إيران والولايات المتحدة والاتجاه إلى نزاع آخر
::cck::2779::/cck::
::introtext::
قد يظن أحدنا أن منطقتي الشرق الأوسط والخليج قد شهدتا ما فيه الكفاية من الحروب والنـزاعات نظراً إلى كثرة ما وقع فيهما من أحداث. فالعراق لا يزال يشهد الكثير من الأحداث المرعبة، وهناك التهديد المستمر للإرهاب وأعمال العنف التي يشهدها كل من فلسطين ولبنان، يُضاف إلى ذلك المأزق الذي وصلت إليه عملية السلام في منطقة الشرق الأوسط.
::/introtext::
::fulltext::
قد يظن أحدنا أن منطقتي الشرق الأوسط والخليج قد شهدتا ما فيه الكفاية من الحروب والنـزاعات نظراً إلى كثرة ما وقع فيهما من أحداث. فالعراق لا يزال يشهد الكثير من الأحداث المرعبة، وهناك التهديد المستمر للإرهاب وأعمال العنف التي يشهدها كل من فلسطين ولبنان، يُضاف إلى ذلك المأزق الذي وصلت إليه عملية السلام في منطقة الشرق الأوسط.
ما من شك في أن شعوب المنطقة قد أنهكها التعب من كل ما يجري حولها وكأنه دوامة لا تنتهي من أعمال العنف وعدم الاستقرار التي قد تنتشر في أي وقت في المنطقة. وعلى الرغم من أن الواحد منا يظن أن الأمور لن تتعقد أكثر من ذلك، فإن إمكانية حدوث مواجهة عسكربة طاحنة بين الولايات المتحدة وإيران باتت وشيكة. فالتطورات الحالية لا تبعث على التفاؤل. كما أنه لم يعد هناك متسع من الوقت لتفادي حدوث ما قد يتحول الى كارثة كبيرة.
ومن الواضح أن الأحداث الأخيرة وما سبقها من تطورات خلال السنة الماضية، تنذر بتصاعد مستوى التوتر بين الدولتين. فمباشرة وبعد خطاب الرئيس بوش الخاص بسياسته في العراق، أشارت موجة التصريحات التي صدرت عن مسؤولين كبار في إدارة الرئيس بوش إلى أن الموقف الأمريكي سيكون أكثر صلابة في مواجهة الموقف الإيراني. وعدا عن حاملة الطائرات الثانية التي تم إرسالها إلى الخليج، عملت الولايات المتحدة على نشر صواريخ (باتريوت) وتجهيزات عسكرية أخرى في المنطقة. وتتزامن تلك التحضيرات مع تصريحات لوزيرة الخارجية الأمريكية كوندوليزا رايس تشير فيها إلى ضرورة مواجهة (التصرفات الإيرانية التي تزعزع الاستقرار في المنطقة)، وكذلك مع تصريحات لنائب الرئيس الأمريكي ديك تشيني، يشير فيها إلى التهديد المتزايد الذي تمثله إيران في المنطقة. وتواصل إيران بدورها تصعيد لهجتها الخطابية وتأكيد أنه لا يستطيع أحد ثنيها عن برنامجها النووي، محذرة في الوقت ذاته من أن أي إجراء مستقبلي ستتعامل معه على أساس أنه عمل عدواني موجه ضدها.
إذا أخذنا في الحسبان الخطط الاستراتيجية الحالية، فإن ما تقوم به كل من الولايات المتحدة وإيران يمثل عنصراً رئيسياً يساهم في تقرير مستقبل منطقة الخليج. غير أن ما لا يستطيع أي من الطرفين إدراكه هو أنه يتحمل مسؤولية واضحة ومؤكدة في الحفاظ على استقرار المنطقة، وأنه يضمن أن العلاقات الثنائية العدائية بينهما لن تؤدي إلى الإضرار بالدول الأخرى في المنطقة. وبدلاً من أن نرى كلاً من إيران والولايات المتحدة على قدر أكبر من المسؤولية، وتأخذان الأمور على محمل من الجد، فإن ما نراه هو أن كلاً منهما قد وضعت نصب عينيها معاداة الطرف الآخر، متجاهلة كلياً مخاوف وهواجس الدول والشعوب الأخرى في منطقة الخليج، ومتجاهلة أيضاً ما يمكن أن يصيب إمدادات النفط العالمية في حال نشوب حرب بينهما، ناهيك عما يمكن أن يؤدي إليه هذا النـزاع من مزيد من انتشار المجموعات الإرهابية، ومن إمكانية نشوب حرب تعم أرجاء الشرق الأوسط بالكامل. وإن المحاولات الحالية، التي تُبذَل لتشجيع دول مجلس التعاون الخليجي على الدخول كطرف في النـزاع، ما هي في الواقع إلا تصرفات أنانية.
لكن دول الخليج العربية كانت واضحة وصريحة جداً في التعبير عن قلقها ومخاوفها إزاء هذا الوضع المتدهور، ووجهت رسالة إلى الولايات المتحدة، مفادها أنه يجب عليها أن تقر في النهاية بفشل سياستها في العراق، وأنه يتعين عليها أن تعمل بجد لحل النـزاع العربي ـ الإسرائيلي. يُضاف إلى ذلك أنه وفي أوج الأزمة اللبنانية في صيف عام 2006، كان وزير خارجية المملكة العربية السعودية الأمير سعود الفيصل هو من ذهب إلى البيت الأبيض لحث الولايات المتحدة على وقف العدوان الإسرائيلي مقابل ممارسة ضغط عربي لكبح جماح حزب الله، لكن الولايات المتحدة، وبدلاً من قبولها للدعم العربي، رفضت مبادرة وزير الخارجية السعودي وأجهضتها. وأدت مثل هذه التصرفات إلى فقدان قادة دول الخليج العربية ثقتهم بقيام الولايات المتحدة بالتصرف المناسب والإجراء الصحيح.
وفي ما يخص إيران، فإن رسالة المنطقة إليها واضحة كذلك. فبدلاً من محاولاتها تنصيب نفسها كقوة رئيسية في الشرق الأوسط تتحدى الولايات المتحدة وتضعف هيمنتها، فإنه يتعين على إيران أن تبدأ جدياً في البحث عن حلول لمشكلات المنطقة المستعجلة، لكن إيران ولسوء الحظ، ترفض منح جاراتها الخليجية أي نوع من الثقة تتعلق بطموحاتها النهائية التي لا تُطلع عليها الآخرين في المنطقة. ولهذا، تنظر دول الخليج العربية إلى التصرفات الإيرانية على أنها وبكل بساطة استبدال لسلطة مستبدة بأخرى. وفي الوقت الذي كانت دول الخليج العربية تبحث فيه عن ضمانات معينة، كان الإيرانيون يتحدثون عن قدراتهم العسكرية وقدرتهم على إرسال آلاف المقاتلين الانتحاريين إلى الجانب الآخر من الخليج العربي رداً على أي حملة عسكرية أمريكية، وذلك في محاولة منهم لتخويف دول المنطقة على الأقل. ولا عجب إذن أن تواصل دول الخليج العربية طلبها الاعتماد على الحماية الأمريكية لكونها ترى أن محاولات (تصدير الثورة) ما هي في الواقع إلا تهديد حقيقي لوجودها.
ولكن إذا كانت الأمور ليست على هذا المستوى من الخطورة بين الولايات المتحدة وإيران، فإنه يتوجب على كل منهما تحاشي الآخر إلى أن تهدأ الأمور بينهما. فحقيقة الأمر أن كلاً منهما تحتاج إلى التنبه لخطورة عواقب وتبعات ما يمكن أن ينجم عن أي حرب قد تنشب بينهما. وما لا تستطيع الولايات المتحدة أن تدركه هو أن سياساتها وتصريحات مسؤوليها أدت دوراً مباشراً لصالح حكومة الرئيس الإيراني أحمدي نجاد، فمكّنته من تعزيز نظامه الذي كان ضعيفاً وغير مؤثر في الأصل. فإيران تواجه الكثير من المشكلات الاقتصادية والاجتماعية العميقة التي يصعب على الحكومة الحالية إيجاد حلول لها. ومع ذلك، تم انتخاب الرئيس محمود أحمدي نجاد على أمل أن يتمكن من تحسين الأوضاع المعيشية للناس، ويعمل على توزيع عائدات الثروة النفطية بطريقة أكثر عدلاً،
لكنه وفي محاولة منه للتغطية على فشله في ذلك بدأ العمل على الصعيد الشعبي باذلاً جهوده لحشد تأييد الجماهير الإيرانية حول قضايا رئيسية تحظى على الأقل بحد أدنى من إجماع الشعب الإيراني، ومن هذه القضايا حق إيران في متابعة برنامجها النووي بالطبع، وحقها في قبولها كقوة إقليمية، بالإضافة إلى معارضتها لسياسات إسرائيل. وفي هذا السياق، فإن التصريحات الأمريكية حول أي عمل عسكري محتمل ضد إيران وضرورة إحداث تغيير في النهج الإيراني لم تؤدِّ في الحقيقة إلا إلى نتيجة عكسية. فبدلاً من أن تؤدي إلى إضعاف النظام المكروه من قبل الشعب أصلاً، عملت على تعزيزه ودعمه. فما هو السبب، إذن في عدم توقع قيام حكومة أحمدي نجاد بأي تغييرات في السياسة الإيرانية؟ إن الإيرانيين ولا شك ينظرون إلى إخفاق الولايات المتحدة في العراق، فيشعرون بأن سياساتهم صائبة وتؤدي غرضها.
وفي حال كانت الولايات المتحدة جادة في التعامل مع السياسات الإيرانية المختلفة، فإنه يتعين عليها أن تدرك أن الحافز إلى التغيير يجب أن يأتي من الداخل. لهذا، يجب أن تشتمل أي استراتيجية ناجحة على رسائل إيجابية النية والمضمون موجهة مباشرة إلى الشعب الإيراني، الذي سيكون في نهاية الأمر هو من يمارس الضغط المطلوب على زعماء بلاده. فأعمار ما يقرب من 60 في المائة من الشعب الإيراني دون الرابعة والعشرين، وهناك واحد من بين كل خمسة إيرانيين، ممن تتراوح أعمارهم بين خمس عشرة وأربع وعشرين سنة، هو عاطل عن العمل. وإذا كان هناك من شيء واحد يخشاه النظام الحالي في إيران، فهو شعبه. ولتعبئة أفراد هذا الشعب، فإن المطلوب هو رسالة يلتفون حولها، أي رؤية تستحق الدفاع عنها. وهنا يأتي دور الولايات المتحدة لتقوم بذلك.
وبالمنطق نفسه، يتعين على طهران أن تدرك أخيراً أن الأمور إذا وصلت إلى ذروتها، ووقع الخيار بين الحصول على قنبلة نووية إيرانية وضربة عسكرية أمريكية، فإنه ليس أمام دول الخليج العربية من خيار سوى دعم الولايات المتحدة. فهذه الدول لا تقبل العيش في ظل تهديد قنبلة نووية إيرانية. وإذا كانت إيران تريد أن تحدّ من التأثير الأمريكي، فإنه يتوجب عليها أن تبدأ العمل مع جاراتها من دول مجلس التعاون الخليجي في إطار شراكة حقيقية مع تقديم الضمانات الضرورية. ويجب على إيران أيضاً أن تستجيب للنداء الذي وجهته قمة دول مجلس التعاون الخليجي في ديسمبر الماضي (للالتزام بالمستويات الدولية من الأمن والسلامة) في برنامجها النووي و(أخذ الاعتبارات البيئية لهذه القضية في الحسبان، بالتعاون مع الوكالة الدولية للطاقة الذرية). كما يتوجب عليها أن تتوقف عن الإشارة إلى خلافها مع دولة الإمارات العربية المتحدة حول جزر أبو موسى وطنب الصغرى وطنب الكبرى على أنه (سوء فهم)، والموافقة في النهاية على ما تحكم به محكمة العدل الدولية في هذا الشأن. وسيكون لمثل هذه الخطوات، وخاصة في ظل انعدام ثقة دول مجلس التعاون الخليجي بسياسات إدارة الرئيس بوش تأثير أكبر من لهجة التهديد والدوافع السلبية. وسيكون أيضاً لمجريات الأحداث في الخليج، في حال استمرارها على هذا النسق، عواقب ونتائج مدمرة، ليس على المنطقة فحسب، بل على الأسرة الدولية عموماً. وإذا لم تتدخل دول المنطقة والدول الرئيسية في كل من أوروبا وآسيا الآن، فتبدأ بالتنبيه للخطر المحدق ومواجهة كل من الولايات المتحدة وإيران في سياساتهما غير المبالية، فإن العالم سيجد نفسه غارقاً في مستنقع آخر شبيه بالعراق. ولا شك في أننا نلمس عواقب تلك المغامرة كل يوم.
::/fulltext::
|
Getting your Trinity Audio player ready...
|
::cck::2779::/cck::
::introtext::
قد يظن أحدنا أن منطقتي الشرق الأوسط والخليج قد شهدتا ما فيه الكفاية من الحروب والنـزاعات نظراً إلى كثرة ما وقع فيهما من أحداث. فالعراق لا يزال يشهد الكثير من الأحداث المرعبة، وهناك التهديد المستمر للإرهاب وأعمال العنف التي يشهدها كل من فلسطين ولبنان، يُضاف إلى ذلك المأزق الذي وصلت إليه عملية السلام في منطقة الشرق الأوسط.
::/introtext::
::fulltext::
قد يظن أحدنا أن منطقتي الشرق الأوسط والخليج قد شهدتا ما فيه الكفاية من الحروب والنـزاعات نظراً إلى كثرة ما وقع فيهما من أحداث. فالعراق لا يزال يشهد الكثير من الأحداث المرعبة، وهناك التهديد المستمر للإرهاب وأعمال العنف التي يشهدها كل من فلسطين ولبنان، يُضاف إلى ذلك المأزق الذي وصلت إليه عملية السلام في منطقة الشرق الأوسط.
ما من شك في أن شعوب المنطقة قد أنهكها التعب من كل ما يجري حولها وكأنه دوامة لا تنتهي من أعمال العنف وعدم الاستقرار التي قد تنتشر في أي وقت في المنطقة. وعلى الرغم من أن الواحد منا يظن أن الأمور لن تتعقد أكثر من ذلك، فإن إمكانية حدوث مواجهة عسكربة طاحنة بين الولايات المتحدة وإيران باتت وشيكة. فالتطورات الحالية لا تبعث على التفاؤل. كما أنه لم يعد هناك متسع من الوقت لتفادي حدوث ما قد يتحول الى كارثة كبيرة.
ومن الواضح أن الأحداث الأخيرة وما سبقها من تطورات خلال السنة الماضية، تنذر بتصاعد مستوى التوتر بين الدولتين. فمباشرة وبعد خطاب الرئيس بوش الخاص بسياسته في العراق، أشارت موجة التصريحات التي صدرت عن مسؤولين كبار في إدارة الرئيس بوش إلى أن الموقف الأمريكي سيكون أكثر صلابة في مواجهة الموقف الإيراني. وعدا عن حاملة الطائرات الثانية التي تم إرسالها إلى الخليج، عملت الولايات المتحدة على نشر صواريخ (باتريوت) وتجهيزات عسكرية أخرى في المنطقة. وتتزامن تلك التحضيرات مع تصريحات لوزيرة الخارجية الأمريكية كوندوليزا رايس تشير فيها إلى ضرورة مواجهة (التصرفات الإيرانية التي تزعزع الاستقرار في المنطقة)، وكذلك مع تصريحات لنائب الرئيس الأمريكي ديك تشيني، يشير فيها إلى التهديد المتزايد الذي تمثله إيران في المنطقة. وتواصل إيران بدورها تصعيد لهجتها الخطابية وتأكيد أنه لا يستطيع أحد ثنيها عن برنامجها النووي، محذرة في الوقت ذاته من أن أي إجراء مستقبلي ستتعامل معه على أساس أنه عمل عدواني موجه ضدها.
إذا أخذنا في الحسبان الخطط الاستراتيجية الحالية، فإن ما تقوم به كل من الولايات المتحدة وإيران يمثل عنصراً رئيسياً يساهم في تقرير مستقبل منطقة الخليج. غير أن ما لا يستطيع أي من الطرفين إدراكه هو أنه يتحمل مسؤولية واضحة ومؤكدة في الحفاظ على استقرار المنطقة، وأنه يضمن أن العلاقات الثنائية العدائية بينهما لن تؤدي إلى الإضرار بالدول الأخرى في المنطقة. وبدلاً من أن نرى كلاً من إيران والولايات المتحدة على قدر أكبر من المسؤولية، وتأخذان الأمور على محمل من الجد، فإن ما نراه هو أن كلاً منهما قد وضعت نصب عينيها معاداة الطرف الآخر، متجاهلة كلياً مخاوف وهواجس الدول والشعوب الأخرى في منطقة الخليج، ومتجاهلة أيضاً ما يمكن أن يصيب إمدادات النفط العالمية في حال نشوب حرب بينهما، ناهيك عما يمكن أن يؤدي إليه هذا النـزاع من مزيد من انتشار المجموعات الإرهابية، ومن إمكانية نشوب حرب تعم أرجاء الشرق الأوسط بالكامل. وإن المحاولات الحالية، التي تُبذَل لتشجيع دول مجلس التعاون الخليجي على الدخول كطرف في النـزاع، ما هي في الواقع إلا تصرفات أنانية.
لكن دول الخليج العربية كانت واضحة وصريحة جداً في التعبير عن قلقها ومخاوفها إزاء هذا الوضع المتدهور، ووجهت رسالة إلى الولايات المتحدة، مفادها أنه يجب عليها أن تقر في النهاية بفشل سياستها في العراق، وأنه يتعين عليها أن تعمل بجد لحل النـزاع العربي ـ الإسرائيلي. يُضاف إلى ذلك أنه وفي أوج الأزمة اللبنانية في صيف عام 2006، كان وزير خارجية المملكة العربية السعودية الأمير سعود الفيصل هو من ذهب إلى البيت الأبيض لحث الولايات المتحدة على وقف العدوان الإسرائيلي مقابل ممارسة ضغط عربي لكبح جماح حزب الله، لكن الولايات المتحدة، وبدلاً من قبولها للدعم العربي، رفضت مبادرة وزير الخارجية السعودي وأجهضتها. وأدت مثل هذه التصرفات إلى فقدان قادة دول الخليج العربية ثقتهم بقيام الولايات المتحدة بالتصرف المناسب والإجراء الصحيح.
وفي ما يخص إيران، فإن رسالة المنطقة إليها واضحة كذلك. فبدلاً من محاولاتها تنصيب نفسها كقوة رئيسية في الشرق الأوسط تتحدى الولايات المتحدة وتضعف هيمنتها، فإنه يتعين على إيران أن تبدأ جدياً في البحث عن حلول لمشكلات المنطقة المستعجلة، لكن إيران ولسوء الحظ، ترفض منح جاراتها الخليجية أي نوع من الثقة تتعلق بطموحاتها النهائية التي لا تُطلع عليها الآخرين في المنطقة. ولهذا، تنظر دول الخليج العربية إلى التصرفات الإيرانية على أنها وبكل بساطة استبدال لسلطة مستبدة بأخرى. وفي الوقت الذي كانت دول الخليج العربية تبحث فيه عن ضمانات معينة، كان الإيرانيون يتحدثون عن قدراتهم العسكرية وقدرتهم على إرسال آلاف المقاتلين الانتحاريين إلى الجانب الآخر من الخليج العربي رداً على أي حملة عسكرية أمريكية، وذلك في محاولة منهم لتخويف دول المنطقة على الأقل. ولا عجب إذن أن تواصل دول الخليج العربية طلبها الاعتماد على الحماية الأمريكية لكونها ترى أن محاولات (تصدير الثورة) ما هي في الواقع إلا تهديد حقيقي لوجودها.
ولكن إذا كانت الأمور ليست على هذا المستوى من الخطورة بين الولايات المتحدة وإيران، فإنه يتوجب على كل منهما تحاشي الآخر إلى أن تهدأ الأمور بينهما. فحقيقة الأمر أن كلاً منهما تحتاج إلى التنبه لخطورة عواقب وتبعات ما يمكن أن ينجم عن أي حرب قد تنشب بينهما. وما لا تستطيع الولايات المتحدة أن تدركه هو أن سياساتها وتصريحات مسؤوليها أدت دوراً مباشراً لصالح حكومة الرئيس الإيراني أحمدي نجاد، فمكّنته من تعزيز نظامه الذي كان ضعيفاً وغير مؤثر في الأصل. فإيران تواجه الكثير من المشكلات الاقتصادية والاجتماعية العميقة التي يصعب على الحكومة الحالية إيجاد حلول لها. ومع ذلك، تم انتخاب الرئيس محمود أحمدي نجاد على أمل أن يتمكن من تحسين الأوضاع المعيشية للناس، ويعمل على توزيع عائدات الثروة النفطية بطريقة أكثر عدلاً،
لكنه وفي محاولة منه للتغطية على فشله في ذلك بدأ العمل على الصعيد الشعبي باذلاً جهوده لحشد تأييد الجماهير الإيرانية حول قضايا رئيسية تحظى على الأقل بحد أدنى من إجماع الشعب الإيراني، ومن هذه القضايا حق إيران في متابعة برنامجها النووي بالطبع، وحقها في قبولها كقوة إقليمية، بالإضافة إلى معارضتها لسياسات إسرائيل. وفي هذا السياق، فإن التصريحات الأمريكية حول أي عمل عسكري محتمل ضد إيران وضرورة إحداث تغيير في النهج الإيراني لم تؤدِّ في الحقيقة إلا إلى نتيجة عكسية. فبدلاً من أن تؤدي إلى إضعاف النظام المكروه من قبل الشعب أصلاً، عملت على تعزيزه ودعمه. فما هو السبب، إذن في عدم توقع قيام حكومة أحمدي نجاد بأي تغييرات في السياسة الإيرانية؟ إن الإيرانيين ولا شك ينظرون إلى إخفاق الولايات المتحدة في العراق، فيشعرون بأن سياساتهم صائبة وتؤدي غرضها.
وفي حال كانت الولايات المتحدة جادة في التعامل مع السياسات الإيرانية المختلفة، فإنه يتعين عليها أن تدرك أن الحافز إلى التغيير يجب أن يأتي من الداخل. لهذا، يجب أن تشتمل أي استراتيجية ناجحة على رسائل إيجابية النية والمضمون موجهة مباشرة إلى الشعب الإيراني، الذي سيكون في نهاية الأمر هو من يمارس الضغط المطلوب على زعماء بلاده. فأعمار ما يقرب من 60 في المائة من الشعب الإيراني دون الرابعة والعشرين، وهناك واحد من بين كل خمسة إيرانيين، ممن تتراوح أعمارهم بين خمس عشرة وأربع وعشرين سنة، هو عاطل عن العمل. وإذا كان هناك من شيء واحد يخشاه النظام الحالي في إيران، فهو شعبه. ولتعبئة أفراد هذا الشعب، فإن المطلوب هو رسالة يلتفون حولها، أي رؤية تستحق الدفاع عنها. وهنا يأتي دور الولايات المتحدة لتقوم بذلك.
وبالمنطق نفسه، يتعين على طهران أن تدرك أخيراً أن الأمور إذا وصلت إلى ذروتها، ووقع الخيار بين الحصول على قنبلة نووية إيرانية وضربة عسكرية أمريكية، فإنه ليس أمام دول الخليج العربية من خيار سوى دعم الولايات المتحدة. فهذه الدول لا تقبل العيش في ظل تهديد قنبلة نووية إيرانية. وإذا كانت إيران تريد أن تحدّ من التأثير الأمريكي، فإنه يتوجب عليها أن تبدأ العمل مع جاراتها من دول مجلس التعاون الخليجي في إطار شراكة حقيقية مع تقديم الضمانات الضرورية. ويجب على إيران أيضاً أن تستجيب للنداء الذي وجهته قمة دول مجلس التعاون الخليجي في ديسمبر الماضي (للالتزام بالمستويات الدولية من الأمن والسلامة) في برنامجها النووي و(أخذ الاعتبارات البيئية لهذه القضية في الحسبان، بالتعاون مع الوكالة الدولية للطاقة الذرية). كما يتوجب عليها أن تتوقف عن الإشارة إلى خلافها مع دولة الإمارات العربية المتحدة حول جزر أبو موسى وطنب الصغرى وطنب الكبرى على أنه (سوء فهم)، والموافقة في النهاية على ما تحكم به محكمة العدل الدولية في هذا الشأن. وسيكون لمثل هذه الخطوات، وخاصة في ظل انعدام ثقة دول مجلس التعاون الخليجي بسياسات إدارة الرئيس بوش تأثير أكبر من لهجة التهديد والدوافع السلبية. وسيكون أيضاً لمجريات الأحداث في الخليج، في حال استمرارها على هذا النسق، عواقب ونتائج مدمرة، ليس على المنطقة فحسب، بل على الأسرة الدولية عموماً. وإذا لم تتدخل دول المنطقة والدول الرئيسية في كل من أوروبا وآسيا الآن، فتبدأ بالتنبيه للخطر المحدق ومواجهة كل من الولايات المتحدة وإيران في سياساتهما غير المبالية، فإن العالم سيجد نفسه غارقاً في مستنقع آخر شبيه بالعراق. ولا شك في أننا نلمس عواقب تلك المغامرة كل يوم.
::/fulltext::
::cck::2779::/cck::
