الإصلاح السياسي في دول الخليج.. رؤية أوروبية
::cck::2786::/cck::
::introtext::
تعكس مراكز البحوث والدراسات الاستراتيجية في أوروبا من حين إلى آخر مستوى اهتمام الدوائر السياسية في بلدانها برصد تطورات الأوضاع في منطقة الخليج وحرصها على استشراف ما آلت الأمور في بلدانها. وفي هذا السياق تأتي الدراسة التي نشرتها قبل نحو شهرين مؤسسة العلاقات الدولية والحوار الخارجي، التي يوجد مقرها في العاصمة الإسبانية مدريد، وحملت عنوان (التغيير السياسي في دول الخليج: هل هناك ما هو أكثر من إصلاح سطحي؟).
::/introtext::
::fulltext::
تعكس مراكز البحوث والدراسات الاستراتيجية في أوروبا من حين إلى آخر مستوى اهتمام الدوائر السياسية في بلدانها برصد تطورات الأوضاع في منطقة الخليج وحرصها على استشراف ما آلت الأمور في بلدانها. وفي هذا السياق تأتي الدراسة التي نشرتها قبل نحو شهرين مؤسسة العلاقات الدولية والحوار الخارجي، التي يوجد مقرها في العاصمة الإسبانية مدريد، وحملت عنوان (التغيير السياسي في دول الخليج: هل هناك ما هو أكثر من إصلاح سطحي؟).
تنطلق الدراسة من ملاحظة تزايد اهتمام السياسة الخارجية الأوروبية ببلدان مجلس التعاون الخليجي التي باتت تمثل محوراً لسياسة الاتحاد الأوروبي في مجال تأمين الطاقة وللحرب الأوروبية ضد الإرهاب، فضلاً عن مركزيتها في برنامج حلف شمالي الأطلسي الجديد المتعلق بالتعاون حول سياسات الدفاع. ومن ثم تعتبر الدراسة أنه من الضروري ـ في ضوء تجدد الزعامات وتتابع الاستحقاقات الانتخابية في أغلب دول الخليج ـ أن يتوصل صناع السياسة الخارجية الأوروبية إلى موقف مشترك بشأن تقدير مدى التحول السياسي الذي تعرفه المنطقة والصيغة التي يرجح أن يأخذها، لا سيما أن بلدان الخليج ـ رغم العوائق التي لا تزال تعترض سبيل الإصلاح ـ أظهرت أنها أقل جموداً وأكثر تعقيداً مما كان يتصور.
وبغض النظر عن اختلاف وجهات النظر حول عوامل نشوء وتوطيد سلطة أنظمة الحكم القائمة في بلدان المنطقة، فإن ثمة إجماعاً على ضعف المطالب الشعبية المتعلقة بالتغيير. هذا الميل إلى القناعة باليسير في المجال السياسي لدى مجتمعات المنطقة ـ وهو ميل أسهمت في تكريسه حالة الرخاء التي ترتبت على الطابع الريعي لاقتصاديات هذه البلدان، الأمر الذي أتاح للعائلات المالكة إمكانية التعويض عن غياب التمثيل السياسي بالتوزيع السخي لعائدات النفط والغاز وإغداقها على السكان بدل إرهاقهم بالضرائب ـ يدعو البعض إلى الاعتقاد بانتفاء دواعي القلق لدى أنظمة الخليج من أن تؤدي بعض الإصلاحات السياسية المتواضعة إلى الإطاحة بها.
ورغم أنه منذ عقد التسعينات بدأ هذا العقد الاجتماعي يفقد بعض فاعليته بسبب تراجع أسعار النفط وازدياد معدلات البطالة، إلا أن ارتفاع نبرة المطالب الداخلية بالإصلاح وتزايد الضغوط الخارجية لم تؤد بأي حال إلى أن تصل الأمور حد الدعوة إلى إسقاط أو زعزعة استقرار الأنظمة القائمة في المنطقة، بل تركزت المطالب الداخلية والخارجية على رفع مستوى محاسبة الحكومات على أدائها وتحقيق المزيد من المشاركة السياسية للمواطنين.
عملياً، جاءت كل الإصلاحات حتى الآن بمبادرة من السلطة، واتجهت في الغالب إلى إحداث قدر من الانفتاح السياسي أكثر من اهتمامها بإدخال الديمقراطية فعلاً. والواقع أن الاطمئنان إلى ضعف احتمال تسبب الإصلاحات في إحداث تغييرات جذرية على مستوى النظم هو ما يشجع حكام الخليج على الشروع بإنجاز هذه الإصلاحات.
وإذا كان الإصلاح السياسي لا يزال يقتصر على إنشاء مجالس استشارية منتخبة جزئياً وفتح المجال العمومي بشكل حذر أمام الخطاب السياسي، فإن تزايد مظاهر الاحتجاج والتعددية يدفعان إلى التساؤل عما إذا كان الإصلاح قد بدأ يتجاوز، على الأقل في بعض البلدان، طوّر الإجراءات التجميلية البحتة.
وبعد استعراض مستفيض لواقع الأوضاع واتجاهات التطور في دول مجلس التعاون الخليجي الست كل على حدة، توصلت الدراسة إلى الخلاصات التالية:
* لقد شرعت كل دول الخليج بإدخال إصلاحات سمحت بتوسيع المشاركة السياسية ضمن حدود معينة، لكن الصلاحيات التشريعية للهيئات المنتخبة لا تزال ضعيفة وتخضع لقيود عديدة.
* تختلف الوثيقة مع من يذهبون إلى أن الأسعار المرتفعة للبترول أعاقت وستعيق في المستقبل القريب جهود الإصلاح السياسي، مشيرة إلى أن المسارات الانتخابية المهمة التي عرفتها بلدان المنطقة مؤخراً تزامنت مع ارتفاع قياسي لأسعار النفط.
* قد يكون للإصلاحات الاقتصادية تأثير حاسم في مسار التحول السياسي؛ حيث من شأن التزامات دول الخليج اتجاه شركائها التجاريين أن تدفعها إلى تكريس بعض المعايير والقواعد المعتمدة دولياً في مجال الحكم والتنظيم.
* القطاعات الاجتماعية التي يقع عليها تقليدياً عبء الدفع بالإصلاحات إلى الأمام تمتاز في هذه البلدان بأنها إما ضعيفة ومحدودة التأثير جداً أو أنها ترتبط بمصالح مع العائلات الحاكمة. لذلك فليس من المتوقع أن تسعى الطبقة الوسطى ـ التي تعتمد بشكل أساسي على الدولة ـ إلى تغيير الأوضاع القائمة ما دام الحكام يؤمنون لها امتيازاتها. من جهة أخرى، لا توجد حتى الآن طبقة عاملة منظمة تطالب بالتغيير، وإن كان ارتفاع معدلات البطالة قد يمثل في المستقبل عنصر تعبئة وعامل احتجاج.
* رغم أن أغلب الإصلاحات جاءت من هرم السلطة، فإن ضغوط المعارضة تلعب دوراً تتزايد أهميته باطراد، لكن المعارضة لا تزال ضعيفة عموماً ومنقسمة على نفسها، وليس من المؤكد أن تنسيقاً فعالاً بين المعارضة الليبرالية والإسلاميين المعتدلين، الذين يستأثرون بالنصيب الأوفر من الدعم الشعبي، مثل ذلك التنسيق الذي حصل بمناسبة الانتخابات الأخيرة في الكويت، سيتحقق على نحو يضمن تأثيراً أكبر للمعارضة في مجريات الإصلاح السياسي.
* تلعب الضغوط الخارجية ـ بما فيها تأثير تطور نماذج للتجربة الديمقراطية في بلدان عربية ـ دوراً في دفع الإصلاحات، لكنها تبقى محدودة التأثير، ويمكن دائماً الالتفاف إليها عبر إصلاح محدود أو سطحي يكون كافياً لإسكات الانتقادات. ومن ثم فإن الضغوط الداخلية هي وحدها الكفيلة بتعزيز الإصلاحات وتحصينها، لاسيما أن السياق الراهن الذي تطغى عليه مقتضيات الحرب ضد الإرهاب يضعف الضغوط الخارجية في سبيل الإصلاح، حيث تصاحبها في الوقت نفسه مطالب متناقضة باعتماد سياسات أمنية تؤدي في النهاية إلى نسف التوجهات نحو الانفتاح.
::/fulltext::
|
Getting your Trinity Audio player ready...
|
::cck::2786::/cck::
::introtext::
تعكس مراكز البحوث والدراسات الاستراتيجية في أوروبا من حين إلى آخر مستوى اهتمام الدوائر السياسية في بلدانها برصد تطورات الأوضاع في منطقة الخليج وحرصها على استشراف ما آلت الأمور في بلدانها. وفي هذا السياق تأتي الدراسة التي نشرتها قبل نحو شهرين مؤسسة العلاقات الدولية والحوار الخارجي، التي يوجد مقرها في العاصمة الإسبانية مدريد، وحملت عنوان (التغيير السياسي في دول الخليج: هل هناك ما هو أكثر من إصلاح سطحي؟).
::/introtext::
::fulltext::
تعكس مراكز البحوث والدراسات الاستراتيجية في أوروبا من حين إلى آخر مستوى اهتمام الدوائر السياسية في بلدانها برصد تطورات الأوضاع في منطقة الخليج وحرصها على استشراف ما آلت الأمور في بلدانها. وفي هذا السياق تأتي الدراسة التي نشرتها قبل نحو شهرين مؤسسة العلاقات الدولية والحوار الخارجي، التي يوجد مقرها في العاصمة الإسبانية مدريد، وحملت عنوان (التغيير السياسي في دول الخليج: هل هناك ما هو أكثر من إصلاح سطحي؟).
تنطلق الدراسة من ملاحظة تزايد اهتمام السياسة الخارجية الأوروبية ببلدان مجلس التعاون الخليجي التي باتت تمثل محوراً لسياسة الاتحاد الأوروبي في مجال تأمين الطاقة وللحرب الأوروبية ضد الإرهاب، فضلاً عن مركزيتها في برنامج حلف شمالي الأطلسي الجديد المتعلق بالتعاون حول سياسات الدفاع. ومن ثم تعتبر الدراسة أنه من الضروري ـ في ضوء تجدد الزعامات وتتابع الاستحقاقات الانتخابية في أغلب دول الخليج ـ أن يتوصل صناع السياسة الخارجية الأوروبية إلى موقف مشترك بشأن تقدير مدى التحول السياسي الذي تعرفه المنطقة والصيغة التي يرجح أن يأخذها، لا سيما أن بلدان الخليج ـ رغم العوائق التي لا تزال تعترض سبيل الإصلاح ـ أظهرت أنها أقل جموداً وأكثر تعقيداً مما كان يتصور.
وبغض النظر عن اختلاف وجهات النظر حول عوامل نشوء وتوطيد سلطة أنظمة الحكم القائمة في بلدان المنطقة، فإن ثمة إجماعاً على ضعف المطالب الشعبية المتعلقة بالتغيير. هذا الميل إلى القناعة باليسير في المجال السياسي لدى مجتمعات المنطقة ـ وهو ميل أسهمت في تكريسه حالة الرخاء التي ترتبت على الطابع الريعي لاقتصاديات هذه البلدان، الأمر الذي أتاح للعائلات المالكة إمكانية التعويض عن غياب التمثيل السياسي بالتوزيع السخي لعائدات النفط والغاز وإغداقها على السكان بدل إرهاقهم بالضرائب ـ يدعو البعض إلى الاعتقاد بانتفاء دواعي القلق لدى أنظمة الخليج من أن تؤدي بعض الإصلاحات السياسية المتواضعة إلى الإطاحة بها.
ورغم أنه منذ عقد التسعينات بدأ هذا العقد الاجتماعي يفقد بعض فاعليته بسبب تراجع أسعار النفط وازدياد معدلات البطالة، إلا أن ارتفاع نبرة المطالب الداخلية بالإصلاح وتزايد الضغوط الخارجية لم تؤد بأي حال إلى أن تصل الأمور حد الدعوة إلى إسقاط أو زعزعة استقرار الأنظمة القائمة في المنطقة، بل تركزت المطالب الداخلية والخارجية على رفع مستوى محاسبة الحكومات على أدائها وتحقيق المزيد من المشاركة السياسية للمواطنين.
عملياً، جاءت كل الإصلاحات حتى الآن بمبادرة من السلطة، واتجهت في الغالب إلى إحداث قدر من الانفتاح السياسي أكثر من اهتمامها بإدخال الديمقراطية فعلاً. والواقع أن الاطمئنان إلى ضعف احتمال تسبب الإصلاحات في إحداث تغييرات جذرية على مستوى النظم هو ما يشجع حكام الخليج على الشروع بإنجاز هذه الإصلاحات.
وإذا كان الإصلاح السياسي لا يزال يقتصر على إنشاء مجالس استشارية منتخبة جزئياً وفتح المجال العمومي بشكل حذر أمام الخطاب السياسي، فإن تزايد مظاهر الاحتجاج والتعددية يدفعان إلى التساؤل عما إذا كان الإصلاح قد بدأ يتجاوز، على الأقل في بعض البلدان، طوّر الإجراءات التجميلية البحتة.
وبعد استعراض مستفيض لواقع الأوضاع واتجاهات التطور في دول مجلس التعاون الخليجي الست كل على حدة، توصلت الدراسة إلى الخلاصات التالية:
* لقد شرعت كل دول الخليج بإدخال إصلاحات سمحت بتوسيع المشاركة السياسية ضمن حدود معينة، لكن الصلاحيات التشريعية للهيئات المنتخبة لا تزال ضعيفة وتخضع لقيود عديدة.
* تختلف الوثيقة مع من يذهبون إلى أن الأسعار المرتفعة للبترول أعاقت وستعيق في المستقبل القريب جهود الإصلاح السياسي، مشيرة إلى أن المسارات الانتخابية المهمة التي عرفتها بلدان المنطقة مؤخراً تزامنت مع ارتفاع قياسي لأسعار النفط.
* قد يكون للإصلاحات الاقتصادية تأثير حاسم في مسار التحول السياسي؛ حيث من شأن التزامات دول الخليج اتجاه شركائها التجاريين أن تدفعها إلى تكريس بعض المعايير والقواعد المعتمدة دولياً في مجال الحكم والتنظيم.
* القطاعات الاجتماعية التي يقع عليها تقليدياً عبء الدفع بالإصلاحات إلى الأمام تمتاز في هذه البلدان بأنها إما ضعيفة ومحدودة التأثير جداً أو أنها ترتبط بمصالح مع العائلات الحاكمة. لذلك فليس من المتوقع أن تسعى الطبقة الوسطى ـ التي تعتمد بشكل أساسي على الدولة ـ إلى تغيير الأوضاع القائمة ما دام الحكام يؤمنون لها امتيازاتها. من جهة أخرى، لا توجد حتى الآن طبقة عاملة منظمة تطالب بالتغيير، وإن كان ارتفاع معدلات البطالة قد يمثل في المستقبل عنصر تعبئة وعامل احتجاج.
* رغم أن أغلب الإصلاحات جاءت من هرم السلطة، فإن ضغوط المعارضة تلعب دوراً تتزايد أهميته باطراد، لكن المعارضة لا تزال ضعيفة عموماً ومنقسمة على نفسها، وليس من المؤكد أن تنسيقاً فعالاً بين المعارضة الليبرالية والإسلاميين المعتدلين، الذين يستأثرون بالنصيب الأوفر من الدعم الشعبي، مثل ذلك التنسيق الذي حصل بمناسبة الانتخابات الأخيرة في الكويت، سيتحقق على نحو يضمن تأثيراً أكبر للمعارضة في مجريات الإصلاح السياسي.
* تلعب الضغوط الخارجية ـ بما فيها تأثير تطور نماذج للتجربة الديمقراطية في بلدان عربية ـ دوراً في دفع الإصلاحات، لكنها تبقى محدودة التأثير، ويمكن دائماً الالتفاف إليها عبر إصلاح محدود أو سطحي يكون كافياً لإسكات الانتقادات. ومن ثم فإن الضغوط الداخلية هي وحدها الكفيلة بتعزيز الإصلاحات وتحصينها، لاسيما أن السياق الراهن الذي تطغى عليه مقتضيات الحرب ضد الإرهاب يضعف الضغوط الخارجية في سبيل الإصلاح، حيث تصاحبها في الوقت نفسه مطالب متناقضة باعتماد سياسات أمنية تؤدي في النهاية إلى نسف التوجهات نحو الانفتاح.
::/fulltext::
::cck::2786::/cck::
