مؤتمر بغداد الاقليمي: هل بدأ زمن المصالحة الأمريكية – الإيرانية – السورية؟
::cck::2720::/cck::
::introtext::
(إن المرء ليتعجب مما يراه ،فها هو الرئيس الذي كان يسخر من فكرة الحديث مع إيران وسوريا يرسل مبعوثيه لحضور مؤتمر إقليمي، يتم خلاله الحديث مع إيران وسوريا، هذا التراجع من قبل بوش هو الأخير في سلسلة من التراجعات عن مواقف كان يبدو غير مستعد للزحزحة عنها قيد أنملة).
::/introtext::
::fulltext::
(إن المرء ليتعجب مما يراه ،فها هو الرئيس الذي كان يسخر من فكرة الحديث مع إيران وسوريا يرسل مبعوثيه لحضور مؤتمر إقليمي، يتم خلاله الحديث مع إيران وسوريا، هذا التراجع من قبل بوش هو الأخير في سلسلة من التراجعات عن مواقف كان يبدو غير مستعد للزحزحة عنها قيد أنملة).
بهذه الكلمات يستهل الكاتب والمحلل السياسي الأمريكي بيتر بيكر مقالاً مطولاً عبر صفحات (الواشنطن بوست) الأمريكية، مقال ربما يؤرخ لمرحلة جديدة في تاريخ الولايات المتحدة مثلما كان مقال صموئيل هنتنغتون عن صراع الحضارات في مجلة (الفورين أفيرز) الأمريكية في أوائل تسعينات القرن المنصرم علامة فاصلة في علاقات الشرق بالغرب عبر نحو عقدين من الزمان.
والتساؤل المطروح هنا هل سيشهد الخليج العربي تحولات جذرية قبل التهديد الأكثر خطورة في تاريخه الحديث أي إمكانية المواجهة الأمريكية ـ الإيرانية المسلحة؟
قبل التطرق إلى مؤتمر بغداد الإقليمي ربما يجدر بنا العودة إلى واشنطن بداية، ذلك أن سلسلة التراجعات التي انتهجتها إدارة بوش في الشهور الأخيرة بدأت منذ سيطر الديمقراطيون على الكونغرس بمجلسيه، فقد بدأت بإقالة وزير الدفاع الأمريكي دونالد رامسفيلد والتفويض بالدخول في مباحثات مباشرة مع كوريا الشمالية وإرسال المزيد من القوات المسلحة إلى العراق والموافقة على مناقشة الخطوط العامة للدولة الفلسطينية في الشرق الأوسط واقتراح زيادة ضريبية على ملايين الأمريكيين وكلها أمور كان قد رفضها من قبل.
غير أن خطورة التعامل المباشر مع إيران وسوريا عبر أرضية عراقية هو ما يهمنا بأكثر صورة في هذا السياق لاسيما وأنه جرى بطريقة مثيرة للدهشة، فبوش الذي أثنى على تقرير بيكر ـ هاملتون بحموضة عالية كما يقال هو ذاته الذي جعل موقفه واضحاً لا يحتمل أي لبس عندما سخر في مؤتمر صحفي عقد في الشهر الماضي من هؤلاء الذين يدعونه للدخول في مفاوضات مع الدولتين العدوتين وإحداهما (إيران) هي المتبقية في فلك دول محور الشر بعد انتهاء إشكالية كوريا.
يومها قال بوش بلهجة ساخرة (إننا نعيش في عالم نجد فيه أناساً يقولون لك اجتمع مع هذا واجلس مع ذلك، وإجابتي عن مثل تلك الطلبات أنني لن أجتمع مع هذا ولن أجلس مع أحد إلا إذا ما تأكدت مسبقاً أن هذا الاجتماع أو تلك الجلسة ستنتج عن أي منهما فوائد فهذا هو الشيء الذي يعنيني في المقام الأول).
ومع صرامة وحدّة تعبيرات بوش فإنه لم يكد يمر أسبوعان على هذا التاريخ إلا ووجدناه يوافق على الجلوس مع الدولتين والاجتماع معهما في سياق مؤتمر إقليمي لجيران العراق والقوى الكبرى على رغم أنه لم يتم تحقيق أي شرط من الشروط التي كان قد وضعها مسبقاً وقد كان موقف بوش سببا في تأليب المحافظين الجدد عليه حتى أن أحدهم (مايكل ليدين) الباحث المرموق في معهد أمريكان إنتربرايز يعلق على المشهد بقوله (لم يسبق لي أن رأيت إدارة توجد فيها هذه الهوة الهائلة بين ما يقوله الرئيس علناً وبين أفعاله الحقيقية، في حين أن ما يجب أن يتم هو أن تعكس التصريحات الرئاسية العامة السياسة التي تتبعها الإدارة غير أن هذا ليس هو ما يفعلونه في هذه الإدارة على ما يبدو).
والمؤكد أن التساؤل الذي يطرح نفسه بين يدي هذا المشهد لماذا كان هذا التحول جهة إيران تحديداً أولاً؟ وهل الأمر يتخطى ثانياً إيران إلى السياسات الأمريكية العامة التي مضت في طريق واحد وهو طريق التصادم والمواجهة وبعدما اتبعت فلسفة التقسيم (المانوي) الشهير الذي فرق بين الناس على أساس الخير المطلق والشر المطلق أيضاً؟
إيران وإشكاليات العمل العسكري ضدها
يمكننا بداية الإشارة إلى أن سياسة المشاركة الأمريكية ربما تكون مخرجاً ملائماً يحفظ ماء وجه البلدين (أمريكا وإيران) مع الاعتقاد بأن سوريا وخلافاتها مع أمريكا ليست جوهرية ومن اليسير حلها بعيداً عن أي احتمالات لمواجهات عسكرية مسلحة، كما في حال الجدل الدائر حول إيران بسبب برنامجها النووي ذلك لأنه رغم طبول الحرب التي تقرع بقوة وشدة حول إيران ويسمع دويها في كافة أرجاء الخليج العربي فإن واشنطن تدرك جيداً أن هذا العمل العسكري محفوف بمخاطر كثيرة ومحاط بتعقيدات متعددة يمكن قراءتها على ضوء الوثيقة التي أصدرها برنامج الدراسات العسكرية والأمنية في معهد واشنطن لسياسة الشرق الأدنى ومن هذا المنطلق كان التحول الدبلوماسي طريقاً لا بأس من تجربته للالتفاف على أو تجنب تلك العقبات وفي مقدمة تلك التعقيدات:
*استشارة الكونغرس: فبالرغم من أن دستور الولايات المتحدة يمنح الكونغرس سلطة إعلان الحرب إلا أن الممارسات العملية في العقود الأخيرة بينت أن الأمر ترك للرئيس لان يسعى إلى قرار مشترك مع الكونغرس يخوله باستعمال القوة العسكرية بحكم كونه القائد الأعلى للقوات المسلحة للتعامل مع أخطار كبرى على السلام والأمن الدوليين، وفي ظل هيمنة الديمقراطيين على الكونغرس ستصبح هناك صعوبة بالغة في التعامل معه فإما إبلاغه مقدماً بالضربة قبل تنفيذها وهنا سيتعرض بوش وإدارته لهجوم مريع ربما يفقده الدعم الجماهيري وإما فتح المجال للحديث عن الضربة في الكونغرس مما يعطي إيران فرصة للمناورة ما يشبه الإنذار المبكر.*الحلفاء: وفي الورقة أيضاً حديث عن حلفاء أمريكا الذين سيتأثرون ولاشك بالضربة القادمة لإيران من جراء ردود أفعال الأخيرة الانتقامية، لهذا يجب على أمريكا إخطار حلفائها مقدماً للاستعداد لمواجهة الإسقاطات المجازية الناجمة عن ضربة وقائية وستجد أمريكا ملتزمة بنصح حلفائها باتخاذ أقصى إجراءات الحيطة والحذر مثل حشر شبكات العملاء الإيرانيين المشتبه فيهم وتخفيض طواقم العاملين في سفاراتهم في إيران واتخاذ خطوات أمنية لحماية السفارات والمراكز الثقافية القائمة في بلدان ثالثة ذات اهتمام ما سيعقد علاقة أمريكا بحلفائها.
*التوقيت : إذا قررت الولايات المتحدة توجيه الضربة فهل كما يقال خير البر عاجله أم لا؟ هناك ثلاثة عوامل يحددها مايكل ايسينشتات مدير برنامج الدراسات العسكرية وصاحب الوثيقة في معهد واشنطن تؤثر في القيام بمثل هذه العملية وهي جودة صورة المعلومات الاستخبارية ومدى نضج البنى التحتية النووية الإيرانية ووضع مواردها العلمية التقنية البشرية.
والمؤكد أن اللحظة المواتية لتوجيه الضربة قد لا تأتي لأن هذه العوامل تجري وتتحرك بشكل مستقل عن بعضها وفي بعض الحالات في تناقض زمني، كما أن عملاً استباقياً ناجحاً يتطلب ضربات متقطعة مرفوقة بإجراءات أخرى ضد مختلف الأهداف في فترة زمنية.
وتمتد القراءة لتشمل الكثير من النقاط مثل المعلومات عن الأهداف والأسلحة اللازمة للضربة وتقدير النجاح، إضافة إلى العمليات الإعلامية، وفي كل من الأحوال فإن الخلاصة هي أن الولايات المتحدة لابد أن تبقى خيار الضربة العسكرية الوقائية على الطاولة حتى إن كانت تسعى إلى حل دبلوماسي للأزمة الراهنة مع إيران غير أنها تدرك دونما أدنى شك أنه من دون إيران سيكون الوضع في العراق صعباً ومن دون سوريا لن يستقر الوضع في لبنان.. ماذا يعني هذا الكلام؟
يعني أنه ليس الصعوبات التي تواجه العمل العسكري الأمريكي ضد إيران هي وحدها التي تدفع أمريكا للتحولات الظاهرة في الخليج، بل هناك ملفات أخرى مفتوحة كالجرح النازف في الجسد الأمريكي والمسمى العراق وهو ما حدا بقيام رئيس لجنة العلاقات الخارجية في مجلس النواب الأمريكي توم لانتوس المتشدد بطبعه والمطالب بتشديد العقوبات على إيران لأن يوافق على الإجماع الذي ظهر في الأفق نحو إرسال رسالة جديدة للنظام الإيراني، وقد دعم هذا الاتجاه نيكولاس بيرنز نائب وزيرة الخارجية الأمريكية الذي يعكف على الشأن الإيراني أكثر من أي موظف آخر في الإدارة الأمريكية حين قال أمام الكونغرس بلهجة المتفائل أن إيران كانت قبل أشهر قليلة تبدو كمن يمتطي ظهر موجة من النجاحات، أما الآن فقد أثارت الاستراتيجية الأمريكية جدلاً في أوساط القيادة الإيرانية حول مواصلة المجابهة أو الموافقة على التفاوض.
ومما لاشك فيه أن الصورة الأوسع تحتمل القول إنه من دون إيران سيكون الوضع في العراق أصعب ومن دون سوريا لن يستقر الوضع في لبنان ومن دون التقدم في عملية السلام سيصعب على الدول العربية السنية تقديم المساعدة في مواجهة الجبهة الشيعية.
يفهم من ذلك أن التحولات الأمريكية جهة إيران كان وراءها فهم أبعد من مجرد القيام بضربة عسكرية لاسيما أن شبكة العلاقات معقدة، فإيران وسوريا مرتبطتان ببعضهما البعض ولبنان وفلسطين مرتبطان أيضاً بما يجري تجاه عملية السلام، وبقية العالم العربي لا يحتمل مشهد تعرض دولة جديدة فيه لضربة عسكرية أمريكية يمكن أن تفسر على أنها هجمة صليبية ـ صهيونية كما ترى الاتجاهات الراديكالية العربية والإسلامية على نحو خاص.
وإذا كان السفير الأمريكي في بغداد زلماي خليل زاد قد وصف اللقاءات التي جرت بين الوفدين الأمريكي والإيراني بأنها كانت طيبة وأن كلمات جيدة قيلت من الجانبين وفي انتظار تطبيقات عملية على الأرض فإن تصريحات السفير ديفيد ساترفيلد المستشار الرئيسي لوزيرة الخارجية الأمريكية لشؤون العراق والذي ترأس الوفد الأمريكي في مؤتمر بغداد الأخير والخاصة بأن الهدف من المؤتمر هو الإعداد للمؤتمر التالي الذي سيعقد في إبريل 2007 على مستوى وزراء الخارجية، إن هذه التصريحات تؤكد الميل إلى تفعيل الدور الدبلوماسي وتغير لهجة واشنطن وربما ذهبت إلى ذلك مدفوعة باتجاه آخر هو حتمية العودة إلى سياسة الاحتواء بل العودة كذلك إلى خيار (ترومان) فماذا عن ذلك؟
واشنطن والعودة إلى سياسة الاحتواء
وهنا يثور تساؤل هل باتت العودة إلى سياسات الاحتواء وتفعيل الآليات التي استخدمت في مواجهة الاتحاد السوفييتي إبان الحرب الباردة أمراً حتمياً؟ وماذا عن خيار ترومان كبديل ثالث؟
تساؤلات طرحها المشهد الأمريكي المأزوم لاسيما بعد خسارة الجمهوريين لسيطرتهم على الكونغرس من جهة وعلامات الفشل الجلية للعيان في العراق وأفغانستان من جهة ثانية؟
هل ستصبح سياسة الاحتواء البديل الملائم للتصعيد العسكري؟
يعود مفهوم الاحتواء إلى زمن الحرب الباردة وكان المؤرخ والدبلوماسي الأمريكي جورج كينان هو أول من أطلق هذا المفهوم في أواخر عقد الأربعينات، ويمكن تلخيص فحوى ما دعا إليه (في أنه وطالما لم يبادر الاتحاد السوفييتي إلى مهاجمتنا فإن علينا ألا نهاجمه وأن نعتمد بدلاً من ذلك على عصانا وجزرتنا الاقتصادية، وكذلك على الدبلوماسية وعملنا الاستخباراتي، فضلاً عن الترويج لصحة وحيوية الرأسماليات الديمقراطية بغية الفوز بالحرب الباردة).
وفي الشهور الماضية دعا عدد كبير من المحللين السياسيين الأمريكيين إلى ضرورة العودة لسياسة الاحتواء في العراق والتفكير جدياً في احتواء إيران أيضاً ولجم جماحها النووي عوضاً عن فكرة توجيه ضربة عسكرية لها.لكن كيف يمكن احتواء إيران؟
مما لاشك فيه أن القتال الدائر الآن في العراق هو نموذج لصراع بالوكالة بين الولايات المتحدة وإيران على الشرق الأوسط، والمثير في تقدير الاستراتيجيين الأمريكيين هو أنه في حين أن حرب العراق أحدثت انقساماً عميقاً في العالم العربي فإن احتمالات الصراع مع إيران قد تؤدي في الأغلب الأعم إلى توحيد العرب.
وعند البعض منهم أن العرب – باستثناء العرب الشيعة الذين يديرون معظم العراق في الوقت الراهن – يريدون من الأمريكيين أن يلقنوا الإيرانيين درساً يعلمهم فضيلة التواضع، غير أنه في حال نشوب حرب حقيقية مع إيران لن يكون هناك في المواجهة سوى أمريكا وإسرائيل.
ومع استبعاد إسرائيل لأسباب كثيرة فإن أمريكا ستبقى بمفردها في المواجهة وستتحمل دفع النفقات الأدبية والمادية، أما الأولى فاختصاما من سمعتها التي تلوثت إلى أقصى حد ومد في العالم، والثانية حيث العجز غير المسبوق في الموازنات الأمريكية.
وهناك أكثر من سبيل للاحتواء لعل في مقدمتها السبل المحاصرة الاقتصادية الخانقة وإيران دولة لا تتوافر لها الشروط اللازمة كي تصبح دولة إقليمية نافذة وفي مقدمتها القوة الاقتصادية؛ وتضييق الخناق على الإيرانيين مالياً ودولياً سيزيد من التفكك الداخلي، فقط الأمر يحتاج إلى سياسة الصبر والنفس الطويل وهو النموذج الذي اتبع مع الاتحاد السوفييتي قديما وهو ما ثبتت جدواه تاريخياً.
وحديثاً كانت الدبلوماسية تفعل ذات الفعل في حكومة بيونغ يانغ ونظام كيم إيل يونج، وكانت المكافأة الاقتصادية والدبلوماسية مفتاحاً للتوصل إلى حل مع كوريا الشمالية فلماذا لا تكون العودة إلى السياسة مع إيران أي ترغبيها بالجزرة وتهديدها بالعصا؟
ومن وسائل الاحتواء المطروحة والتي كان (كينان) يرجحها على الدوام كطريق فاعل لكسب العقول والقلوب البرهنة على تفوق الرأسمالية الليبرالية وتقديمها مثالاً مجسداً لأعدائنا وأصدقائنا على الأرض وقد تكون الرؤية ذاتها خلاصة شافية وافية اليوم، والسبب أن نظام الحكم في إيران الذي يدعم القلاقل في العراق وسوريا بحسب المفهوم الأمريكي شأنه شأن الخطر السوفييتي السابق ويتقاسم معه أرضية واحدة وهي عجزها عن تقديم نموذج اقتصادي سياسي قابل للعيش والبقاء، ويدلل الرأسماليون على صحة خيار الاحتواء من هذا المنطلق بالإشارة إلى الاقتصاديين الإيراني والأفغاني وما جرى لهما أثر وصول الأصوليين الإسلاميين إلى السلطة في كلا البلدين لاسيما أن هناك تيارات ليبرالية شبابية في إيران تتطلع إلى ذلك النموذج الرأسمالي.
وفي إطار الحديث عن فلسفة الاحتواء يطفو على السطح حديث جديد ربما يتلاءم مع روح العسكرية الإمبراطورية الأمريكية ذاك الذي يطلق عليه (الاحتواء المعزز بالدفاع).. ماذا يعني هذا المصطلح؟
في ثمانينات القرن الماضي أجبر الرئيس الأمريكي رونالد ريجان الاتحاد السوفييتي السابق عن طريق مبادرة الدفاع الاستراتيجي على القبول بالدخول في مفاوضات مع الولايات المتحدة وفي الوقت الراهن تستطيع منظومة الدفاع الصاروخي أن تحتوي إيران، غير أن المشكلة حول هذا الأمر هي أن الأمريكيين يحاولون وضع صواريخ تلك المنظومة في دول مثل بولندا وجمهورية التشيك باعتبارهما أفضل المواقع الأمامية وهو ما يمكن أن يدخل واشنطن في نزاع مع موسكو يجب تجنبه لأن روسيا ذاتها وإن كانت تمثل اليوم عند اليمينيين الأمريكيين والمحافظين الجدد تهديداً آنياً ومستقبلياً إلا أنها ليست محور التركيز الأساسي وإنما إيران هي التي تشكل الآن محور الاهتمام الأمريكي، وعليه فإن الاحتواء المعزز المطلوب يتطلع لأن يثبت للروس أن الأمريكيين ليسوا أعداءهم وذلك من خلال العرض عليهم بوضع تلك القواعد في أراضيهم على أساس أنها الفرصة الوحيدة المتاحة لنجاح سياسة احتواء إيران، أي بمشاركة روسيا فيها.
والحاصل أن الحديث عن عودة سياسة الاحتواء ربما كان تنظيراً فكرياً عند الأكاديميين والكتّاب والمحللين، وقد تثبت قادمات الأيام أن إقدام أمريكا على الحوار مع سوريا وإيران ليس إلا مناورة تكتيكية دعائية هدفها إظهار حسن النوايا الأمريكية تجاه الدولة المتبقية في محور الشر خاصة وسوريا باعتبارها محصلة للنزاع مع إيران، في حين تدق أساطيل أمريكا وبوارجها وخطط الاستخبارات الأمريكية الطبول للموقعة القادمة.
غير أنه في كل الأحوال تجد أمريكا ذاتها أمام واقع حال فعلي وهو فشل سياسات الضربات الاستباقية والمواجهات العسكرية من كابول، حيث كاد تشيني يلقي حتفه إلى بغداد التي شهدت انفجارات متوالية بقرب القاعة التي عقد فيها اللقاء الإقليمي ما يدفع الكثيرين للمناداة اليوم بالعودة إلى خيار ترومان فما هو ذلك الخيار؟
هو الطريق الذي سلكته واشنطن عقب الحرب العالمية الثانية عندما تطلعت لأن تكون كياناً دولياً، تتجذر من خلاله الشرائع والنواميس الوضعية التي ينتظم فيها العالم انتظاماً يقيه شر الحروب وويلات المستبدين، كيان يدعو لإحلال السلام ويعمل من خلال صندوق النقد والبنك الدوليين على إعادة إعمار العالم من جديد، كما جرى مع مشروع مارشال في أوروبا، كيان يحترم استقلال الآخرين وسيادتهم وسلامة أراضيهم بعيداً من أفكار وثيقة القرن الأمريكي الساعية للسيطرة العسكرية على العالم والشاهد أن مؤتمر بغداد الإقليمي وتجلياته في الأسابيع المقبلة ربما يحمل لنا إجابة عن التساؤل المتقدم هل كانت المشاركة الأمريكية تحولاً جذرياً نحو سياسات الاحتواء وخيار ترومان أم إنها فترة الهدوء والخداع والمناورة التي تسبق العاصفة المتوقعة من رجل الرؤى النبوية _ وإن كانت منحولة ـ الساعي قدما نحو الحرب الساخنة.
على بوش أن يتذكر
ويبقى قبل الانصراف التذكير بما أشار إليه نيكولاس لويس الخبير الأمني الأمريكي والذي عمل في باكستان منذ عام 1986 كمدير لجهود المخابرات المركزية الأمريكية لدعم المقاومة الأفغانية ضد المحتلين السوفييت وعند لويس نصيحة للرئيس بوش وهي (أنه قبل أن نجد أنفسنا متورطين في حرب جديدة هي الثالثة مع بلد إسلامي فإن من الضروري علينا نحن الأمريكيين أن نتذكر أنه خلال القرن الماضي ما من أمة بدأت حرباً كبرى وكسبتها. كذلك علينا أن نتذكر أنه خلال الخمسين عاماً الماضية لم يقم تمرد وطني ضد احتلال أجنبي إلا وكسب الجولة وحقق الانتصار على المحتل.
ويضيف إذا أرادت الولايات المتحدة شن حرب على إيران فيجب أن تكون هناك أسباب معقولة ومنطقية ولا يكفي التلاعب بالأسباب من أجل الحصول على التبرير الذي نرغب فيه، إن هذه الحرب وبغض النظر عن الطريقة التي قد تبدأ بها لن يكون حالنا فيها بأفضل من حالنا الحالي في العراق، وعليه فعلى بوش أن يتحدث أولاً مع طهران.
والحاصل أن ما جرى هو تحول جذري في السياسات الأمريكية مهما حاولت كوندوليزا رايس تخفيف حدة التحولات بقولها إنه لا تفاوض، وذلك اتقاء لانتقادات معسكر تشيني وصحبه من المحافظين الجدد في الخارجية الأمريكية والذين عينت لهم الأيام الماضية اليوت كوهين من باب ذر الرماد في العيون، والتحولات عادة ما تصاحب المنعطفات الخطيرة والجسيمة في حياة الأمم والشعوب، ففي خلال الحرب الباردة كان هناك حوار في بعض الأحيان على مستوى السفارات وفي أحيان أخرى على مستويات القمة والحديث إلى سوريا وإيران كان ضمن التوصيات التي تضمنها تقرير مجموعة دراسة العراق، وقد كانت واشنطن تصر على أنه لا حديث قبل تعليق إيران لتخصيب اليوارنيوم، لكن الحديث انطلق وقنوات الاتصالات الإقليمية والثنائية افتتحت وهناك الكثير مما يشجع على المضي قدماً في تكرار نموذج كوريا الشمالية ودرءاً للخطر الأكبر، أي أن تزحف الحرب الأهلية من العراق إلى بقية الدول المجاورة وأولها إيران.
والرؤية المثيرة كذلك عند البعض في أمريكا هي أن إيران لديها قدر من الديمقراطية التي ينادي بها بوش في دول الشرق الأوسط، فلديها انتخابات وتتمتع المرأة فيها بحق التصويت ورغم أنها تسببت للمنطقة في ويلات كثيرة إلا أن الدخول معها في صراع مسلح سيحشد المعارضين لنجاد الذين يتكاثرون اليوم ضد السياسات الغربية عامة والأمريكية خاصة ولذا كان الطريق الدبلوماسي هو الأقرب والأنجح فهل ستأتي الرياح بما تشتهي السفن أم أن أمواج السياسة المتلاطمة ستقلب المشاهد التصالحي إلى تصادمي بعد التفاؤل المشوب بالحذر الذي أعقب مؤتمر بغداد الإقليمي؟
::/fulltext::
|
Getting your Trinity Audio player ready...
|
::cck::2720::/cck::
::introtext::
(إن المرء ليتعجب مما يراه ،فها هو الرئيس الذي كان يسخر من فكرة الحديث مع إيران وسوريا يرسل مبعوثيه لحضور مؤتمر إقليمي، يتم خلاله الحديث مع إيران وسوريا، هذا التراجع من قبل بوش هو الأخير في سلسلة من التراجعات عن مواقف كان يبدو غير مستعد للزحزحة عنها قيد أنملة).
::/introtext::
::fulltext::
(إن المرء ليتعجب مما يراه ،فها هو الرئيس الذي كان يسخر من فكرة الحديث مع إيران وسوريا يرسل مبعوثيه لحضور مؤتمر إقليمي، يتم خلاله الحديث مع إيران وسوريا، هذا التراجع من قبل بوش هو الأخير في سلسلة من التراجعات عن مواقف كان يبدو غير مستعد للزحزحة عنها قيد أنملة).
بهذه الكلمات يستهل الكاتب والمحلل السياسي الأمريكي بيتر بيكر مقالاً مطولاً عبر صفحات (الواشنطن بوست) الأمريكية، مقال ربما يؤرخ لمرحلة جديدة في تاريخ الولايات المتحدة مثلما كان مقال صموئيل هنتنغتون عن صراع الحضارات في مجلة (الفورين أفيرز) الأمريكية في أوائل تسعينات القرن المنصرم علامة فاصلة في علاقات الشرق بالغرب عبر نحو عقدين من الزمان.
والتساؤل المطروح هنا هل سيشهد الخليج العربي تحولات جذرية قبل التهديد الأكثر خطورة في تاريخه الحديث أي إمكانية المواجهة الأمريكية ـ الإيرانية المسلحة؟
قبل التطرق إلى مؤتمر بغداد الإقليمي ربما يجدر بنا العودة إلى واشنطن بداية، ذلك أن سلسلة التراجعات التي انتهجتها إدارة بوش في الشهور الأخيرة بدأت منذ سيطر الديمقراطيون على الكونغرس بمجلسيه، فقد بدأت بإقالة وزير الدفاع الأمريكي دونالد رامسفيلد والتفويض بالدخول في مباحثات مباشرة مع كوريا الشمالية وإرسال المزيد من القوات المسلحة إلى العراق والموافقة على مناقشة الخطوط العامة للدولة الفلسطينية في الشرق الأوسط واقتراح زيادة ضريبية على ملايين الأمريكيين وكلها أمور كان قد رفضها من قبل.
غير أن خطورة التعامل المباشر مع إيران وسوريا عبر أرضية عراقية هو ما يهمنا بأكثر صورة في هذا السياق لاسيما وأنه جرى بطريقة مثيرة للدهشة، فبوش الذي أثنى على تقرير بيكر ـ هاملتون بحموضة عالية كما يقال هو ذاته الذي جعل موقفه واضحاً لا يحتمل أي لبس عندما سخر في مؤتمر صحفي عقد في الشهر الماضي من هؤلاء الذين يدعونه للدخول في مفاوضات مع الدولتين العدوتين وإحداهما (إيران) هي المتبقية في فلك دول محور الشر بعد انتهاء إشكالية كوريا.
يومها قال بوش بلهجة ساخرة (إننا نعيش في عالم نجد فيه أناساً يقولون لك اجتمع مع هذا واجلس مع ذلك، وإجابتي عن مثل تلك الطلبات أنني لن أجتمع مع هذا ولن أجلس مع أحد إلا إذا ما تأكدت مسبقاً أن هذا الاجتماع أو تلك الجلسة ستنتج عن أي منهما فوائد فهذا هو الشيء الذي يعنيني في المقام الأول).
ومع صرامة وحدّة تعبيرات بوش فإنه لم يكد يمر أسبوعان على هذا التاريخ إلا ووجدناه يوافق على الجلوس مع الدولتين والاجتماع معهما في سياق مؤتمر إقليمي لجيران العراق والقوى الكبرى على رغم أنه لم يتم تحقيق أي شرط من الشروط التي كان قد وضعها مسبقاً وقد كان موقف بوش سببا في تأليب المحافظين الجدد عليه حتى أن أحدهم (مايكل ليدين) الباحث المرموق في معهد أمريكان إنتربرايز يعلق على المشهد بقوله (لم يسبق لي أن رأيت إدارة توجد فيها هذه الهوة الهائلة بين ما يقوله الرئيس علناً وبين أفعاله الحقيقية، في حين أن ما يجب أن يتم هو أن تعكس التصريحات الرئاسية العامة السياسة التي تتبعها الإدارة غير أن هذا ليس هو ما يفعلونه في هذه الإدارة على ما يبدو).
والمؤكد أن التساؤل الذي يطرح نفسه بين يدي هذا المشهد لماذا كان هذا التحول جهة إيران تحديداً أولاً؟ وهل الأمر يتخطى ثانياً إيران إلى السياسات الأمريكية العامة التي مضت في طريق واحد وهو طريق التصادم والمواجهة وبعدما اتبعت فلسفة التقسيم (المانوي) الشهير الذي فرق بين الناس على أساس الخير المطلق والشر المطلق أيضاً؟
إيران وإشكاليات العمل العسكري ضدها
يمكننا بداية الإشارة إلى أن سياسة المشاركة الأمريكية ربما تكون مخرجاً ملائماً يحفظ ماء وجه البلدين (أمريكا وإيران) مع الاعتقاد بأن سوريا وخلافاتها مع أمريكا ليست جوهرية ومن اليسير حلها بعيداً عن أي احتمالات لمواجهات عسكرية مسلحة، كما في حال الجدل الدائر حول إيران بسبب برنامجها النووي ذلك لأنه رغم طبول الحرب التي تقرع بقوة وشدة حول إيران ويسمع دويها في كافة أرجاء الخليج العربي فإن واشنطن تدرك جيداً أن هذا العمل العسكري محفوف بمخاطر كثيرة ومحاط بتعقيدات متعددة يمكن قراءتها على ضوء الوثيقة التي أصدرها برنامج الدراسات العسكرية والأمنية في معهد واشنطن لسياسة الشرق الأدنى ومن هذا المنطلق كان التحول الدبلوماسي طريقاً لا بأس من تجربته للالتفاف على أو تجنب تلك العقبات وفي مقدمة تلك التعقيدات:
*استشارة الكونغرس: فبالرغم من أن دستور الولايات المتحدة يمنح الكونغرس سلطة إعلان الحرب إلا أن الممارسات العملية في العقود الأخيرة بينت أن الأمر ترك للرئيس لان يسعى إلى قرار مشترك مع الكونغرس يخوله باستعمال القوة العسكرية بحكم كونه القائد الأعلى للقوات المسلحة للتعامل مع أخطار كبرى على السلام والأمن الدوليين، وفي ظل هيمنة الديمقراطيين على الكونغرس ستصبح هناك صعوبة بالغة في التعامل معه فإما إبلاغه مقدماً بالضربة قبل تنفيذها وهنا سيتعرض بوش وإدارته لهجوم مريع ربما يفقده الدعم الجماهيري وإما فتح المجال للحديث عن الضربة في الكونغرس مما يعطي إيران فرصة للمناورة ما يشبه الإنذار المبكر.*الحلفاء: وفي الورقة أيضاً حديث عن حلفاء أمريكا الذين سيتأثرون ولاشك بالضربة القادمة لإيران من جراء ردود أفعال الأخيرة الانتقامية، لهذا يجب على أمريكا إخطار حلفائها مقدماً للاستعداد لمواجهة الإسقاطات المجازية الناجمة عن ضربة وقائية وستجد أمريكا ملتزمة بنصح حلفائها باتخاذ أقصى إجراءات الحيطة والحذر مثل حشر شبكات العملاء الإيرانيين المشتبه فيهم وتخفيض طواقم العاملين في سفاراتهم في إيران واتخاذ خطوات أمنية لحماية السفارات والمراكز الثقافية القائمة في بلدان ثالثة ذات اهتمام ما سيعقد علاقة أمريكا بحلفائها.
*التوقيت : إذا قررت الولايات المتحدة توجيه الضربة فهل كما يقال خير البر عاجله أم لا؟ هناك ثلاثة عوامل يحددها مايكل ايسينشتات مدير برنامج الدراسات العسكرية وصاحب الوثيقة في معهد واشنطن تؤثر في القيام بمثل هذه العملية وهي جودة صورة المعلومات الاستخبارية ومدى نضج البنى التحتية النووية الإيرانية ووضع مواردها العلمية التقنية البشرية.
والمؤكد أن اللحظة المواتية لتوجيه الضربة قد لا تأتي لأن هذه العوامل تجري وتتحرك بشكل مستقل عن بعضها وفي بعض الحالات في تناقض زمني، كما أن عملاً استباقياً ناجحاً يتطلب ضربات متقطعة مرفوقة بإجراءات أخرى ضد مختلف الأهداف في فترة زمنية.
وتمتد القراءة لتشمل الكثير من النقاط مثل المعلومات عن الأهداف والأسلحة اللازمة للضربة وتقدير النجاح، إضافة إلى العمليات الإعلامية، وفي كل من الأحوال فإن الخلاصة هي أن الولايات المتحدة لابد أن تبقى خيار الضربة العسكرية الوقائية على الطاولة حتى إن كانت تسعى إلى حل دبلوماسي للأزمة الراهنة مع إيران غير أنها تدرك دونما أدنى شك أنه من دون إيران سيكون الوضع في العراق صعباً ومن دون سوريا لن يستقر الوضع في لبنان.. ماذا يعني هذا الكلام؟
يعني أنه ليس الصعوبات التي تواجه العمل العسكري الأمريكي ضد إيران هي وحدها التي تدفع أمريكا للتحولات الظاهرة في الخليج، بل هناك ملفات أخرى مفتوحة كالجرح النازف في الجسد الأمريكي والمسمى العراق وهو ما حدا بقيام رئيس لجنة العلاقات الخارجية في مجلس النواب الأمريكي توم لانتوس المتشدد بطبعه والمطالب بتشديد العقوبات على إيران لأن يوافق على الإجماع الذي ظهر في الأفق نحو إرسال رسالة جديدة للنظام الإيراني، وقد دعم هذا الاتجاه نيكولاس بيرنز نائب وزيرة الخارجية الأمريكية الذي يعكف على الشأن الإيراني أكثر من أي موظف آخر في الإدارة الأمريكية حين قال أمام الكونغرس بلهجة المتفائل أن إيران كانت قبل أشهر قليلة تبدو كمن يمتطي ظهر موجة من النجاحات، أما الآن فقد أثارت الاستراتيجية الأمريكية جدلاً في أوساط القيادة الإيرانية حول مواصلة المجابهة أو الموافقة على التفاوض.
ومما لاشك فيه أن الصورة الأوسع تحتمل القول إنه من دون إيران سيكون الوضع في العراق أصعب ومن دون سوريا لن يستقر الوضع في لبنان ومن دون التقدم في عملية السلام سيصعب على الدول العربية السنية تقديم المساعدة في مواجهة الجبهة الشيعية.
يفهم من ذلك أن التحولات الأمريكية جهة إيران كان وراءها فهم أبعد من مجرد القيام بضربة عسكرية لاسيما أن شبكة العلاقات معقدة، فإيران وسوريا مرتبطتان ببعضهما البعض ولبنان وفلسطين مرتبطان أيضاً بما يجري تجاه عملية السلام، وبقية العالم العربي لا يحتمل مشهد تعرض دولة جديدة فيه لضربة عسكرية أمريكية يمكن أن تفسر على أنها هجمة صليبية ـ صهيونية كما ترى الاتجاهات الراديكالية العربية والإسلامية على نحو خاص.
وإذا كان السفير الأمريكي في بغداد زلماي خليل زاد قد وصف اللقاءات التي جرت بين الوفدين الأمريكي والإيراني بأنها كانت طيبة وأن كلمات جيدة قيلت من الجانبين وفي انتظار تطبيقات عملية على الأرض فإن تصريحات السفير ديفيد ساترفيلد المستشار الرئيسي لوزيرة الخارجية الأمريكية لشؤون العراق والذي ترأس الوفد الأمريكي في مؤتمر بغداد الأخير والخاصة بأن الهدف من المؤتمر هو الإعداد للمؤتمر التالي الذي سيعقد في إبريل 2007 على مستوى وزراء الخارجية، إن هذه التصريحات تؤكد الميل إلى تفعيل الدور الدبلوماسي وتغير لهجة واشنطن وربما ذهبت إلى ذلك مدفوعة باتجاه آخر هو حتمية العودة إلى سياسة الاحتواء بل العودة كذلك إلى خيار (ترومان) فماذا عن ذلك؟
واشنطن والعودة إلى سياسة الاحتواء
وهنا يثور تساؤل هل باتت العودة إلى سياسات الاحتواء وتفعيل الآليات التي استخدمت في مواجهة الاتحاد السوفييتي إبان الحرب الباردة أمراً حتمياً؟ وماذا عن خيار ترومان كبديل ثالث؟
تساؤلات طرحها المشهد الأمريكي المأزوم لاسيما بعد خسارة الجمهوريين لسيطرتهم على الكونغرس من جهة وعلامات الفشل الجلية للعيان في العراق وأفغانستان من جهة ثانية؟
هل ستصبح سياسة الاحتواء البديل الملائم للتصعيد العسكري؟
يعود مفهوم الاحتواء إلى زمن الحرب الباردة وكان المؤرخ والدبلوماسي الأمريكي جورج كينان هو أول من أطلق هذا المفهوم في أواخر عقد الأربعينات، ويمكن تلخيص فحوى ما دعا إليه (في أنه وطالما لم يبادر الاتحاد السوفييتي إلى مهاجمتنا فإن علينا ألا نهاجمه وأن نعتمد بدلاً من ذلك على عصانا وجزرتنا الاقتصادية، وكذلك على الدبلوماسية وعملنا الاستخباراتي، فضلاً عن الترويج لصحة وحيوية الرأسماليات الديمقراطية بغية الفوز بالحرب الباردة).
وفي الشهور الماضية دعا عدد كبير من المحللين السياسيين الأمريكيين إلى ضرورة العودة لسياسة الاحتواء في العراق والتفكير جدياً في احتواء إيران أيضاً ولجم جماحها النووي عوضاً عن فكرة توجيه ضربة عسكرية لها.لكن كيف يمكن احتواء إيران؟
مما لاشك فيه أن القتال الدائر الآن في العراق هو نموذج لصراع بالوكالة بين الولايات المتحدة وإيران على الشرق الأوسط، والمثير في تقدير الاستراتيجيين الأمريكيين هو أنه في حين أن حرب العراق أحدثت انقساماً عميقاً في العالم العربي فإن احتمالات الصراع مع إيران قد تؤدي في الأغلب الأعم إلى توحيد العرب.
وعند البعض منهم أن العرب – باستثناء العرب الشيعة الذين يديرون معظم العراق في الوقت الراهن – يريدون من الأمريكيين أن يلقنوا الإيرانيين درساً يعلمهم فضيلة التواضع، غير أنه في حال نشوب حرب حقيقية مع إيران لن يكون هناك في المواجهة سوى أمريكا وإسرائيل.
ومع استبعاد إسرائيل لأسباب كثيرة فإن أمريكا ستبقى بمفردها في المواجهة وستتحمل دفع النفقات الأدبية والمادية، أما الأولى فاختصاما من سمعتها التي تلوثت إلى أقصى حد ومد في العالم، والثانية حيث العجز غير المسبوق في الموازنات الأمريكية.
وهناك أكثر من سبيل للاحتواء لعل في مقدمتها السبل المحاصرة الاقتصادية الخانقة وإيران دولة لا تتوافر لها الشروط اللازمة كي تصبح دولة إقليمية نافذة وفي مقدمتها القوة الاقتصادية؛ وتضييق الخناق على الإيرانيين مالياً ودولياً سيزيد من التفكك الداخلي، فقط الأمر يحتاج إلى سياسة الصبر والنفس الطويل وهو النموذج الذي اتبع مع الاتحاد السوفييتي قديما وهو ما ثبتت جدواه تاريخياً.
وحديثاً كانت الدبلوماسية تفعل ذات الفعل في حكومة بيونغ يانغ ونظام كيم إيل يونج، وكانت المكافأة الاقتصادية والدبلوماسية مفتاحاً للتوصل إلى حل مع كوريا الشمالية فلماذا لا تكون العودة إلى السياسة مع إيران أي ترغبيها بالجزرة وتهديدها بالعصا؟
ومن وسائل الاحتواء المطروحة والتي كان (كينان) يرجحها على الدوام كطريق فاعل لكسب العقول والقلوب البرهنة على تفوق الرأسمالية الليبرالية وتقديمها مثالاً مجسداً لأعدائنا وأصدقائنا على الأرض وقد تكون الرؤية ذاتها خلاصة شافية وافية اليوم، والسبب أن نظام الحكم في إيران الذي يدعم القلاقل في العراق وسوريا بحسب المفهوم الأمريكي شأنه شأن الخطر السوفييتي السابق ويتقاسم معه أرضية واحدة وهي عجزها عن تقديم نموذج اقتصادي سياسي قابل للعيش والبقاء، ويدلل الرأسماليون على صحة خيار الاحتواء من هذا المنطلق بالإشارة إلى الاقتصاديين الإيراني والأفغاني وما جرى لهما أثر وصول الأصوليين الإسلاميين إلى السلطة في كلا البلدين لاسيما أن هناك تيارات ليبرالية شبابية في إيران تتطلع إلى ذلك النموذج الرأسمالي.
وفي إطار الحديث عن فلسفة الاحتواء يطفو على السطح حديث جديد ربما يتلاءم مع روح العسكرية الإمبراطورية الأمريكية ذاك الذي يطلق عليه (الاحتواء المعزز بالدفاع).. ماذا يعني هذا المصطلح؟
في ثمانينات القرن الماضي أجبر الرئيس الأمريكي رونالد ريجان الاتحاد السوفييتي السابق عن طريق مبادرة الدفاع الاستراتيجي على القبول بالدخول في مفاوضات مع الولايات المتحدة وفي الوقت الراهن تستطيع منظومة الدفاع الصاروخي أن تحتوي إيران، غير أن المشكلة حول هذا الأمر هي أن الأمريكيين يحاولون وضع صواريخ تلك المنظومة في دول مثل بولندا وجمهورية التشيك باعتبارهما أفضل المواقع الأمامية وهو ما يمكن أن يدخل واشنطن في نزاع مع موسكو يجب تجنبه لأن روسيا ذاتها وإن كانت تمثل اليوم عند اليمينيين الأمريكيين والمحافظين الجدد تهديداً آنياً ومستقبلياً إلا أنها ليست محور التركيز الأساسي وإنما إيران هي التي تشكل الآن محور الاهتمام الأمريكي، وعليه فإن الاحتواء المعزز المطلوب يتطلع لأن يثبت للروس أن الأمريكيين ليسوا أعداءهم وذلك من خلال العرض عليهم بوضع تلك القواعد في أراضيهم على أساس أنها الفرصة الوحيدة المتاحة لنجاح سياسة احتواء إيران، أي بمشاركة روسيا فيها.
والحاصل أن الحديث عن عودة سياسة الاحتواء ربما كان تنظيراً فكرياً عند الأكاديميين والكتّاب والمحللين، وقد تثبت قادمات الأيام أن إقدام أمريكا على الحوار مع سوريا وإيران ليس إلا مناورة تكتيكية دعائية هدفها إظهار حسن النوايا الأمريكية تجاه الدولة المتبقية في محور الشر خاصة وسوريا باعتبارها محصلة للنزاع مع إيران، في حين تدق أساطيل أمريكا وبوارجها وخطط الاستخبارات الأمريكية الطبول للموقعة القادمة.
غير أنه في كل الأحوال تجد أمريكا ذاتها أمام واقع حال فعلي وهو فشل سياسات الضربات الاستباقية والمواجهات العسكرية من كابول، حيث كاد تشيني يلقي حتفه إلى بغداد التي شهدت انفجارات متوالية بقرب القاعة التي عقد فيها اللقاء الإقليمي ما يدفع الكثيرين للمناداة اليوم بالعودة إلى خيار ترومان فما هو ذلك الخيار؟
هو الطريق الذي سلكته واشنطن عقب الحرب العالمية الثانية عندما تطلعت لأن تكون كياناً دولياً، تتجذر من خلاله الشرائع والنواميس الوضعية التي ينتظم فيها العالم انتظاماً يقيه شر الحروب وويلات المستبدين، كيان يدعو لإحلال السلام ويعمل من خلال صندوق النقد والبنك الدوليين على إعادة إعمار العالم من جديد، كما جرى مع مشروع مارشال في أوروبا، كيان يحترم استقلال الآخرين وسيادتهم وسلامة أراضيهم بعيداً من أفكار وثيقة القرن الأمريكي الساعية للسيطرة العسكرية على العالم والشاهد أن مؤتمر بغداد الإقليمي وتجلياته في الأسابيع المقبلة ربما يحمل لنا إجابة عن التساؤل المتقدم هل كانت المشاركة الأمريكية تحولاً جذرياً نحو سياسات الاحتواء وخيار ترومان أم إنها فترة الهدوء والخداع والمناورة التي تسبق العاصفة المتوقعة من رجل الرؤى النبوية _ وإن كانت منحولة ـ الساعي قدما نحو الحرب الساخنة.
على بوش أن يتذكر
ويبقى قبل الانصراف التذكير بما أشار إليه نيكولاس لويس الخبير الأمني الأمريكي والذي عمل في باكستان منذ عام 1986 كمدير لجهود المخابرات المركزية الأمريكية لدعم المقاومة الأفغانية ضد المحتلين السوفييت وعند لويس نصيحة للرئيس بوش وهي (أنه قبل أن نجد أنفسنا متورطين في حرب جديدة هي الثالثة مع بلد إسلامي فإن من الضروري علينا نحن الأمريكيين أن نتذكر أنه خلال القرن الماضي ما من أمة بدأت حرباً كبرى وكسبتها. كذلك علينا أن نتذكر أنه خلال الخمسين عاماً الماضية لم يقم تمرد وطني ضد احتلال أجنبي إلا وكسب الجولة وحقق الانتصار على المحتل.
ويضيف إذا أرادت الولايات المتحدة شن حرب على إيران فيجب أن تكون هناك أسباب معقولة ومنطقية ولا يكفي التلاعب بالأسباب من أجل الحصول على التبرير الذي نرغب فيه، إن هذه الحرب وبغض النظر عن الطريقة التي قد تبدأ بها لن يكون حالنا فيها بأفضل من حالنا الحالي في العراق، وعليه فعلى بوش أن يتحدث أولاً مع طهران.
والحاصل أن ما جرى هو تحول جذري في السياسات الأمريكية مهما حاولت كوندوليزا رايس تخفيف حدة التحولات بقولها إنه لا تفاوض، وذلك اتقاء لانتقادات معسكر تشيني وصحبه من المحافظين الجدد في الخارجية الأمريكية والذين عينت لهم الأيام الماضية اليوت كوهين من باب ذر الرماد في العيون، والتحولات عادة ما تصاحب المنعطفات الخطيرة والجسيمة في حياة الأمم والشعوب، ففي خلال الحرب الباردة كان هناك حوار في بعض الأحيان على مستوى السفارات وفي أحيان أخرى على مستويات القمة والحديث إلى سوريا وإيران كان ضمن التوصيات التي تضمنها تقرير مجموعة دراسة العراق، وقد كانت واشنطن تصر على أنه لا حديث قبل تعليق إيران لتخصيب اليوارنيوم، لكن الحديث انطلق وقنوات الاتصالات الإقليمية والثنائية افتتحت وهناك الكثير مما يشجع على المضي قدماً في تكرار نموذج كوريا الشمالية ودرءاً للخطر الأكبر، أي أن تزحف الحرب الأهلية من العراق إلى بقية الدول المجاورة وأولها إيران.
والرؤية المثيرة كذلك عند البعض في أمريكا هي أن إيران لديها قدر من الديمقراطية التي ينادي بها بوش في دول الشرق الأوسط، فلديها انتخابات وتتمتع المرأة فيها بحق التصويت ورغم أنها تسببت للمنطقة في ويلات كثيرة إلا أن الدخول معها في صراع مسلح سيحشد المعارضين لنجاد الذين يتكاثرون اليوم ضد السياسات الغربية عامة والأمريكية خاصة ولذا كان الطريق الدبلوماسي هو الأقرب والأنجح فهل ستأتي الرياح بما تشتهي السفن أم أن أمواج السياسة المتلاطمة ستقلب المشاهد التصالحي إلى تصادمي بعد التفاؤل المشوب بالحذر الذي أعقب مؤتمر بغداد الإقليمي؟
::/fulltext::
::cck::2720::/cck::
