تقييم الأداء الأمني لمجلس التعاون الخليجي خلال ربع قرن
::cck::2745::/cck::
::introtext::
كان البعد الأمني أحد الدوافع الأساسية وراء إنشاء مجلس التعاون لدول الخليج العربية في مايو 1981، حيث جمعت دوله الست توجهات متماثلة، سواء من حيث القدرات الدفاعية أو التهديدات من الأقطار المجاورة نتيجة اندلاع الثورة الإسلامية في إيران عام 1979 وتبني طهران إلى منهج تصدير الثورة الإسلامية لدول الجوار، ثم جاءت الحرب العراقية- الإيرانية في سبتمبر 1980، لتمثل تحدياً آخر دول الخليج العربية، بسبب قربها من مسرح العمليات العسكرية الملتهب، مع ما كان يعنيه ذلك من احتمالات امتداد الحرب إلى أراضيها أو مصالحها.
::/introtext::
::fulltext::
كان البعد الأمني أحد الدوافع الأساسية وراء إنشاء مجلس التعاون لدول الخليج العربية في مايو 1981، حيث جمعت دوله الست توجهات متماثلة، سواء من حيث القدرات الدفاعية أو التهديدات من الأقطار المجاورة نتيجة اندلاع الثورة الإسلامية في إيران عام 1979 وتبني طهران إلى منهج تصدير الثورة الإسلامية لدول الجوار، ثم جاءت الحرب العراقية- الإيرانية في سبتمبر 1980، لتمثل تحدياً آخر دول الخليج العربية، بسبب قربها من مسرح العمليات العسكرية الملتهب، مع ما كان يعنيه ذلك من احتمالات امتداد الحرب إلى أراضيها أو مصالحها.
شكلت البيئة الدولية مناخاً غير مواتياً للاستقرار في المنطقة، خاصة في ظل احتدام الصراع الدولي بعد تزايد النفوذ السوفييتي في بعض المناطق القريبة من الخليج مثل أفغانستان (بعد غزوه لها في عام 1979) والقرن الإفريقي والمحيط الهندي، وهو الأمر الذي أثار لدى دول الخليج العربية مخاوف من امتداد النفوذ السوفييتي إليها، كما ولد لديها مخاوف من محاولات النفوذ الغربي وخاصة الأمريكي كمحاولة لمواجهة النفوذ السوفييتي وتطبيقاً لسياسات التصعيد الأمريكي في العالم منذ نهاية سبعينات القرن الماضي.
وقد دفعت هذه التحديات دول الخليج الست إلى التفكير في تكوين إطار للأمن الجماعي والتعاون فيما بينها لسد احتياجات الأمن الناشئة في المنطقة، ولمواجهة التهديدات التي قد تواجهها، وكان مجلس التعاون هو الآلية لتحقيق هذه التطلعات والأهداف.
وبعد مرور ربع قرن على إنشاء مجلس التعاون، فإنه يمكن تقييم الجانب الأمني لمجلس التعاون الخليجي استناداً إلى العناصر التالية:
1-الوضع الأمني الراهن: إذا كان المجلس – كما سبق الإشارة- تأسس لمواجهة تحديات أمنية إقليمية ودولية، فإن الوضع الأمني الراهن لم يختلف كثيراً عن مرحلة التأسيس، بل إن مشكلاته الأمنية تفاقمت لدرجة أصبح معها شعور دوله بعدم الأمان يتعاظم من كل اتجاه فعلى المستوى الداخلي تعرضت بعض دول المجلس (السعودية والكويت وقطر) في السنوات الأخيرة لسلسلة من التفجيرات الإرهابية، تزامنت مع بروز العديد من الجماعات الراديكالية في دول الخليج التي تدعو إلى مهاجمة المصالح الأمريكية والغربية عموماً في المنطقة. كما تشكل البيئة الإقليمية الراهنة تهديداً لأمن مجلس التعاون، سواء نتيجة لانفلات الأوضاع الأمنية في العراق التي تتمدد بشظاياها بشكل أو آخر إلى دول المجلس أو نتيجة للتصعيد المستمر في أزمة البرنامج النووي الإيراني.
2- الإدراك الأمني لمصادر التهديد: مر الإدراك الأمني لدول مجلس التعاون الخليجي بعدة مراحل، يمكن الإشارة إليها بإيجاز على النحو التالي:
المرحلة الأولى (1981-1990): التي بدأت بتأسيس مجلس التعاون في مايو 1981، وخلالها بدأ الإدراك الأمني لدول مجلس التعاون يتبلور، وبدا أن هناك اتفاقاً على ضرورة الاعتماد على الذات في تحقيق الأمن، ورفض نفوذ القوى الأجنبية في المنطقة، وضرورة إبعاد المنطقة عن الصراعات الدولية، وصاغت هذه الدول مبدأ أساسياً يتمثل في أن (أمن الخليج واستقراره هما مسؤولية دوله)، وما يرتبط بذلك من ضرورة إبعاد المنطقة بأكملها عن الصراعات الدولية، وخاصة تمركز الأساطيل العسكرية والقواعد الأجنبية لما فيه مصلحتها ومصلحة العالم، وقد تكرر هذا المبدأ أيضاً في البيانات الختامية لقمم مجلس التعاون الخليجي.
وخلال هذه المرحلة أيضاً كانت هناك بداية إدراك من دول المجلس بخطورة التهديدات التي تفرضها البيئة الداخلية والمتمثلة بالأساس في التطرف والإرهاب والجماعات الراديكالية التي تتبنى أعمال العنف منهجاً لها، وترجم ذلك في إقرار دول المجلس لأهداف الاستراتيجية الأمنية الشاملة.
المرحلة الثانية وتبدأ من الغزو العراقي للكويت أغسطس 1990 وحتى أحداث 11 سبتمبر: وشهدت تغيراً جذرياً في رؤية دول المجلس لكيفية الحفاظ على أمنها، بحيث لم يعد أمن مجلس التعاون أمناً خليجياً عربياً فحسب أو مسؤولية دوله، بل تم الربط بين الأمن الدولي وأمن دول مجلس التعاون، وأصبحت القوى الخارجية التي كانت تمثل خطراً من قبل هي مصدر الأمن والاستقرار في المنطقة، فقد صار أمن الخليج يعني أمن واستقرار وسيادة دول أعضاء مجلس التعاون من العدوان العراقي (المتربص).
واكتسب أمن دول مجلس التعاون أبعاداً جديدة، أبرزها أولوية الخطر الخارجي والتهديدات الخارجية على التهديدات والأخطار الداخلية، والقبول بالتواجد العسكري الأجنبي باعتباره أهم ضمانات هذا الأمن الجديد، وارتبط ذلك بتقليص وتهميش الدور العربي في أمن الخليج، وفقدت المجموعة الخليجية ثقتها بالارتباط بالأمن القومي العربي، ما أدى إلى تقويض مبادئ الأمن القومي العربي، وترتب على ذلك تكثيف الوجود العسكري في المنطقة، وأصبح أمن الخليج العربي قضية دولية من جانب، وجزأ لا يتجزأ من الأمن والمصالح العليا للدول الكبرى وفي مقدمتها الولايات المتحدة.
المرحلة الثالثة: وتبدأ منذ أحداث 11 سبتمبر وحتى الآن: والملمح الأساسي في رؤية دول المجلس الأمنية في هذه المرحلة هو عودة الاعتبارات الأمنية الوطنية الداخلية لتتصدر قائمة الأولويات الخليجية، بعد أن سلطت الأحداث الضوء على تحديات البيئة الداخلية التي تمثل تهديداً لأمن دول المجلس، والمتمثلة بالأساس في خطر (التطرف والعنف) الذي تؤمن به بعض الجماعات الأصولية الراديكالية ذات الصلة بتنظيم القاعدة، والمتهم بالوقوف وراء هذه الأحداث، وبدأت هذه الدول كذلك تهتم بمنظومتها الثقافية والتربوية والتعليمية وتعيد النظر في مكوناتها، وشرعت بالقيام بإصلاحات سياسية وديمقراطية عديدة . كما لم تغفل هذه الرؤية مخاطر البيئة الإقليمية سواء المرتبطة بالأوضاع في العراق أو المتعلقة بتصاعد النفوذ الإيراني في المنطقة وتجدد مساعي طهران نحو الهيمنة وفرض مشاريعها الأمنية على دول المنطقة.
3- تناول القمم الخليجية للوضع الأمني : المتابع لبيانات القمم الخليجية لمجلس التعاون الخليجي يلاحظ أن القضايا الأمنية – سواء أخذت شكل التعاون الأمني أو التحديات الأمنية- شكلت بنداً أساسياً على جدول أعمال 19 قمة خليجية من أصل 27 قمة انعقدت منذ تأسيس مجلس التعاون كان آخرها قمة الرياض السابعة والعشرين (قمة جابر) التي انعقدت يومي 9-10/12/2006، وأكدت في بيانها الختامي على ضرورة مكافحة الإرهاب باعتباره جريمة عالمية، ووافقت على قرار وزراء الداخلية العرب بشأن تشكيل لجنة أمنية دائمة لمكافحة الإرهاب.
وفيما خلت البيانات الختامية لثماني قمم فقط من الإشارة إلى التعاون الأمني بشكل مباشر، وهي قمم: أبو ظبي عام 1981، والرياض عام 1981، والدوحة عام 1983، والكويت عام 1984، والمنامة عام 1988، ومسقط عام 1989، والكويت عام 1991، وأبو ظبي عام 1992، ويرجع هذا الغياب إلى تركيز هذه القمم على عدد من القضايا المحورية التي شغلت حيزاً كبيراً من مداولات تلك القمم، مثل: قضية الحرب العراقية – الإيرانية، أو الغزو العراقي للكويت، غير أنه من الضروري الإشارة إلى أن هذا الغياب لا يعني تجاهل دول المجلس لأهمية التعاون الأمني بينها، ولكنه عكس في واقع الأمر إيماناً من جانب القادة الخليجيين بأن تعزيز التعاون في هذا المجال يقع على كاهل المسؤولين الأمنيين الخليجيين، والأجهزة الخليجية المتخصصة التي كانت ولا تزال مستمرة في تعزيز تعاونها المثمر والبناء في هذا المجال الحيوي لاستقرار وأمن شعوب المنطقة، وهو ما تؤكده البيانات الختامية التي تضمنت الإشارة إلى ضرورة تعزيز التعاون الأمني بين دول المجلس، حيث اعتمدت العمومية والشمولية لتحديد مناهج وأساليب التنسيق الأمني بين الأجهزة الأمنية الخليجية وتركت التفاصيل والأمور الفنية إلى تلك الأجهزة التي نجحت في إيجاد آليات متعددة لضمان استمرار التنسيق والتعاون فيما بينها، وعلى رأس هذه الأجهزة مجلس وزراء داخلية دول المجلس، وهو الجهاز الرئيسي الذي يحمل على كاهله تلك المسؤولية الكبرى.
4- الإنجازات الأمنية: حقق مجلس التعاون الخليجي في مسيرته العديد من الإنجازات الأمنية، حيث تم إقرار عدد من الاستراتيجيات الأمنية لمواجهة بعض الظواهر الأمنية مثل(المخدرات، الإرهاب، الجريمة المنظمة، وغسل الأموال)، فقد تم إقرار الاتفاقية الأمنية المشتركة لمكافحة الإرهاب في مايو 2004 بما يؤكد عزم هذه الدول على التصدي لظاهرة الإرهاب ومكافحته بشكل جماعي، وتعد هذه الاتفاقية إحدى آليات تفعيل استراتيجية المجلس لمكافحة ظاهرتي (التطرف) و(الإرهاب). وبالنسبة لمكافحة المخدرات، تم وضع مشروع تشريع نموذجي موحد لدول المجلس يشدد العقوبة على مهربي ومروجي السموم البيضاء بناء على توصيات الاجتماع التاسع لمديري أجهزة مكافحة المخدرات ضمن أعمال الاجتماع الرابع عشر لوزراء الداخلية الذي عقد في البحرين (11 – 12 نوفمبر 1995)، وفي عام 1998 تمت الموافقة على المشروع من قبل وزراء الداخلية. كما صدقت دول مجلس التعاون على الاتفاقية العربية لمكافحة الاتجار غير المشروع بالمخدرات عام 1994 في تونس.
وبالنسبة لمكافحة غسل الأموال اتخذت دول المجلس منفردة إجراءات عديدة، فالمملكة العربية السعودية أصدرت تعليمات تفصيلية بشأن التعاملات التجارية والصفقات المالية المشبوهة وذلك في إطار المساعي الرامية للحد من عمليات غسل الأموال، وأقرت في شهر نوفمبر 2001 الاتفاقية الدولية لمكافحة تمويل الإرهاب التي أقرتها الأمم المتحدة عام 1999، وفي الإمارات وافق مجلس الوزراء في أكتوبر 2001 على قانون لمكافحة غسل الأموال، وأصدرت البحرين في الشهر ذاته لوائح وقواعد للمصارف تهدف إلى محاربة غسل الأموال علماً بأنها أصدرت قانوناً لمكافحة غسل الأموال في يناير 2001. وفي سلطنة عُمان عمم البنك المركزي قائمة الأسماء التي أصدرتها الولايات المتحدة بعد أحداث الحادي عشر من سبتمبر على المصارف العاملة في السلطنة للتأكد من عدم وجود حسابات لهذه الأسماء في هذه المصارف. كما أصدر البنك توجيهات إلى البنوك الوطنية بتوخي الحيطة والحذر عند فتح حسابات لجهات قد يعتقد المسؤولون في المصرف المعني أن لها نشاطاً مشبوهاً أو غير مشروع، وذلك في سياق إجراءات تهدف إلى مكافحة ظاهرة غسل الأموال.
وعلى الصعيد الجماعي، تسعى دول المجلس إلى إعداد مشروع قانون استرشادي خليجي بشأن مكافحة جرائم غسل الأموال يتوافق مع التوصيات الدولية الصادرة بشأن مكافحة غسل الأموال من قبل اللجنة المالية الدولية (فاتف) وبرنامج الأمم المتحدة لمكافحة المخدرات وغسل الأموال.
5- مستقبل التكامل الأمني لمجلس التعاون : رغم الإنجازات السابق الإشارة إليها إلا أن ثمة عوامل تعوق التكامل الأمني لمجلس التعاون الخليجي، أهمها:
أ- خصوصية الأوضاع الداخلية لكل دولة من دول المجلس، الأمر الذي يجعل لكل دولة إدراكها الخاص لمصادر تهديد الأمن الإقليمي، وحيث إن كل دولة تعطي أولوية حاسمة لأمنها القطري فإنها تنجرف إلى إدراكات مختلفة للأمن الإقليمي، بحيث يصبح مرادفاً لأمنها الوطني. ولهذا فإن عملية تحديد مسائل بعينها كمصادر للتهديد تواجه مجلس التعاون مجتمعة تبدو مهمة صعبة في ضوء غلبة النظرة الذاتية لكل دولة من الدول الأعضاء في المجلس إلى هذه المصادر وللتداخل بين هذه النظرة وبين ما يروج له من القوى الخارجية كمصادر للتهديد في إقليم الخليج سواء أكانت إقليمية أو خارجية.
ب- تفاوت الاعتماد على الأطراف الخارجية ودرجة كثافته من دولة لأخرى، ما بين عقد اتفاقيات دفاعية ذات عقد زمني ممتد، كما هو حال الاتفاقية الدفاعية التي وقعتها الولايات مع الكويت بعد حرب الخليج الثانية، وتم تجديدها في عام 2001، أو الاتفاقية الدفاعية التي وقعتها قطر عام 2002 مع الولايات المتحدة، وغياب إطار جماعي موحد للتعاون الأمني لمجلس التعاون مع القوى الكبرى.
ج- غياب الرؤية الاستراتيجية الموحدة لدول المجلس حول طبيعة الترتيبات الأمنية والدفاعية، فهذه الرؤية تكون في الأغلب رد فعل لأزمة إقليمية أو دولية أو حتى داخلية، بمعنى آخر إن السياسات الأمنية والدفاعية التي اتخذتها دول المجلس لم تكن نتيجة رؤية مشتركة بقدر ما كانت استجابة لضغوط وتحديات البيئة الخارجية والداخلية.
وأخيراً، إذا كان مجلس التعاون الخليجي واجه في مسيرة ربع قرن العديد من التحديات التي حالت دون تحقيق تكامله الأمني، فإن المستقبل يتطلب العمل من دول المجلس على تطوير آليات الأمن الجماعي، وتطويرها وبما يفضي في النهاية إلى تحقيق التكامل الأمني، وذلك من خلال عدة إجراءات:
أولاً: التعريف الدقيق والواقعي لتهديدات الأمن والسلم الإقليميين، والتي تقع في نطاق مسؤولية الأمن الإقليمي الخليجي، ويشمل هذا التعريف ضرورة الاعتراف أو التمييز بين الأمن الذاتي (القطري) وبين الأمن الجماعي لمجلس التعاون، وهذا يمثل أهمية في توضيح الشروط التي يبدأ فيها نظام الأمن الجماعي العمل تلقائياً وفق التزامات مسبقة محددة.
ثانياً: ترجمة الالتزامات الأمنية في بيانات قمم مجلس التعاون الخليجي إلى واقع ملموس بإنشاء آليات تنفيذية ومؤسسية، باعتبارها جوهر التحديث المطلوب لتفعيل نظام الأمن الجماعي لدول مجلس التعاون الخليجي.
ثالثاً: تفويض مجلس التعاون ـ كمنظمة إقليمية تضم دول الخليج العربية الست- بقدر معقول من السلطة السياسية والمعنوية لتقييد مجال التصرف السياسي أو الاستراتيجي أو الأمني المنفرد من جانب دول المجلس في الحالات التي تنشأ فيها عن هذا التصرف نتائج سلبية على أمن بقية دول المجلس أو أي أضرار ملموسة بمصالحها الأمنية والاستراتيجية مجتمعة.
::/fulltext::
|
Getting your Trinity Audio player ready...
|
::cck::2745::/cck::
::introtext::
كان البعد الأمني أحد الدوافع الأساسية وراء إنشاء مجلس التعاون لدول الخليج العربية في مايو 1981، حيث جمعت دوله الست توجهات متماثلة، سواء من حيث القدرات الدفاعية أو التهديدات من الأقطار المجاورة نتيجة اندلاع الثورة الإسلامية في إيران عام 1979 وتبني طهران إلى منهج تصدير الثورة الإسلامية لدول الجوار، ثم جاءت الحرب العراقية- الإيرانية في سبتمبر 1980، لتمثل تحدياً آخر دول الخليج العربية، بسبب قربها من مسرح العمليات العسكرية الملتهب، مع ما كان يعنيه ذلك من احتمالات امتداد الحرب إلى أراضيها أو مصالحها.
::/introtext::
::fulltext::
كان البعد الأمني أحد الدوافع الأساسية وراء إنشاء مجلس التعاون لدول الخليج العربية في مايو 1981، حيث جمعت دوله الست توجهات متماثلة، سواء من حيث القدرات الدفاعية أو التهديدات من الأقطار المجاورة نتيجة اندلاع الثورة الإسلامية في إيران عام 1979 وتبني طهران إلى منهج تصدير الثورة الإسلامية لدول الجوار، ثم جاءت الحرب العراقية- الإيرانية في سبتمبر 1980، لتمثل تحدياً آخر دول الخليج العربية، بسبب قربها من مسرح العمليات العسكرية الملتهب، مع ما كان يعنيه ذلك من احتمالات امتداد الحرب إلى أراضيها أو مصالحها.
شكلت البيئة الدولية مناخاً غير مواتياً للاستقرار في المنطقة، خاصة في ظل احتدام الصراع الدولي بعد تزايد النفوذ السوفييتي في بعض المناطق القريبة من الخليج مثل أفغانستان (بعد غزوه لها في عام 1979) والقرن الإفريقي والمحيط الهندي، وهو الأمر الذي أثار لدى دول الخليج العربية مخاوف من امتداد النفوذ السوفييتي إليها، كما ولد لديها مخاوف من محاولات النفوذ الغربي وخاصة الأمريكي كمحاولة لمواجهة النفوذ السوفييتي وتطبيقاً لسياسات التصعيد الأمريكي في العالم منذ نهاية سبعينات القرن الماضي.
وقد دفعت هذه التحديات دول الخليج الست إلى التفكير في تكوين إطار للأمن الجماعي والتعاون فيما بينها لسد احتياجات الأمن الناشئة في المنطقة، ولمواجهة التهديدات التي قد تواجهها، وكان مجلس التعاون هو الآلية لتحقيق هذه التطلعات والأهداف.
وبعد مرور ربع قرن على إنشاء مجلس التعاون، فإنه يمكن تقييم الجانب الأمني لمجلس التعاون الخليجي استناداً إلى العناصر التالية:
1-الوضع الأمني الراهن: إذا كان المجلس – كما سبق الإشارة- تأسس لمواجهة تحديات أمنية إقليمية ودولية، فإن الوضع الأمني الراهن لم يختلف كثيراً عن مرحلة التأسيس، بل إن مشكلاته الأمنية تفاقمت لدرجة أصبح معها شعور دوله بعدم الأمان يتعاظم من كل اتجاه فعلى المستوى الداخلي تعرضت بعض دول المجلس (السعودية والكويت وقطر) في السنوات الأخيرة لسلسلة من التفجيرات الإرهابية، تزامنت مع بروز العديد من الجماعات الراديكالية في دول الخليج التي تدعو إلى مهاجمة المصالح الأمريكية والغربية عموماً في المنطقة. كما تشكل البيئة الإقليمية الراهنة تهديداً لأمن مجلس التعاون، سواء نتيجة لانفلات الأوضاع الأمنية في العراق التي تتمدد بشظاياها بشكل أو آخر إلى دول المجلس أو نتيجة للتصعيد المستمر في أزمة البرنامج النووي الإيراني.
2- الإدراك الأمني لمصادر التهديد: مر الإدراك الأمني لدول مجلس التعاون الخليجي بعدة مراحل، يمكن الإشارة إليها بإيجاز على النحو التالي:
المرحلة الأولى (1981-1990): التي بدأت بتأسيس مجلس التعاون في مايو 1981، وخلالها بدأ الإدراك الأمني لدول مجلس التعاون يتبلور، وبدا أن هناك اتفاقاً على ضرورة الاعتماد على الذات في تحقيق الأمن، ورفض نفوذ القوى الأجنبية في المنطقة، وضرورة إبعاد المنطقة عن الصراعات الدولية، وصاغت هذه الدول مبدأ أساسياً يتمثل في أن (أمن الخليج واستقراره هما مسؤولية دوله)، وما يرتبط بذلك من ضرورة إبعاد المنطقة بأكملها عن الصراعات الدولية، وخاصة تمركز الأساطيل العسكرية والقواعد الأجنبية لما فيه مصلحتها ومصلحة العالم، وقد تكرر هذا المبدأ أيضاً في البيانات الختامية لقمم مجلس التعاون الخليجي.
وخلال هذه المرحلة أيضاً كانت هناك بداية إدراك من دول المجلس بخطورة التهديدات التي تفرضها البيئة الداخلية والمتمثلة بالأساس في التطرف والإرهاب والجماعات الراديكالية التي تتبنى أعمال العنف منهجاً لها، وترجم ذلك في إقرار دول المجلس لأهداف الاستراتيجية الأمنية الشاملة.
المرحلة الثانية وتبدأ من الغزو العراقي للكويت أغسطس 1990 وحتى أحداث 11 سبتمبر: وشهدت تغيراً جذرياً في رؤية دول المجلس لكيفية الحفاظ على أمنها، بحيث لم يعد أمن مجلس التعاون أمناً خليجياً عربياً فحسب أو مسؤولية دوله، بل تم الربط بين الأمن الدولي وأمن دول مجلس التعاون، وأصبحت القوى الخارجية التي كانت تمثل خطراً من قبل هي مصدر الأمن والاستقرار في المنطقة، فقد صار أمن الخليج يعني أمن واستقرار وسيادة دول أعضاء مجلس التعاون من العدوان العراقي (المتربص).
واكتسب أمن دول مجلس التعاون أبعاداً جديدة، أبرزها أولوية الخطر الخارجي والتهديدات الخارجية على التهديدات والأخطار الداخلية، والقبول بالتواجد العسكري الأجنبي باعتباره أهم ضمانات هذا الأمن الجديد، وارتبط ذلك بتقليص وتهميش الدور العربي في أمن الخليج، وفقدت المجموعة الخليجية ثقتها بالارتباط بالأمن القومي العربي، ما أدى إلى تقويض مبادئ الأمن القومي العربي، وترتب على ذلك تكثيف الوجود العسكري في المنطقة، وأصبح أمن الخليج العربي قضية دولية من جانب، وجزأ لا يتجزأ من الأمن والمصالح العليا للدول الكبرى وفي مقدمتها الولايات المتحدة.
المرحلة الثالثة: وتبدأ منذ أحداث 11 سبتمبر وحتى الآن: والملمح الأساسي في رؤية دول المجلس الأمنية في هذه المرحلة هو عودة الاعتبارات الأمنية الوطنية الداخلية لتتصدر قائمة الأولويات الخليجية، بعد أن سلطت الأحداث الضوء على تحديات البيئة الداخلية التي تمثل تهديداً لأمن دول المجلس، والمتمثلة بالأساس في خطر (التطرف والعنف) الذي تؤمن به بعض الجماعات الأصولية الراديكالية ذات الصلة بتنظيم القاعدة، والمتهم بالوقوف وراء هذه الأحداث، وبدأت هذه الدول كذلك تهتم بمنظومتها الثقافية والتربوية والتعليمية وتعيد النظر في مكوناتها، وشرعت بالقيام بإصلاحات سياسية وديمقراطية عديدة . كما لم تغفل هذه الرؤية مخاطر البيئة الإقليمية سواء المرتبطة بالأوضاع في العراق أو المتعلقة بتصاعد النفوذ الإيراني في المنطقة وتجدد مساعي طهران نحو الهيمنة وفرض مشاريعها الأمنية على دول المنطقة.
3- تناول القمم الخليجية للوضع الأمني : المتابع لبيانات القمم الخليجية لمجلس التعاون الخليجي يلاحظ أن القضايا الأمنية – سواء أخذت شكل التعاون الأمني أو التحديات الأمنية- شكلت بنداً أساسياً على جدول أعمال 19 قمة خليجية من أصل 27 قمة انعقدت منذ تأسيس مجلس التعاون كان آخرها قمة الرياض السابعة والعشرين (قمة جابر) التي انعقدت يومي 9-10/12/2006، وأكدت في بيانها الختامي على ضرورة مكافحة الإرهاب باعتباره جريمة عالمية، ووافقت على قرار وزراء الداخلية العرب بشأن تشكيل لجنة أمنية دائمة لمكافحة الإرهاب.
وفيما خلت البيانات الختامية لثماني قمم فقط من الإشارة إلى التعاون الأمني بشكل مباشر، وهي قمم: أبو ظبي عام 1981، والرياض عام 1981، والدوحة عام 1983، والكويت عام 1984، والمنامة عام 1988، ومسقط عام 1989، والكويت عام 1991، وأبو ظبي عام 1992، ويرجع هذا الغياب إلى تركيز هذه القمم على عدد من القضايا المحورية التي شغلت حيزاً كبيراً من مداولات تلك القمم، مثل: قضية الحرب العراقية – الإيرانية، أو الغزو العراقي للكويت، غير أنه من الضروري الإشارة إلى أن هذا الغياب لا يعني تجاهل دول المجلس لأهمية التعاون الأمني بينها، ولكنه عكس في واقع الأمر إيماناً من جانب القادة الخليجيين بأن تعزيز التعاون في هذا المجال يقع على كاهل المسؤولين الأمنيين الخليجيين، والأجهزة الخليجية المتخصصة التي كانت ولا تزال مستمرة في تعزيز تعاونها المثمر والبناء في هذا المجال الحيوي لاستقرار وأمن شعوب المنطقة، وهو ما تؤكده البيانات الختامية التي تضمنت الإشارة إلى ضرورة تعزيز التعاون الأمني بين دول المجلس، حيث اعتمدت العمومية والشمولية لتحديد مناهج وأساليب التنسيق الأمني بين الأجهزة الأمنية الخليجية وتركت التفاصيل والأمور الفنية إلى تلك الأجهزة التي نجحت في إيجاد آليات متعددة لضمان استمرار التنسيق والتعاون فيما بينها، وعلى رأس هذه الأجهزة مجلس وزراء داخلية دول المجلس، وهو الجهاز الرئيسي الذي يحمل على كاهله تلك المسؤولية الكبرى.
4- الإنجازات الأمنية: حقق مجلس التعاون الخليجي في مسيرته العديد من الإنجازات الأمنية، حيث تم إقرار عدد من الاستراتيجيات الأمنية لمواجهة بعض الظواهر الأمنية مثل(المخدرات، الإرهاب، الجريمة المنظمة، وغسل الأموال)، فقد تم إقرار الاتفاقية الأمنية المشتركة لمكافحة الإرهاب في مايو 2004 بما يؤكد عزم هذه الدول على التصدي لظاهرة الإرهاب ومكافحته بشكل جماعي، وتعد هذه الاتفاقية إحدى آليات تفعيل استراتيجية المجلس لمكافحة ظاهرتي (التطرف) و(الإرهاب). وبالنسبة لمكافحة المخدرات، تم وضع مشروع تشريع نموذجي موحد لدول المجلس يشدد العقوبة على مهربي ومروجي السموم البيضاء بناء على توصيات الاجتماع التاسع لمديري أجهزة مكافحة المخدرات ضمن أعمال الاجتماع الرابع عشر لوزراء الداخلية الذي عقد في البحرين (11 – 12 نوفمبر 1995)، وفي عام 1998 تمت الموافقة على المشروع من قبل وزراء الداخلية. كما صدقت دول مجلس التعاون على الاتفاقية العربية لمكافحة الاتجار غير المشروع بالمخدرات عام 1994 في تونس.
وبالنسبة لمكافحة غسل الأموال اتخذت دول المجلس منفردة إجراءات عديدة، فالمملكة العربية السعودية أصدرت تعليمات تفصيلية بشأن التعاملات التجارية والصفقات المالية المشبوهة وذلك في إطار المساعي الرامية للحد من عمليات غسل الأموال، وأقرت في شهر نوفمبر 2001 الاتفاقية الدولية لمكافحة تمويل الإرهاب التي أقرتها الأمم المتحدة عام 1999، وفي الإمارات وافق مجلس الوزراء في أكتوبر 2001 على قانون لمكافحة غسل الأموال، وأصدرت البحرين في الشهر ذاته لوائح وقواعد للمصارف تهدف إلى محاربة غسل الأموال علماً بأنها أصدرت قانوناً لمكافحة غسل الأموال في يناير 2001. وفي سلطنة عُمان عمم البنك المركزي قائمة الأسماء التي أصدرتها الولايات المتحدة بعد أحداث الحادي عشر من سبتمبر على المصارف العاملة في السلطنة للتأكد من عدم وجود حسابات لهذه الأسماء في هذه المصارف. كما أصدر البنك توجيهات إلى البنوك الوطنية بتوخي الحيطة والحذر عند فتح حسابات لجهات قد يعتقد المسؤولون في المصرف المعني أن لها نشاطاً مشبوهاً أو غير مشروع، وذلك في سياق إجراءات تهدف إلى مكافحة ظاهرة غسل الأموال.
وعلى الصعيد الجماعي، تسعى دول المجلس إلى إعداد مشروع قانون استرشادي خليجي بشأن مكافحة جرائم غسل الأموال يتوافق مع التوصيات الدولية الصادرة بشأن مكافحة غسل الأموال من قبل اللجنة المالية الدولية (فاتف) وبرنامج الأمم المتحدة لمكافحة المخدرات وغسل الأموال.
5- مستقبل التكامل الأمني لمجلس التعاون : رغم الإنجازات السابق الإشارة إليها إلا أن ثمة عوامل تعوق التكامل الأمني لمجلس التعاون الخليجي، أهمها:
أ- خصوصية الأوضاع الداخلية لكل دولة من دول المجلس، الأمر الذي يجعل لكل دولة إدراكها الخاص لمصادر تهديد الأمن الإقليمي، وحيث إن كل دولة تعطي أولوية حاسمة لأمنها القطري فإنها تنجرف إلى إدراكات مختلفة للأمن الإقليمي، بحيث يصبح مرادفاً لأمنها الوطني. ولهذا فإن عملية تحديد مسائل بعينها كمصادر للتهديد تواجه مجلس التعاون مجتمعة تبدو مهمة صعبة في ضوء غلبة النظرة الذاتية لكل دولة من الدول الأعضاء في المجلس إلى هذه المصادر وللتداخل بين هذه النظرة وبين ما يروج له من القوى الخارجية كمصادر للتهديد في إقليم الخليج سواء أكانت إقليمية أو خارجية.
ب- تفاوت الاعتماد على الأطراف الخارجية ودرجة كثافته من دولة لأخرى، ما بين عقد اتفاقيات دفاعية ذات عقد زمني ممتد، كما هو حال الاتفاقية الدفاعية التي وقعتها الولايات مع الكويت بعد حرب الخليج الثانية، وتم تجديدها في عام 2001، أو الاتفاقية الدفاعية التي وقعتها قطر عام 2002 مع الولايات المتحدة، وغياب إطار جماعي موحد للتعاون الأمني لمجلس التعاون مع القوى الكبرى.
ج- غياب الرؤية الاستراتيجية الموحدة لدول المجلس حول طبيعة الترتيبات الأمنية والدفاعية، فهذه الرؤية تكون في الأغلب رد فعل لأزمة إقليمية أو دولية أو حتى داخلية، بمعنى آخر إن السياسات الأمنية والدفاعية التي اتخذتها دول المجلس لم تكن نتيجة رؤية مشتركة بقدر ما كانت استجابة لضغوط وتحديات البيئة الخارجية والداخلية.
وأخيراً، إذا كان مجلس التعاون الخليجي واجه في مسيرة ربع قرن العديد من التحديات التي حالت دون تحقيق تكامله الأمني، فإن المستقبل يتطلب العمل من دول المجلس على تطوير آليات الأمن الجماعي، وتطويرها وبما يفضي في النهاية إلى تحقيق التكامل الأمني، وذلك من خلال عدة إجراءات:
أولاً: التعريف الدقيق والواقعي لتهديدات الأمن والسلم الإقليميين، والتي تقع في نطاق مسؤولية الأمن الإقليمي الخليجي، ويشمل هذا التعريف ضرورة الاعتراف أو التمييز بين الأمن الذاتي (القطري) وبين الأمن الجماعي لمجلس التعاون، وهذا يمثل أهمية في توضيح الشروط التي يبدأ فيها نظام الأمن الجماعي العمل تلقائياً وفق التزامات مسبقة محددة.
ثانياً: ترجمة الالتزامات الأمنية في بيانات قمم مجلس التعاون الخليجي إلى واقع ملموس بإنشاء آليات تنفيذية ومؤسسية، باعتبارها جوهر التحديث المطلوب لتفعيل نظام الأمن الجماعي لدول مجلس التعاون الخليجي.
ثالثاً: تفويض مجلس التعاون ـ كمنظمة إقليمية تضم دول الخليج العربية الست- بقدر معقول من السلطة السياسية والمعنوية لتقييد مجال التصرف السياسي أو الاستراتيجي أو الأمني المنفرد من جانب دول المجلس في الحالات التي تنشأ فيها عن هذا التصرف نتائج سلبية على أمن بقية دول المجلس أو أي أضرار ملموسة بمصالحها الأمنية والاستراتيجية مجتمعة.
::/fulltext::
::cck::2745::/cck::
