مشهد الإصلاح السياسي في المملكة العربية السعودية

::cck::2758::/cck::
::introtext::

عتبر الإصلاح السياسي عملية حيوية ديناميكية وذات استمرارية، تأتي كجزء من إعادة المجتمع والحكومة لتقييم تجربتهما السياسية، عطفاً على المستجدات التي شهداها خلال مسيرة التنمية الوطنية الشاملة، ويكون الهدف منها تفعيل قدرة النظام السياسي على التعاطي مع المتغيرات السياسية والاجتماعية بفاعلية ما يعزز من شرعيته السياسية ويجعله أكثر قدرة على مواجهة الضغوط الداخلية والخارجية ما يشكل عاملاً إيجابياً  في تعزيز حالة الاستقرار السياسي داخل البلد.

::/introtext::
::fulltext::

يعتبر الإصلاح السياسي عملية حيوية ديناميكية وذات استمرارية، تأتي كجزء من إعادة المجتمع والحكومة لتقييم تجربتهما السياسية، عطفاً على المستجدات التي شهداها خلال مسيرة التنمية الوطنية الشاملة، ويكون الهدف منها تفعيل قدرة النظام السياسي على التعاطي مع المتغيرات السياسية والاجتماعية بفاعلية ما يعزز من شرعيته السياسية ويجعله أكثر قدرة على مواجهة الضغوط الداخلية والخارجية ما يشكل عاملاً إيجابياً في تعزيز حالة الاستقرار السياسي داخل البلد.
عادة ما يتم الإشارة في أدبيات التنمية السياسية إلى العلاقة بين عملية التغير الاجتماعي (social change) والاستقرار السياسي (political stability) للدلالة على العلاقة المتبادلة بين هذين المتغيرين وما ينطوي عليه ذلك من أهمية في قدرة النظام على التكيف السياسي (political adaptation) وبالتالي البقاء في خضم التحديات السياسية التي تفرضها البيئتان الداخلية والخارجية. فالتغير الاجتماعي المتمثل في انتقال المجتمع من مرحلة مادية إلى مرحلة أفضل من ناحية اجتماعية واقتصادية يترتب عليه بعض الضغوط على النظام السياسي كي يحدث مؤسساته وأنظمته السياسية، ما يجعلها أكثر تخصصاً وعقلانية في سلوكها السياسي، كما أن مدى تحقيق هذه التنمية السياسية الموازية كفيل بجسر الهوة بين الجانب السياسي من ناحية، والاجتماعي والاقتصادي للمجتمع من ناحية أخرى، مما يؤثر إيجاباً في توازن المجتمع ويحفظ للنظام السياسي بقاءه. فالمطالب الشعبية الناتجة عن تحسن مستوى المعيشة والتعليم والصحة تجعل الفرد أكثر دراية، وبالتالي تولد لديه ثقافة المشاركة السياسية، وهكذا يقع النظام السياسي تحت مزيد من الضغوط الشعبية لتحديث مؤسساته وتحقيق آمال وطموحات المواطن. أما إذا لم يستجب النظام لذلك فإنه يفقد مرونته السياسية وبالتالي يصبح عرضة لعدم الاستقرار. وتأتي عملية (المأسسة) السياسية (political institutionalization)، وفقاً لعرابها صامويل هنتجنتون (1968)، كجزء مهم من عملية التنمية السياسية، تكتسب من خلالها المؤسسات السياسية قيمة واستقراراً بحيث تصبح أكثر قدرة وفاعلية على أداء وظائفها. من هنا حرصت الحكومة السعودية على تحديث بعض جوانب العملية السياسية من خلال عدة قرارات، نناقش فيما يلي أهمها في ظل محدودية المساحة المتاحة.
ولعل أهم حدثين إصلاحيين شهدتهما المملكة العربية السعودية أخيراً هما انتخابات المجالس البلدية ونظام هيئة البيعة. وبطبيعة الحال يجب أن يؤخذ ذلك في ظل محاولة النظام السياسي السعودي تحديث مؤسساته دستورياً ووظيفياً من خلال إصدار حزمة من الإصلاحات السياسية منذ مطلع التسعينات، كان أهمها النظام الأساسي للحكم ونظام مجلس الشورى ونظام المناطق، الصادرة جميعها عام 1412هـ ونظام مجلس الوزراء لعام 1414هـ، حيث نظر كثير من المختصين بالشأن السياسي السعودي إلى هذه الإصلاحات كخطوة على الطريق الصحيح. وبالفعل لم يتوقف مسلسل الإصلاح بل استمر آخذاً بعداً مختلفاً. إن من خصائص الإصلاح في السنوات القليلة الماضية أنه اختلف عن النهج السابق، من حيث إنه ابتعد نسبياً عن التوسع في بناء مؤسسات الدولة التي تفتقر إلى القوة الفعلية على اتخاذ القرار، واستبدلها بتوسيع باب المشاركة السياسية ولو بشكل جزئي وخجول، كما أنه طال إحدى أهم مؤسسات الحكم حساسية التي تأتي في قمة الهرم السياسي في المملكة، إلا وهي مسألة الخلافة السياسية أو انتقال العرش والسلطة داخل البيت السعودي الحاكم، وذلك بالرغم من عملية الانتقال السلسة للسلطة بعد وفاة الملك فهد بن عبدالعزيز. مما يعتبر مؤشراً إلى أن الحكومة عاقدة العزم على المضي قدماً في تناول أكثر جوانب العملية السياسية حساسية (مسألة العرش والمشاركة السياسية). وأخيراً، فإن عامل الوقت له مغزى آخر: فصدور هذه الإصلاحات حدث في ظل استقرار عام يشهده المجتمع والدولة، ما يعطي قيمة إضافية له على غرار فيما لو تم ذلك تحت مطرقة المظاهرات الشعبية والفوضى السياسية، لأن الغالب أن يكون الإصلاح في الدول النامية ردة فعل لفعل سابق له. وبالتالي فهو نتيجة لغليان الشارع السياسي ما يجعل التغيير والعنف السياسيين البديل الأوحد لغياب الإصلاح السياسي.
انتخابات المجالس البلدية
اعتبر الكثير من المحللين السياسيين تفعيل دور المجالس البلدية من خلال الانتخاب الجزئي لأعضائها خطوة ضرورية في طريق التمثيل السياسي، وبالتالي توسيع المشاركة الشعبية في العملية السياسية، لاسيما في ظل تزايد قوى التحول الديمقراطي في منطقة الشرق الأوسط.
إن نظام المجالس البلدية هو في الواقع جزء من نظام البلديات والقرى الصادر بالمرسوم الملكي رقم م/5 في 21/2/1397هـ والمبني على قرار مجلس الوزراء رقم 130 تاريخ 6/2/1397هـ. وحدد هذا النظام في المواد (6-27) كل ما يتعلق بتنظيم وتشكيل المجالس البلدية ومهامها. لكن تفعيل ذلك تأخر حتى صدور قرار مجلس الوزراء رقم 224 وتاريخ 17/8/1424هـ، إذ يهدف هذا القرار إلى (توسيع مشاركة المواطنين في إدارة الشؤون المحلية عن طريق الانتخاب من خلال تفعيل المجالس البلدية وفقاً لنظام البلديات والقرى على أن يكون نصف كل مجلس بلدي منتخباً). وأوضحت المادة 6 من النظام أن للمجلس البلدي سلطة التقرير والمراقبة، بينما نصت المادة الثامنة على أن يحدد وزير الشؤون البلدية والقروية عدد أعضاء كل مجلس بلدي على ألا يقل عن أربعة ولا يزيد على أربعة عشر عضواً ويكون من بينهم رئيس البلدية، ويتم اختيار نصف الأعضاء بالانتخاب على أن يختار وزير الشؤون البلدية والقروية النصف الآخر من أصحاب الكفاءة والأهلية، وتكون مدة المجلس أربع سنوات، ويعقد اجتماعاته الاعتيادية مرة كل شهر، وتكون قراراته بأكثرية أصوات أعضائه الحاضرين (المواد 12-15). أما مهام المجلس فقد حددتها المادة 23 وتتمحور حول الإشراف على مشروع ميزانية البلدية ومشاريعها العمرانية والتنظيمية واقتراح ما يراه في هذا الشأن، إضافة إلى مراقبة سير أعمال البلدية والعمل على رفع كفاءتها وحسن أدائها للخدمات.وتمت العملية الانتخابية في المملكة بشكل سلس عطفاً على كونها التجربة الأولى، وكان الإقبال عليها متوسطاً بشكل عام، إلا أنه يمكن القول إنها أسست لتقليد سياسي مستقبلي قوامه تشجيع ثقافة المشاركة السياسية وإحساس المواطن بالمسؤولية ليصبح عضواً فاعلاً سياسياً في بناء وطنه وإدارة مؤسساته السياسية في إطار هامش الحرية السياسية المسموح به.
نظام هيئة البيعة
تعتبر وحدة وتماسك القيادة في أي نظام سياسي مطلباً ضرورياً ودعامة أساسية في عملية الاستقرار السياسي الداخلي، حيث إن وحدة القيادة تجسيد لوحدة المجتمع والوطن في كثير من الأحيان، والتي بدورها تهيئ الجو المناسب للتنمية والنمو الاقتصادي. فكثيراً ما كانت الخلافات داخل النخب الحاكمة عاملاً حاسماً في ضعف نظام الحكم وسبباً مباشراً في حدوث الفوضى السياسية، إن لم يكن زوال النظام لاسيما في الأنظمة ذات الطابع الوراثي، سواءً كان ذلك بمعناه الضيق أو الموسع.
وبالعودة إلى التطور السياسي في المملكة نجد أن الخلاف داخل البيت السعودي في فترات مختلفة من عمر تجربة الحكم السعودي كان سبباً جوهرياً في ضعف النظام واستغلال القوى الخارجية لذلك، كما هي الحال في الدولة السعودية الثانية، لكن ما يحسب لنظام الحكم السعودي أنه استفاد من دروس الماضي، وأدركت القيادة أهمية وحدة الصف بداخلها، وأبدت قدراً جيداً من الموضوعية السياسية في تعاطيها مع مسألة انتقال السلطة بين أفراد الأسرة الحاكمة، ما وفر مرونة كافية للنظام السياسي لاستيعاب المتغيرات السياسية الداخلية ومواجهة التحديات والضغوط التي تحتمها أحياناً البيئتان الإقليمية والخارجية، فنظام الحكم السعودي هو أحد أنظمة الحكم العربية الوراثية القلائل، والذي استطاع الصمود والبقاء في زمن اقتلعت فيه رياح التغيير والثورات السياسية في العالم العربي الكثير من أنظمة الحكم العربية.
وحلّ هذا النظام محل النظام القديم المتمثل في (المادة 5) من النظام الأساسي للحكم الصادر برقم (أ/90) تاريخ 27/8/1422هـ. حيث حددت هذه المادة في بعض فقراتها أن نظام الحكم يكون في أبناء الملك المؤسس وأحفادهم، ويختار الأصلح منهم للحكم، وكذلك أعطت للملك حق اختيار ولي العهد، على غرار ما كان متعارفاً عليه سابقاً. وهكذا أصبح هذا النظام في حينه مغايراً عن العرف المعمول به منذ تأسيس المملكة في العام 1351هـ، حيث كان الحكم ينتقل للأكبر من أبناء الملك المؤسس عبدالعزيز بن عبدالرحمن. بالرغم من أن (المادة 5) لم يتم تطبيقها على أرض الواقع نتيجة الانتقال السلس للسلطة بعد وفاة الملك فهد. غير أن القيادة في المملكة رأت ضرورة صدور نظام جديد لتداول السلطة داخل مؤسسة الحكم ليكون قنديلاً دستورياً تهتدي به المؤسسة الحاكمة السعودية في تعاطيها مع شؤون العرش الحساسة، حيث صدر نظام هيئة البيعة بموجب الأمر الملكي رقم (أ/135) تاريخ 26/9/1427هـ في 25 مادة حددت آلية انتقال السلطة والضوابط التي تحكمها، ما أعطى لمسألة العرش بعداً مؤسسياً لم يكن موجوداً في السابق.
وتناولت المادة الأولى من النظام تكوين الهيئة والعضوية فيها، بحيث تشمل أبناء المؤسس الـ(35) وممثلين عن المتوفين منهم، بالإضافة إلى اثنين يعينهما الملك، أحدهما من أبنائه والآخر من أبناء ولي العهد، فيما نصت المادة 20 على أن النصاب القانوني لاجتماع الهيئة يكون بحضور ثلثي أعضائها على الأقل بمن فيهم رئيس الهيئة أو نائبه، ويكون رئيس الهيئة وفقاً للمادة 15 أكبر الأعضاء سناً من أبناء الملك المؤسس، وفي حالة عدم وجود أي أحد منهم يكون الاجتماع برئاسة الأكبر سناً من بين الأحفاد. وبالتالي أصبحت عملية انتقال السلطة تخضع للقرار الجماعي لأفراد الأسرة المالكة وفق آلية معينة ما أعطى لها بعداً دستورياً ومؤسساتياً. كما أشارت المادة 6 إلى دور الهيئة في مبايعة ولي العهد ملكاً على البلاد عند وفاة الملك، ما يجعل خلافة العهد محسومة سلفاً ولا تخضع للإرادة الشخصية للملك. أما المادة 7 فقد أتت تعديلاً للفقرة (ج) من المادة 5 من النظام الأساسي للحكم، والتي أعطت الملك حق اختيار وإعفاء ولي العهد من منصبه، حيث نصت على أنه يجوز للملك اختيار من يراه لولاية العهد من أبناء المؤسس وأحفاده بعد التشاور مع أعضاء الهيئة، ويعرض هذا الاختيار على الهيئة للموافقة عليه، أو ترشيح من تراه هي في حالة عدم موافقتها على مرشح الملك. وفي حالة عدم موافقة الملك على مرشح الهيئة فإن كل طرف يختار مرشحاً واحداً، ويتم التصويت عليه وفقاً لمبدأ أكثرية الأصوات، بحيث يصبح الحاصل على أكثرية الأصوات من بين المرشحين ولياً للعهد. على أن تتم عملية اختيار ولي خلال ثلاثين يوماً من تاريخ مبايعة الملك (الماده 9) لسد باب التأويلات والتخمينات التي قد تؤثر سلباً في توافق الأسرة المالكة وتماسكها مما قد ينعكس سلباً على الاستقرار السياسي بشكل عام. وفي الحقيقة إن نظام الأغلبية يعطي فاعلية أكثر لهذه المؤسسة السياسية، ويجعل من السهل عليها اتخاذ القرار المهم، متفادية بذلك ما قد يحصل من معارضة على قراراتها من بعض الأعضاء، كما هو واقع الحال في العمل السياسي. أي أنه يوفر لها نوعاً من المرونة السياسية في عملها قد لا تحظى به لو عملت وفقاً لنظام الإجماع.والنقطة المهمة الأخرى التي طرقها نظام البيعة هي معالجة أي فراغ دستوري محتمل في حال الغياب الجماعي للملك وولي عهده، حيث تصدت المادة 10 لهذه الحالة بقولها (تشكل الهيئة مجلساً مؤقتاً للحكم من خمسة من أعضائها، ويتولى المجلس إدارة شؤون الدولة بصفة مؤقتة في الحالات المنصوص عليها في نظام الهيئة). مع تشديدها على أنه لا يجوز للمجلس المؤقت تغيير الأنظمة الدستورية المعمول بها في البلاد. وهذا في الحقيقة يعطي استقراراً دستورياً للدولة ويجنبها شرور بلبلة المؤسسات السياسية، حيث إن المأسسة السياسية عامل مهم وركن أساسي في عملية التنمية والاستقرار السياسيين لأي نظام حكم أياً كان شكله أو أسلوب ممارسة السلطة فيه، ولذلك تمت الإشارة بوضوح إلى عدم حق المجلس في تغيير النظام الأساسي للحكم أو نظام مجلس الوزراء أو نظام مجلس الشورى أو نظام المناطق أو نظام مجلس الأمن الوطني أو أي من الأنظمة الأخرى ذات العلاقة بالحكم، وليس له حل أو إعادة تشكيل مجلس الوزراء أو مجلس الشورى.
وأخيراً، تبقى فاعلية أي نظام مرتبطة بتطبيقه وقدرته على تجسيد الإرادة السياسية على أرض الواقع بطريقة سلسة وقادرة على ترجمة الهدف منه، بما يعود على الدولة والمجتمع بالنفع، ويوفر لهما مناخاً سياسياً مواتياً لتحقيق أهداف التنمية الوطنية، والحفاظ على حالة من الاستقرار السياسي، ما يعزز ثقة المواطن بالنظام السياسي وبقدرته على إدارة شؤون المجتمع بفاعلية.

::/fulltext::

Getting your Trinity Audio player ready...

::cck::2758::/cck::
::introtext::

عتبر الإصلاح السياسي عملية حيوية ديناميكية وذات استمرارية، تأتي كجزء من إعادة المجتمع والحكومة لتقييم تجربتهما السياسية، عطفاً على المستجدات التي شهداها خلال مسيرة التنمية الوطنية الشاملة، ويكون الهدف منها تفعيل قدرة النظام السياسي على التعاطي مع المتغيرات السياسية والاجتماعية بفاعلية ما يعزز من شرعيته السياسية ويجعله أكثر قدرة على مواجهة الضغوط الداخلية والخارجية ما يشكل عاملاً إيجابياً  في تعزيز حالة الاستقرار السياسي داخل البلد.

::/introtext::
::fulltext::

يعتبر الإصلاح السياسي عملية حيوية ديناميكية وذات استمرارية، تأتي كجزء من إعادة المجتمع والحكومة لتقييم تجربتهما السياسية، عطفاً على المستجدات التي شهداها خلال مسيرة التنمية الوطنية الشاملة، ويكون الهدف منها تفعيل قدرة النظام السياسي على التعاطي مع المتغيرات السياسية والاجتماعية بفاعلية ما يعزز من شرعيته السياسية ويجعله أكثر قدرة على مواجهة الضغوط الداخلية والخارجية ما يشكل عاملاً إيجابياً في تعزيز حالة الاستقرار السياسي داخل البلد.
عادة ما يتم الإشارة في أدبيات التنمية السياسية إلى العلاقة بين عملية التغير الاجتماعي (social change) والاستقرار السياسي (political stability) للدلالة على العلاقة المتبادلة بين هذين المتغيرين وما ينطوي عليه ذلك من أهمية في قدرة النظام على التكيف السياسي (political adaptation) وبالتالي البقاء في خضم التحديات السياسية التي تفرضها البيئتان الداخلية والخارجية. فالتغير الاجتماعي المتمثل في انتقال المجتمع من مرحلة مادية إلى مرحلة أفضل من ناحية اجتماعية واقتصادية يترتب عليه بعض الضغوط على النظام السياسي كي يحدث مؤسساته وأنظمته السياسية، ما يجعلها أكثر تخصصاً وعقلانية في سلوكها السياسي، كما أن مدى تحقيق هذه التنمية السياسية الموازية كفيل بجسر الهوة بين الجانب السياسي من ناحية، والاجتماعي والاقتصادي للمجتمع من ناحية أخرى، مما يؤثر إيجاباً في توازن المجتمع ويحفظ للنظام السياسي بقاءه. فالمطالب الشعبية الناتجة عن تحسن مستوى المعيشة والتعليم والصحة تجعل الفرد أكثر دراية، وبالتالي تولد لديه ثقافة المشاركة السياسية، وهكذا يقع النظام السياسي تحت مزيد من الضغوط الشعبية لتحديث مؤسساته وتحقيق آمال وطموحات المواطن. أما إذا لم يستجب النظام لذلك فإنه يفقد مرونته السياسية وبالتالي يصبح عرضة لعدم الاستقرار. وتأتي عملية (المأسسة) السياسية (political institutionalization)، وفقاً لعرابها صامويل هنتجنتون (1968)، كجزء مهم من عملية التنمية السياسية، تكتسب من خلالها المؤسسات السياسية قيمة واستقراراً بحيث تصبح أكثر قدرة وفاعلية على أداء وظائفها. من هنا حرصت الحكومة السعودية على تحديث بعض جوانب العملية السياسية من خلال عدة قرارات، نناقش فيما يلي أهمها في ظل محدودية المساحة المتاحة.
ولعل أهم حدثين إصلاحيين شهدتهما المملكة العربية السعودية أخيراً هما انتخابات المجالس البلدية ونظام هيئة البيعة. وبطبيعة الحال يجب أن يؤخذ ذلك في ظل محاولة النظام السياسي السعودي تحديث مؤسساته دستورياً ووظيفياً من خلال إصدار حزمة من الإصلاحات السياسية منذ مطلع التسعينات، كان أهمها النظام الأساسي للحكم ونظام مجلس الشورى ونظام المناطق، الصادرة جميعها عام 1412هـ ونظام مجلس الوزراء لعام 1414هـ، حيث نظر كثير من المختصين بالشأن السياسي السعودي إلى هذه الإصلاحات كخطوة على الطريق الصحيح. وبالفعل لم يتوقف مسلسل الإصلاح بل استمر آخذاً بعداً مختلفاً. إن من خصائص الإصلاح في السنوات القليلة الماضية أنه اختلف عن النهج السابق، من حيث إنه ابتعد نسبياً عن التوسع في بناء مؤسسات الدولة التي تفتقر إلى القوة الفعلية على اتخاذ القرار، واستبدلها بتوسيع باب المشاركة السياسية ولو بشكل جزئي وخجول، كما أنه طال إحدى أهم مؤسسات الحكم حساسية التي تأتي في قمة الهرم السياسي في المملكة، إلا وهي مسألة الخلافة السياسية أو انتقال العرش والسلطة داخل البيت السعودي الحاكم، وذلك بالرغم من عملية الانتقال السلسة للسلطة بعد وفاة الملك فهد بن عبدالعزيز. مما يعتبر مؤشراً إلى أن الحكومة عاقدة العزم على المضي قدماً في تناول أكثر جوانب العملية السياسية حساسية (مسألة العرش والمشاركة السياسية). وأخيراً، فإن عامل الوقت له مغزى آخر: فصدور هذه الإصلاحات حدث في ظل استقرار عام يشهده المجتمع والدولة، ما يعطي قيمة إضافية له على غرار فيما لو تم ذلك تحت مطرقة المظاهرات الشعبية والفوضى السياسية، لأن الغالب أن يكون الإصلاح في الدول النامية ردة فعل لفعل سابق له. وبالتالي فهو نتيجة لغليان الشارع السياسي ما يجعل التغيير والعنف السياسيين البديل الأوحد لغياب الإصلاح السياسي.
انتخابات المجالس البلدية
اعتبر الكثير من المحللين السياسيين تفعيل دور المجالس البلدية من خلال الانتخاب الجزئي لأعضائها خطوة ضرورية في طريق التمثيل السياسي، وبالتالي توسيع المشاركة الشعبية في العملية السياسية، لاسيما في ظل تزايد قوى التحول الديمقراطي في منطقة الشرق الأوسط.
إن نظام المجالس البلدية هو في الواقع جزء من نظام البلديات والقرى الصادر بالمرسوم الملكي رقم م/5 في 21/2/1397هـ والمبني على قرار مجلس الوزراء رقم 130 تاريخ 6/2/1397هـ. وحدد هذا النظام في المواد (6-27) كل ما يتعلق بتنظيم وتشكيل المجالس البلدية ومهامها. لكن تفعيل ذلك تأخر حتى صدور قرار مجلس الوزراء رقم 224 وتاريخ 17/8/1424هـ، إذ يهدف هذا القرار إلى (توسيع مشاركة المواطنين في إدارة الشؤون المحلية عن طريق الانتخاب من خلال تفعيل المجالس البلدية وفقاً لنظام البلديات والقرى على أن يكون نصف كل مجلس بلدي منتخباً). وأوضحت المادة 6 من النظام أن للمجلس البلدي سلطة التقرير والمراقبة، بينما نصت المادة الثامنة على أن يحدد وزير الشؤون البلدية والقروية عدد أعضاء كل مجلس بلدي على ألا يقل عن أربعة ولا يزيد على أربعة عشر عضواً ويكون من بينهم رئيس البلدية، ويتم اختيار نصف الأعضاء بالانتخاب على أن يختار وزير الشؤون البلدية والقروية النصف الآخر من أصحاب الكفاءة والأهلية، وتكون مدة المجلس أربع سنوات، ويعقد اجتماعاته الاعتيادية مرة كل شهر، وتكون قراراته بأكثرية أصوات أعضائه الحاضرين (المواد 12-15). أما مهام المجلس فقد حددتها المادة 23 وتتمحور حول الإشراف على مشروع ميزانية البلدية ومشاريعها العمرانية والتنظيمية واقتراح ما يراه في هذا الشأن، إضافة إلى مراقبة سير أعمال البلدية والعمل على رفع كفاءتها وحسن أدائها للخدمات.وتمت العملية الانتخابية في المملكة بشكل سلس عطفاً على كونها التجربة الأولى، وكان الإقبال عليها متوسطاً بشكل عام، إلا أنه يمكن القول إنها أسست لتقليد سياسي مستقبلي قوامه تشجيع ثقافة المشاركة السياسية وإحساس المواطن بالمسؤولية ليصبح عضواً فاعلاً سياسياً في بناء وطنه وإدارة مؤسساته السياسية في إطار هامش الحرية السياسية المسموح به.
نظام هيئة البيعة
تعتبر وحدة وتماسك القيادة في أي نظام سياسي مطلباً ضرورياً ودعامة أساسية في عملية الاستقرار السياسي الداخلي، حيث إن وحدة القيادة تجسيد لوحدة المجتمع والوطن في كثير من الأحيان، والتي بدورها تهيئ الجو المناسب للتنمية والنمو الاقتصادي. فكثيراً ما كانت الخلافات داخل النخب الحاكمة عاملاً حاسماً في ضعف نظام الحكم وسبباً مباشراً في حدوث الفوضى السياسية، إن لم يكن زوال النظام لاسيما في الأنظمة ذات الطابع الوراثي، سواءً كان ذلك بمعناه الضيق أو الموسع.
وبالعودة إلى التطور السياسي في المملكة نجد أن الخلاف داخل البيت السعودي في فترات مختلفة من عمر تجربة الحكم السعودي كان سبباً جوهرياً في ضعف النظام واستغلال القوى الخارجية لذلك، كما هي الحال في الدولة السعودية الثانية، لكن ما يحسب لنظام الحكم السعودي أنه استفاد من دروس الماضي، وأدركت القيادة أهمية وحدة الصف بداخلها، وأبدت قدراً جيداً من الموضوعية السياسية في تعاطيها مع مسألة انتقال السلطة بين أفراد الأسرة الحاكمة، ما وفر مرونة كافية للنظام السياسي لاستيعاب المتغيرات السياسية الداخلية ومواجهة التحديات والضغوط التي تحتمها أحياناً البيئتان الإقليمية والخارجية، فنظام الحكم السعودي هو أحد أنظمة الحكم العربية الوراثية القلائل، والذي استطاع الصمود والبقاء في زمن اقتلعت فيه رياح التغيير والثورات السياسية في العالم العربي الكثير من أنظمة الحكم العربية.
وحلّ هذا النظام محل النظام القديم المتمثل في (المادة 5) من النظام الأساسي للحكم الصادر برقم (أ/90) تاريخ 27/8/1422هـ. حيث حددت هذه المادة في بعض فقراتها أن نظام الحكم يكون في أبناء الملك المؤسس وأحفادهم، ويختار الأصلح منهم للحكم، وكذلك أعطت للملك حق اختيار ولي العهد، على غرار ما كان متعارفاً عليه سابقاً. وهكذا أصبح هذا النظام في حينه مغايراً عن العرف المعمول به منذ تأسيس المملكة في العام 1351هـ، حيث كان الحكم ينتقل للأكبر من أبناء الملك المؤسس عبدالعزيز بن عبدالرحمن. بالرغم من أن (المادة 5) لم يتم تطبيقها على أرض الواقع نتيجة الانتقال السلس للسلطة بعد وفاة الملك فهد. غير أن القيادة في المملكة رأت ضرورة صدور نظام جديد لتداول السلطة داخل مؤسسة الحكم ليكون قنديلاً دستورياً تهتدي به المؤسسة الحاكمة السعودية في تعاطيها مع شؤون العرش الحساسة، حيث صدر نظام هيئة البيعة بموجب الأمر الملكي رقم (أ/135) تاريخ 26/9/1427هـ في 25 مادة حددت آلية انتقال السلطة والضوابط التي تحكمها، ما أعطى لمسألة العرش بعداً مؤسسياً لم يكن موجوداً في السابق.
وتناولت المادة الأولى من النظام تكوين الهيئة والعضوية فيها، بحيث تشمل أبناء المؤسس الـ(35) وممثلين عن المتوفين منهم، بالإضافة إلى اثنين يعينهما الملك، أحدهما من أبنائه والآخر من أبناء ولي العهد، فيما نصت المادة 20 على أن النصاب القانوني لاجتماع الهيئة يكون بحضور ثلثي أعضائها على الأقل بمن فيهم رئيس الهيئة أو نائبه، ويكون رئيس الهيئة وفقاً للمادة 15 أكبر الأعضاء سناً من أبناء الملك المؤسس، وفي حالة عدم وجود أي أحد منهم يكون الاجتماع برئاسة الأكبر سناً من بين الأحفاد. وبالتالي أصبحت عملية انتقال السلطة تخضع للقرار الجماعي لأفراد الأسرة المالكة وفق آلية معينة ما أعطى لها بعداً دستورياً ومؤسساتياً. كما أشارت المادة 6 إلى دور الهيئة في مبايعة ولي العهد ملكاً على البلاد عند وفاة الملك، ما يجعل خلافة العهد محسومة سلفاً ولا تخضع للإرادة الشخصية للملك. أما المادة 7 فقد أتت تعديلاً للفقرة (ج) من المادة 5 من النظام الأساسي للحكم، والتي أعطت الملك حق اختيار وإعفاء ولي العهد من منصبه، حيث نصت على أنه يجوز للملك اختيار من يراه لولاية العهد من أبناء المؤسس وأحفاده بعد التشاور مع أعضاء الهيئة، ويعرض هذا الاختيار على الهيئة للموافقة عليه، أو ترشيح من تراه هي في حالة عدم موافقتها على مرشح الملك. وفي حالة عدم موافقة الملك على مرشح الهيئة فإن كل طرف يختار مرشحاً واحداً، ويتم التصويت عليه وفقاً لمبدأ أكثرية الأصوات، بحيث يصبح الحاصل على أكثرية الأصوات من بين المرشحين ولياً للعهد. على أن تتم عملية اختيار ولي خلال ثلاثين يوماً من تاريخ مبايعة الملك (الماده 9) لسد باب التأويلات والتخمينات التي قد تؤثر سلباً في توافق الأسرة المالكة وتماسكها مما قد ينعكس سلباً على الاستقرار السياسي بشكل عام. وفي الحقيقة إن نظام الأغلبية يعطي فاعلية أكثر لهذه المؤسسة السياسية، ويجعل من السهل عليها اتخاذ القرار المهم، متفادية بذلك ما قد يحصل من معارضة على قراراتها من بعض الأعضاء، كما هو واقع الحال في العمل السياسي. أي أنه يوفر لها نوعاً من المرونة السياسية في عملها قد لا تحظى به لو عملت وفقاً لنظام الإجماع.والنقطة المهمة الأخرى التي طرقها نظام البيعة هي معالجة أي فراغ دستوري محتمل في حال الغياب الجماعي للملك وولي عهده، حيث تصدت المادة 10 لهذه الحالة بقولها (تشكل الهيئة مجلساً مؤقتاً للحكم من خمسة من أعضائها، ويتولى المجلس إدارة شؤون الدولة بصفة مؤقتة في الحالات المنصوص عليها في نظام الهيئة). مع تشديدها على أنه لا يجوز للمجلس المؤقت تغيير الأنظمة الدستورية المعمول بها في البلاد. وهذا في الحقيقة يعطي استقراراً دستورياً للدولة ويجنبها شرور بلبلة المؤسسات السياسية، حيث إن المأسسة السياسية عامل مهم وركن أساسي في عملية التنمية والاستقرار السياسيين لأي نظام حكم أياً كان شكله أو أسلوب ممارسة السلطة فيه، ولذلك تمت الإشارة بوضوح إلى عدم حق المجلس في تغيير النظام الأساسي للحكم أو نظام مجلس الوزراء أو نظام مجلس الشورى أو نظام المناطق أو نظام مجلس الأمن الوطني أو أي من الأنظمة الأخرى ذات العلاقة بالحكم، وليس له حل أو إعادة تشكيل مجلس الوزراء أو مجلس الشورى.
وأخيراً، تبقى فاعلية أي نظام مرتبطة بتطبيقه وقدرته على تجسيد الإرادة السياسية على أرض الواقع بطريقة سلسة وقادرة على ترجمة الهدف منه، بما يعود على الدولة والمجتمع بالنفع، ويوفر لهما مناخاً سياسياً مواتياً لتحقيق أهداف التنمية الوطنية، والحفاظ على حالة من الاستقرار السياسي، ما يعزز ثقة المواطن بالنظام السياسي وبقدرته على إدارة شؤون المجتمع بفاعلية.

::/fulltext::
::cck::2758::/cck::

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *