التداعيات السياسية والأمنية للتقنية النووية الإيرانية على أمن الخليج

::cck::2760::/cck::
::introtext::

حقيقتان لا ثالث لهما في السياسة الدولية، الأولى أن الدبلوماسيات والسياسات الدولية وأيضاً الأمنية هي أحداث متواصلة لا حصر ولا نهاية لها يصعب إن لم يكن يستحيل تقنينها أو تأطيرها في قواعد وأطر فكرية وسلوكية ملموسة. والسبب أن كل الحركات والتحركات والسلوكيات الدولية تفتقد برمتها وجود القوانين والأنظمة والأخلاقيات، بل حتى التعليمات الواضحة أو الصريحة التي بموجبها تتم قولبة الأفعال والسلوكيات والتحكم بها. والحقيقة الثانية تؤكد أن صراع الإرادات السياسية على المستويات الإقليمية والدولية لا يقل قوة وعنفاً وخطورة عن صراع المصالح أو صراع الأيديولوجيا، فكلها أدوات صراع ومواجهة حتمية، بل ومكامن للاحتكاكات المباشرة بين الدول لا مناص من الخوض فيها خاصة في معمعة السياسة والعلاقات الدولية.

::/introtext::
::fulltext::

حقيقتان لا ثالث لهما في السياسة الدولية، الأولى أن الدبلوماسيات والسياسات الدولية وأيضاً الأمنية هي أحداث متواصلة لا حصر ولا نهاية لها يصعب إن لم يكن يستحيل تقنينها أو تأطيرها في قواعد وأطر فكرية وسلوكية ملموسة. والسبب أن كل الحركات والتحركات والسلوكيات الدولية تفتقد برمتها وجود القوانين والأنظمة والأخلاقيات، بل حتى التعليمات الواضحة أو الصريحة التي بموجبها تتم قولبة الأفعال والسلوكيات والتحكم بها. والحقيقة الثانية تؤكد أن صراع الإرادات السياسية على المستويات الإقليمية والدولية لا يقل قوة وعنفاً وخطورة عن صراع المصالح أو صراع الأيديولوجيا، فكلها أدوات صراع ومواجهة حتمية، بل ومكامن للاحتكاكات المباشرة بين الدول لا مناص من الخوض فيها خاصة في معمعة السياسة والعلاقات الدولية.
لعل دخول الدول والمنظمات الدولية والإقليمية في أي من تلك الصراعات واقع لا مفر منه لغالبية أفراد المنتظم الدولي خصوصاً إذا ما راودتها غاية اللعب في أعماق مضمار واقع سياسات الدول الكبرى، أو فيما لو أرادت الولوج إلى مضمار سباقها العسكري الخطير. فسباق الألعاب السياسية والعسكرية الدولية يمنح الأولوية المطلقة لمن يمتلك مهارات اللعبة ويتقن فنونها، ومن بمقدوره اللعب بدقة وبمهارة، ومن ينجح في حركات التمويه والخداع، وأخيراً يحقق الكسب من يحرص على الفوز في تلك الألعاب بأي وسيلة كانت حتى إن تطلب الأمر فرض أمر واقع على الآخرين من خلال الإكراه المباشر أو غير المباشر.
الأزمة النووية
حتى الآن لا تبدو هناك أي مؤشرات إلى تخفيف حدة الأزمة النووية الإيرانية التي وصلت ذروتها مؤخراً بعد أن وجهت بقرار دولي يفرض عقوبات دولية على طهران جراء مضيها قدماً في سياساتها النووية. إيران التي دخلت هذا المجال الاستراتيجي الحيوي استفادت من التغيرات الحديثة في التوازنات الدولية السياسية والعسكرية بعد انهيار الاتحاد السوفييتي وانشغال الدول الكبرى بمهام ومسؤوليات تشكيل النظام العالمي الجديد. كما استفادت إيران من الصراعات العنيفة التي نشبت بين المجتمع الدولي والعراق بزعامة الرئيس العراقي الراحل صدام حسين في تسريع تقنيتها النووية والاستفادة القصوى من كل من روسيا الاتحادية والصين الشعبية. ومسببات التوجه الإيراني لامتلاك تقنية نووية سلمية ليس من المستبعد أن تتحول إلى تقنية عسكرية عديدة منها ما يتعلق بموقعها الجغرافي الإقليمي، ومنها ما يرتبط بطموحاتها الإقليمية وتطلعها للعب دور إقليمي استراتيجي قيادي، ومنها ما يتعلق بمخاوفها من الدول المجاورة لها التي امتلكت أسلحة نووية مثل باكستان.
ولهذه الأسباب وغيرها، شرعت إيران ببناء قدراتها التقنية النووية، الأمر الذي لفت انتباه الغرب بزعامة الولايات المتحدة الأمريكية، وزاد من مخاوفها وشكوكها من أن تملك إيران لسلاح نووي لا يدخلها في النادي النووي فحسب وإنما يفرض على العالم الغربي ضرورة التعامل معها بمنطق سياسي وأيديولوجي مختلف تماماً عن المنطق الحالي بحيث لا تعود إيران في موقف الضعف أو التبعية.
هذا بالتحديد ما يبدو من عمليات التصعيد السياسي المتبادل في الأزمة النووية الإيرانية الغربية التي تقودها بشراسة الولايات المتحدة ضد إيران، وهي أزمة سياسية لولبية تصاعدية لن تتراجع بل لن ترتخي خصوصاً بعد أن أصرت طهران على عدم تجميد نشاطاتها في تخصيب اليورانيوم، وبعد أن أعلنت رسمياً عن توصلها إلى امتلاك الدورة الكاملة لإنتاج الوقود النووي.
أفعال ورود أفعال
إذاً فإن الفعل ورد الفعل، والضغط، والضغط المضاد، خطوات سياسية ودبلوماسية متواصلة نشهد فصولها تنجلي يوماً بعد يوم بين الطرف الإيراني من جهة، ومن الجهة الأخرى طرف المعسكر الغربي بقيادة أمريكية. وبدأت حركة الصراع منذ أن دعا القرار الذي صدر عن مجلس حكام الوكالة الدولية للطاقة الذرية إيران قبل أكثر من عام إلى وقف كل النشاطات المتعلقة بعملية تخصيبها لليورانيوم بما في ذلك معدات الطرد المركزي وإجراء التجارب في عمليات التخصيب.
إيران من جانبها سارعت إلى الإعلان رسمياً أن ذلك القرار غير ملزم لها لأنه غير قانوني نظراً لأن تجميد عملية تخصيب اليورانيوم هو قرار طوعي للدولة لا يمكن فرضه بقرار، وإنما يمكن تحقيقه عبر الحوار الدبلوماسي. ومنذ ذلك الوقت ما فتئت إيران تماطل الدول الغربية وفي الوقت ذاته تناورها ببراعة حول الاعتراف بحقيقة نواياها أو برامجها النووية، ليس لاكتساب عامل الوقت وتوظيفه في عملية الإسراع في إنهاء برامجها النووية فقط، وإنما لفرض أمر واقع على الدول الغربية بعد أن استعرضت عضلاتها العسكرية مؤخراً بعد نجاحها في تصنيع صواريخ بالستية متوسطة وبعيدة المدى، وبعد أن هددت بأن أي محاولة لضرب وإجهاض منشآتها النووية ستكون نتائجها وخيمة على المعتدي، بل صعدت من تهديداتها العسكرية لتشمل إسرائيل ومعظم المصالح الأمريكية في المنطقة.
ومن الجهة المضادة تضغط واشنطن بقوة تصاعدية موزونة على طهران من خلال علاقاتها الثنائية مع الدول الغربية وروسيا والصين، ومن خلال تفعيل جهود وسياسات مؤسسات ومنظمات المجتمع الدولي بهدف منع طهران من تحقيق غايتها النووية بأي شكل أو صورة حتى إن كانت طاقة نووية سلمية وذلك خوفاً من دخولها بالقوة إلى منظومة النادي النووي الدولي كما فعلت قبلها تماماً كل من الهند ومن ثم باكستان.
واشنطن إذن أشهرت (الكرت الأحمر) في وجه إيران وحوّلت الملف الإيراني إلى مجلس الأمن الدولي لاتخاذ قرارات دولية أكثر حزماً وشدة، وربما أكثر صرامة وقوة وعنفاً تجاه طهران من أجل وقف وتجميد نشاطاتها النووية، أو حتى إذا تطلب الأمر العمل على إجهاض تلك النشاطات بالقوة. حيث إن نتائج الدبلوماسية السلمية لا تزال تراوح مكانها معلنة العد التنازلي للحلول العسكرية. وسواء جاءت النتائج المتوقعة للضغوط الأمريكية على إيران هذا الحد أو إلى ذاك، فإن الأزمة مرشحة للتصعيد الأخطر حدة فيما لو تمكنت واشنطن من تحييد أو تجميد الدعم الخارجي لإيران (خصوصاً من روسيا والصين)، الأمر الذي قد يحول دون بلوغ إيران لغايتها النووية.
تلك هي السياسة الدولية بالطبع، وذلك هو رد الفعل الدبلوماسي والسياسي المجدي الذي يمزج بين إيجابيات كل من المدخل التقليدي والمدخل البراجماتي والدوجماتي للأفعال وردود الأفعال، فهل ترضخ إيران لتصعيد الضغوط الأمريكية بعد تحويل ملفها النووي إلى مجلس الأمن الدولي؟ أم أنها ستصعد من الأزمة وتمضي بعناد في مسارها التقليدي؟ التفاؤل حول محصلة الوضع النهائي لما سيتمخض عن هذه الأزمة مع الأسف لا يبشر بخير، ولا يقل خطورة عن التشاؤم منها، فكلاهما إما جمر أو نار.
موقف دول المنطقة من الأزمة النووية الإيرانية
تتواصل أزمة الصناعة النووية الإيرانية مع الغرب عامة والولايات المتحدة خاصة، فيما تبقى دول المنطقة واقفة على فوهة بركان ثائر. واللافت للنظر أن التوجه الإيراني لبناء تقنية نووية حتماً تساعد على بناء صناعة نووية دفع ببعض دول المنطقة وخاصة مصر وتركيا إلى اتباع المسار ذاته وتبني السياسة ذاتها.
والمعنى واضح، فالتاريخ والجغرافيا والمصالح القومية والوطنية للدول تفرض على كل دول المنطقة ضرورة سلوك مسالك التقنية النووية، ليس كرد فعل طبيعي للفعل الإيراني فحسب، وإنما كنتيجة حتمية لهاجس الأمن ومتطلبات الردع المتبادل، الذي لم تعه واشنطن حتى الآن في مواجهاتها سواء مع إيران الدولة، أو إيران الثورة بأن قضية الربح والخسارة في جل التحديات والمواجهات السياسية الداخلية الإيرانية هي قضية نسبية، بل ولربما هامشية طالما أن كل الأطراف التي يسمح لها بالدخول في صميم عملية صناعة القرارات والسياسات الداخلية والحارجية الإيرانية هي من المنبع ذاته والمصدر والخلفية. فالجميع يهمه بالدرجة الأولى تحقيق والحفاظ على المصلحة العليا للدولة الإيرانية والشعب الإيراني.
ونظراً لأن النظام السياسي في إيران يتمتع بقدرات عجيبة على المناورة والمراوغة السياسية والأيديولوجية على كافة المستويات الداخلية والإقليمية والدولية، فقد تمكن من تفادي العديد من المخاطر والتحديات الدولية التي كانت تراهن على تفعيل سلبيات الداخل الإيراني لخدمة مصالحها وأهدافها. بل أثبت النظام الإيراني امتلاكه مهارة التدريب السياسي الميداني للرموز والكوادر والكفاءات القيادية والميدانية بداية من توزيع الأدوار والمهام على مختلف اللاعبين من الفريق ذاته (الذين يتقنون فنون اللعبة ومهاراتها)، ونهاية بمن لديهم القدرة على امتصاص الضغوط والهجمات العامة والخاصة أيا كانت مصادرها.
مركزية عقدية لا مركزية سياسية
لهذه الأسباب والمتغيرات أثبتت (اللامركزية السياسية) الإيرانية على مستوى رئيس الدولة من جهة، ومن جهة أخرى (منظومة المركزية السياسية المركزة) في رموز النظام المنوط بهم صيانة الدستور والنظام والدولة والشعب، أنها قادرة على استخدام مختلف أنواع الحراك القومي والتحركات السياسية العقدية، ناهيك عن التمويه السياسي المتطور للحفاظ على منجزات ثورة الدولة، وسياسات دولة الثورة الإيرانية.
بمعنى آخر أكثر دقة لا يوجد في النظام السياسي الإيراني من يمكن أن يصنف ضمن منظومة الإصلاحيين بالمنطق والمنظور الغربي، وإنما يمكن ذلك بالمنطق والمنظور الإيراني نظراً لكون جميع اللاعبين درسوا في مدرسة واحدة، وتتلمذوا على يد أستاذ واحد، وتلقوا علومهم ومعارفهم من مرجعية واحدة، وتخرجوا المدرسة ذاتها.
وبمنطق آخر أكثر صراحة، فإن الغاية السياسية في إيران كانت ولا تزال واحدة وهدفها واحد وإن اختلفت الوسائل الداخلية الإيرانية لتحقيقها. فليطلق العالم ما يشاء هل يمكن القول تبعا لذلك إن إيران اليوم تختلف تماماً عن إيران الأمس؟ وهل يمكن الاعتقاد بأن معتقدات وقيم إيران الثورة لن تعود إلى الساحة الداخلية الإيرانية أو الخارجية الدولية مرة أخرى لأنها باتت غير صالحة لا للزمان ولا للمكان، وبالطبع لا يمكن أن تستخدم لاستهلاك الإنسان؟ وهل حقاً إن العلاقات السياسية بين مختلف الأطياف والأحزاب والجماعات السياسية الإيرانية وصلت إلى مستوى مرحلة متقدمة من الاستقرار والثبات، لذلك لم تعد تتحرك كلية بتوجيهات الأيديولوجيا المتطرفة أو حتى المتشددة بقدر ما تحركها أيديولوجيا المصالح وإبستمولوجيا الأهداف القومية الإيرانية؟
تلك الأسئلة مهمة لصناعة سياسة خارجية خليجية أو عربية حيال إيران، بيد أن أهم ما يمكن أن توظفه تلك الأسئلة هو تحريك مقومات التحليلات السياسية العلمية التي تستنبط سياسات وتحركات تحقق أقصى منفعة ممكنة بأقل تكلفة ممكنة. فالرؤية السياسية التحليلية تؤكد أن تطبيق الأدوات السياسية التحليلية الصحيحة لا تنتج عنها إلا الرؤية السياسية الصحيحة، وبالتالي القرارات السياسية الصحيحة.
ولا شك أن الواقعية السياسية أثبتت فاعليتها وصحتها وجدارتها بل ومصداقيتها أمام هشاشة المثالية السياسية سواء في شكلها الدياليكتيكي أو في جانبها الأخلاقي الذي يعتمد على أخلاقيات الإنسان التي تختلف تماماً عن أخلاقيات الدول وبالتحديد أخلاقيات السياسة الدولية. لذا يمكن القول إن حركة الإصلاح في إيران ما هي إلا نتاج لوجود إرادة الإصلاح السياسية الإيرانية ومن أعالي القمة السياسية، وبالتالي لا تحتاج تلك الحركة القومية الحتمية (التي لا مناص من تفعيلها بحكم الواقع والجغرافيا والمصالح) إلى وجود فئوية إنسانية معتدلة أو محافظة أو متشددة، وإن كانت بالفعل نتائج الإصلاح تختلف تماماً من فئة إلى أخرى.
من هنا فإن وحدة الاستراتيجية القومية الإيرانية العليا بجانبيها الأمني والسياسي يشترك في الإيمان بها كل الأطراف والفئات الإيرانية القيادية التي تتقارب إلى حد كبير في المعتقد السياسي والأيديولوجي الرئيسي الذي تمخض عن أحداث الثورة الإيرانية. وبناء عليه، فإن الخلاف أو الاختلاف في الوسيلة لا يعني الاختلاف أو الخلاف على الغاية مادامت هذه الغاية واحدة ومادام الصراع في حيثيات الفروع لن يؤثر إطلاقاً في ثوابت الأصول.
الدور التركي ومتطلبات توازن القوة في المنطقة
منذ أن دخل الأتراك معمعة السياسة العربية الإسلامية في العهد العباسي وتحديداً في عهد المعتصم بالله، وهم في حالات من التوازن العقدي والمذهبي وفي عمليات متواصلة من الكر والفر السياسي والعسكري مع الفرس الذين ظهر شأنهم وعلت مكانتهم في عهد الخليفة المأمون بالله.
هذا ما حدث من تطور كبير في التاريخ السياسي الإسلامي بعد أن قتل الخليفة العربي قلباً وقالباً محمد الأمين على يد قادة جيش عبدالله المأمون من الفرس الذين ارتأوا إنهاء النفوذ العربي في الدولة العباسية وجيروه لأنفسهم، فنكبة البرامكة تلتها نكبات للفرس لم يضع حداً لها إلا الخليفة المأمون الذي عاد فقربهم وقوى من شوكتهم.
وتواصل الصراع الثلاثي المحاور (التركي الفارسي، والفارسي العربي، والتركي العربي) منذ انهيار الدولة العباسية وحتى ظهور الدولة العثمانية، حيث سقطت كل الأقطار العربية أمام جيوش الدولة العثمانية، فيما استعصت على الفاتحين الأتراك الدولة الفارسية (الصفوية). بيد أن الجيوش العثمانية واصلت شن الحروب على الفرس لكن من دون نتائج إيجابية تذكر، لكنهم تمكنوا من وقف انتشار النفوذ الفارسي بشكل ملحوظ وملموس في المنطقة.
الحرب العالمية الأولى كان لها الدور البارز في تعطيل ومن ثم انحسار النفوذ التركي من المنطقة بعد أن دخل العرب في صراع مباشر مع الدولة العثمانية من أجل الحصول على استقلالهم منها. صحيح أن قضية الخوض في الأسباب والدوافع وغيرها غير مناسبة ولا نافعة في هذا المقال، بيد أنه من الضروري الإشارة إلى أن الخروج التركي من المنطقة وتعلق تركيا بالغرب وسعيها اللاهث للانضمام إلى المنظومة الأوروبية العسكرية ومن ثم الانخراط في منظومة الاتحاد الأوروبي السياسية، أطلقت العنان بالكامل للأطماع والنفوذ الإيراني في المنطقة برمتها.
وكان لا بد أن يسعى العرب للتعويض، ولملء الفراغ التركي، لمنع انتشار النفوذ الفارسي بأي طريقة كانت سواء بالتحالفات (الأحلاف العسكرية) أو الأحلاف السياسية على المستوى العربي (جامعة الدول العربية) أو حتى التحالفات الثنائية على المستوى الدولي. إذ كان من الأهمية بمكان تطويق النفوذ الإيراني بحزام عقدي سني عربي وغير عربي يبدأ من باكستان وأفغانستان ثم العراق وينتهي في تركيا التي وقفت على الحياد في العقود الماضية، بل تحيزت ضد العرب في بعض المواقف المتعلقة بالقضية الفلسطينية والعلاقات الثنائية مع إسرائيل.
بيد أن التغيرات السياسية التي حدثت في العلاقات الدولية والإقليمية بعد أحداث 11 سبتمبر 2001 من جهة، ومن جهة أخرى لعبت التغيرات السياسية في الداخل التركي بعد فوز التيار الإسلامي المحافظ في الانتخابات الماضية دورها المباشر (بالإضافة إلى فشل تركيا في الدخول إلى الاتحاد الأوروبي والضغوط التي تمارس ضدها في ما يتعلق بالجانب التركي من الدولة القبرصية) في حدوث تحول إيجابي ملموس في السياسة التركية الخارجية تجاه الدول العربية، ناهيك عما أفضى إليه ذلك التطور من تغير ملحوظ في السياسة التركية الخارجية تجاه إيران.
نعم لقد أدركت تركيا أنها مهددة بمخاطر التقنية النووية الإيرانية تماماً كجيرانها وجيران إيران العرب، واقتنعت بأن توصل إيران إلى امتلاك تقنية نووية يعني انتشاراً للنفوذ الإيراني في المنطقة، ويعني أيضاً ممارسة ضغوط مباشرة وغير مباشرة على تركيا والمصالح التركية في المنطقة التي لا يمكن التغاضي عنها أكثر مما وقع من تغاض في الماضي.
تركيا تدرك أيضاً أن إيران كانت ولا تزال تقف على الحافة الإقليمية من جهة، ومن جهة أخرى تتعلق بأوداج منظومة الجرف الدولي، كما تدرك تماماً مخاطر السباق على التقنية النووية خاصة من دولة مثل إيران. ومن جانبها تستوعب طهران مخاطر عودة تركيا إلى الساحة السياسية والعسكرية الإقليمية خصوصاً في ما يتعلق بالجوانب النووية والجوانب السياسية والأمنية وما يترتب على ذلك من مخاطر على الأمن القومي الإيراني.
تركيا بدورها تدرك تماماً أن القومية الإيرانية بمرجعيتها العقائدية الدينية التي جاءت في زمن معين بالتحديد (زمن الدولة الصفوية) مدعومة بعوامل الجغرافيا وتم تشجيعها من قبل بعض القوى الدولية في ذاك الوقت خاصة روسيا القيصرية التي أرادت أن تضع جداراً فاصلاً ومانعاً عقائدياً مذهبياً يحول بين جمهورياتها الإسلامية في آسيا الوسطى وبين الدول الإسلامية الأخرى في المنطقة العربية. ومن جانبها قبلت إيران لعب الدور الإقليمي الذي رسمته لها موسكو لا سيما أنها كانت مهددة بالوجود التركي العثماني على مدى التاريخ، ووجدت في الغزل السوفييتي وسيلة لتحقيق التوازن مع تركيا.
لكن بعد انحسار الدور السوفييتي وتحرر جمهوريات آسيا الوسطى من الهيمنة السوفييتية وظهور مخاطر الدور الإيراني في تلك المنطقة، كان لا مناص ولا مهرب من عودة الدور التركي إلى الساحة السياسية والعسكرية لتحقيق التوازن (الباريتي) مع إيران من جهة، ولحماية مصالحها الإقليمية تجاه الشرق والجنوب من جهة أخرى.
إن التوازن السياسي والعسكري في المنطقة كان ولا يزال في طليعة أهداف ومصالح الجميع، كما أن سياسة الردع المتبادل كانت ولا تزال الوسيلة الأنجع لمنع اندلاع الحروب، لهذا يصعب أن تسمح أي من دول المنطقة لدولة معينة أن تتفرد بالقوة حتى لا تقع فريسة لمنطق القوة ألذي لا يعرف الرحمة ولا الشفقة في العلاقات الإقليمية والدولية. فما الذي سيحدث مستقبلاً؟ وما هي أهم نتائج حركة السياسة التقنية في المنطقة؟ أسئلة مهمة بدأت إجاباتها تظهر بوضوح بعد أن بدأت الدول الرئيسية الثلاث في منطقة الشرق الأوسط (المملكة العربية السعودية، مصر وتركيا) تتحدث عن امتلاك تقنية نووية سلمية معلنةً عن دخولها في المسارات السابقة ذاتها التي دخلت فيها دول أخرى قبلها بداية بالهند ومروراً بباكستان ونهاية بإيران. إنها حركة السياسة والتاريخ التي لا يمكن أن تتوقف طالما كانت هناك أفعال وردود أفعال وسياسات متناقضة وأخرى متواجهة للدول هدف الجميع الحفاظ على الأمن والاستقرار الوطني أو القومي أو الإقليمي أو بالطبع الاستقرار والأمن الدولي.

::/fulltext::

Getting your Trinity Audio player ready...

::cck::2760::/cck::
::introtext::

حقيقتان لا ثالث لهما في السياسة الدولية، الأولى أن الدبلوماسيات والسياسات الدولية وأيضاً الأمنية هي أحداث متواصلة لا حصر ولا نهاية لها يصعب إن لم يكن يستحيل تقنينها أو تأطيرها في قواعد وأطر فكرية وسلوكية ملموسة. والسبب أن كل الحركات والتحركات والسلوكيات الدولية تفتقد برمتها وجود القوانين والأنظمة والأخلاقيات، بل حتى التعليمات الواضحة أو الصريحة التي بموجبها تتم قولبة الأفعال والسلوكيات والتحكم بها. والحقيقة الثانية تؤكد أن صراع الإرادات السياسية على المستويات الإقليمية والدولية لا يقل قوة وعنفاً وخطورة عن صراع المصالح أو صراع الأيديولوجيا، فكلها أدوات صراع ومواجهة حتمية، بل ومكامن للاحتكاكات المباشرة بين الدول لا مناص من الخوض فيها خاصة في معمعة السياسة والعلاقات الدولية.

::/introtext::
::fulltext::

حقيقتان لا ثالث لهما في السياسة الدولية، الأولى أن الدبلوماسيات والسياسات الدولية وأيضاً الأمنية هي أحداث متواصلة لا حصر ولا نهاية لها يصعب إن لم يكن يستحيل تقنينها أو تأطيرها في قواعد وأطر فكرية وسلوكية ملموسة. والسبب أن كل الحركات والتحركات والسلوكيات الدولية تفتقد برمتها وجود القوانين والأنظمة والأخلاقيات، بل حتى التعليمات الواضحة أو الصريحة التي بموجبها تتم قولبة الأفعال والسلوكيات والتحكم بها. والحقيقة الثانية تؤكد أن صراع الإرادات السياسية على المستويات الإقليمية والدولية لا يقل قوة وعنفاً وخطورة عن صراع المصالح أو صراع الأيديولوجيا، فكلها أدوات صراع ومواجهة حتمية، بل ومكامن للاحتكاكات المباشرة بين الدول لا مناص من الخوض فيها خاصة في معمعة السياسة والعلاقات الدولية.
لعل دخول الدول والمنظمات الدولية والإقليمية في أي من تلك الصراعات واقع لا مفر منه لغالبية أفراد المنتظم الدولي خصوصاً إذا ما راودتها غاية اللعب في أعماق مضمار واقع سياسات الدول الكبرى، أو فيما لو أرادت الولوج إلى مضمار سباقها العسكري الخطير. فسباق الألعاب السياسية والعسكرية الدولية يمنح الأولوية المطلقة لمن يمتلك مهارات اللعبة ويتقن فنونها، ومن بمقدوره اللعب بدقة وبمهارة، ومن ينجح في حركات التمويه والخداع، وأخيراً يحقق الكسب من يحرص على الفوز في تلك الألعاب بأي وسيلة كانت حتى إن تطلب الأمر فرض أمر واقع على الآخرين من خلال الإكراه المباشر أو غير المباشر.
الأزمة النووية
حتى الآن لا تبدو هناك أي مؤشرات إلى تخفيف حدة الأزمة النووية الإيرانية التي وصلت ذروتها مؤخراً بعد أن وجهت بقرار دولي يفرض عقوبات دولية على طهران جراء مضيها قدماً في سياساتها النووية. إيران التي دخلت هذا المجال الاستراتيجي الحيوي استفادت من التغيرات الحديثة في التوازنات الدولية السياسية والعسكرية بعد انهيار الاتحاد السوفييتي وانشغال الدول الكبرى بمهام ومسؤوليات تشكيل النظام العالمي الجديد. كما استفادت إيران من الصراعات العنيفة التي نشبت بين المجتمع الدولي والعراق بزعامة الرئيس العراقي الراحل صدام حسين في تسريع تقنيتها النووية والاستفادة القصوى من كل من روسيا الاتحادية والصين الشعبية. ومسببات التوجه الإيراني لامتلاك تقنية نووية سلمية ليس من المستبعد أن تتحول إلى تقنية عسكرية عديدة منها ما يتعلق بموقعها الجغرافي الإقليمي، ومنها ما يرتبط بطموحاتها الإقليمية وتطلعها للعب دور إقليمي استراتيجي قيادي، ومنها ما يتعلق بمخاوفها من الدول المجاورة لها التي امتلكت أسلحة نووية مثل باكستان.
ولهذه الأسباب وغيرها، شرعت إيران ببناء قدراتها التقنية النووية، الأمر الذي لفت انتباه الغرب بزعامة الولايات المتحدة الأمريكية، وزاد من مخاوفها وشكوكها من أن تملك إيران لسلاح نووي لا يدخلها في النادي النووي فحسب وإنما يفرض على العالم الغربي ضرورة التعامل معها بمنطق سياسي وأيديولوجي مختلف تماماً عن المنطق الحالي بحيث لا تعود إيران في موقف الضعف أو التبعية.
هذا بالتحديد ما يبدو من عمليات التصعيد السياسي المتبادل في الأزمة النووية الإيرانية الغربية التي تقودها بشراسة الولايات المتحدة ضد إيران، وهي أزمة سياسية لولبية تصاعدية لن تتراجع بل لن ترتخي خصوصاً بعد أن أصرت طهران على عدم تجميد نشاطاتها في تخصيب اليورانيوم، وبعد أن أعلنت رسمياً عن توصلها إلى امتلاك الدورة الكاملة لإنتاج الوقود النووي.
أفعال ورود أفعال
إذاً فإن الفعل ورد الفعل، والضغط، والضغط المضاد، خطوات سياسية ودبلوماسية متواصلة نشهد فصولها تنجلي يوماً بعد يوم بين الطرف الإيراني من جهة، ومن الجهة الأخرى طرف المعسكر الغربي بقيادة أمريكية. وبدأت حركة الصراع منذ أن دعا القرار الذي صدر عن مجلس حكام الوكالة الدولية للطاقة الذرية إيران قبل أكثر من عام إلى وقف كل النشاطات المتعلقة بعملية تخصيبها لليورانيوم بما في ذلك معدات الطرد المركزي وإجراء التجارب في عمليات التخصيب.
إيران من جانبها سارعت إلى الإعلان رسمياً أن ذلك القرار غير ملزم لها لأنه غير قانوني نظراً لأن تجميد عملية تخصيب اليورانيوم هو قرار طوعي للدولة لا يمكن فرضه بقرار، وإنما يمكن تحقيقه عبر الحوار الدبلوماسي. ومنذ ذلك الوقت ما فتئت إيران تماطل الدول الغربية وفي الوقت ذاته تناورها ببراعة حول الاعتراف بحقيقة نواياها أو برامجها النووية، ليس لاكتساب عامل الوقت وتوظيفه في عملية الإسراع في إنهاء برامجها النووية فقط، وإنما لفرض أمر واقع على الدول الغربية بعد أن استعرضت عضلاتها العسكرية مؤخراً بعد نجاحها في تصنيع صواريخ بالستية متوسطة وبعيدة المدى، وبعد أن هددت بأن أي محاولة لضرب وإجهاض منشآتها النووية ستكون نتائجها وخيمة على المعتدي، بل صعدت من تهديداتها العسكرية لتشمل إسرائيل ومعظم المصالح الأمريكية في المنطقة.
ومن الجهة المضادة تضغط واشنطن بقوة تصاعدية موزونة على طهران من خلال علاقاتها الثنائية مع الدول الغربية وروسيا والصين، ومن خلال تفعيل جهود وسياسات مؤسسات ومنظمات المجتمع الدولي بهدف منع طهران من تحقيق غايتها النووية بأي شكل أو صورة حتى إن كانت طاقة نووية سلمية وذلك خوفاً من دخولها بالقوة إلى منظومة النادي النووي الدولي كما فعلت قبلها تماماً كل من الهند ومن ثم باكستان.
واشنطن إذن أشهرت (الكرت الأحمر) في وجه إيران وحوّلت الملف الإيراني إلى مجلس الأمن الدولي لاتخاذ قرارات دولية أكثر حزماً وشدة، وربما أكثر صرامة وقوة وعنفاً تجاه طهران من أجل وقف وتجميد نشاطاتها النووية، أو حتى إذا تطلب الأمر العمل على إجهاض تلك النشاطات بالقوة. حيث إن نتائج الدبلوماسية السلمية لا تزال تراوح مكانها معلنة العد التنازلي للحلول العسكرية. وسواء جاءت النتائج المتوقعة للضغوط الأمريكية على إيران هذا الحد أو إلى ذاك، فإن الأزمة مرشحة للتصعيد الأخطر حدة فيما لو تمكنت واشنطن من تحييد أو تجميد الدعم الخارجي لإيران (خصوصاً من روسيا والصين)، الأمر الذي قد يحول دون بلوغ إيران لغايتها النووية.
تلك هي السياسة الدولية بالطبع، وذلك هو رد الفعل الدبلوماسي والسياسي المجدي الذي يمزج بين إيجابيات كل من المدخل التقليدي والمدخل البراجماتي والدوجماتي للأفعال وردود الأفعال، فهل ترضخ إيران لتصعيد الضغوط الأمريكية بعد تحويل ملفها النووي إلى مجلس الأمن الدولي؟ أم أنها ستصعد من الأزمة وتمضي بعناد في مسارها التقليدي؟ التفاؤل حول محصلة الوضع النهائي لما سيتمخض عن هذه الأزمة مع الأسف لا يبشر بخير، ولا يقل خطورة عن التشاؤم منها، فكلاهما إما جمر أو نار.
موقف دول المنطقة من الأزمة النووية الإيرانية
تتواصل أزمة الصناعة النووية الإيرانية مع الغرب عامة والولايات المتحدة خاصة، فيما تبقى دول المنطقة واقفة على فوهة بركان ثائر. واللافت للنظر أن التوجه الإيراني لبناء تقنية نووية حتماً تساعد على بناء صناعة نووية دفع ببعض دول المنطقة وخاصة مصر وتركيا إلى اتباع المسار ذاته وتبني السياسة ذاتها.
والمعنى واضح، فالتاريخ والجغرافيا والمصالح القومية والوطنية للدول تفرض على كل دول المنطقة ضرورة سلوك مسالك التقنية النووية، ليس كرد فعل طبيعي للفعل الإيراني فحسب، وإنما كنتيجة حتمية لهاجس الأمن ومتطلبات الردع المتبادل، الذي لم تعه واشنطن حتى الآن في مواجهاتها سواء مع إيران الدولة، أو إيران الثورة بأن قضية الربح والخسارة في جل التحديات والمواجهات السياسية الداخلية الإيرانية هي قضية نسبية، بل ولربما هامشية طالما أن كل الأطراف التي يسمح لها بالدخول في صميم عملية صناعة القرارات والسياسات الداخلية والحارجية الإيرانية هي من المنبع ذاته والمصدر والخلفية. فالجميع يهمه بالدرجة الأولى تحقيق والحفاظ على المصلحة العليا للدولة الإيرانية والشعب الإيراني.
ونظراً لأن النظام السياسي في إيران يتمتع بقدرات عجيبة على المناورة والمراوغة السياسية والأيديولوجية على كافة المستويات الداخلية والإقليمية والدولية، فقد تمكن من تفادي العديد من المخاطر والتحديات الدولية التي كانت تراهن على تفعيل سلبيات الداخل الإيراني لخدمة مصالحها وأهدافها. بل أثبت النظام الإيراني امتلاكه مهارة التدريب السياسي الميداني للرموز والكوادر والكفاءات القيادية والميدانية بداية من توزيع الأدوار والمهام على مختلف اللاعبين من الفريق ذاته (الذين يتقنون فنون اللعبة ومهاراتها)، ونهاية بمن لديهم القدرة على امتصاص الضغوط والهجمات العامة والخاصة أيا كانت مصادرها.
مركزية عقدية لا مركزية سياسية
لهذه الأسباب والمتغيرات أثبتت (اللامركزية السياسية) الإيرانية على مستوى رئيس الدولة من جهة، ومن جهة أخرى (منظومة المركزية السياسية المركزة) في رموز النظام المنوط بهم صيانة الدستور والنظام والدولة والشعب، أنها قادرة على استخدام مختلف أنواع الحراك القومي والتحركات السياسية العقدية، ناهيك عن التمويه السياسي المتطور للحفاظ على منجزات ثورة الدولة، وسياسات دولة الثورة الإيرانية.
بمعنى آخر أكثر دقة لا يوجد في النظام السياسي الإيراني من يمكن أن يصنف ضمن منظومة الإصلاحيين بالمنطق والمنظور الغربي، وإنما يمكن ذلك بالمنطق والمنظور الإيراني نظراً لكون جميع اللاعبين درسوا في مدرسة واحدة، وتتلمذوا على يد أستاذ واحد، وتلقوا علومهم ومعارفهم من مرجعية واحدة، وتخرجوا المدرسة ذاتها.
وبمنطق آخر أكثر صراحة، فإن الغاية السياسية في إيران كانت ولا تزال واحدة وهدفها واحد وإن اختلفت الوسائل الداخلية الإيرانية لتحقيقها. فليطلق العالم ما يشاء هل يمكن القول تبعا لذلك إن إيران اليوم تختلف تماماً عن إيران الأمس؟ وهل يمكن الاعتقاد بأن معتقدات وقيم إيران الثورة لن تعود إلى الساحة الداخلية الإيرانية أو الخارجية الدولية مرة أخرى لأنها باتت غير صالحة لا للزمان ولا للمكان، وبالطبع لا يمكن أن تستخدم لاستهلاك الإنسان؟ وهل حقاً إن العلاقات السياسية بين مختلف الأطياف والأحزاب والجماعات السياسية الإيرانية وصلت إلى مستوى مرحلة متقدمة من الاستقرار والثبات، لذلك لم تعد تتحرك كلية بتوجيهات الأيديولوجيا المتطرفة أو حتى المتشددة بقدر ما تحركها أيديولوجيا المصالح وإبستمولوجيا الأهداف القومية الإيرانية؟
تلك الأسئلة مهمة لصناعة سياسة خارجية خليجية أو عربية حيال إيران، بيد أن أهم ما يمكن أن توظفه تلك الأسئلة هو تحريك مقومات التحليلات السياسية العلمية التي تستنبط سياسات وتحركات تحقق أقصى منفعة ممكنة بأقل تكلفة ممكنة. فالرؤية السياسية التحليلية تؤكد أن تطبيق الأدوات السياسية التحليلية الصحيحة لا تنتج عنها إلا الرؤية السياسية الصحيحة، وبالتالي القرارات السياسية الصحيحة.
ولا شك أن الواقعية السياسية أثبتت فاعليتها وصحتها وجدارتها بل ومصداقيتها أمام هشاشة المثالية السياسية سواء في شكلها الدياليكتيكي أو في جانبها الأخلاقي الذي يعتمد على أخلاقيات الإنسان التي تختلف تماماً عن أخلاقيات الدول وبالتحديد أخلاقيات السياسة الدولية. لذا يمكن القول إن حركة الإصلاح في إيران ما هي إلا نتاج لوجود إرادة الإصلاح السياسية الإيرانية ومن أعالي القمة السياسية، وبالتالي لا تحتاج تلك الحركة القومية الحتمية (التي لا مناص من تفعيلها بحكم الواقع والجغرافيا والمصالح) إلى وجود فئوية إنسانية معتدلة أو محافظة أو متشددة، وإن كانت بالفعل نتائج الإصلاح تختلف تماماً من فئة إلى أخرى.
من هنا فإن وحدة الاستراتيجية القومية الإيرانية العليا بجانبيها الأمني والسياسي يشترك في الإيمان بها كل الأطراف والفئات الإيرانية القيادية التي تتقارب إلى حد كبير في المعتقد السياسي والأيديولوجي الرئيسي الذي تمخض عن أحداث الثورة الإيرانية. وبناء عليه، فإن الخلاف أو الاختلاف في الوسيلة لا يعني الاختلاف أو الخلاف على الغاية مادامت هذه الغاية واحدة ومادام الصراع في حيثيات الفروع لن يؤثر إطلاقاً في ثوابت الأصول.
الدور التركي ومتطلبات توازن القوة في المنطقة
منذ أن دخل الأتراك معمعة السياسة العربية الإسلامية في العهد العباسي وتحديداً في عهد المعتصم بالله، وهم في حالات من التوازن العقدي والمذهبي وفي عمليات متواصلة من الكر والفر السياسي والعسكري مع الفرس الذين ظهر شأنهم وعلت مكانتهم في عهد الخليفة المأمون بالله.
هذا ما حدث من تطور كبير في التاريخ السياسي الإسلامي بعد أن قتل الخليفة العربي قلباً وقالباً محمد الأمين على يد قادة جيش عبدالله المأمون من الفرس الذين ارتأوا إنهاء النفوذ العربي في الدولة العباسية وجيروه لأنفسهم، فنكبة البرامكة تلتها نكبات للفرس لم يضع حداً لها إلا الخليفة المأمون الذي عاد فقربهم وقوى من شوكتهم.
وتواصل الصراع الثلاثي المحاور (التركي الفارسي، والفارسي العربي، والتركي العربي) منذ انهيار الدولة العباسية وحتى ظهور الدولة العثمانية، حيث سقطت كل الأقطار العربية أمام جيوش الدولة العثمانية، فيما استعصت على الفاتحين الأتراك الدولة الفارسية (الصفوية). بيد أن الجيوش العثمانية واصلت شن الحروب على الفرس لكن من دون نتائج إيجابية تذكر، لكنهم تمكنوا من وقف انتشار النفوذ الفارسي بشكل ملحوظ وملموس في المنطقة.
الحرب العالمية الأولى كان لها الدور البارز في تعطيل ومن ثم انحسار النفوذ التركي من المنطقة بعد أن دخل العرب في صراع مباشر مع الدولة العثمانية من أجل الحصول على استقلالهم منها. صحيح أن قضية الخوض في الأسباب والدوافع وغيرها غير مناسبة ولا نافعة في هذا المقال، بيد أنه من الضروري الإشارة إلى أن الخروج التركي من المنطقة وتعلق تركيا بالغرب وسعيها اللاهث للانضمام إلى المنظومة الأوروبية العسكرية ومن ثم الانخراط في منظومة الاتحاد الأوروبي السياسية، أطلقت العنان بالكامل للأطماع والنفوذ الإيراني في المنطقة برمتها.
وكان لا بد أن يسعى العرب للتعويض، ولملء الفراغ التركي، لمنع انتشار النفوذ الفارسي بأي طريقة كانت سواء بالتحالفات (الأحلاف العسكرية) أو الأحلاف السياسية على المستوى العربي (جامعة الدول العربية) أو حتى التحالفات الثنائية على المستوى الدولي. إذ كان من الأهمية بمكان تطويق النفوذ الإيراني بحزام عقدي سني عربي وغير عربي يبدأ من باكستان وأفغانستان ثم العراق وينتهي في تركيا التي وقفت على الحياد في العقود الماضية، بل تحيزت ضد العرب في بعض المواقف المتعلقة بالقضية الفلسطينية والعلاقات الثنائية مع إسرائيل.
بيد أن التغيرات السياسية التي حدثت في العلاقات الدولية والإقليمية بعد أحداث 11 سبتمبر 2001 من جهة، ومن جهة أخرى لعبت التغيرات السياسية في الداخل التركي بعد فوز التيار الإسلامي المحافظ في الانتخابات الماضية دورها المباشر (بالإضافة إلى فشل تركيا في الدخول إلى الاتحاد الأوروبي والضغوط التي تمارس ضدها في ما يتعلق بالجانب التركي من الدولة القبرصية) في حدوث تحول إيجابي ملموس في السياسة التركية الخارجية تجاه الدول العربية، ناهيك عما أفضى إليه ذلك التطور من تغير ملحوظ في السياسة التركية الخارجية تجاه إيران.
نعم لقد أدركت تركيا أنها مهددة بمخاطر التقنية النووية الإيرانية تماماً كجيرانها وجيران إيران العرب، واقتنعت بأن توصل إيران إلى امتلاك تقنية نووية يعني انتشاراً للنفوذ الإيراني في المنطقة، ويعني أيضاً ممارسة ضغوط مباشرة وغير مباشرة على تركيا والمصالح التركية في المنطقة التي لا يمكن التغاضي عنها أكثر مما وقع من تغاض في الماضي.
تركيا تدرك أيضاً أن إيران كانت ولا تزال تقف على الحافة الإقليمية من جهة، ومن جهة أخرى تتعلق بأوداج منظومة الجرف الدولي، كما تدرك تماماً مخاطر السباق على التقنية النووية خاصة من دولة مثل إيران. ومن جانبها تستوعب طهران مخاطر عودة تركيا إلى الساحة السياسية والعسكرية الإقليمية خصوصاً في ما يتعلق بالجوانب النووية والجوانب السياسية والأمنية وما يترتب على ذلك من مخاطر على الأمن القومي الإيراني.
تركيا بدورها تدرك تماماً أن القومية الإيرانية بمرجعيتها العقائدية الدينية التي جاءت في زمن معين بالتحديد (زمن الدولة الصفوية) مدعومة بعوامل الجغرافيا وتم تشجيعها من قبل بعض القوى الدولية في ذاك الوقت خاصة روسيا القيصرية التي أرادت أن تضع جداراً فاصلاً ومانعاً عقائدياً مذهبياً يحول بين جمهورياتها الإسلامية في آسيا الوسطى وبين الدول الإسلامية الأخرى في المنطقة العربية. ومن جانبها قبلت إيران لعب الدور الإقليمي الذي رسمته لها موسكو لا سيما أنها كانت مهددة بالوجود التركي العثماني على مدى التاريخ، ووجدت في الغزل السوفييتي وسيلة لتحقيق التوازن مع تركيا.
لكن بعد انحسار الدور السوفييتي وتحرر جمهوريات آسيا الوسطى من الهيمنة السوفييتية وظهور مخاطر الدور الإيراني في تلك المنطقة، كان لا مناص ولا مهرب من عودة الدور التركي إلى الساحة السياسية والعسكرية لتحقيق التوازن (الباريتي) مع إيران من جهة، ولحماية مصالحها الإقليمية تجاه الشرق والجنوب من جهة أخرى.
إن التوازن السياسي والعسكري في المنطقة كان ولا يزال في طليعة أهداف ومصالح الجميع، كما أن سياسة الردع المتبادل كانت ولا تزال الوسيلة الأنجع لمنع اندلاع الحروب، لهذا يصعب أن تسمح أي من دول المنطقة لدولة معينة أن تتفرد بالقوة حتى لا تقع فريسة لمنطق القوة ألذي لا يعرف الرحمة ولا الشفقة في العلاقات الإقليمية والدولية. فما الذي سيحدث مستقبلاً؟ وما هي أهم نتائج حركة السياسة التقنية في المنطقة؟ أسئلة مهمة بدأت إجاباتها تظهر بوضوح بعد أن بدأت الدول الرئيسية الثلاث في منطقة الشرق الأوسط (المملكة العربية السعودية، مصر وتركيا) تتحدث عن امتلاك تقنية نووية سلمية معلنةً عن دخولها في المسارات السابقة ذاتها التي دخلت فيها دول أخرى قبلها بداية بالهند ومروراً بباكستان ونهاية بإيران. إنها حركة السياسة والتاريخ التي لا يمكن أن تتوقف طالما كانت هناك أفعال وردود أفعال وسياسات متناقضة وأخرى متواجهة للدول هدف الجميع الحفاظ على الأمن والاستقرار الوطني أو القومي أو الإقليمي أو بالطبع الاستقرار والأمن الدولي.

::/fulltext::
::cck::2760::/cck::

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *