مجلس التعاون الخليجي ما بين التعاون والتكامل الاقتصادي.. رؤية تحليلية

::cck::2742::/cck::
::introtext::

جاء تأسيس مجلس التعاون الخليجي كمنظومة أمنية إقليمية على خلفية اندلاع الحرب العراقية- الإيرانية في مطلع الثمانينات. إلا أن المجلس عبر عن طموحاته في الوصول إلى وحدة اقتصادية خليجية بين الدول الأعضاء وذلك من خلال اقرار الاتفاقية الاقتصادية الموحدة لعام 1988 والتي تهدف إلى تنسيق وتوحيد السياسات الاقتصادية والمالية والنقدية وكذلك التشريعات التجارية والصناعية والنظم الجمركية المطبقة في الدول الأعضاء. إلا أنه من الجدير بالذكر ان بطء عملية دمج الاقتصادات الخليجية دفعت الكثير من المحللين الاقتصاديين إلى اعتبار ان تطور العلاقات الاقتصادية البينية الخليجية جاء على صيغ تعاونية اقرب منها عمليات تكاملية. فاتفاقيات التكامل الاقتصادي تلزم الدول الأعضاء باتباع عدد من الأولويات والمعايير في علاقاتها البينية ومع غيرها من التكتلات الاقتصادية والدولية بما في ذلك انشاء السو ق المشتركة أو التعرفة الجمركية أو اقامة منطقة التجارة الحرة. اما اتفاقية التعاون فلا تلتزم باطر معينة للتكامل مما يعني غياب أولويات معينة في الحركة. بل انها تخضع على مدي توافر الظروف السياسية والاقتصادية المحيطة التي تدفع باوجه ذلك التعاون. بالرغم من تواضع حقيقة الصيغ التعاونية الاقتصادية لدول الخليج إلا أن التغيرات السياسية والاقتصادية العالمية تحتم على دول الخليج بذل المزيد من الجهود الجادة لتحقيق تكاملاً اقتصادياً حقيقياً.

::/introtext::
::fulltext::

جاء تأسيس مجلس التعاون الخليجي كمنظومة أمنية إقليمية على خلفية اندلاع الحرب العراقية- الإيرانية في مطلع الثمانينات. إلا أن المجلس عبر عن طموحاته في الوصول إلى وحدة اقتصادية خليجية بين الدول الأعضاء وذلك من خلال اقرار الاتفاقية الاقتصادية الموحدة لعام 1988 والتي تهدف إلى تنسيق وتوحيد السياسات الاقتصادية والمالية والنقدية وكذلك التشريعات التجارية والصناعية والنظم الجمركية المطبقة في الدول الأعضاء. إلا أنه من الجدير بالذكر ان بطء عملية دمج الاقتصادات الخليجية دفعت الكثير من المحللين الاقتصاديين إلى اعتبار ان تطور العلاقات الاقتصادية البينية الخليجية جاء على صيغ تعاونية اقرب منها عمليات تكاملية. فاتفاقيات التكامل الاقتصادي تلزم الدول الأعضاء باتباع عدد من الأولويات والمعايير في علاقاتها البينية ومع غيرها من التكتلات الاقتصادية والدولية بما في ذلك انشاء السو ق المشتركة أو التعرفة الجمركية أو اقامة منطقة التجارة الحرة. اما اتفاقية التعاون فلا تلتزم باطر معينة للتكامل مما يعني غياب أولويات معينة في الحركة. بل انها تخضع على مدي توافر الظروف السياسية والاقتصادية المحيطة التي تدفع باوجه ذلك التعاون. بالرغم من تواضع حقيقة الصيغ التعاونية الاقتصادية لدول الخليج إلا أن التغيرات السياسية والاقتصادية العالمية تحتم على دول الخليج بذل المزيد من الجهود الجادة لتحقيق تكاملاً اقتصادياً حقيقياً.

أهمية التكامل الاقتصادي الخليجي
هناك جملة من الأسباب التي تحتم على دول الخليج اتباع استراتيجيات تنموية تكاملية أولى تلك الأسباب تكمن في أحادية الانتاج في اقتصاديات دول المجلس واتباع اساليب التخطيط الاقتصادي بدرجات متشابهة. يرجع ذلك إلى الاعتماد شبه الكامل على البترول مما أدى إلى حالة من التنافس والازدواجية والتكرار. تتشابه الدول الخليجية كذلك في السياسات الاقتصادية المتبعة لتحفيز القطاع الخاص للاسهام في العمليات التنموية. وبالتالي فقد اضحت الدول الخليجية في حالة ملحة إلى ازالة تلك الحالة من تضارب المصالح باتباع خطط اقتصادية تكاملية تعتمد على تنويع مصادر الدخل القومي ولاسيما في ظل توافر رؤوس الأموال.
إلا أنه من الجدير بالذكر ان المتغيرات الاقتصادية والسياسية العالمية أضحت عاملاً حاسما في ضرورة إقامة التكامل الاقتصادي الخليجي. فقد فرضت العولمة تلك المتغيرات التي اتسمت بتحرير وتكامل أسواق السلع والخدمات ورأس المال مما أدي إلى نمو اقتصادي متزايد في العديد من الدول الصناعية والنامية. كما انظمت كافة الدول الصناعية ومعظم دول جنوب شرق آسيا وأمريكا اللاتينية إلى منظمة تحرير التجارة لتضمن تدفق وتبادل رؤوس الأموال. دأبت الدول كذلك على انشاء العديد من االتكتلات والاتفاقات الاقتصادية الاقليمية من أجل توحيد سياساتها الاقتصادية للتعاطي مع متطلبات العولمة والانفتاح الاقتصادي. تأتي تلك السياسات اما لتشجيع المزيد من الاندماج مع الاقتصاد العالمي أو اتباع سياسات حمائية لحماية اقتصاديات ناشئة أو لضمان هيمنة كتلة اقتصادية على غيرها من التكتلات كما هو حاصل مع الاتحاد الأوروبي إلا أن في الآونة الأخيرة شهدت سياسات الاتحاد الأوروبي بعض الانفتاح في التعاطي مع اقتصاديات الدول النامية. مما ادي إلى اضعاف القوة التفاوضة للدول المنفردة التي لا تملك القدرة على الصمود امام المساومات مع التكتلات الخارجية. وبالتالي فقد بات لزاماً انشاء تلك المنظومات الاقتصادية من أجل تنسيق التعاون مع العالم الخارجي في ظل الاثر الواضح للتقلبات الاقتصادية الخارجية على الاقتصادات المحلية.
استراتيجية التكامل الاقتصادي الخليجي
أولاً: تنمية العنصر البشري الخليجي

تكمن اولي خطوات التكامل الاقتصادي في اعداد الكوادر البشرية القادرة على حمل وتنفيذ الاستراتيجيات التكاملية. إلا أن العديد من الدول الخليجية لاتزال تعاني جملة من المعوقات في هذا الاطار. فبعض هذه الدول تعاني مشكلة البطالة والبعض الآخرتعاني البطالة المقنعة حيث هيمنة القطاع العام على الاقتصاد الوطني. تزيد نسبة البطالة في البحرين على 8 في المائة من حجم القوى العاملة الوطنية وتواجه كل من السعودية وعمان اشكالية ايجاد وظائف تتناسب وتطلعات المواطنين.
تعاني دول الخليج كذلك النقص الحاد في العمالة الوطنية المتدربة حيث الاعتماد الكبير على العمالة الاجنبية ولاسيما في التخطيط والتنفيذ في مجالات الانتاج والانشاءات والخدمات مما حصر نطاق عمل القوى الخليجية في أعمال إدارية وخدماتية بعيدة عن الانتاج. مما يتطلب نقل نوعية في برامج تعليم وتأهيل الكوادر البشرية بهدف رفع انتاجية العمل مما يساهم في زيادة رأس المال والطاقة الانتاجية. كما ان تحقيق التكامل الاقتصادي سوف يساهم في تحقيق المواطنة الاقتصادية والتعاون في مجال نقل وتوطين التكنولوجيا وتدريب الكوادر البشرية في دول الخليج للاطلاع بذلك الدور الهام.
من الجدير بالذكر ان من المتوقع ان يستمر اعتماد دول الخليج على النفط والغاز والصناعات المعتمده عليهما لفترة طويلة وهي صناعات تحويلية مهمه للعالم تحقق مردودات وسيوله متوفرة لفترة طويلة. إلا أنه من المهم استخدام تلك السيولة في التعليم والاستثمار البشري وفي بناء البنية التحتية مما يساعد دول الخليج على مواجهة تحديات مرحلة ما بعد البترول.
ثانياً: تنسيق وتوحيد التشريعات والقوانين الخليجية
يتطلب التكامل الاقتصادي ايجاد منظومة قانونية موحدة تشمل كافة الاقطاعات الاقتصادية. إلا أن الدول الخيجية لاتزال تعاني اختلاف القوانين والانظمة والاجراءات المتعلقة بالاستراتيجيات الاقتصادية مما يحد من فرص التكامل الاقتصادي. وبالتالي فقد بات لزاما توحيد الأنظمة والاطار القانوني ولوائح الاجراءات المالية المتعلقة بالاستثمار سواء كانت للاسثمار الاجنبي أو للقطاع الخاص المحلي.
فمن أجل تشجيع الاستثمار الاجنبي لابد من تحديد حجم المشروعات التي يمكن ان يساهم فيها والحد الأدني للمشاركة الوطنية. كما انه من المهم وضع القوانين التي تشجع مبادرات القطاع الخاص وتحمي حقوق الجهات المالية ووجهات الاقراض والمستثمرين من خلال ايجاد اجهزة ومؤسسات خاصة لفض المنازعات التجارية.
يتطلب على دول الخليج ايضا ازالة المعوقات الإدارية والبيروقراطية ووضع القوانين التي تنظم اسواق المال وتكافح الاحتكار والتلاعب مما يحد من حركة النشاط الاقتصادي ويتسبب في بطء العمليات التكاملية.
ثالثاً: إصلاح السوق الخليجي وتطوير البنية المالية
على دول الخليج ان تسعي كذلك إلى تنسيق السياسات والأنظمة المالية والنقدية والتجارية كما نصت عليه الاتفاقية الاقتصادية الموقعة في عام 1988. من أجل ذلك لابد من تطوير بنية السوق الإقليمية وأسواق رأس المال المحلية، فهي لا تزال منغلقة ناشئة وتتسم بالتقلب. هذا إلى جانب محدودية السوق وقلة اعداد المستثمرين والشركات المدرجة في البورصات والتي غالبا ما تكون محتكرة من بعض رجال الأعمال وهناك شبه سيطرة حكومية. تعاني الأسواق الخليجية بذلك من عدم قدرتها على الاستفادة من الفوائض المالية لدول المنطقة مما ادي إلى هجرة رؤوس الأموال وتراكم فوائضها في الدول الأجنبية. وبالتالي فان توسيع رقعة الأسواق وانفتاحها سوف يؤدي إلى جذب رؤوس الأموال اللازمة لاغراض وخطط التنمية.
رابعاً: ربط الهياكل الانتاجية والاهتمام بالمشروعات المشتركة
إن إعادة هيكلة النماذج الانتاجية لابد ان تبدأ ضمن نطاق الدولة من أجل ان تمهد الطريق لمزيد من التعاون والتكامل مع بقية الدول الخليجية. تكون اعادة هيكلة الانتاج من خلال اعادة النظر في ملكية الدولة لمعظم النشاطات الاقتصادية وتشجيع القطاع الخاص على الاسهام في العمليات الانتاجية ومضاعفة التبادل التجاري بين دول الخليج.
التكامل الاقتصادي يقوم ايضا على ربط الهياكل الانتاجية وتشابكها واقامة المشروعات المشتركة ما بين دول الخليج في مختلف القطاعات بترولية وصناعية وزراعية. ففي مجال البترول لابد من السعي إلى اقامة المشاريع البترولية الضخمة والمجمعات البتروكيماوية من أجل بيع المنتجات البترولية المكررة والمصنعة. أما في المجال الصناعي فهو قطاع ناشيء وذلك بسبب الاعتماد الرئيسي على الاستيراد مما يقلل الاقبال على التصنيع المحلي. كذلك بسبب ضيق الأسواق المحلية ومحدودية الطاقة الاستيعابية للاقتصاديات الخليجية. وبالتالي فان ذلك يتطلب التنسيق في اقامة المشروعات الصناعية الأساسية المشتركة بمساهمة من القطاع الخاص وفتح الأسواق الخليجية ولكن لابد من تبني جملة من السياسات من أجل حماية الصناعات المحلية ويتمثل ذلك في تسويق المنتجات محليا ودعمها ماديا، فالحماية لا تكون برفع الضريبة على المنتجات الأجنبية لأن ذلك يتعارض وسياسات تحرير السوق وكذلك يقلل من قدرة المنتج على المنافسة العالمية في المستقبل. أما في المجال الزراعي فانه من الممكن بناء استراتيجيات متكاملة لسد الحاجة المحلية والعمل على التكامل مع الدول العربية الأخرى.
إلا أن الدول الخليجية لاتزال تعاني اختلاف درجات مستويات النمو والفوارق النسبية في الهياكل الاقتصادية لدول المجلس. ذلك يتطلب تشريعات جديدة تضمن حرية حركة الأشخاص والسلع ورؤوس الأموال وتحرير التجارة الخارجية وازالة القيود البيروقراطية وضمان تطبيق تعرفة جمركية موحدة للتجارة البينية والخارجية من أجل زيادة المبادلات التجارية.
لازال الاتحاد الجمركي يواجه بعض الصعوبات فقد كان من المفترض الانتهاء من المشروع بصورة نهائية في نهاية عام 2005 أي بعد سنتين من دخول الاتفاقية حيز التنفيذ في عام 2003. ولكن بناء على قمة ابوظبي عام 2005، فقد تقرر تأخير تنفيذ الاتفاقية حتى نهاية عام 2007 وتم مؤخرا تأخير التنفيذ الكامل للمشروع حتى بداية عام 2008 وذلك وفقا للقمة الخليجية الأخيرة التي عقدت في الرياض. أحد اشكاليات المشروع ان الدول لم تتغلب على معضلة اقتسام الايرادات الجمركية حيث يتم فرض الرسوم على السلع الواردة عند نقطة الدخول الأولي لأحد الموانئ الكويتية. حيث من المهم الاخذ في الاعتبار الوجهه النهائية للسلع وحجم الاستهلاك المحلي في توزيع الايرادات الجمركية. لا تزال الدول الخليجية تعاني التباين في نسب التعرفة الجمركية المفروضة على الواردات مما يتعارض مع نص وثيقة (السياسة التجارية الموحدة) مع العالم الخارجي والتي تبناها المجلس الأعلى في قمة أبوظبي لعام 2005.
كما شهد هذا العام تراجعا أو تأخيرا في تطبيق الاتحاد النقدي واصدار العملة الموحدة في عام 2010. حيث انسحبت عمان من المشروع وذلك لتخوفها من حدوث خسائر لاقتصادها في حال التزمت بنص تحديد الدين بنسبة 60 في المائة من حجم الناتج المحلي الاجمالي. سعي عمان لإيجاد أكبر عدد من الفرص الوظيفية للمواطنين قد يؤدي إلى ارتفاع مستويات الدين العام والتضخم. قد تفضي تلك المعوقات إلى تأجيل تطبيق مشروع السوق المشتركة المقرر تنفيذه في نهاية عام 2007 والذي يعتمد على حرية تنقل وسائل الانتاج بين الدول الأعضاء. وقد اضاف البيان الختامي لقمة الرياض السماح لرعايا دول المجلس فتح مجالات التأمين والتعقيب لدى الدوائر الحكومية والنقل في الدول الأعضاء.
خاتمة
ان سعى الدول الخليجية إلى توقيع اتفاقية التجارة الحرة مع الاتحاد الأوروبي إحدى اهم التكتلات الاقتصادية العالمية لا يزال يفتقر إلى الرؤية الاقتصادية الشاملة. فالدول الخليجية تطمح من خلال توقيع تلك الاتفاقية إلى إلغاء ضريبة الكربون وغيرها من الضرائب التي يفرضها الاتحاد الأوروبي على المنتجات والصناعات البتروكيماوية لدول المجلس. بترأس ألمانيا للدورة الحالية للاتحاد الأوروبي والتي بدت جادة على الاسراع في توقيع تلك الاتفاقية حيث تجلي ذلك من خلال بدء المستشارة الألمانية جولتها الخارجية في دول الخليج حيث زارت كل من السعودية والإمارات والكويت يصاحبها وفد اقتصادي كبير. فمن المتوقع ان يتم توقيع تلك الاتفاقية في المؤتمر الوزاري المشترك المزمع عقده في 9 مايو في الرياض. إلا أنه من الجدير بالذكر ان توقيع تلك الاتفاقية يلقي مسؤولية كبيرة على عاتق دول الخليج من أجل تحقيق التكامل الاقتصادي بما في ذلك التطبيق الشامل للاتحاد النقدي والجمركي مما يساعدها في تبني سياسة تجارية موحدة مع العالم الخارجي وتحديدا مع الاتحاد الأوروبي الشريك التجاري الأول لدول الخليج.

::/fulltext::

Getting your Trinity Audio player ready...

::cck::2742::/cck::
::introtext::

جاء تأسيس مجلس التعاون الخليجي كمنظومة أمنية إقليمية على خلفية اندلاع الحرب العراقية- الإيرانية في مطلع الثمانينات. إلا أن المجلس عبر عن طموحاته في الوصول إلى وحدة اقتصادية خليجية بين الدول الأعضاء وذلك من خلال اقرار الاتفاقية الاقتصادية الموحدة لعام 1988 والتي تهدف إلى تنسيق وتوحيد السياسات الاقتصادية والمالية والنقدية وكذلك التشريعات التجارية والصناعية والنظم الجمركية المطبقة في الدول الأعضاء. إلا أنه من الجدير بالذكر ان بطء عملية دمج الاقتصادات الخليجية دفعت الكثير من المحللين الاقتصاديين إلى اعتبار ان تطور العلاقات الاقتصادية البينية الخليجية جاء على صيغ تعاونية اقرب منها عمليات تكاملية. فاتفاقيات التكامل الاقتصادي تلزم الدول الأعضاء باتباع عدد من الأولويات والمعايير في علاقاتها البينية ومع غيرها من التكتلات الاقتصادية والدولية بما في ذلك انشاء السو ق المشتركة أو التعرفة الجمركية أو اقامة منطقة التجارة الحرة. اما اتفاقية التعاون فلا تلتزم باطر معينة للتكامل مما يعني غياب أولويات معينة في الحركة. بل انها تخضع على مدي توافر الظروف السياسية والاقتصادية المحيطة التي تدفع باوجه ذلك التعاون. بالرغم من تواضع حقيقة الصيغ التعاونية الاقتصادية لدول الخليج إلا أن التغيرات السياسية والاقتصادية العالمية تحتم على دول الخليج بذل المزيد من الجهود الجادة لتحقيق تكاملاً اقتصادياً حقيقياً.

::/introtext::
::fulltext::

جاء تأسيس مجلس التعاون الخليجي كمنظومة أمنية إقليمية على خلفية اندلاع الحرب العراقية- الإيرانية في مطلع الثمانينات. إلا أن المجلس عبر عن طموحاته في الوصول إلى وحدة اقتصادية خليجية بين الدول الأعضاء وذلك من خلال اقرار الاتفاقية الاقتصادية الموحدة لعام 1988 والتي تهدف إلى تنسيق وتوحيد السياسات الاقتصادية والمالية والنقدية وكذلك التشريعات التجارية والصناعية والنظم الجمركية المطبقة في الدول الأعضاء. إلا أنه من الجدير بالذكر ان بطء عملية دمج الاقتصادات الخليجية دفعت الكثير من المحللين الاقتصاديين إلى اعتبار ان تطور العلاقات الاقتصادية البينية الخليجية جاء على صيغ تعاونية اقرب منها عمليات تكاملية. فاتفاقيات التكامل الاقتصادي تلزم الدول الأعضاء باتباع عدد من الأولويات والمعايير في علاقاتها البينية ومع غيرها من التكتلات الاقتصادية والدولية بما في ذلك انشاء السو ق المشتركة أو التعرفة الجمركية أو اقامة منطقة التجارة الحرة. اما اتفاقية التعاون فلا تلتزم باطر معينة للتكامل مما يعني غياب أولويات معينة في الحركة. بل انها تخضع على مدي توافر الظروف السياسية والاقتصادية المحيطة التي تدفع باوجه ذلك التعاون. بالرغم من تواضع حقيقة الصيغ التعاونية الاقتصادية لدول الخليج إلا أن التغيرات السياسية والاقتصادية العالمية تحتم على دول الخليج بذل المزيد من الجهود الجادة لتحقيق تكاملاً اقتصادياً حقيقياً.

أهمية التكامل الاقتصادي الخليجي
هناك جملة من الأسباب التي تحتم على دول الخليج اتباع استراتيجيات تنموية تكاملية أولى تلك الأسباب تكمن في أحادية الانتاج في اقتصاديات دول المجلس واتباع اساليب التخطيط الاقتصادي بدرجات متشابهة. يرجع ذلك إلى الاعتماد شبه الكامل على البترول مما أدى إلى حالة من التنافس والازدواجية والتكرار. تتشابه الدول الخليجية كذلك في السياسات الاقتصادية المتبعة لتحفيز القطاع الخاص للاسهام في العمليات التنموية. وبالتالي فقد اضحت الدول الخليجية في حالة ملحة إلى ازالة تلك الحالة من تضارب المصالح باتباع خطط اقتصادية تكاملية تعتمد على تنويع مصادر الدخل القومي ولاسيما في ظل توافر رؤوس الأموال.
إلا أنه من الجدير بالذكر ان المتغيرات الاقتصادية والسياسية العالمية أضحت عاملاً حاسما في ضرورة إقامة التكامل الاقتصادي الخليجي. فقد فرضت العولمة تلك المتغيرات التي اتسمت بتحرير وتكامل أسواق السلع والخدمات ورأس المال مما أدي إلى نمو اقتصادي متزايد في العديد من الدول الصناعية والنامية. كما انظمت كافة الدول الصناعية ومعظم دول جنوب شرق آسيا وأمريكا اللاتينية إلى منظمة تحرير التجارة لتضمن تدفق وتبادل رؤوس الأموال. دأبت الدول كذلك على انشاء العديد من االتكتلات والاتفاقات الاقتصادية الاقليمية من أجل توحيد سياساتها الاقتصادية للتعاطي مع متطلبات العولمة والانفتاح الاقتصادي. تأتي تلك السياسات اما لتشجيع المزيد من الاندماج مع الاقتصاد العالمي أو اتباع سياسات حمائية لحماية اقتصاديات ناشئة أو لضمان هيمنة كتلة اقتصادية على غيرها من التكتلات كما هو حاصل مع الاتحاد الأوروبي إلا أن في الآونة الأخيرة شهدت سياسات الاتحاد الأوروبي بعض الانفتاح في التعاطي مع اقتصاديات الدول النامية. مما ادي إلى اضعاف القوة التفاوضة للدول المنفردة التي لا تملك القدرة على الصمود امام المساومات مع التكتلات الخارجية. وبالتالي فقد بات لزاماً انشاء تلك المنظومات الاقتصادية من أجل تنسيق التعاون مع العالم الخارجي في ظل الاثر الواضح للتقلبات الاقتصادية الخارجية على الاقتصادات المحلية.
استراتيجية التكامل الاقتصادي الخليجي
أولاً: تنمية العنصر البشري الخليجي

تكمن اولي خطوات التكامل الاقتصادي في اعداد الكوادر البشرية القادرة على حمل وتنفيذ الاستراتيجيات التكاملية. إلا أن العديد من الدول الخليجية لاتزال تعاني جملة من المعوقات في هذا الاطار. فبعض هذه الدول تعاني مشكلة البطالة والبعض الآخرتعاني البطالة المقنعة حيث هيمنة القطاع العام على الاقتصاد الوطني. تزيد نسبة البطالة في البحرين على 8 في المائة من حجم القوى العاملة الوطنية وتواجه كل من السعودية وعمان اشكالية ايجاد وظائف تتناسب وتطلعات المواطنين.
تعاني دول الخليج كذلك النقص الحاد في العمالة الوطنية المتدربة حيث الاعتماد الكبير على العمالة الاجنبية ولاسيما في التخطيط والتنفيذ في مجالات الانتاج والانشاءات والخدمات مما حصر نطاق عمل القوى الخليجية في أعمال إدارية وخدماتية بعيدة عن الانتاج. مما يتطلب نقل نوعية في برامج تعليم وتأهيل الكوادر البشرية بهدف رفع انتاجية العمل مما يساهم في زيادة رأس المال والطاقة الانتاجية. كما ان تحقيق التكامل الاقتصادي سوف يساهم في تحقيق المواطنة الاقتصادية والتعاون في مجال نقل وتوطين التكنولوجيا وتدريب الكوادر البشرية في دول الخليج للاطلاع بذلك الدور الهام.
من الجدير بالذكر ان من المتوقع ان يستمر اعتماد دول الخليج على النفط والغاز والصناعات المعتمده عليهما لفترة طويلة وهي صناعات تحويلية مهمه للعالم تحقق مردودات وسيوله متوفرة لفترة طويلة. إلا أنه من المهم استخدام تلك السيولة في التعليم والاستثمار البشري وفي بناء البنية التحتية مما يساعد دول الخليج على مواجهة تحديات مرحلة ما بعد البترول.
ثانياً: تنسيق وتوحيد التشريعات والقوانين الخليجية
يتطلب التكامل الاقتصادي ايجاد منظومة قانونية موحدة تشمل كافة الاقطاعات الاقتصادية. إلا أن الدول الخيجية لاتزال تعاني اختلاف القوانين والانظمة والاجراءات المتعلقة بالاستراتيجيات الاقتصادية مما يحد من فرص التكامل الاقتصادي. وبالتالي فقد بات لزاما توحيد الأنظمة والاطار القانوني ولوائح الاجراءات المالية المتعلقة بالاستثمار سواء كانت للاسثمار الاجنبي أو للقطاع الخاص المحلي.
فمن أجل تشجيع الاستثمار الاجنبي لابد من تحديد حجم المشروعات التي يمكن ان يساهم فيها والحد الأدني للمشاركة الوطنية. كما انه من المهم وضع القوانين التي تشجع مبادرات القطاع الخاص وتحمي حقوق الجهات المالية ووجهات الاقراض والمستثمرين من خلال ايجاد اجهزة ومؤسسات خاصة لفض المنازعات التجارية.
يتطلب على دول الخليج ايضا ازالة المعوقات الإدارية والبيروقراطية ووضع القوانين التي تنظم اسواق المال وتكافح الاحتكار والتلاعب مما يحد من حركة النشاط الاقتصادي ويتسبب في بطء العمليات التكاملية.
ثالثاً: إصلاح السوق الخليجي وتطوير البنية المالية
على دول الخليج ان تسعي كذلك إلى تنسيق السياسات والأنظمة المالية والنقدية والتجارية كما نصت عليه الاتفاقية الاقتصادية الموقعة في عام 1988. من أجل ذلك لابد من تطوير بنية السوق الإقليمية وأسواق رأس المال المحلية، فهي لا تزال منغلقة ناشئة وتتسم بالتقلب. هذا إلى جانب محدودية السوق وقلة اعداد المستثمرين والشركات المدرجة في البورصات والتي غالبا ما تكون محتكرة من بعض رجال الأعمال وهناك شبه سيطرة حكومية. تعاني الأسواق الخليجية بذلك من عدم قدرتها على الاستفادة من الفوائض المالية لدول المنطقة مما ادي إلى هجرة رؤوس الأموال وتراكم فوائضها في الدول الأجنبية. وبالتالي فان توسيع رقعة الأسواق وانفتاحها سوف يؤدي إلى جذب رؤوس الأموال اللازمة لاغراض وخطط التنمية.
رابعاً: ربط الهياكل الانتاجية والاهتمام بالمشروعات المشتركة
إن إعادة هيكلة النماذج الانتاجية لابد ان تبدأ ضمن نطاق الدولة من أجل ان تمهد الطريق لمزيد من التعاون والتكامل مع بقية الدول الخليجية. تكون اعادة هيكلة الانتاج من خلال اعادة النظر في ملكية الدولة لمعظم النشاطات الاقتصادية وتشجيع القطاع الخاص على الاسهام في العمليات الانتاجية ومضاعفة التبادل التجاري بين دول الخليج.
التكامل الاقتصادي يقوم ايضا على ربط الهياكل الانتاجية وتشابكها واقامة المشروعات المشتركة ما بين دول الخليج في مختلف القطاعات بترولية وصناعية وزراعية. ففي مجال البترول لابد من السعي إلى اقامة المشاريع البترولية الضخمة والمجمعات البتروكيماوية من أجل بيع المنتجات البترولية المكررة والمصنعة. أما في المجال الصناعي فهو قطاع ناشيء وذلك بسبب الاعتماد الرئيسي على الاستيراد مما يقلل الاقبال على التصنيع المحلي. كذلك بسبب ضيق الأسواق المحلية ومحدودية الطاقة الاستيعابية للاقتصاديات الخليجية. وبالتالي فان ذلك يتطلب التنسيق في اقامة المشروعات الصناعية الأساسية المشتركة بمساهمة من القطاع الخاص وفتح الأسواق الخليجية ولكن لابد من تبني جملة من السياسات من أجل حماية الصناعات المحلية ويتمثل ذلك في تسويق المنتجات محليا ودعمها ماديا، فالحماية لا تكون برفع الضريبة على المنتجات الأجنبية لأن ذلك يتعارض وسياسات تحرير السوق وكذلك يقلل من قدرة المنتج على المنافسة العالمية في المستقبل. أما في المجال الزراعي فانه من الممكن بناء استراتيجيات متكاملة لسد الحاجة المحلية والعمل على التكامل مع الدول العربية الأخرى.
إلا أن الدول الخليجية لاتزال تعاني اختلاف درجات مستويات النمو والفوارق النسبية في الهياكل الاقتصادية لدول المجلس. ذلك يتطلب تشريعات جديدة تضمن حرية حركة الأشخاص والسلع ورؤوس الأموال وتحرير التجارة الخارجية وازالة القيود البيروقراطية وضمان تطبيق تعرفة جمركية موحدة للتجارة البينية والخارجية من أجل زيادة المبادلات التجارية.
لازال الاتحاد الجمركي يواجه بعض الصعوبات فقد كان من المفترض الانتهاء من المشروع بصورة نهائية في نهاية عام 2005 أي بعد سنتين من دخول الاتفاقية حيز التنفيذ في عام 2003. ولكن بناء على قمة ابوظبي عام 2005، فقد تقرر تأخير تنفيذ الاتفاقية حتى نهاية عام 2007 وتم مؤخرا تأخير التنفيذ الكامل للمشروع حتى بداية عام 2008 وذلك وفقا للقمة الخليجية الأخيرة التي عقدت في الرياض. أحد اشكاليات المشروع ان الدول لم تتغلب على معضلة اقتسام الايرادات الجمركية حيث يتم فرض الرسوم على السلع الواردة عند نقطة الدخول الأولي لأحد الموانئ الكويتية. حيث من المهم الاخذ في الاعتبار الوجهه النهائية للسلع وحجم الاستهلاك المحلي في توزيع الايرادات الجمركية. لا تزال الدول الخليجية تعاني التباين في نسب التعرفة الجمركية المفروضة على الواردات مما يتعارض مع نص وثيقة (السياسة التجارية الموحدة) مع العالم الخارجي والتي تبناها المجلس الأعلى في قمة أبوظبي لعام 2005.
كما شهد هذا العام تراجعا أو تأخيرا في تطبيق الاتحاد النقدي واصدار العملة الموحدة في عام 2010. حيث انسحبت عمان من المشروع وذلك لتخوفها من حدوث خسائر لاقتصادها في حال التزمت بنص تحديد الدين بنسبة 60 في المائة من حجم الناتج المحلي الاجمالي. سعي عمان لإيجاد أكبر عدد من الفرص الوظيفية للمواطنين قد يؤدي إلى ارتفاع مستويات الدين العام والتضخم. قد تفضي تلك المعوقات إلى تأجيل تطبيق مشروع السوق المشتركة المقرر تنفيذه في نهاية عام 2007 والذي يعتمد على حرية تنقل وسائل الانتاج بين الدول الأعضاء. وقد اضاف البيان الختامي لقمة الرياض السماح لرعايا دول المجلس فتح مجالات التأمين والتعقيب لدى الدوائر الحكومية والنقل في الدول الأعضاء.
خاتمة
ان سعى الدول الخليجية إلى توقيع اتفاقية التجارة الحرة مع الاتحاد الأوروبي إحدى اهم التكتلات الاقتصادية العالمية لا يزال يفتقر إلى الرؤية الاقتصادية الشاملة. فالدول الخليجية تطمح من خلال توقيع تلك الاتفاقية إلى إلغاء ضريبة الكربون وغيرها من الضرائب التي يفرضها الاتحاد الأوروبي على المنتجات والصناعات البتروكيماوية لدول المجلس. بترأس ألمانيا للدورة الحالية للاتحاد الأوروبي والتي بدت جادة على الاسراع في توقيع تلك الاتفاقية حيث تجلي ذلك من خلال بدء المستشارة الألمانية جولتها الخارجية في دول الخليج حيث زارت كل من السعودية والإمارات والكويت يصاحبها وفد اقتصادي كبير. فمن المتوقع ان يتم توقيع تلك الاتفاقية في المؤتمر الوزاري المشترك المزمع عقده في 9 مايو في الرياض. إلا أنه من الجدير بالذكر ان توقيع تلك الاتفاقية يلقي مسؤولية كبيرة على عاتق دول الخليج من أجل تحقيق التكامل الاقتصادي بما في ذلك التطبيق الشامل للاتحاد النقدي والجمركي مما يساعدها في تبني سياسة تجارية موحدة مع العالم الخارجي وتحديدا مع الاتحاد الأوروبي الشريك التجاري الأول لدول الخليج.

::/fulltext::
::cck::2742::/cck::

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *