التصويت لامرأتين ليس استجابة للغرب بل من منطلق إسلامي

::cck::2753::/cck::
::introtext::

نعم صوّتُ لامرأتين في انتخابات المجلس الوطني الاتحادي عن إمارة أبوظبي، والسبب هو أنهما كانتا في اعتباري الأكثر تعليماً، والأفضل قدرة على توصيل الأفكار والمقترحات والبرامج، والأكثر قدرة على المواجهة أمام حشد من الناس، بالرغم من كامل الحشمة التي تتمتعان بها، وبما لا يتعارض مع ديننا وتقاليدنا وأسس مجتمعنا، بالتواجد في مثل هذه الأوضاع. 

::/introtext::
::fulltext::

نعم صوّتُ لامرأتين في انتخابات المجلس الوطني الاتحادي عن إمارة أبوظبي، والسبب هو أنهما كانتا في اعتباري الأكثر تعليماً، والأفضل قدرة على توصيل الأفكار والمقترحات والبرامج، والأكثر قدرة على المواجهة أمام حشد من الناس، بالرغم من كامل الحشمة التي تتمتعان بها، وبما لا يتعارض مع ديننا وتقاليدنا وأسس مجتمعنا، بالتواجد في مثل هذه الأوضاع.
نعم أخذت هذا القرار لأن العملية السياسية الوليدة تحتاج لأناس يتفهمون مسألة التغيير المطلوبة، ليس من أجل الالتزام بما تقوله القيادة السياسية فقط، في برامجها وخططها للتطوير السياسي في مجال التنمية الشاملة، والتي استثنت منها حتى الآن الجانب السياسي، ولكن النظر لما يريده المجتمع الإماراتي والخليجي الحديث الذي نطمح إليه جميعاً أن يكون عليه بحق وعقلانية وصدق وشفافية تامة. والأقدر على فعل ذلك هم من يمتلكون رأياً علمياً ومستقلاً إلى حد ما، وعقلانياً إلى الحد الذي يفرضه العلم الأكاديمي الصارم في ذلك مثلاً.
لكن ما الذي جعلني أصوّت في انتخابات محدودة العدد في هيئتها الانتخابية لعينة اختبارية تستثني مجموع السكان الذين يحق لهم التصويت والانتخاب، كما هو معمول به في كل بلاد الدنيا؟ ألم يسئ إليّ أن أستثنى مع حفنة من سكان دولة الإمارات العربية المتحدة المؤهلين لخوض العملية الديمقراطية وكأن على رأسنا ريشاً؟ هل هذه هي التنمية السياسية التي نطمح إليها، بحيث تكون مقيدة، ومتشككة، وجزئية، وشكلية؟ أم أننا يجب أن نشارك فقط في إطار من المشاركة السياسية الكاملة، والناضجة، والمتساوية، والمتكاملة، والمستقلة تماماً؟
ثم هل ما تم يخدم العملية التنموية بشكل صحيح، أم أنه إجراء شكلي، (تعموي) يحاول الالتفاف على الحقوق الواقعية للسكان الذين يحق لهم المشاركة في تحديد مصير وطنهم، ووضعهم فيه؟ وهل العملية السياسية فقط هي انتخابات ومشاركة سياسية، وصناديق الترشيح والانتخاب؟
وهل هناك علاقة بين التقدم في العملية السياسية وإيلاء المرأة الاهتمام الأكبر في هذه العملية؟
هذه بعض الأسئلة التي قد تطرح من أجل الحصول على إجابات من قبل أي مطّلع ومتابع للشأن السياسي في دول الخليج اليوم.
وإذا كانت العملية السياسية مصادرة من قبل طرف واحد في المجتمع الخليجي طوال الفترة السابقة، فإن التفكير كان يسير على مستوى قبلي وعشائري ومدني، لا على مستوى دول ومجتمعات متكاملة، متعددة الأعراق والطوائف والمستويات الاجتماعية كطبقات وفئات سكانية متنوعة.
وبدأنا نفيق على واقع جديد، ينظر إلينا كأعضاء في الأسرة الدولية من منظومة الدول المختلفة في العالم، في حين أن مجتمعاتنا لم تتعد نظمها السياسية الكيانات العشائرية والقبلية المتخلفة.
فهل يستقيم الحال في وضعية كهذه؟ ولهذا فكان لا بد من التغيير. وإذا كانت الإجراءات التي تمت حتى الآن قد ينظر إليها بالمحدودة والتجريبية، و(الريبوية) التي يعتريها الكثير من التشكك، فإن ذلك ينعكس للأسف على دور القائمين على الأمر لا على القائمين به.
إن دول الخليج كلها تقريباً، عدا سلطنة عمان، التي سبقت بفترة، مرت مؤخراً بعملية تبدل للقيادات التاريخية التي سارت على النهج القديم لتشكلها كدول ولفترة طويلة. وجاءت القيادات الجديدة على أركان دول انطلقت بها عمليات التنمية والتطوير في جوانب مختلفة من الحياة الاقتصادية والثقافية والاجتماعية والسكانية، ووقف الجانب السياسي وحيداً دون تغيير جوهري في محتواه.
ولكن كان أبرز ما ميز الفترة الماضية هو حكمة الإدارة التي أدت إلى الحفاظ على مجتمعاتها ودولها دون تأثر كبير بما يدور حولها من المتغيرات الكبيرة والحادة، وإن نالها من تلك المتغيرات ما أدى لإبطاء حركة تنمية مجتمعاتها، وتطورها في الجوانب التي تم التركيز عليها في عملية التنمية الأولية لفترة الانطلاق التي تجاوزت الثلاثين عاماً، كما هو معهود في هذه المرحلة التنموية.
إن مدة الثلاثين عاماً هي دائماً ما استغرقته مرحلة الانطلاق، لكن ذلك في عملية التنمية الشاملة، التي افتقدتها دول الخليج العربية. فالتنمية الشاملة تعني إعادة توزيع الثروة والمشاركة السياسية، وزيادة حدة عملية التصنيع، وزيادة نسبة ظهور رجالات مجتمع ومفكرين يقودون عمليات التحول على مختلف الصعد. في المجتمع الخليجي هذا لم يحصل، والسبب هو الاستئثار الكبير لرجال الدولة بكامل الدور القيادي، وفي احتكار الثروة والسلطة، والدور الاجتماعي، وحتى الثقافي والرياضي. وكأن المجتمع يفتقر لأبسط الرجالات والذين بالإمكان أن يبرزوا ليأخذوا دورهم في عملية تطوير وتنمية مجتمعاتهم.
فلماذا نشارك في عملية نكون فيها كـ (فئران تجارب) في مثل هذا الواقع؟
والجواب بسيط، هو أن مثل هذا الواقع أمّن لي ولأسرتي ولكل أسرة تعيش على أرض الوطن الاستقرار اللازم لعيش حياة، وإن كانت مقيدة إلى حد ما، وتعاني من مستوى من الضغط النفسي إلى حد ما، فإنها ومقارنة ليس بما يجري في المجتمعات المشابهة لنا، بل وحتى المتقدمة، أجد نفسي في وضعية تسودها روح التواد، والتراحم، والتفهم، والضغط الأقل مما هو موجود حتى في أكثر المجتمعات التي وصلت إلى مرحلة الرفاهية التامة في عملية التنمية. وعليه فإني مقابل هذا أشارك.
ولا أدل على ذلك من أن التصويت في إمارة أبوظبي مثلاً جاء في صالح مرشحين ينتمون للنظام السياسي بشكل كبير، ويؤيدون السياسات المتبعة فيه بالكامل. وإن كانت حالات الغياب في التصويت كبيرة نسبياً في أبوظبي (40 في المائة من حجم الذين تم اختيارهم للتصويت)، فإن ذلك يعود بالدرجة الأولى لسوء عملية التصويت من حيث تركزها في مكان واحد، في إمارة تعد هي الدولة بحجمها، وعدد سكانها، وطول المسافات بين مناطقها المختلفة، وكان مطلوباً من سكان السلع وغياثي والعين وغيرها المجيء إلى العاصمة لمجرد عملية تصويت لا تتعدى الدقائق. فكان الأحرى – وكما قلت لوزير الدولة لشؤون المجلس الوطني في اللقاء التعريفي – أن يجرى تحديد عدد المرشحين حسب التوزيع الجغرافي للسكان، وحجم العدد السكاني في مناطق الدولة المختلفة، داخل كل إمارة، لا على مستوى كل إمارة فقط.
أما بخصوص استثنائي مع حفنة من السكان لا تتعدى الواحد في المائة من السكان الأصليين فإنها عدّت تجربة لحسن التنظيم وحصره في حدود ضيقة حتى يكون بالإمكان رصدها، والسيطرة عليها بسهولة في بادئ الأمر، ومعرفة احتياجات مثل هذه العملية على نطاق محدود لمقارنتها بما قد يكون عليه الحال بشكل واسع تماماً. هذا ما قالته السلطات على الأقل، وأنا أقبله في هذه الفترة، وهي مرحلة أولى كما قالوا، ويجب أن تشهد المرحلة الثانية زيادة عدد المرشحين، وصلاحيات المجلس، ثم المشاركة الكاملة للسكان كمرحلة ثالثة.
ولكن كانت هناك وعود في بداية تكوين اتحاد الإمارات بأن تكون هناك مشاركة شعبية كاملة في الانتخابات بكل المجالس الاستشارية المعينة. وكانت تلك الوعود في مقابلات صحفية مسجلة على لسان رجالات من الدولة في بداية السبعينات، فاستغرق الأمر 34 عاماً حتى نبدأ في التجربة للمشاركة الشعبية، فكم ستستغرق كل مرحلة من المراحل الثلاث التي تحدثوا عنها الآن؟
إن هناك تصميماً على تطوير العملية الانتخابية في المشاركة الشعبية، لأن أي نظام لا يستطيع أن يحكم بنفسه، وينفذ بنفسه، ويبدع بنفسه، ويشارك في كل المنتديات الكبيرة بنفسه. فهي عملية معقدة وكبيرة، ولابد لها من تضافر كل الجهود للقيام بها. وكانت القيادات في دول الخليج تشتكي من أنها رغم توفيرها كل متطلبات النجاح مثلاً للمواطنين في كل الجوانب فلا يوجد بروز وإبداع بينهم. وتوصلت إلى أن إلقاء الحمل على نفسها لن يجدي، ولابد من تحميل السكان جزءاً من المسؤولية ليشعروا بوطنهم وإعلاء شأنه، وبالتالي يشاركون بفاعلية، ويبذلون جهداً أكبر من أجل التميز.
فأنا متأكد الآن أن التغيير ليس (تعموياً) أو بسبب ضغوط فقط، وإنما لقناعة بدأوا يشعرون بها لمواكبة ما يجري في العالم من تغيرات، وللوصول إلى مستوى الدول المتقدمة في التنمية، وهي التي وصلت إلى مرحلة الرفاهية، في حين أن مواطنينا دخلوا مرحلة الرفاهية منذ فترة طويلة، وكأنهم ينتقمون من مرحلة الحرمان التي عاشوها قبل السبعينات من القرن الماضي، ولإقناعهم بالعودة لمرحلة الانطلاق التي تقتضي بذل جهد أكبر ومتكامل بين أجزاء المجتمع يقتضي أن تصبح لدى السكان دوافع حقيقية. وكان تميز العائلات الحاكمة، على الأقل في المجال الرياضي، نموذجاً يقدم للسكان، وكأنها تقول نحن نعيش مرحلة الرفاهية قبلكم، ورغم ذلك فنحن نستطيع أن نبدع لأننا نحب وطننا ونريد له المكانة المتطورة دائماً، لكن الإبداع والتميز يحتاجان للتفرغ، بمعنى الرفاهية وعدم الحاجة الاقتصادية، كما يقول الإمام الشافعي (رضي الله عنه): لا يدرك الحكمة من عمره يكدح في مصلحة الأهل
ولا ينـــال العلم إلا فتى خال من الأفكار والشغل
لو أن لقمان الحكـيم الذي سارت به الركبان بالفضل
بلي بـفقر وعــيال لمـا فـرّق بين الـتين والبقل
ويبقى الرد على السؤال الأخير بالقول إن العملية ليست فقط انتخابات وصناديق ترشيح بل هي مشاركة كاملة في الحكم وفي تحديد مصير البلاد، وفي أخذ القرارات الحاسمة التي تمس كامل الوطن وأهله. وإن كانت هذه المسألة لم نتعود عليها كحكام ومحكومين، فإن نظام الشورى المباشر الذي طبق في بداية عهد النبوة والخلفاء، كل باجتهاده، يعطي نموذجاً لما يجب أن تؤول إليه الأمور. والتأكيد على مسألة الحق والبعد عن الهوى في الحكم، كما أخبرنا المولى عز وجل في سورة (الآية 26)، حيث قال: (يا داود إنا جعلناك خليفة في الأرض فاحكم بين الناس بالحق ولا تتبع الهوى فيضلك عن سبيل الله إن الذين يضلون عن سبيل الله لهم عذاب شديد بما نسوا يوم الحساب).
أخيراً، إن التصويت لامرأة لا يعني التقدم بحد ذاته، وإنما يعني مستوى من التفهم للحق وليس فيه غبن لأحد، كائناً من كان جنسه، فلا يزايد علينا الغرب في مسألة تحرير المرأة، ثم يشتكي بنفسه من التفسخ في مجتمعاته وتفشي الرذيلة والأمراض، ويعطي نموذجاً للتخلف بمجتمعاتنا. إننا في هذا أحسن حال. وإذا كانت الدولة قد ساندت المرأة للوصول إلي البرلمانات في دول الخليج، من شكور غماري في سلطنة عمان، إلى شيخة الجفيري للبلدي في قطر إلى القعود في البحرين، وأخيراً وبالانتخاب المباشر أمل القبيسي في دولة الإمارات. فإن القائمين على الأمر في ذلك كأنهم يراعون أسس دعوة الرسول صلى الله عليه وسلم بالاستوصاء بالنساء خيراً فإنهن شقائق الرجال. وأعلم الكثير من النساء هن أشد نقداً، ومواجهة من كل الرجال. والمرأة بمشاركتها في البرلمانات لا تحكم وإنما تكون جزءاً ممن يؤخذ باستشارتهم.
وتبقى العلاقة الوحيدة التي تنتج عن إشراك المرأة في الحياة السياسية هي إعطاء هذا الجزء من السكان حصة في الحق الذي يجب أن يتمتع به الجميع في مجتمع يسير على النهج الإسلامي الوسطي.

::/fulltext::

Getting your Trinity Audio player ready...

::cck::2753::/cck::
::introtext::

نعم صوّتُ لامرأتين في انتخابات المجلس الوطني الاتحادي عن إمارة أبوظبي، والسبب هو أنهما كانتا في اعتباري الأكثر تعليماً، والأفضل قدرة على توصيل الأفكار والمقترحات والبرامج، والأكثر قدرة على المواجهة أمام حشد من الناس، بالرغم من كامل الحشمة التي تتمتعان بها، وبما لا يتعارض مع ديننا وتقاليدنا وأسس مجتمعنا، بالتواجد في مثل هذه الأوضاع. 

::/introtext::
::fulltext::

نعم صوّتُ لامرأتين في انتخابات المجلس الوطني الاتحادي عن إمارة أبوظبي، والسبب هو أنهما كانتا في اعتباري الأكثر تعليماً، والأفضل قدرة على توصيل الأفكار والمقترحات والبرامج، والأكثر قدرة على المواجهة أمام حشد من الناس، بالرغم من كامل الحشمة التي تتمتعان بها، وبما لا يتعارض مع ديننا وتقاليدنا وأسس مجتمعنا، بالتواجد في مثل هذه الأوضاع.
نعم أخذت هذا القرار لأن العملية السياسية الوليدة تحتاج لأناس يتفهمون مسألة التغيير المطلوبة، ليس من أجل الالتزام بما تقوله القيادة السياسية فقط، في برامجها وخططها للتطوير السياسي في مجال التنمية الشاملة، والتي استثنت منها حتى الآن الجانب السياسي، ولكن النظر لما يريده المجتمع الإماراتي والخليجي الحديث الذي نطمح إليه جميعاً أن يكون عليه بحق وعقلانية وصدق وشفافية تامة. والأقدر على فعل ذلك هم من يمتلكون رأياً علمياً ومستقلاً إلى حد ما، وعقلانياً إلى الحد الذي يفرضه العلم الأكاديمي الصارم في ذلك مثلاً.
لكن ما الذي جعلني أصوّت في انتخابات محدودة العدد في هيئتها الانتخابية لعينة اختبارية تستثني مجموع السكان الذين يحق لهم التصويت والانتخاب، كما هو معمول به في كل بلاد الدنيا؟ ألم يسئ إليّ أن أستثنى مع حفنة من سكان دولة الإمارات العربية المتحدة المؤهلين لخوض العملية الديمقراطية وكأن على رأسنا ريشاً؟ هل هذه هي التنمية السياسية التي نطمح إليها، بحيث تكون مقيدة، ومتشككة، وجزئية، وشكلية؟ أم أننا يجب أن نشارك فقط في إطار من المشاركة السياسية الكاملة، والناضجة، والمتساوية، والمتكاملة، والمستقلة تماماً؟
ثم هل ما تم يخدم العملية التنموية بشكل صحيح، أم أنه إجراء شكلي، (تعموي) يحاول الالتفاف على الحقوق الواقعية للسكان الذين يحق لهم المشاركة في تحديد مصير وطنهم، ووضعهم فيه؟ وهل العملية السياسية فقط هي انتخابات ومشاركة سياسية، وصناديق الترشيح والانتخاب؟
وهل هناك علاقة بين التقدم في العملية السياسية وإيلاء المرأة الاهتمام الأكبر في هذه العملية؟
هذه بعض الأسئلة التي قد تطرح من أجل الحصول على إجابات من قبل أي مطّلع ومتابع للشأن السياسي في دول الخليج اليوم.
وإذا كانت العملية السياسية مصادرة من قبل طرف واحد في المجتمع الخليجي طوال الفترة السابقة، فإن التفكير كان يسير على مستوى قبلي وعشائري ومدني، لا على مستوى دول ومجتمعات متكاملة، متعددة الأعراق والطوائف والمستويات الاجتماعية كطبقات وفئات سكانية متنوعة.
وبدأنا نفيق على واقع جديد، ينظر إلينا كأعضاء في الأسرة الدولية من منظومة الدول المختلفة في العالم، في حين أن مجتمعاتنا لم تتعد نظمها السياسية الكيانات العشائرية والقبلية المتخلفة.
فهل يستقيم الحال في وضعية كهذه؟ ولهذا فكان لا بد من التغيير. وإذا كانت الإجراءات التي تمت حتى الآن قد ينظر إليها بالمحدودة والتجريبية، و(الريبوية) التي يعتريها الكثير من التشكك، فإن ذلك ينعكس للأسف على دور القائمين على الأمر لا على القائمين به.
إن دول الخليج كلها تقريباً، عدا سلطنة عمان، التي سبقت بفترة، مرت مؤخراً بعملية تبدل للقيادات التاريخية التي سارت على النهج القديم لتشكلها كدول ولفترة طويلة. وجاءت القيادات الجديدة على أركان دول انطلقت بها عمليات التنمية والتطوير في جوانب مختلفة من الحياة الاقتصادية والثقافية والاجتماعية والسكانية، ووقف الجانب السياسي وحيداً دون تغيير جوهري في محتواه.
ولكن كان أبرز ما ميز الفترة الماضية هو حكمة الإدارة التي أدت إلى الحفاظ على مجتمعاتها ودولها دون تأثر كبير بما يدور حولها من المتغيرات الكبيرة والحادة، وإن نالها من تلك المتغيرات ما أدى لإبطاء حركة تنمية مجتمعاتها، وتطورها في الجوانب التي تم التركيز عليها في عملية التنمية الأولية لفترة الانطلاق التي تجاوزت الثلاثين عاماً، كما هو معهود في هذه المرحلة التنموية.
إن مدة الثلاثين عاماً هي دائماً ما استغرقته مرحلة الانطلاق، لكن ذلك في عملية التنمية الشاملة، التي افتقدتها دول الخليج العربية. فالتنمية الشاملة تعني إعادة توزيع الثروة والمشاركة السياسية، وزيادة حدة عملية التصنيع، وزيادة نسبة ظهور رجالات مجتمع ومفكرين يقودون عمليات التحول على مختلف الصعد. في المجتمع الخليجي هذا لم يحصل، والسبب هو الاستئثار الكبير لرجال الدولة بكامل الدور القيادي، وفي احتكار الثروة والسلطة، والدور الاجتماعي، وحتى الثقافي والرياضي. وكأن المجتمع يفتقر لأبسط الرجالات والذين بالإمكان أن يبرزوا ليأخذوا دورهم في عملية تطوير وتنمية مجتمعاتهم.
فلماذا نشارك في عملية نكون فيها كـ (فئران تجارب) في مثل هذا الواقع؟
والجواب بسيط، هو أن مثل هذا الواقع أمّن لي ولأسرتي ولكل أسرة تعيش على أرض الوطن الاستقرار اللازم لعيش حياة، وإن كانت مقيدة إلى حد ما، وتعاني من مستوى من الضغط النفسي إلى حد ما، فإنها ومقارنة ليس بما يجري في المجتمعات المشابهة لنا، بل وحتى المتقدمة، أجد نفسي في وضعية تسودها روح التواد، والتراحم، والتفهم، والضغط الأقل مما هو موجود حتى في أكثر المجتمعات التي وصلت إلى مرحلة الرفاهية التامة في عملية التنمية. وعليه فإني مقابل هذا أشارك.
ولا أدل على ذلك من أن التصويت في إمارة أبوظبي مثلاً جاء في صالح مرشحين ينتمون للنظام السياسي بشكل كبير، ويؤيدون السياسات المتبعة فيه بالكامل. وإن كانت حالات الغياب في التصويت كبيرة نسبياً في أبوظبي (40 في المائة من حجم الذين تم اختيارهم للتصويت)، فإن ذلك يعود بالدرجة الأولى لسوء عملية التصويت من حيث تركزها في مكان واحد، في إمارة تعد هي الدولة بحجمها، وعدد سكانها، وطول المسافات بين مناطقها المختلفة، وكان مطلوباً من سكان السلع وغياثي والعين وغيرها المجيء إلى العاصمة لمجرد عملية تصويت لا تتعدى الدقائق. فكان الأحرى – وكما قلت لوزير الدولة لشؤون المجلس الوطني في اللقاء التعريفي – أن يجرى تحديد عدد المرشحين حسب التوزيع الجغرافي للسكان، وحجم العدد السكاني في مناطق الدولة المختلفة، داخل كل إمارة، لا على مستوى كل إمارة فقط.
أما بخصوص استثنائي مع حفنة من السكان لا تتعدى الواحد في المائة من السكان الأصليين فإنها عدّت تجربة لحسن التنظيم وحصره في حدود ضيقة حتى يكون بالإمكان رصدها، والسيطرة عليها بسهولة في بادئ الأمر، ومعرفة احتياجات مثل هذه العملية على نطاق محدود لمقارنتها بما قد يكون عليه الحال بشكل واسع تماماً. هذا ما قالته السلطات على الأقل، وأنا أقبله في هذه الفترة، وهي مرحلة أولى كما قالوا، ويجب أن تشهد المرحلة الثانية زيادة عدد المرشحين، وصلاحيات المجلس، ثم المشاركة الكاملة للسكان كمرحلة ثالثة.
ولكن كانت هناك وعود في بداية تكوين اتحاد الإمارات بأن تكون هناك مشاركة شعبية كاملة في الانتخابات بكل المجالس الاستشارية المعينة. وكانت تلك الوعود في مقابلات صحفية مسجلة على لسان رجالات من الدولة في بداية السبعينات، فاستغرق الأمر 34 عاماً حتى نبدأ في التجربة للمشاركة الشعبية، فكم ستستغرق كل مرحلة من المراحل الثلاث التي تحدثوا عنها الآن؟
إن هناك تصميماً على تطوير العملية الانتخابية في المشاركة الشعبية، لأن أي نظام لا يستطيع أن يحكم بنفسه، وينفذ بنفسه، ويبدع بنفسه، ويشارك في كل المنتديات الكبيرة بنفسه. فهي عملية معقدة وكبيرة، ولابد لها من تضافر كل الجهود للقيام بها. وكانت القيادات في دول الخليج تشتكي من أنها رغم توفيرها كل متطلبات النجاح مثلاً للمواطنين في كل الجوانب فلا يوجد بروز وإبداع بينهم. وتوصلت إلى أن إلقاء الحمل على نفسها لن يجدي، ولابد من تحميل السكان جزءاً من المسؤولية ليشعروا بوطنهم وإعلاء شأنه، وبالتالي يشاركون بفاعلية، ويبذلون جهداً أكبر من أجل التميز.
فأنا متأكد الآن أن التغيير ليس (تعموياً) أو بسبب ضغوط فقط، وإنما لقناعة بدأوا يشعرون بها لمواكبة ما يجري في العالم من تغيرات، وللوصول إلى مستوى الدول المتقدمة في التنمية، وهي التي وصلت إلى مرحلة الرفاهية، في حين أن مواطنينا دخلوا مرحلة الرفاهية منذ فترة طويلة، وكأنهم ينتقمون من مرحلة الحرمان التي عاشوها قبل السبعينات من القرن الماضي، ولإقناعهم بالعودة لمرحلة الانطلاق التي تقتضي بذل جهد أكبر ومتكامل بين أجزاء المجتمع يقتضي أن تصبح لدى السكان دوافع حقيقية. وكان تميز العائلات الحاكمة، على الأقل في المجال الرياضي، نموذجاً يقدم للسكان، وكأنها تقول نحن نعيش مرحلة الرفاهية قبلكم، ورغم ذلك فنحن نستطيع أن نبدع لأننا نحب وطننا ونريد له المكانة المتطورة دائماً، لكن الإبداع والتميز يحتاجان للتفرغ، بمعنى الرفاهية وعدم الحاجة الاقتصادية، كما يقول الإمام الشافعي (رضي الله عنه): لا يدرك الحكمة من عمره يكدح في مصلحة الأهل
ولا ينـــال العلم إلا فتى خال من الأفكار والشغل
لو أن لقمان الحكـيم الذي سارت به الركبان بالفضل
بلي بـفقر وعــيال لمـا فـرّق بين الـتين والبقل
ويبقى الرد على السؤال الأخير بالقول إن العملية ليست فقط انتخابات وصناديق ترشيح بل هي مشاركة كاملة في الحكم وفي تحديد مصير البلاد، وفي أخذ القرارات الحاسمة التي تمس كامل الوطن وأهله. وإن كانت هذه المسألة لم نتعود عليها كحكام ومحكومين، فإن نظام الشورى المباشر الذي طبق في بداية عهد النبوة والخلفاء، كل باجتهاده، يعطي نموذجاً لما يجب أن تؤول إليه الأمور. والتأكيد على مسألة الحق والبعد عن الهوى في الحكم، كما أخبرنا المولى عز وجل في سورة (الآية 26)، حيث قال: (يا داود إنا جعلناك خليفة في الأرض فاحكم بين الناس بالحق ولا تتبع الهوى فيضلك عن سبيل الله إن الذين يضلون عن سبيل الله لهم عذاب شديد بما نسوا يوم الحساب).
أخيراً، إن التصويت لامرأة لا يعني التقدم بحد ذاته، وإنما يعني مستوى من التفهم للحق وليس فيه غبن لأحد، كائناً من كان جنسه، فلا يزايد علينا الغرب في مسألة تحرير المرأة، ثم يشتكي بنفسه من التفسخ في مجتمعاته وتفشي الرذيلة والأمراض، ويعطي نموذجاً للتخلف بمجتمعاتنا. إننا في هذا أحسن حال. وإذا كانت الدولة قد ساندت المرأة للوصول إلي البرلمانات في دول الخليج، من شكور غماري في سلطنة عمان، إلى شيخة الجفيري للبلدي في قطر إلى القعود في البحرين، وأخيراً وبالانتخاب المباشر أمل القبيسي في دولة الإمارات. فإن القائمين على الأمر في ذلك كأنهم يراعون أسس دعوة الرسول صلى الله عليه وسلم بالاستوصاء بالنساء خيراً فإنهن شقائق الرجال. وأعلم الكثير من النساء هن أشد نقداً، ومواجهة من كل الرجال. والمرأة بمشاركتها في البرلمانات لا تحكم وإنما تكون جزءاً ممن يؤخذ باستشارتهم.
وتبقى العلاقة الوحيدة التي تنتج عن إشراك المرأة في الحياة السياسية هي إعطاء هذا الجزء من السكان حصة في الحق الذي يجب أن يتمتع به الجميع في مجتمع يسير على النهج الإسلامي الوسطي.

::/fulltext::
::cck::2753::/cck::

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *