أداء مجلس التعاون في مجال الدفاع.. الانتقادات والواقع

::cck::2743::/cck::
::introtext::

كثر الحديث في السنوات الماضية عن دور مجلس التعاون الخليجي في مجال الأمن بشكل عام والأمن العسكري في مواجهة التهديدات الخارجية بشكل خاص، وكثرت الانتقادات للمجلس في هذا المجال بالتحديد وبشكل طغى على الإنجازات الكبيرة التي حققها المجلس طيلة مسيرته منذ عام 1981 وحتى الآن.

::/introtext::
::fulltext::

كثر الحديث في السنوات الماضية عن دور مجلس التعاون الخليجي في مجال الأمن بشكل عام والأمن العسكري في مواجهة التهديدات الخارجية بشكل خاص، وكثرت الانتقادات للمجلس في هذا المجال بالتحديد وبشكل طغى على الإنجازات الكبيرة التي حققها المجلس طيلة مسيرته منذ عام 1981 وحتى الآن.
رغم عدم اتفاقنا في الرأي مع معظم الانتقادات لمجلس التعاون إلا أنه يمكن تفهمها واستيعابها في ظل الأحداث الكبيرة التي مرت بها منطقة الخليج خلال ربع القرن الماضي، ابتداء بالحرب العراقية – الإيرانية التي اندلعت في عام 1980 قبل تأسيس المجلس بشهور، واستمرت سنوات طويلة حتى عام 1988، ومروراً بالغزو العراقي للكويت عام 1991 والذي شكل صدمة كبيرة لدول المجلس، ثم وصولاً إلى أحداث الحادي عشر من سبتمبر عام 2001 وغزو العراق عام 2003، وما تلا ذلك من تصعيد في التهديدات الأمنية للمنطقة على المستويين المحلي والإقليمي، هذا التصعيد في الأحداث كان الدافع الأساسي وراء طرح سؤال دور مجلس التعاون الخليجي في مجال الأمن المشترك لدوله. كما أن الانتقادات الموجهة للمجلس في هذا المجال لا تستند في معظمها إلى أسس واقعية وموضوعية، وخاصة منها من يتهم دول مجلس التعاون الخليجي بأنها هي التي سمحت للتدخل الأجنبي العسكري في المنطقة، وأنها هي المسؤولة عن بقائه واستمراره، هذه الانتقادات في رأينا تحمل مجلس التعاون ودوله الأعضاء فوق طاقاتها بكثير، بل وتطالبها – من دون مبالغة – بما لم ولا تستطع القيام به تجمعات إقليمية ودولية أكبر وأقدم من مجلس التعاون الخليجي، وقبل أن نخوض في هذه النقطة بالتحديد نود أن نستعرض القضية منذ البداية.
إن مجلس التعاون الخليجي عندما نشأ في عام 1981، ورغم نشأته في أعقاب اندلاع الحرب العراقية – الإيرانية إلا أنه نشأ بدوافع واتجاهات بعيدة إلى حد كبير عن النزعات والأهداف العسكرية، وهذا أمر فرضته طبيعة وواقع الحال والظروف داخل دول المجلس وعلاقاتها فيما بينها، والمطلع على النظام الأساسي للمجلس منذ تأسيسه سيجد أمامه في المادة الرابعة أهداف المجلس الأساسية التي تنحصر في التعاون والتنسيق بين دوله في العديد من المجالات الاقتصادية والاجتماعية والثقافية والعلمية والسياحية والإعلامية والإدارية وغيرها من المجالات، ولا نجد أية إشارة للمجال العسكري والأمني الخارجي، وهذا كان أمراً طبيعياً ومنطقياً لأن دول المجلس الست لم يكن لها أعداء وخصوم، ولم تكن تواجه تهديدات مباشرة إقليمية أو محلية، ولم تكن أيضاً تشكل أي تهديد لأية جهة، ولم يكن هناك أي دافع لطرح أفكار الأمن والتعاون العسكري المشترك، وهذا الأمر بالتحديد لعب دوراً كبيراً في نجاح تأسيس المجلس وفي استمراره أيضاً، خاصة أنه كان بين بعض دول المجلس بعض الخلافات على الحدود ربما لم تكن تسمح بطرح فكرة التنسيق والتعاون العسكري المشترك، وكان على المجلس التطلع إلى حل هذه المشكلات داخل إطار البيت الواحد، ونجح بالفعل إلى حد كبير في حلها، هذا إلى جانب أن إمكانيات دول المجلس الديموغرافية السكانية وأيضاً الجغرافية والطبيعية بحكم موقعه وبحكم ثرواته الطبيعية وبحكم مصالح العديد من دول العالم في المنطقة لم تكن لتسمح بإثارة مخاوف وقلق الآخرين القريبين والبعيدين من تجمع دول الخليج في منظمة إقليمية تطرح منذ البداية تصور تعاون عسكري مشترك، خاصة أن دول المجلس جميعها دول حديثة في مجال النمو والتطور الذي بدأ فيها بشكل واضح بعد ظهور النفط في أراضيها ومن هذا المنطلق لم يكن هناك أي دافع لإثارة مسألة أمن المنطقة والدفاع والتعاون العسكري المشترك منذ البداية حتى لا يفهمها البعض بأنها موجهة ضد أحد أو لخدمة مصالح أحد.
ولا شك في أن الملف الأمني من أعقد الملفات التي من الممكن أن تواجه أي تجمع إقليمي، ولا أحد يستطيع أن ينكر أن المتغيرات والأحداث التي شاهدتها منطقة الخليج في ربع القرن الماضي – وهي كل عمر مجلس التعاون الخليجي حتى الآن – أكبر وأكثر تعقيداً من طاقة دول مجلس التعاون مجتمعة أو منفردة، وليس أدل على ذلك من أن الدول الكبرى في العالم والتجمعات الإقليمية الكبيرة والقديمة استعصى عليها مجتمعة ومنفردة التصدي لحل هذه المشكلات، والحرب العراقية – الإيرانية لم تتوقف بمساع دولية ولا إقليمية ولكن صعوبة مواصلتها على أطرافها واستنزاف الطاقات والأرواح هي التي أوقفتها بعد عدة سنوات، كما أن ردع الغزو العراقي الغاشم للكويت ما كان ليحدث بجهود دول المنطقة وحدهم، واستلزم تعاوناً وتحالفاً دولياً وإقليمياً، والاتهامات لدول مجلس التعاون بأنها سمحت بالتدخل الأجنبي لتحرير الكويت اتهامات باطلة وغير مقبولة وأصحابها لا يستطيعون أن يطرحوا البديل آنذاك الذي كان يستطيع أن يعيد لشعب الكويت الشقيق وطنه وسيادته وأرضه المسلوبة من دون أدنى حق يذكر، ولا ننسى أن كل دول العالم بما فيها الدول العربية الكبيرة أيدت التدخل الأجنبي لتحرير الكويت، فلماذا اللوم على دول مجلس التعاون بالتحديد؟
لقد كان أمام دول مجلس التعاون الخليجي بعد تحرير الكويت خياران، إما السعي لعسكرة أراضيها وتكريس الموارد والجهود لبناء الجيوش القوية، وإما زيادة الجهود والمساعي لتهدئة الأوضاع في المنطقة وعدم تصعيد الأزمات، وكان الخيار الثاني والذي انتقده أيضاً الكثيرون ممن استكثروا على دول الخليج ثرواتها التي منحها لها الله سبحانه وتعالى واستكثروا عليها بناء أوطانها وتنمية مجتمعاتها وتحقيق العيش الكريم لشعوبها، وكأن الدول وجدت فقط لتبني الجيوش وتحارب وتهدد وتخاصم وتتحالف.
و جاءت أحداث 11 سبتمبر عام 2001، التي غيرت مجرى التاريخ وأثارت القلق والتوتر في كل أنحاء العالم وخاصة في منطقة الخليج العربي وفي بعض دول المجلس التي وجدت نفسها عن غير قصد في بؤرة الأحداث وشريكاً مباشراً في تداعياتها. وجاء التدخل الأجنبي في العراق عام 2003 والذي شاركت فيه العشرات من دول العالم، ولم تستطع الدول الرافضة له أن توقفه حتى الآن، وعاد الحديث يتصاعد عن الوجود العسكري الأجنبي في دول مجلس التعاون، واختلطت الأمور بين الوجود العسكري والتعاون العسكري وبين العمل الجماعي والعمل الثنائي، وعادت الاتهامات لمجلس التعاون بالفشل في تكوين منظومة أمنية عسكرية يكون لها دور فعال في الأحداث، ولم ينظر أحد إلى طاقة وقوة دول المجلس العسكرية ومقارنتها بالأحداث التي استعصت على المجتمع الدولي وعلى الدول الكبرى مجتمعة، كما تناسى البعض مصالح العديد من الدول الكبرى في المنطقة والتهديدات التي تواجه هذه المصالح والتي ستمس بالقطع دول المجلس والكثير من الدول صاحبة المصالح في المنطقة.
وأكثر من ذلك ذهب البعض إلى القول بضرورة أن يكون لمجلس التعاون الخليجي عمق استراتيجي تحميه قوة عسكرية قادرة على مواجهة أي تهديدات إقليمية أو أجنبية، وهي أمور ليست فقط – كما قلنا – فوق طاقة وإمكانيات دول المجلس، وتتعارض مع طبيعة مجتمعاتها التي لا تعرف العداء ولا الخصومة مع أحد، لكنها أيضاً مستحيلة التنفيذ بشكل مستقل ترضى عنه القوى الأخرى على الساحتين الدولية والإقليمية، وكل قوة على هاتين الساحتين ستسعى لخرق هذا العمق سياسياً أو حتى عسكرياً، وذلك بحكم المصالح المتباينة والمتعددة في هذه المنطقة، وبالتحديد في دول مجلس التعاون الخليجي التي تلتزم كل منها منفردة بالعديد من العلاقات والاتفاقيات الثنائية مع العديد من الدول الكبرى وغيرها، ومن هذه العلاقات ما يحول دون تحديد أبعاد وحدود أي عمق عسكري استراتيجي مشترك لدول المجلس.
إن كل ما قلناه لا يعني أن الجانب الأمني والعسكري المشترك داخل مجلس التعاون مهمل تماماً أو حتى بعيد عن أولويات اهتمام دوله، والمجال هنا لا يسمح بسرد الكثير من الإنجازات داخل المجلس في هذا المجال، ولو أخذنا فقط العامين الماضيين رغم تصاعد الأحداث فيهما بشكل حاد في المنطقة إلا أن قمة مجلس التعاون في عام 2005 ناقشت خطة لتطوير قوات (درع الجزيرة) التي أنشئت عام 1986 ورفع كفاءتها وزيادة عددها وعدتها، وجاءت قمة 2006 في الرياض لتؤكد على استمرار النية والعزم على تطوير هذه القوات وإعدادها لمواجهة أي تهديدات إقليمية يمكن أن تنتج عن التصعيد الدائر حول البرنامج النووي الإيراني. وفي مايو الماضي شهدت الرياض لقاء قادة أجهزة الاستخبارات العسكرية في دول المجلس، كما شهدت أبو ظبي في سبتمبر الماضي اجتماعاً لرؤساء أركان القوات المسلحة في دول المجلس، وفي نوفمبر كان الاجتماع الدوري الخامس لوزراء دفاع دول المجلس في إطار مجلس الدفاع المشترك والذي ناقش تفاصيل خطط تطوير قوات (درع الجزيرة) ووضع تقرير شامل حولها عرض على قمة قادة دول مجلس التعاون في الرياض في ديسمبر الماضي. وهذا كله يعني أن جانب الأمن والدفاع المشترك ليس مهملاً داخل مجلس التعاون كما يتصور البعض. فقط يجب ألا نحمل الأمور والأوضاع أكثر من طاقتها، وأن نراعي الظروف المحيطة بالمنطقة وكذلك على الساحة الدولية كلها. ويكفي المنتقدين لمجلس التعاون في هذا المجال أن ينظروا إلى التجمعات الإقليمية الأخرى التي يفوق عمرها ضعف عمر مجلس التعاون وتفوق قوتها أضعافاً كثيرة قوة دول المجلس العسكرية، ورغم هذا توجه إليها أيضاً انتقادات حادة من داخلها ومن خارجها على أدائها وفاعليتها الأمنية والعسكرية في ظل الأحداث التي تشهدها الساحة الدولية بعد أحداث الحادي عشر من سبتمبر، وأكبر مثال على ذلك الاتحاد الأوروبي أقدم وأكبر وأقوى وأغنى تجمع إقليمي في العالم، والذي فشلت كل محاولات بعض دوله وخاصة فرنسا وألمانيا في إيجاد منظومة دفاعية مشتركة ومستقلة عن الولايات المتحدة، رغم أن قضية الأمن والدفاع المشترك الأوروبي مطروحة داخل الاتحاد منذ اتفاقية بروكسل المؤسسة للاتحاد عام 1947. وسبق أن ناقشت دول الاتحاد الأوروبي فكرة تأسيس جيش أوروبي مشترك، وأسست من أجل ذلك عام 1952 هيئة تحت اسم المجموعة الأوروبية للدفاع، ورغم هذا كله لم يحقق الاتحاد الأوروبي أية نتائج تذكر باتجاه هذا الهدف ، بل زاد ارتباطه أكثر بواشنطن بعد أحداث 11 سبتمبر، وسيزيد أكثر في الأيام المقبلة، كما أوضحت ذلك مؤخراً المستشارة الألمانية أنجيلا ميركل في أحاديثها الصحفية في جولتها الأخيرة في المنطقة.
ونختم حديثنا بالعودة للقول (يجب عدم تحميل مجلس التعاون الخليجي أكثر من طاقة دوله، ويجب أيضاً أن نراعي التصاعد الحاد للأحداث في المنطقة، التي لا تعطي أي فرصة لأحد لتأسيس مشاريع أمنية ودفاعية مشتركة كبيرة تستطيع التصدي ومواجهة التهديدات المستمرة والمتزايدة).

::/fulltext::

Getting your Trinity Audio player ready...

::cck::2743::/cck::
::introtext::

كثر الحديث في السنوات الماضية عن دور مجلس التعاون الخليجي في مجال الأمن بشكل عام والأمن العسكري في مواجهة التهديدات الخارجية بشكل خاص، وكثرت الانتقادات للمجلس في هذا المجال بالتحديد وبشكل طغى على الإنجازات الكبيرة التي حققها المجلس طيلة مسيرته منذ عام 1981 وحتى الآن.

::/introtext::
::fulltext::

كثر الحديث في السنوات الماضية عن دور مجلس التعاون الخليجي في مجال الأمن بشكل عام والأمن العسكري في مواجهة التهديدات الخارجية بشكل خاص، وكثرت الانتقادات للمجلس في هذا المجال بالتحديد وبشكل طغى على الإنجازات الكبيرة التي حققها المجلس طيلة مسيرته منذ عام 1981 وحتى الآن.
رغم عدم اتفاقنا في الرأي مع معظم الانتقادات لمجلس التعاون إلا أنه يمكن تفهمها واستيعابها في ظل الأحداث الكبيرة التي مرت بها منطقة الخليج خلال ربع القرن الماضي، ابتداء بالحرب العراقية – الإيرانية التي اندلعت في عام 1980 قبل تأسيس المجلس بشهور، واستمرت سنوات طويلة حتى عام 1988، ومروراً بالغزو العراقي للكويت عام 1991 والذي شكل صدمة كبيرة لدول المجلس، ثم وصولاً إلى أحداث الحادي عشر من سبتمبر عام 2001 وغزو العراق عام 2003، وما تلا ذلك من تصعيد في التهديدات الأمنية للمنطقة على المستويين المحلي والإقليمي، هذا التصعيد في الأحداث كان الدافع الأساسي وراء طرح سؤال دور مجلس التعاون الخليجي في مجال الأمن المشترك لدوله. كما أن الانتقادات الموجهة للمجلس في هذا المجال لا تستند في معظمها إلى أسس واقعية وموضوعية، وخاصة منها من يتهم دول مجلس التعاون الخليجي بأنها هي التي سمحت للتدخل الأجنبي العسكري في المنطقة، وأنها هي المسؤولة عن بقائه واستمراره، هذه الانتقادات في رأينا تحمل مجلس التعاون ودوله الأعضاء فوق طاقاتها بكثير، بل وتطالبها – من دون مبالغة – بما لم ولا تستطع القيام به تجمعات إقليمية ودولية أكبر وأقدم من مجلس التعاون الخليجي، وقبل أن نخوض في هذه النقطة بالتحديد نود أن نستعرض القضية منذ البداية.
إن مجلس التعاون الخليجي عندما نشأ في عام 1981، ورغم نشأته في أعقاب اندلاع الحرب العراقية – الإيرانية إلا أنه نشأ بدوافع واتجاهات بعيدة إلى حد كبير عن النزعات والأهداف العسكرية، وهذا أمر فرضته طبيعة وواقع الحال والظروف داخل دول المجلس وعلاقاتها فيما بينها، والمطلع على النظام الأساسي للمجلس منذ تأسيسه سيجد أمامه في المادة الرابعة أهداف المجلس الأساسية التي تنحصر في التعاون والتنسيق بين دوله في العديد من المجالات الاقتصادية والاجتماعية والثقافية والعلمية والسياحية والإعلامية والإدارية وغيرها من المجالات، ولا نجد أية إشارة للمجال العسكري والأمني الخارجي، وهذا كان أمراً طبيعياً ومنطقياً لأن دول المجلس الست لم يكن لها أعداء وخصوم، ولم تكن تواجه تهديدات مباشرة إقليمية أو محلية، ولم تكن أيضاً تشكل أي تهديد لأية جهة، ولم يكن هناك أي دافع لطرح أفكار الأمن والتعاون العسكري المشترك، وهذا الأمر بالتحديد لعب دوراً كبيراً في نجاح تأسيس المجلس وفي استمراره أيضاً، خاصة أنه كان بين بعض دول المجلس بعض الخلافات على الحدود ربما لم تكن تسمح بطرح فكرة التنسيق والتعاون العسكري المشترك، وكان على المجلس التطلع إلى حل هذه المشكلات داخل إطار البيت الواحد، ونجح بالفعل إلى حد كبير في حلها، هذا إلى جانب أن إمكانيات دول المجلس الديموغرافية السكانية وأيضاً الجغرافية والطبيعية بحكم موقعه وبحكم ثرواته الطبيعية وبحكم مصالح العديد من دول العالم في المنطقة لم تكن لتسمح بإثارة مخاوف وقلق الآخرين القريبين والبعيدين من تجمع دول الخليج في منظمة إقليمية تطرح منذ البداية تصور تعاون عسكري مشترك، خاصة أن دول المجلس جميعها دول حديثة في مجال النمو والتطور الذي بدأ فيها بشكل واضح بعد ظهور النفط في أراضيها ومن هذا المنطلق لم يكن هناك أي دافع لإثارة مسألة أمن المنطقة والدفاع والتعاون العسكري المشترك منذ البداية حتى لا يفهمها البعض بأنها موجهة ضد أحد أو لخدمة مصالح أحد.
ولا شك في أن الملف الأمني من أعقد الملفات التي من الممكن أن تواجه أي تجمع إقليمي، ولا أحد يستطيع أن ينكر أن المتغيرات والأحداث التي شاهدتها منطقة الخليج في ربع القرن الماضي – وهي كل عمر مجلس التعاون الخليجي حتى الآن – أكبر وأكثر تعقيداً من طاقة دول مجلس التعاون مجتمعة أو منفردة، وليس أدل على ذلك من أن الدول الكبرى في العالم والتجمعات الإقليمية الكبيرة والقديمة استعصى عليها مجتمعة ومنفردة التصدي لحل هذه المشكلات، والحرب العراقية – الإيرانية لم تتوقف بمساع دولية ولا إقليمية ولكن صعوبة مواصلتها على أطرافها واستنزاف الطاقات والأرواح هي التي أوقفتها بعد عدة سنوات، كما أن ردع الغزو العراقي الغاشم للكويت ما كان ليحدث بجهود دول المنطقة وحدهم، واستلزم تعاوناً وتحالفاً دولياً وإقليمياً، والاتهامات لدول مجلس التعاون بأنها سمحت بالتدخل الأجنبي لتحرير الكويت اتهامات باطلة وغير مقبولة وأصحابها لا يستطيعون أن يطرحوا البديل آنذاك الذي كان يستطيع أن يعيد لشعب الكويت الشقيق وطنه وسيادته وأرضه المسلوبة من دون أدنى حق يذكر، ولا ننسى أن كل دول العالم بما فيها الدول العربية الكبيرة أيدت التدخل الأجنبي لتحرير الكويت، فلماذا اللوم على دول مجلس التعاون بالتحديد؟
لقد كان أمام دول مجلس التعاون الخليجي بعد تحرير الكويت خياران، إما السعي لعسكرة أراضيها وتكريس الموارد والجهود لبناء الجيوش القوية، وإما زيادة الجهود والمساعي لتهدئة الأوضاع في المنطقة وعدم تصعيد الأزمات، وكان الخيار الثاني والذي انتقده أيضاً الكثيرون ممن استكثروا على دول الخليج ثرواتها التي منحها لها الله سبحانه وتعالى واستكثروا عليها بناء أوطانها وتنمية مجتمعاتها وتحقيق العيش الكريم لشعوبها، وكأن الدول وجدت فقط لتبني الجيوش وتحارب وتهدد وتخاصم وتتحالف.
و جاءت أحداث 11 سبتمبر عام 2001، التي غيرت مجرى التاريخ وأثارت القلق والتوتر في كل أنحاء العالم وخاصة في منطقة الخليج العربي وفي بعض دول المجلس التي وجدت نفسها عن غير قصد في بؤرة الأحداث وشريكاً مباشراً في تداعياتها. وجاء التدخل الأجنبي في العراق عام 2003 والذي شاركت فيه العشرات من دول العالم، ولم تستطع الدول الرافضة له أن توقفه حتى الآن، وعاد الحديث يتصاعد عن الوجود العسكري الأجنبي في دول مجلس التعاون، واختلطت الأمور بين الوجود العسكري والتعاون العسكري وبين العمل الجماعي والعمل الثنائي، وعادت الاتهامات لمجلس التعاون بالفشل في تكوين منظومة أمنية عسكرية يكون لها دور فعال في الأحداث، ولم ينظر أحد إلى طاقة وقوة دول المجلس العسكرية ومقارنتها بالأحداث التي استعصت على المجتمع الدولي وعلى الدول الكبرى مجتمعة، كما تناسى البعض مصالح العديد من الدول الكبرى في المنطقة والتهديدات التي تواجه هذه المصالح والتي ستمس بالقطع دول المجلس والكثير من الدول صاحبة المصالح في المنطقة.
وأكثر من ذلك ذهب البعض إلى القول بضرورة أن يكون لمجلس التعاون الخليجي عمق استراتيجي تحميه قوة عسكرية قادرة على مواجهة أي تهديدات إقليمية أو أجنبية، وهي أمور ليست فقط – كما قلنا – فوق طاقة وإمكانيات دول المجلس، وتتعارض مع طبيعة مجتمعاتها التي لا تعرف العداء ولا الخصومة مع أحد، لكنها أيضاً مستحيلة التنفيذ بشكل مستقل ترضى عنه القوى الأخرى على الساحتين الدولية والإقليمية، وكل قوة على هاتين الساحتين ستسعى لخرق هذا العمق سياسياً أو حتى عسكرياً، وذلك بحكم المصالح المتباينة والمتعددة في هذه المنطقة، وبالتحديد في دول مجلس التعاون الخليجي التي تلتزم كل منها منفردة بالعديد من العلاقات والاتفاقيات الثنائية مع العديد من الدول الكبرى وغيرها، ومن هذه العلاقات ما يحول دون تحديد أبعاد وحدود أي عمق عسكري استراتيجي مشترك لدول المجلس.
إن كل ما قلناه لا يعني أن الجانب الأمني والعسكري المشترك داخل مجلس التعاون مهمل تماماً أو حتى بعيد عن أولويات اهتمام دوله، والمجال هنا لا يسمح بسرد الكثير من الإنجازات داخل المجلس في هذا المجال، ولو أخذنا فقط العامين الماضيين رغم تصاعد الأحداث فيهما بشكل حاد في المنطقة إلا أن قمة مجلس التعاون في عام 2005 ناقشت خطة لتطوير قوات (درع الجزيرة) التي أنشئت عام 1986 ورفع كفاءتها وزيادة عددها وعدتها، وجاءت قمة 2006 في الرياض لتؤكد على استمرار النية والعزم على تطوير هذه القوات وإعدادها لمواجهة أي تهديدات إقليمية يمكن أن تنتج عن التصعيد الدائر حول البرنامج النووي الإيراني. وفي مايو الماضي شهدت الرياض لقاء قادة أجهزة الاستخبارات العسكرية في دول المجلس، كما شهدت أبو ظبي في سبتمبر الماضي اجتماعاً لرؤساء أركان القوات المسلحة في دول المجلس، وفي نوفمبر كان الاجتماع الدوري الخامس لوزراء دفاع دول المجلس في إطار مجلس الدفاع المشترك والذي ناقش تفاصيل خطط تطوير قوات (درع الجزيرة) ووضع تقرير شامل حولها عرض على قمة قادة دول مجلس التعاون في الرياض في ديسمبر الماضي. وهذا كله يعني أن جانب الأمن والدفاع المشترك ليس مهملاً داخل مجلس التعاون كما يتصور البعض. فقط يجب ألا نحمل الأمور والأوضاع أكثر من طاقتها، وأن نراعي الظروف المحيطة بالمنطقة وكذلك على الساحة الدولية كلها. ويكفي المنتقدين لمجلس التعاون في هذا المجال أن ينظروا إلى التجمعات الإقليمية الأخرى التي يفوق عمرها ضعف عمر مجلس التعاون وتفوق قوتها أضعافاً كثيرة قوة دول المجلس العسكرية، ورغم هذا توجه إليها أيضاً انتقادات حادة من داخلها ومن خارجها على أدائها وفاعليتها الأمنية والعسكرية في ظل الأحداث التي تشهدها الساحة الدولية بعد أحداث الحادي عشر من سبتمبر، وأكبر مثال على ذلك الاتحاد الأوروبي أقدم وأكبر وأقوى وأغنى تجمع إقليمي في العالم، والذي فشلت كل محاولات بعض دوله وخاصة فرنسا وألمانيا في إيجاد منظومة دفاعية مشتركة ومستقلة عن الولايات المتحدة، رغم أن قضية الأمن والدفاع المشترك الأوروبي مطروحة داخل الاتحاد منذ اتفاقية بروكسل المؤسسة للاتحاد عام 1947. وسبق أن ناقشت دول الاتحاد الأوروبي فكرة تأسيس جيش أوروبي مشترك، وأسست من أجل ذلك عام 1952 هيئة تحت اسم المجموعة الأوروبية للدفاع، ورغم هذا كله لم يحقق الاتحاد الأوروبي أية نتائج تذكر باتجاه هذا الهدف ، بل زاد ارتباطه أكثر بواشنطن بعد أحداث 11 سبتمبر، وسيزيد أكثر في الأيام المقبلة، كما أوضحت ذلك مؤخراً المستشارة الألمانية أنجيلا ميركل في أحاديثها الصحفية في جولتها الأخيرة في المنطقة.
ونختم حديثنا بالعودة للقول (يجب عدم تحميل مجلس التعاون الخليجي أكثر من طاقة دوله، ويجب أيضاً أن نراعي التصاعد الحاد للأحداث في المنطقة، التي لا تعطي أي فرصة لأحد لتأسيس مشاريع أمنية ودفاعية مشتركة كبيرة تستطيع التصدي ومواجهة التهديدات المستمرة والمتزايدة).

::/fulltext::
::cck::2743::/cck::

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *