الاغتيال أو الاعتقال أو القتل.
فإذا كانت تفجيرات الفتنة الطائفية لقتل الأبرياء في صورة السيارات المفخخة تشكل جريمة بحق الشعب والوطن، فإن تفجيرات (الفتنة الإعلامية) التي تم تفخيخها داخل وسائل الإعلام العراقية وبالذات الفضائيات هي الأخرى جريمة بشعة لا تقل عن جريمة قتل العراقي بدم بارد، لأنها تحاول إيقاظ الفتنة والتحريض من خلال خطاب إعلامي مؤجج ومبرمج لمصلحة الانتماء الطائفي والقومي والعرقي. إذ نشهد اليوم ظهور صحف حزبية ودينية ذات ولاءات طائفية تشيع ثقافة الولاء للطائفة، وصحف مستقلة وحزبية تبرر للمحتل وجوده وممارساته القمعية. والأخطر هو تسابق الأحزاب والطوائف والمذاهب على إنشاء إذاعات وفضائيات، معظمها تبشر بثقافة الطائفة وتلغي الآخر تحت مبررات عديدة، مرة بتهميشها من المذهب الآخر، ومرة بتكفيرها من الطائفة الأخرى، لتضاف للمشهد الجديد فتنة حريق الإعلام الطائفي الأجنبي، وبعض قنوات الإعلام العربية، لصناعة خطاب التحريض والفتنة، وليصبح المشهد العراقي مشهداً إعلامياً صراعياً بين الطوائف والقوميات والأديان.
إن التعددية الإعلامية في التعبير، وتنوع الرسائل الإعلامية في المجتمع العراقي ضرورية، وهي حالة صحية وإنسانية، ولكن ينبغي استثمارها لبناء ثقافة جديدة للإنسان العراقي تعمّق لديه مفهوم التوافق الوطني ووحدة الولاء للوطن قبل الولاء للمذهب والقبيلة والعرق. ومن المؤسف أن نجد الكثير من الفضائيات لا ترى العراق إلا من خلال تخندقها لطائفتها وقوميتها، ولا ترى الآخر إلاّ بمنظار ضيق وفئوي، بل إن بعضها يحاول تأجيج الصراعات الطائفية وتعميقها، والبعض الآخر يحرض على العنف من دون الاقتراب من القواسم المشتركة وإيجابياتها، ومن المؤسف أيضاً أن هذه الفضائيات تقف وراء تمويلها جهات خارجية ألوانها سياسية وطائفية وعرقية، ترتبط بأجندات مختلفة، ولها قواسم مشتركة، وتريد إشعال فتيل الحرب الأهلية.
ولم يكن المشهد الإعلامي معزولاً عما يجري في الحياة السياسية العراقية من محاصصة طائفية وعرقية ودينية في مجال الإدارة الحكومية وميادين التعليم والصحة والاقتصاد، فهي من دون شك سياسة المحتل منذ احتلاله للعراق، والذي تجسد في (قانون بريمر) الخاص بقانون إدارة الدولة العراقية الذي عمق المحاصصة لإشعال فتيل الحرب الأهلية وتقسيم العراق.
وشهد الواقع الإعلامي داخل العراق تناسلاً للفضائيات بشكل لا مثيل له في الحياة العراقية ، ابتدأ بإنشاء شبكة الإعلام العراقي من قبل قوات الاحتلال ودعمه، فكانت أول قناة فضائية عراقية بعد السقوط، ولم يمض وقت طويل حتى ظهرت الكثير من الفضائيات العراقية الواحدة تلو الأخرى ، وبلغ عدد هذه الفضائيات على القمر الصناعي المصري(30) محطة فضائية، إضافة إلى (5) قنوات كردية وعراقية على القمر الأوروبي، وهذه الحالة النادرة لظهور الفضائيات تذكرنا بالحرب الاهلية اللبنانية (1975- 1990) التي وصل عددها إلى حوالي (80) محطة، وكانت هذه المحطات الفضائية جزءاً مكملاً من الحرب الداخلية الطائفية واداة في تأجيجها.
ومن المؤسف أن يعيد التاريخ نفسه ، فنحن اليوم أمام ظاهرة (حرية إطلاق القنوات) و(الحرية الإعلامية) في العراق، وهي حرية استثمرت ضد الوطن ووحدة مواطنيه لصالح أحزاب وتكتلات دينية وقومية ارتأت أن تقدم مصالحها الطائفية والقومية والعرقية على مصلحة الوطن من خلال خطابات (طائفية) و(عنصرية) و(دعائية)، بحيث أصبح المشهد الإعلامي العراقي يقارب المشهد السياسي، فهناك قنوات (شيعية) و(سنية) و(كردية) تدافع عن طائفتها وقوميتها.
وهكذا تحولت هذه الفضائيات إلى منابر إعلامية لتأجيج الصراع السياسي بين الأحزاب والطوائف والقوميات والأديان، وأداة دعاية محرضة لإشعال فتيل الحرب الطائفية وتكريس ثقافة المحاصصة والمصالح، وإثارة الغرائز والدوافع النفسية من خلال نبش الماضي وانتقاء الأحداث بازدواجية المعايير، وهنا لابد من التوقف عند ظواهر أساسية عند مناقشة ظاهرة الفضائيات في العراق، وهذه الجوانب هي :
1- إن هذه الفضائيات ولدت في بيئة سياسية صراعية تحت الاحتلال، وهي بيئة أفرزت أنماطاً إعلامية مستننسخة من الواقع السياسي العراقي وطبيعة العملية السياسية المبنية على ظاهرة المحاصصة الطائفية، وهذا ما يجعلها في كثير من الأحيان تعبر عن أحزابها وتكتلاتها بعيداً عن منطق الحيادية في تناول الأخبار والأحداث والوقائع.
2-قضية تمويل هذا الفضائيات، فمن المعروف أن إنشاء فضائية عبر الأقمار الصناعية يحتاج إلى مبالغ طائلة لتأمين المعدات والأجهزة والاستديوهات وتكاليف العاملين، وما يثير الاستغراب ظهور عشرات الفضائيات بعد الاحتلال مباشرة من قبل أحزاب وأشخاص، مما يثير الريبة بأن هناك جهات إقليمية ودولية وراء إنشائها لتحقيق مكاسب سياسية، بعضها لتكريس وجودها، والبعض الآخر لأهداف وأجندات المحتل.
3- غياب المهنية في هذه الفضائيات، التي أثرت في نوع الخطاب الإعلامي وتوجهاته السياسية، وعمقه الثقافي والمهني، حيث الركاكة والضعف في أداء هذه الفضائيات وافتقارها إلى الكوادر الإعلامية المؤهلة ، والأخطر هو افتقار هذه الكوادر إلى أخلاقيات الإعلام ورسالته النبيلة بانحيازها إلى طائفتها وقوميتها أو حزبها السياسي دون مراعاة الحيادية والموضوعية.
4-بروز ظاهرة الفضائيات الدينية ذات التوجهات الطائفية التي تنطلق من مرجعيات دينية مختلفة ، ويغلب على خطابها الإعلامي المحتوى الطائفي أو الانفصالي، وإجازة الاقتتال الطائفي، وتكريس الانتماء للطائفة والقومية، حيث انتشرت فضائيات لا تهتم إلا بقضايا الشيعة وقنوات أخرى تهتم بقضايا السنة، وكلها تحاول استخدام أسلوب الدعاية التي تعتمد على إثارة العواطف وتغييب الآخر، وإضعاف ثقافة المواطنة والوحدة الوطنية. 5-غياب السياسة الإعلامية لهذه الفضائيات، حيث تتجه إلى المحلية في نقل الأحداث والأخبار من وجهة نظر حزبية ودينية وقومية لتأسيس فكرة (الانتماء الطائفي والقومي) ومحاولة كسب الناس بخطاب يكرس مفهوم (الطائفة) و(القومية) و(العرق) تحت مبدأ سياسة الدفاع عن مصالحها وتجريدها من انتمائها الوطني، فنشاهد معارك إعلامية فئوية وطائفية بين الفضائيات لإثارة النعرات وتعميقها وتكريس الحقد الطائفي والقومي، وتثوير الأحداث وشحنها بموروثات الماضي، وإشاعة ثقافة الانفصال تحت يافطة تحقيق المصالح، ومحاولة إضعاف الانتماء الوطني في النفوس وربطه بالمكاسب المادية.
إن تحليل محتوى مضمون الفضائيات العراقية وأنماط خطاباتها الإعلامية يؤكد أن معظمها يكرس لثقافة الطائفية والقومية، حيث التغطية الخبرية للأحداث والوقائع تفتقد الموضوعية والحيادية، ومضامين البرامج تتجه إلى تعميق ثقافة ونشر أفكار الأحزاب وطائفتها وقوميتها على حساب أفكار الوطن والمواطنة، ما أدى إلى انقسام جمهور الفضائيات إلى جمهور (شيعي) و(سني) و(كردي) ، وباتت هذه الفضائيات خنادق للقتال الظائفي وأدوات تفريق وتحريض وتأجيح للنعرات الطائفية، وترويج بذور الكراهية والتفرقة.
وأصبح لا حديث للسياسي العراقي الجديد اليوم عن الوطنية إلا بابتعاده عن خنادق الطائفية لأنها تتناقض مع الوطنية وروحها وانتمائها وطهارتها. والمدخل الصحيح لمعالجة الأزمة الموروثة هو إطلاق فكرة المواطنة باعتبارها جوهر الوطنية ومقياس الانتماء، بحيث يصبح العراقيون، عرباً وأكراداً، سنة وشيعة، مسلمين ومسيحيين، متساوين أمام القانون في الحقوق والواجبات ضمن إطار دولة العراق، فهي الضمانة الحقيقية للتوافق وركيزة أساسية لبناء الديمقراطية والمجتمع المدني، لأن نتاج (الديمقراطية) القائمة على الطائفية والقومية والدينية لا يمكن أن يحقق الاستقرار والتوافق الوطني، فهي أجندة المحتل، واستراتيجيته المستقبلية. لأن المشهد العراقي، من دون توافق وطني حقيقي سيؤدي إلى (بلقنة) العراق وإطالة أمد الاحتلال، وإنشاء قواعد عسكرية له، وإيقاظ الحرب الأهلية، وقيام الفيدرالية الطائفية بين سنة وشيعة وأكراد. ومثلما تكون المواطنة جوهر وجود العراق ووحدته وقوته، فإن الحاجة تتطلب تجذير الديمقراطية في احزابهم ووسائل إعلامهم، وتعميق ثقافة الديمقراطية باتجاه تداول سلطة الحزب، وعصرنة أداء السياسي العراقي، واستيعابه للعبة الديمقراطية، وإشاعة ثقافة صوت الرافض داخل البرلمان واحترام رؤيته واجتهاداته، والأهم أن يكون هناك تلون سياسي داخل كل ائتلاف طائفي أو قومي يقضي على سيادة الحزب الواحد داخل الطائفة، بمعنى أن يكون الائتلاف الموحد عراقياً، وليس شيعياً صرفاً، والتوافق عراقياً وليس سنياً، والتحالف الكردي عراقياً وليس كردياً.
إننا نشهد اليوم تكتلات إعلامية طائفية وقومية وعرقية تتبنى الدفاع عن حقوق مواطنيها فقط، وتلغي الآخر تحت مبرارات (التكفير) و(التخوين) و(الإرهاب). فقد ظهرت فضائيات (شيعية) كقنوات (الفرات) و(المسار) و(بلادي) و(آفاق)، وكلها تعود إلى رموز كتلة (الائتلاف العراقي الموحد)، حيث توزعت ما بين المجلس الأعلى للثورة الإسلامية وحزب الدعوة الإسلامية ، وتعد قناة (الفرات) منبراً إعلامياً للدفاع عن شيعة العراق ، ومقابل هذا هناك قنوات (سنية) كقنوات (الرافدين) و(الزوراء) و(صلاح الدين) و(بغداد)، كما ظهرت قنوات (كردية) كقنوات (كردسات) و(كردستان) و(زاجروس) و(الحرية) و(السلام)، وقنوات (تركمانية) كقناة (تركمان إيلي ) و(مسيحية) كقناة (بين النهرين) و(عشتار) و(آشور)، إضافة إلى ظهور عدد كبير من القنوات المستقلة كقناة (الشرقية) و(البغدادية) و(الديار) و(السومرية)، وهي قنوات يتميز خطابها الإعلامي بالاتزان وعدم الطائفية، أما قناة (العراقية) الفضائية الحكومية فإنها تلتزم بالخط السياسي للحكومة، ويعاب عليها أنها منحازة لطرف على حساب طرف آخر، وعدم حياديتها في نقل الأحداث، والانتقائية في صناعة الخبر والحدث.
ومن دون شك فإن كثرة الفضائيات تحقق التنوع الثقافي والاجتماعي، وهي حالة صحية إذا كانت هذه الفضائيات تكرس مفهوم المواطنة الصالحة، وتقرب أبناء البلد إلى الحالة الوطنية وتوحدهم في الأزمات، وتجعل الولاء الوطني قبل الطائفة والقومية، وهو أمر تفتقده الكثير من الفضائيات العراقية ذات النعرات الطائفية والقومية والدينية.
وموضوعياً، فإن خطاب الفضائيات العراقية لا يزال خطاباً طائفياً وتحريضياً وصراعياً يحمل في ثناياه مفخخات التحريض الطائفي الذي يستند إلى فلسفة المحاصصة المذهبية والعرقية والدينية والإقصاء السياسي رغم تنوع رسائله وامتلاكه حرية التعبير، ولكن هذه الحرية ينبغي استثمارها لبناء ثقافة جديدة للإنسان العراقي، وتعميق مفهوم التوافق الوطني على قضايا الوطن وأمنه ووحدته ووجوده.
::/fulltext::
|
Getting your Trinity Audio player ready...
|
::cck::2712::/cck::
::introtext::
منذ اليوم الأول للاحتلال، شهد العراق غزواً إعلامياً مبرمجاً، تمثل بإطلاق قناة فضائية أمريكية باللغة العربية تعمل من خلال تكنولوجيا فضائية متطورة عبر الأقمار الصناعية فوق مدينة بغداد. كما دخلت بعض الصحف العراقية والعربية مع القوات البريطانية إلى البصرة ووزعت مجاناً، وصدرت صحف عراقية بتمويل خارجي أجنبي ومن دول مجاورة للعراق. كما قام الجانب الأمريكي بتأسيس مشاريع إعلامية في المحافظات المستقرة أمنياً وخاصة الجنوب والوسط من خلال تمويلها مالياً، وأنشئت في زمن بول بريمر هيئة عراقية عامة للبث والإرسال بتمويل أمريكي.
::/introtext::
::fulltext::
منذ اليوم الأول للاحتلال، شهد العراق غزواً إعلامياً مبرمجاً، تمثل بإطلاق قناة فضائية أمريكية باللغة العربية تعمل من خلال تكنولوجيا فضائية متطورة عبر الأقمار الصناعية فوق مدينة بغداد. كما دخلت بعض الصحف العراقية والعربية مع القوات البريطانية إلى البصرة ووزعت مجاناً، وصدرت صحف عراقية بتمويل خارجي أجنبي ومن دول مجاورة للعراق. كما قام الجانب الأمريكي بتأسيس مشاريع إعلامية في المحافظات المستقرة أمنياً وخاصة الجنوب والوسط من خلال تمويلها مالياً، وأنشئت في زمن بول بريمر هيئة عراقية عامة للبث والإرسال بتمويل أمريكي.
لقد شهدت الساحة الإعلامية ولادة أكثر من 216 صحيفة من دون الحصول على أي ترخيص رسمي بسبب إلغاء وزارة الإعلام الجهة الوحيدة المتخصصة بمنح هذه التراخيص. ولم تصدر إدارة الاحتلال أي قوانين أو تعليمات تنظم العملية الإعلامية لأسباب مقصودة، وظهرت أكثر من (10) قنوات فضائية، و(30) قناة أرضية، وبالمقابل سرحت قوات الاحتلال أكثر من 6000 من العاملين في وزارة الإعلام معظمهم من الصحفيين البارزين، حيث فرضت عليهم بطالة قسرية.
وكانت الأهداف الأمريكية واضحة في استثمار الإعلام في تغذية الأزمات، وهذا ما ظهر في الميدان عملياً، كسياسة تعميق الفوضى في العراق من قبل المحتل لأسباب سياسية تتعلق بوجوده وباستراتيجية البقاء، وهي سياسة بدأت بحل الجيش العراقي ووزارة الإعلام والأجهزة الأمنية لتدمير الدولة العراقية وإشاعة الفوضى والاقتتال السياسي والطائفي، وإشاعة ثقافة الاحتلال وتعميقها من خلال أجهزة الإعلام الممولة من المحتل، وإيجاد سياسة احتلالية قائمة على مبدأ (فرّق تسد) وخلط الأوراق. إضافة إلى إشاعة النمط الإعلامي الغربي في التغطية الإعلامية وتكريس الصحافة الصفراء القائمة على مبدأ الإثارة والمبالغات والغرائز، وتكريس النظرية النفسية (التنفيس) من خلال فتح (قنوات التعبير) وتشجيعها بما يحقق للمحتل مصالحه السياسية في إلهاء المواطن بموضوعات مختلفة وثانوية ، وإبعاده عن التفكير بممارسات المحتل وأجندته السرية، لذلك كانت حرية التعبير في كثير من الأحيان تأخذ شكل صراعات ومنازعات حزبية وطائفية لا علاقة لها بمصلحة العراق.
وكان اللافت للنظر هو أن إدارة الاحتلال لم تصدر أي قوانين أو تعليمات تنظم العملية الصحفية، بل تركت الأمر للجميع أن يؤسس صحيفة أو فضائية وصلت إلى أكثر من (200) صحيفة وعشرات القنوات الفضائية والأرضية. وكان الهدف المركزي هو إشاعة الفوضى الإعلامية بقصد خلط الأوراق، وتعميق الصراعات بين الأحزاب، وإحداث الوقيعة بين فئات الشعب المختلفة لتحويل الصراع من مواجهة العدوالمحتل إلى المواجهة الداخلية.
ولم تكن إجراءات المحتل في ما يتعلق بالحرية الإعلامية هدفها تأسيس نظام إعلامي ديمقراطي بقدر ما كانت هذه الحرية (معلبة) في علب من صنع أمريكي، مملوءة بأجندات السيطرة والتحريض الطائفي والعرقي والديني، بدليل أن قوات الاحتلال أغلقت صحفاً دينية ومستقلة بحجة (ترويجها للإرهاب)، واعتقلت عدداً كبيراً من الصحفيين العراقيين، وتعرضت الصحافة العراقية إلى أعمال إهانة وممارسات لا أخلاقية مارسها جنود الاحتلال ضدها، كما قتل أكثر من (50) صحفياً معظمهم من مراسلي القنوات الفضائية المحلية والعربية، وأوقفت عمل قنوات عربية كالجزيرة بحجج واهية، كما اختلفت عمليات القتل ما بين إطلاق نار عن طريق الخطأ أو العمد من قبل قوات الاحتلال، كما قتل عشرات الصحفيين العراقيين على الهوية من قبل الميليشيات الطائفية وفرق الموت.
وهكذا حاول المحتل أن ينشئ بيئة إعلامية صراعية غير صحية، ويستثمرها لمصالحه السياسية وأجندته الخاصة، ويخترق وعي ومدركات المواطن من خلال استغلاله لحاجات الإنسان العراقي في ما يتعلق بحرية التعبير وتعطشه للديمقراطية بعد سنوات من المركزية الشديدة للإعلام، وإغلاق منافذ حرية التعبير، وافتقاده التعددية الحزبية والإعلامية. لذلك كان من حق المواطن العراقي أن تدهشه الحريات الإعلامية المستوردة مهما كانت صورها وأساليبها وأجندتها، ويمارسها بطرق عديدة بعضها مؤذ بحق الوطن وبعضها إيجابي للتعبير عن أفكاره وممارساته. فبدأنا نشهد فوضى الأحزاب والصحافة وحرية اللسان والكلام والصراخ من أجل إسكاتنا، والضحك علينا، وامتصاص غضبنا وإشغالنا عن هموم الاحتلال وخططه وتمريرها.
وما نراه اليوم في المشهد الإعلامي العراقي إلا صورة مؤلمة لممارسات تحمل في ثناياها خطاباً إعلامياً مؤججاً ومبرمجاً لصالح الانتماء الطائفي والعرقي أكثر مما هو لمصلحة الوطن من خلال أكثر من صورة:
1- وقوع الإعلام العراقي في فخ المنازعات والصراعات السياسية والحزبية والطائفية والفئوية والقومية لأسباب ترتبط بخلفيات بعض الأحزاب وأجندتها الخارجية، وعدم استيعاب الكثير منها للفكرة الحزبية في العراق وممارسة الديمقراطية.
2- ظاهرة تعددية الأفكار التي ترتبط معظمها بمعالجات طائفية وقومية تقترب من الولاء إلى المذهب والعشيرة والقومية أكثر من اقترابها إلى الهم الوطني والولاء للوطن.
3- التنوع في وسائل الإعلام، وهو تنوع إيجابي إذا كان هذا التنوع يهدف إلى بناء الإنسان العراقي الجديد، وتوعيته بوحدة العراق ومخاطر التقسيم والاحتلال وأجندته السياسية، وتعميق الوحدة الوطنية، وإشاعة ثقافة الديمقراطية واحترام الرأي الآخر، ولكن هذا التنوع الإعلامي اتجه إلى مسارات تخدم المحتل وتلتقي أجندته السياسية. فبتنا نشهد اليوم ظهور صحف حزبية ودينية ذات ولاءات طائفية تشيع ثقافة الولاء للطائفة، وصحف مستقلة وحزبية تبرر للمحتل وجوده وممارساته القمعية. كما ظهرت فضائيات تبشر علنية بثقافة المذهب وتلغي الآخر تحت مبررات عديدة، مرة تشكو طائفة بتهميشها من المذهب الآخر، ومرة تشكو طائفة أخرى بتكفيرها من الطائفة الأخرى، وليصبح المشهد العراقي مشهداً إعلامياً صراعياً بين الطوائف والقوميات والأديان، وهو أمر يصب في النهاية لصالح المحتل.
4- ظاهرة التمويل الإعلامي ومخاطره على مستقبل الإعلام العراقي واستقلاليته، خاصة إذا كان هذا التمويل خارجياً هدفه تحقيق أهداف سياسية ضد مصلحة الوطن، ولا غرابة أن بعض الصحف والفضائيات تم دعمها من قبل الاحتلال أو من دول مجاورة للعراق، بحيث أصبح التمويل امتيازاً لبقاء البعض على حساب صحف وطنية وقومية قاومت الاحتلال إعلامياً، ولكنها لم تستطع مقاومة البقاء لأسباب مادية.
كذلك انعكست الظروف السياسية وصراعات الأحزاب على الصحفيين العراقيين مادياً ومهنياً، فقد شهدت معارك واحتدامات بين الصحفيين تبعاً لانتماءاتهم السياسية والطائفية والقومية، مؤدية إلى شق وحدة الصحفيين، الأمر الذي أدى إلى تشكيل منظمة صحفية رديفة لنقابة الصحفيين العراقيين تعمل تحت اسم (اتحاد الصحفيين العراقيين). وهذه الصراعات ساهمت في إضعاف وحدة الصحفيين ومؤسساتهم، وشكلت عائقاً أمام حل مشكلاتهم الحياتية والمهنية والأمنية، حيث لا وجود لحصانة تحميهم من الاغتيال أو الاعتقال أو القتل.
فإذا كانت تفجيرات الفتنة الطائفية لقتل الأبرياء في صورة السيارات المفخخة تشكل جريمة بحق الشعب والوطن، فإن تفجيرات (الفتنة الإعلامية) التي تم تفخيخها داخل وسائل الإعلام العراقية وبالذات الفضائيات هي الأخرى جريمة بشعة لا تقل عن جريمة قتل العراقي بدم بارد، لأنها تحاول إيقاظ الفتنة والتحريض من خلال خطاب إعلامي مؤجج ومبرمج لمصلحة الانتماء الطائفي والقومي والعرقي. إذ نشهد اليوم ظهور صحف حزبية ودينية ذات ولاءات طائفية تشيع ثقافة الولاء للطائفة، وصحف مستقلة وحزبية تبرر للمحتل وجوده وممارساته القمعية. والأخطر هو تسابق الأحزاب والطوائف والمذاهب على إنشاء إذاعات وفضائيات، معظمها تبشر بثقافة الطائفة وتلغي الآخر تحت مبررات عديدة، مرة بتهميشها من المذهب الآخر، ومرة بتكفيرها من الطائفة الأخرى، لتضاف للمشهد الجديد فتنة حريق الإعلام الطائفي الأجنبي، وبعض قنوات الإعلام العربية، لصناعة خطاب التحريض والفتنة، وليصبح المشهد العراقي مشهداً إعلامياً صراعياً بين الطوائف والقوميات والأديان.
إن التعددية الإعلامية في التعبير، وتنوع الرسائل الإعلامية في المجتمع العراقي ضرورية، وهي حالة صحية وإنسانية، ولكن ينبغي استثمارها لبناء ثقافة جديدة للإنسان العراقي تعمّق لديه مفهوم التوافق الوطني ووحدة الولاء للوطن قبل الولاء للمذهب والقبيلة والعرق. ومن المؤسف أن نجد الكثير من الفضائيات لا ترى العراق إلا من خلال تخندقها لطائفتها وقوميتها، ولا ترى الآخر إلاّ بمنظار ضيق وفئوي، بل إن بعضها يحاول تأجيج الصراعات الطائفية وتعميقها، والبعض الآخر يحرض على العنف من دون الاقتراب من القواسم المشتركة وإيجابياتها، ومن المؤسف أيضاً أن هذه الفضائيات تقف وراء تمويلها جهات خارجية ألوانها سياسية وطائفية وعرقية، ترتبط بأجندات مختلفة، ولها قواسم مشتركة، وتريد إشعال فتيل الحرب الأهلية.
ولم يكن المشهد الإعلامي معزولاً عما يجري في الحياة السياسية العراقية من محاصصة طائفية وعرقية ودينية في مجال الإدارة الحكومية وميادين التعليم والصحة والاقتصاد، فهي من دون شك سياسة المحتل منذ احتلاله للعراق، والذي تجسد في (قانون بريمر) الخاص بقانون إدارة الدولة العراقية الذي عمق المحاصصة لإشعال فتيل الحرب الأهلية وتقسيم العراق.
وشهد الواقع الإعلامي داخل العراق تناسلاً للفضائيات بشكل لا مثيل له في الحياة العراقية ، ابتدأ بإنشاء شبكة الإعلام العراقي من قبل قوات الاحتلال ودعمه، فكانت أول قناة فضائية عراقية بعد السقوط، ولم يمض وقت طويل حتى ظهرت الكثير من الفضائيات العراقية الواحدة تلو الأخرى ، وبلغ عدد هذه الفضائيات على القمر الصناعي المصري(30) محطة فضائية، إضافة إلى (5) قنوات كردية وعراقية على القمر الأوروبي، وهذه الحالة النادرة لظهور الفضائيات تذكرنا بالحرب الاهلية اللبنانية (1975- 1990) التي وصل عددها إلى حوالي (80) محطة، وكانت هذه المحطات الفضائية جزءاً مكملاً من الحرب الداخلية الطائفية واداة في تأجيجها.
ومن المؤسف أن يعيد التاريخ نفسه ، فنحن اليوم أمام ظاهرة (حرية إطلاق القنوات) و(الحرية الإعلامية) في العراق، وهي حرية استثمرت ضد الوطن ووحدة مواطنيه لصالح أحزاب وتكتلات دينية وقومية ارتأت أن تقدم مصالحها الطائفية والقومية والعرقية على مصلحة الوطن من خلال خطابات (طائفية) و(عنصرية) و(دعائية)، بحيث أصبح المشهد الإعلامي العراقي يقارب المشهد السياسي، فهناك قنوات (شيعية) و(سنية) و(كردية) تدافع عن طائفتها وقوميتها.
وهكذا تحولت هذه الفضائيات إلى منابر إعلامية لتأجيج الصراع السياسي بين الأحزاب والطوائف والقوميات والأديان، وأداة دعاية محرضة لإشعال فتيل الحرب الطائفية وتكريس ثقافة المحاصصة والمصالح، وإثارة الغرائز والدوافع النفسية من خلال نبش الماضي وانتقاء الأحداث بازدواجية المعايير، وهنا لابد من التوقف عند ظواهر أساسية عند مناقشة ظاهرة الفضائيات في العراق، وهذه الجوانب هي :
1- إن هذه الفضائيات ولدت في بيئة سياسية صراعية تحت الاحتلال، وهي بيئة أفرزت أنماطاً إعلامية مستننسخة من الواقع السياسي العراقي وطبيعة العملية السياسية المبنية على ظاهرة المحاصصة الطائفية، وهذا ما يجعلها في كثير من الأحيان تعبر عن أحزابها وتكتلاتها بعيداً عن منطق الحيادية في تناول الأخبار والأحداث والوقائع.
2-قضية تمويل هذا الفضائيات، فمن المعروف أن إنشاء فضائية عبر الأقمار الصناعية يحتاج إلى مبالغ طائلة لتأمين المعدات والأجهزة والاستديوهات وتكاليف العاملين، وما يثير الاستغراب ظهور عشرات الفضائيات بعد الاحتلال مباشرة من قبل أحزاب وأشخاص، مما يثير الريبة بأن هناك جهات إقليمية ودولية وراء إنشائها لتحقيق مكاسب سياسية، بعضها لتكريس وجودها، والبعض الآخر لأهداف وأجندات المحتل.
3- غياب المهنية في هذه الفضائيات، التي أثرت في نوع الخطاب الإعلامي وتوجهاته السياسية، وعمقه الثقافي والمهني، حيث الركاكة والضعف في أداء هذه الفضائيات وافتقارها إلى الكوادر الإعلامية المؤهلة ، والأخطر هو افتقار هذه الكوادر إلى أخلاقيات الإعلام ورسالته النبيلة بانحيازها إلى طائفتها وقوميتها أو حزبها السياسي دون مراعاة الحيادية والموضوعية.
4-بروز ظاهرة الفضائيات الدينية ذات التوجهات الطائفية التي تنطلق من مرجعيات دينية مختلفة ، ويغلب على خطابها الإعلامي المحتوى الطائفي أو الانفصالي، وإجازة الاقتتال الطائفي، وتكريس الانتماء للطائفة والقومية، حيث انتشرت فضائيات لا تهتم إلا بقضايا الشيعة وقنوات أخرى تهتم بقضايا السنة، وكلها تحاول استخدام أسلوب الدعاية التي تعتمد على إثارة العواطف وتغييب الآخر، وإضعاف ثقافة المواطنة والوحدة الوطنية. 5-غياب السياسة الإعلامية لهذه الفضائيات، حيث تتجه إلى المحلية في نقل الأحداث والأخبار من وجهة نظر حزبية ودينية وقومية لتأسيس فكرة (الانتماء الطائفي والقومي) ومحاولة كسب الناس بخطاب يكرس مفهوم (الطائفة) و(القومية) و(العرق) تحت مبدأ سياسة الدفاع عن مصالحها وتجريدها من انتمائها الوطني، فنشاهد معارك إعلامية فئوية وطائفية بين الفضائيات لإثارة النعرات وتعميقها وتكريس الحقد الطائفي والقومي، وتثوير الأحداث وشحنها بموروثات الماضي، وإشاعة ثقافة الانفصال تحت يافطة تحقيق المصالح، ومحاولة إضعاف الانتماء الوطني في النفوس وربطه بالمكاسب المادية.
إن تحليل محتوى مضمون الفضائيات العراقية وأنماط خطاباتها الإعلامية يؤكد أن معظمها يكرس لثقافة الطائفية والقومية، حيث التغطية الخبرية للأحداث والوقائع تفتقد الموضوعية والحيادية، ومضامين البرامج تتجه إلى تعميق ثقافة ونشر أفكار الأحزاب وطائفتها وقوميتها على حساب أفكار الوطن والمواطنة، ما أدى إلى انقسام جمهور الفضائيات إلى جمهور (شيعي) و(سني) و(كردي) ، وباتت هذه الفضائيات خنادق للقتال الظائفي وأدوات تفريق وتحريض وتأجيح للنعرات الطائفية، وترويج بذور الكراهية والتفرقة.
وأصبح لا حديث للسياسي العراقي الجديد اليوم عن الوطنية إلا بابتعاده عن خنادق الطائفية لأنها تتناقض مع الوطنية وروحها وانتمائها وطهارتها. والمدخل الصحيح لمعالجة الأزمة الموروثة هو إطلاق فكرة المواطنة باعتبارها جوهر الوطنية ومقياس الانتماء، بحيث يصبح العراقيون، عرباً وأكراداً، سنة وشيعة، مسلمين ومسيحيين، متساوين أمام القانون في الحقوق والواجبات ضمن إطار دولة العراق، فهي الضمانة الحقيقية للتوافق وركيزة أساسية لبناء الديمقراطية والمجتمع المدني، لأن نتاج (الديمقراطية) القائمة على الطائفية والقومية والدينية لا يمكن أن يحقق الاستقرار والتوافق الوطني، فهي أجندة المحتل، واستراتيجيته المستقبلية. لأن المشهد العراقي، من دون توافق وطني حقيقي سيؤدي إلى (بلقنة) العراق وإطالة أمد الاحتلال، وإنشاء قواعد عسكرية له، وإيقاظ الحرب الأهلية، وقيام الفيدرالية الطائفية بين سنة وشيعة وأكراد. ومثلما تكون المواطنة جوهر وجود العراق ووحدته وقوته، فإن الحاجة تتطلب تجذير الديمقراطية في احزابهم ووسائل إعلامهم، وتعميق ثقافة الديمقراطية باتجاه تداول سلطة الحزب، وعصرنة أداء السياسي العراقي، واستيعابه للعبة الديمقراطية، وإشاعة ثقافة صوت الرافض داخل البرلمان واحترام رؤيته واجتهاداته، والأهم أن يكون هناك تلون سياسي داخل كل ائتلاف طائفي أو قومي يقضي على سيادة الحزب الواحد داخل الطائفة، بمعنى أن يكون الائتلاف الموحد عراقياً، وليس شيعياً صرفاً، والتوافق عراقياً وليس سنياً، والتحالف الكردي عراقياً وليس كردياً.
إننا نشهد اليوم تكتلات إعلامية طائفية وقومية وعرقية تتبنى الدفاع عن حقوق مواطنيها فقط، وتلغي الآخر تحت مبرارات (التكفير) و(التخوين) و(الإرهاب). فقد ظهرت فضائيات (شيعية) كقنوات (الفرات) و(المسار) و(بلادي) و(آفاق)، وكلها تعود إلى رموز كتلة (الائتلاف العراقي الموحد)، حيث توزعت ما بين المجلس الأعلى للثورة الإسلامية وحزب الدعوة الإسلامية ، وتعد قناة (الفرات) منبراً إعلامياً للدفاع عن شيعة العراق ، ومقابل هذا هناك قنوات (سنية) كقنوات (الرافدين) و(الزوراء) و(صلاح الدين) و(بغداد)، كما ظهرت قنوات (كردية) كقنوات (كردسات) و(كردستان) و(زاجروس) و(الحرية) و(السلام)، وقنوات (تركمانية) كقناة (تركمان إيلي ) و(مسيحية) كقناة (بين النهرين) و(عشتار) و(آشور)، إضافة إلى ظهور عدد كبير من القنوات المستقلة كقناة (الشرقية) و(البغدادية) و(الديار) و(السومرية)، وهي قنوات يتميز خطابها الإعلامي بالاتزان وعدم الطائفية، أما قناة (العراقية) الفضائية الحكومية فإنها تلتزم بالخط السياسي للحكومة، ويعاب عليها أنها منحازة لطرف على حساب طرف آخر، وعدم حياديتها في نقل الأحداث، والانتقائية في صناعة الخبر والحدث.
ومن دون شك فإن كثرة الفضائيات تحقق التنوع الثقافي والاجتماعي، وهي حالة صحية إذا كانت هذه الفضائيات تكرس مفهوم المواطنة الصالحة، وتقرب أبناء البلد إلى الحالة الوطنية وتوحدهم في الأزمات، وتجعل الولاء الوطني قبل الطائفة والقومية، وهو أمر تفتقده الكثير من الفضائيات العراقية ذات النعرات الطائفية والقومية والدينية.
وموضوعياً، فإن خطاب الفضائيات العراقية لا يزال خطاباً طائفياً وتحريضياً وصراعياً يحمل في ثناياه مفخخات التحريض الطائفي الذي يستند إلى فلسفة المحاصصة المذهبية والعرقية والدينية والإقصاء السياسي رغم تنوع رسائله وامتلاكه حرية التعبير، ولكن هذه الحرية ينبغي استثمارها لبناء ثقافة جديدة للإنسان العراقي، وتعميق مفهوم التوافق الوطني على قضايا الوطن وأمنه ووحدته ووجوده.
::/fulltext::
::cck::2712::/cck::
