بيئتنا الاستهلاكية مَنْ شكّلها؟

::cck::2791::/cck::
::introtext::

حافظ النظام الثقافي التقليدي للمجتمعات والأوطان على تميزه واستمراره وتماسكه ونمائه عبر تاريخ الحضارة الطويل، وتعمق بفضل وسائل الاتصال والتواصل المستخدمة فيها، وما كان لوسائل الاتصال التقليدية كالاتصال الشفاهي المباشر ثم الوسائل المطبوعة كالصحيفة والكتاب إلا أن تزيد وتنمي ذلك النظام نماء إيجابياً، ينفتح على الثقافات الأخرى ويأخذ منها ما هو جديد وإيجابي ومفيد يعزز احترام ثقافة الآخر وتقبلها، مع الحفاظ على الذات الثقافية للأصل. 

::/introtext::
::fulltext::

حافظ النظام الثقافي التقليدي للمجتمعات والأوطان على تميزه واستمراره وتماسكه ونمائه عبر تاريخ الحضارة الطويل، وتعمق بفضل وسائل الاتصال والتواصل المستخدمة فيها، وما كان لوسائل الاتصال التقليدية كالاتصال الشفاهي المباشر ثم الوسائل المطبوعة كالصحيفة والكتاب إلا أن تزيد وتنمي ذلك النظام نماء إيجابياً، ينفتح على الثقافات الأخرى ويأخذ منها ما هو جديد وإيجابي ومفيد يعزز احترام ثقافة الآخر وتقبلها، مع الحفاظ على الذات الثقافية للأصل.
كان للثورة الصناعية الكبرى وخاصة بعد الحرب العالمية الثانية وظهور وتنامي الشركات المتعددة الجنسيات أن طرحت أفكاراً ونظريات اقتصادية جديدة لزيادة القدرة الشرائية للمستهلكين وتوسيع مجال إنفاق الناس للمال بإيجاد احتياجات مبتكرة وطرح منتجات مستحدثة تستجيب لذلك، بالإضافة إلى توسيع مجال السوق لعبور البضائع والسلع والمنتجات وغيرها إلى خارج حدود مجالات تصنيعها، أي من الدول الصناعية المتقدمة اقتصادياً باتجاه الدول المستهلكة ومنها البلدان العربية وخاصة البترولية، والتي كان للعائدات المالية الكبيرة ومردودات تصديرها للثروة النفطية الخام إلى الدول الصناعية أن جعلت منها سوقاً كبيراً لتصريف المنتجات المصنعة في الغرب وبالطبع وفق الأنموذج الاستهلاكي الذي يعمد إلى إغراء المستهلكين لشراء الحاجات الضرورية وغير الضرورية والكمالية في آن حتى شيوع ظواهر جديدة وأنماط في التعامل النوعي الخاص الذي رافق تدفق المنتجات المستوردة.
وللتساؤل عن بيئتنا الاستهلاكية وكيف تشكلت فإن أول ما يتبادر إلى الذهن هو الشركات المصنعة ودوافعها في تصدير وتسويق وزيادة الطلب على بضائعها، وكيف عملت على استحداث وإيجاد حاجات تتجدد باستمرار لدى المستهلك؛ وذلك من خلال عدد من العوامل: أهمها (ترميز الاستهلاك) أي إطلاق رمز معين لبضائعها أو ما يعرف (الماركة) وبطريقة مدروسة ومقننة تصل بسرعة إلى المستهلك، معتمدة في ذلك على العوامل النفسية والسايكولوجية والغرائزية وغيرها لدفع المستهلك، إلى تمييز مطلبه في بضاعة أو سلعة معينة وتحويل ذلك الرمز إلى شيء شخصي بمرور الوقت أو ما بات يعرف بأسلوب حياة (ستايل).
أما العامل الثاني: فهو استخدام وسائل الإعلام باعتبارها وسائل يمكن لها أن تقتحم جميع مفردات حياة الناس، في ترويج الإعلان التجاري ثم جعل مصادر الإعلان حاجة ومطلباً مهماً لوسائل الإعلام، تسعى لإرضائه وتنفيذ مطالبه باقتناع أو غير اقتناع وذلك بسبب المردودات الاقتصادية الكبيرة من ورائه أو ما يطلق عليه (مداخيل الإعلانات) لا سيما للشركات المشهورة، مثلاً في الأرقام الخيالية التي تدفعها شركات (بيبسي كولا) سنوياً للترويج لهذا المنتج وبما يغري وسائل الإعلام للتهافت للحصول على تلك العقود، كما تعمد الجهات المصنعة إلى استخدام وسائل الإعلان الأخرى كالصور والملصقات وشاشات الليزر والسيارات المتحركة وغيرها من أدوات ووسائل ترويج الإعلان، وبالطبع عبر أساليب وطرق تستهوي المتلقي وتدفعه إلى اقتناء تلك المنتجات التي يعني امتلاكها أنه: متميز، وصحي ومن النخبة وحضاري وجميل ومقبول اجتماعياً ويستحق ذلك.. وغيرها من العبارات المركزة التي تخاطب الغرائز قبل العقل.
أما العامل الثالث فهو في دفع المستهلك إلى التماهي مع صناع الاستهلاك ورموزه بطرحهم أو النظر إليهم كنماذج تحتذى للسلوك والعيش والرفاهية وأسلوب الحياة العصرية وغير ذلك في استغلال نجوم الفن والسينما والإعلام والرياضة ممن يعرّفون على أنهم يستخدمون تلك البضاعة ويرتادون ذلك الفندق ويشربون ذلك المشروب ويلبسون تلك الماركة من خلال الإيحاء والتحويل، بمعنى أن يضع الفرد المستهلك لتلك البضاعة نفسه بطريقة متخيلة محل النجم الذي يحبه متصوراً وسامته أو رقتها أو قوته أو حضوره الاجتماعي أو بقايا عطرة وغير ذلك.
إن الشركات المصنعة والمنتجة تعمل على إجراء الدراسات العلمية لنفسية الشعوب وهل هي مستهلكه أم لا؟، وكيف يمكن دفعها إلى النمط الاستهلاكي باستخدام التأثيرات المختلفة وبخاصة إذا كانت تلك الشعوب تمتلك الثروات؟
وكان جمهور المستهلكين العرب وبخاصة في البلدان البترولية قد عكس أنه من المجتمعات الاستهلاكية كلياً بمعنى آخر إنها بعيدة عن السلم التدريجي لبناء السلعة أي أنها لا تمتلك التصور الكامل لبنيوية السلع والاكتفاء بالنظرة الختامية للشكل النهائي (آوت بت) من دون الخوض في تفاصيل صناعتها وما هي دوافع المنتج في ترويجها وإيصالها إليه، ناهيك عن الصورة النمطية السلبية التي ينظر بها إلى السلع المصنعة محلياً ووطنياً، بما يؤدي إلى تراجع الصناعة المحلية وتأخرها واندثارها، وطرح الثقافة الصناعية المحلية على أنها جرار الأجر والحصر المصنوعة من جريد النخيل ولوازم المعيشة البسيطة الأخرى، وكأن الصناعة توقفت عند ذلك التراث الذي نحترمه بالتأكيد، ثم إن هناك إلغاء واضحاً لمفهوم وثقافة (السلعة المعمرة). ففي حين تفخر الكثير من العائلات البريطانية مثلا بتوارث الأشياء والحاجيات من جيل إلى جيل، وأن تلك السلعة لا تزال تعمل بالكفاءة ذاتها بسبب الاستخدام الأمثل لها، نعمد نحن إلى ثقافة الاستهلاك السريع والهدام للأشياء المتوارثة (ويشكل الأطفال بطبيعة الحال هدفاً مهماً للمنتج (المصنع) لأسباب عديدة منها عدم اكتمال اتجاهاتهم الثقافية ومدركاتهم العاطفية ومعاييرهم السلوكية بما يعني سرعة تأثرهم بما يعرض عليهم من سلع وإعلانات لتلك السلع وترويجات مختلفة لأنماط معينة من الاستهلاك لغاية في نفس المنتج، ولو نظرنا إلى أطفالنا العرب فإنهم وفق إحصائيات اليونيسكو يشكلون (150 مليون طفل وطفلة) أي ما يقدر بنصف القاعدة السكانية للوطن العربي، ويعني أيضاً أنهم يشكلون أكثر من نصف القوة الشرائية العربية، فبالاضافة إلى أنهم يشترون الأشياء بأنفسهم يدفعون أيضاً آباءهم لشراء حاجيات تخص الأطفال بالضغط أو بالعاطفة وغيرها، ووجد الباحثون أن هناك خصائص نفسية مشتركة تميز توجه أطفال دول الخليج نحو الاستهلاك مكنت الشركات المصنعة من خلقها فيهم، حيث إن ذلك يفتح شهية أي مستثمر أو منتج أو مصنع لحاجات ومستلزمات الأطفال بل ويمكنه أن يبني تصوراته المستقبلية لما يريده هؤلاء عندما يكبرون من خلال التأثير في أذواقهم وطرق سلوكياتهم ونمط تفكيرهم بالأشياء من حولهم.إن وسائل الاتصال الحديثة العابرة للحدود وانتشار طيف الفضائيات عملت على ترويج النمط الاستهلاكي وتعميق الظاهرة الاستهلاكية من خلال الانفتاح على الثقافات الأخرى والتعرف إلى رموز الآخر وأنماطه الثقافية في التعامل مع الأشياء خاصةً أن هناك اختراقاً ثقافياً واضحاً يدفعنا للتساؤل: هل إن الانفتاح الثقافي على العالم تهديد لثقافتنا أم أنه انفتاح وتواصل مع الثقافات الأخرى للتعرف إلى أنماطها السلوكية في التعامل مع الاستهلاك ونظرتهم إلى المنتج ودلالته الرمزية والمعنوية؟ وتسبب هذا في إيجاد جدل بين النخب العربية الوطنية والباحثين حول التفكير الجدي في مسألة أن نكون مشاركين فعليين في ثقافة المنتج، بمعنى أن يكون لنا دور في صناعة ما يقدم لنا من حيث فرض خياراتنا وأنماط ذوقنا وإمكانية استثمارنا في تلك الصناعات. وبالرغم من إعجابنا وانفتاحنا على تطور الصناعة العالمية التي كسرت معادلة الحرمان في السوق التي كانت سائدة في القرن الماضي حين مكنت أغلب المستهلكين من الحصول على ما يريدون ولكن بفارق النوعية وحسب المداخيل فالسيارة لم تعد حكراً على الأغنياء بل هي متاحة للجميع ولكن من دون شك هناك فرق بين (الروز رايز) و(الفولكا ) لكنهما تسيران على أربع عجلات و في طريق واحد.
وكذا الحال بالنسبة لملايين من البضائع. ولكن يبقى معيار المشاركة الإنسانية في تلك المعادلة يكمن في القدرة على المساهمة بقدر أو آخر في العملية الإنتاجية للحضارة عموماً، فالناس في بلداننا لم يعودوا قاصرين على العطاء والتعلم بل إنهم تفوقوا على أقرانهم في الجامعات الغربية وهم قادرون على صياغة نمط التفاعل المطلوب مع المجتمع الدولي الذي أضحى عالم الشاشة الصغيرة. من هنا لا بد من الإسهام بشكل أو آخر في الصناعة التحويلية التي تلبي حاجات آنية متزايدة.. وهنا لا بد من تأشير تجارب متنامية في المملكة العربية السعودية في مجال التصنيع الغذائي ودولة الإمارات العربية المتحدة في استقطابها للمصانع العالمية وتشغيلها لآلاف العمال في المعامل والمصانع وبجودة ملحوظة.
ولذلك لا بد من ترسيخ ثقافة المنتج الوطني لدى النشء وتعزيز ثقته بما يصنع على الأرض الوطنية وهذا من دون شك يفتح الآفاق المستقبلية لتطوير تلك التجارب وتنميتها، والترويج لها بأحدث الوسائل وفتح الفرص الميدانية للنشء لمعاينة دورية لتلك المنتجات الوطنية ودوران عجلة الانتاج، وهذا سيرسخ الثقة بالنفس في المستقبل.

::/fulltext::

Getting your Trinity Audio player ready...

::cck::2791::/cck::
::introtext::

حافظ النظام الثقافي التقليدي للمجتمعات والأوطان على تميزه واستمراره وتماسكه ونمائه عبر تاريخ الحضارة الطويل، وتعمق بفضل وسائل الاتصال والتواصل المستخدمة فيها، وما كان لوسائل الاتصال التقليدية كالاتصال الشفاهي المباشر ثم الوسائل المطبوعة كالصحيفة والكتاب إلا أن تزيد وتنمي ذلك النظام نماء إيجابياً، ينفتح على الثقافات الأخرى ويأخذ منها ما هو جديد وإيجابي ومفيد يعزز احترام ثقافة الآخر وتقبلها، مع الحفاظ على الذات الثقافية للأصل. 

::/introtext::
::fulltext::

حافظ النظام الثقافي التقليدي للمجتمعات والأوطان على تميزه واستمراره وتماسكه ونمائه عبر تاريخ الحضارة الطويل، وتعمق بفضل وسائل الاتصال والتواصل المستخدمة فيها، وما كان لوسائل الاتصال التقليدية كالاتصال الشفاهي المباشر ثم الوسائل المطبوعة كالصحيفة والكتاب إلا أن تزيد وتنمي ذلك النظام نماء إيجابياً، ينفتح على الثقافات الأخرى ويأخذ منها ما هو جديد وإيجابي ومفيد يعزز احترام ثقافة الآخر وتقبلها، مع الحفاظ على الذات الثقافية للأصل.
كان للثورة الصناعية الكبرى وخاصة بعد الحرب العالمية الثانية وظهور وتنامي الشركات المتعددة الجنسيات أن طرحت أفكاراً ونظريات اقتصادية جديدة لزيادة القدرة الشرائية للمستهلكين وتوسيع مجال إنفاق الناس للمال بإيجاد احتياجات مبتكرة وطرح منتجات مستحدثة تستجيب لذلك، بالإضافة إلى توسيع مجال السوق لعبور البضائع والسلع والمنتجات وغيرها إلى خارج حدود مجالات تصنيعها، أي من الدول الصناعية المتقدمة اقتصادياً باتجاه الدول المستهلكة ومنها البلدان العربية وخاصة البترولية، والتي كان للعائدات المالية الكبيرة ومردودات تصديرها للثروة النفطية الخام إلى الدول الصناعية أن جعلت منها سوقاً كبيراً لتصريف المنتجات المصنعة في الغرب وبالطبع وفق الأنموذج الاستهلاكي الذي يعمد إلى إغراء المستهلكين لشراء الحاجات الضرورية وغير الضرورية والكمالية في آن حتى شيوع ظواهر جديدة وأنماط في التعامل النوعي الخاص الذي رافق تدفق المنتجات المستوردة.
وللتساؤل عن بيئتنا الاستهلاكية وكيف تشكلت فإن أول ما يتبادر إلى الذهن هو الشركات المصنعة ودوافعها في تصدير وتسويق وزيادة الطلب على بضائعها، وكيف عملت على استحداث وإيجاد حاجات تتجدد باستمرار لدى المستهلك؛ وذلك من خلال عدد من العوامل: أهمها (ترميز الاستهلاك) أي إطلاق رمز معين لبضائعها أو ما يعرف (الماركة) وبطريقة مدروسة ومقننة تصل بسرعة إلى المستهلك، معتمدة في ذلك على العوامل النفسية والسايكولوجية والغرائزية وغيرها لدفع المستهلك، إلى تمييز مطلبه في بضاعة أو سلعة معينة وتحويل ذلك الرمز إلى شيء شخصي بمرور الوقت أو ما بات يعرف بأسلوب حياة (ستايل).
أما العامل الثاني: فهو استخدام وسائل الإعلام باعتبارها وسائل يمكن لها أن تقتحم جميع مفردات حياة الناس، في ترويج الإعلان التجاري ثم جعل مصادر الإعلان حاجة ومطلباً مهماً لوسائل الإعلام، تسعى لإرضائه وتنفيذ مطالبه باقتناع أو غير اقتناع وذلك بسبب المردودات الاقتصادية الكبيرة من ورائه أو ما يطلق عليه (مداخيل الإعلانات) لا سيما للشركات المشهورة، مثلاً في الأرقام الخيالية التي تدفعها شركات (بيبسي كولا) سنوياً للترويج لهذا المنتج وبما يغري وسائل الإعلام للتهافت للحصول على تلك العقود، كما تعمد الجهات المصنعة إلى استخدام وسائل الإعلان الأخرى كالصور والملصقات وشاشات الليزر والسيارات المتحركة وغيرها من أدوات ووسائل ترويج الإعلان، وبالطبع عبر أساليب وطرق تستهوي المتلقي وتدفعه إلى اقتناء تلك المنتجات التي يعني امتلاكها أنه: متميز، وصحي ومن النخبة وحضاري وجميل ومقبول اجتماعياً ويستحق ذلك.. وغيرها من العبارات المركزة التي تخاطب الغرائز قبل العقل.
أما العامل الثالث فهو في دفع المستهلك إلى التماهي مع صناع الاستهلاك ورموزه بطرحهم أو النظر إليهم كنماذج تحتذى للسلوك والعيش والرفاهية وأسلوب الحياة العصرية وغير ذلك في استغلال نجوم الفن والسينما والإعلام والرياضة ممن يعرّفون على أنهم يستخدمون تلك البضاعة ويرتادون ذلك الفندق ويشربون ذلك المشروب ويلبسون تلك الماركة من خلال الإيحاء والتحويل، بمعنى أن يضع الفرد المستهلك لتلك البضاعة نفسه بطريقة متخيلة محل النجم الذي يحبه متصوراً وسامته أو رقتها أو قوته أو حضوره الاجتماعي أو بقايا عطرة وغير ذلك.
إن الشركات المصنعة والمنتجة تعمل على إجراء الدراسات العلمية لنفسية الشعوب وهل هي مستهلكه أم لا؟، وكيف يمكن دفعها إلى النمط الاستهلاكي باستخدام التأثيرات المختلفة وبخاصة إذا كانت تلك الشعوب تمتلك الثروات؟
وكان جمهور المستهلكين العرب وبخاصة في البلدان البترولية قد عكس أنه من المجتمعات الاستهلاكية كلياً بمعنى آخر إنها بعيدة عن السلم التدريجي لبناء السلعة أي أنها لا تمتلك التصور الكامل لبنيوية السلع والاكتفاء بالنظرة الختامية للشكل النهائي (آوت بت) من دون الخوض في تفاصيل صناعتها وما هي دوافع المنتج في ترويجها وإيصالها إليه، ناهيك عن الصورة النمطية السلبية التي ينظر بها إلى السلع المصنعة محلياً ووطنياً، بما يؤدي إلى تراجع الصناعة المحلية وتأخرها واندثارها، وطرح الثقافة الصناعية المحلية على أنها جرار الأجر والحصر المصنوعة من جريد النخيل ولوازم المعيشة البسيطة الأخرى، وكأن الصناعة توقفت عند ذلك التراث الذي نحترمه بالتأكيد، ثم إن هناك إلغاء واضحاً لمفهوم وثقافة (السلعة المعمرة). ففي حين تفخر الكثير من العائلات البريطانية مثلا بتوارث الأشياء والحاجيات من جيل إلى جيل، وأن تلك السلعة لا تزال تعمل بالكفاءة ذاتها بسبب الاستخدام الأمثل لها، نعمد نحن إلى ثقافة الاستهلاك السريع والهدام للأشياء المتوارثة (ويشكل الأطفال بطبيعة الحال هدفاً مهماً للمنتج (المصنع) لأسباب عديدة منها عدم اكتمال اتجاهاتهم الثقافية ومدركاتهم العاطفية ومعاييرهم السلوكية بما يعني سرعة تأثرهم بما يعرض عليهم من سلع وإعلانات لتلك السلع وترويجات مختلفة لأنماط معينة من الاستهلاك لغاية في نفس المنتج، ولو نظرنا إلى أطفالنا العرب فإنهم وفق إحصائيات اليونيسكو يشكلون (150 مليون طفل وطفلة) أي ما يقدر بنصف القاعدة السكانية للوطن العربي، ويعني أيضاً أنهم يشكلون أكثر من نصف القوة الشرائية العربية، فبالاضافة إلى أنهم يشترون الأشياء بأنفسهم يدفعون أيضاً آباءهم لشراء حاجيات تخص الأطفال بالضغط أو بالعاطفة وغيرها، ووجد الباحثون أن هناك خصائص نفسية مشتركة تميز توجه أطفال دول الخليج نحو الاستهلاك مكنت الشركات المصنعة من خلقها فيهم، حيث إن ذلك يفتح شهية أي مستثمر أو منتج أو مصنع لحاجات ومستلزمات الأطفال بل ويمكنه أن يبني تصوراته المستقبلية لما يريده هؤلاء عندما يكبرون من خلال التأثير في أذواقهم وطرق سلوكياتهم ونمط تفكيرهم بالأشياء من حولهم.إن وسائل الاتصال الحديثة العابرة للحدود وانتشار طيف الفضائيات عملت على ترويج النمط الاستهلاكي وتعميق الظاهرة الاستهلاكية من خلال الانفتاح على الثقافات الأخرى والتعرف إلى رموز الآخر وأنماطه الثقافية في التعامل مع الأشياء خاصةً أن هناك اختراقاً ثقافياً واضحاً يدفعنا للتساؤل: هل إن الانفتاح الثقافي على العالم تهديد لثقافتنا أم أنه انفتاح وتواصل مع الثقافات الأخرى للتعرف إلى أنماطها السلوكية في التعامل مع الاستهلاك ونظرتهم إلى المنتج ودلالته الرمزية والمعنوية؟ وتسبب هذا في إيجاد جدل بين النخب العربية الوطنية والباحثين حول التفكير الجدي في مسألة أن نكون مشاركين فعليين في ثقافة المنتج، بمعنى أن يكون لنا دور في صناعة ما يقدم لنا من حيث فرض خياراتنا وأنماط ذوقنا وإمكانية استثمارنا في تلك الصناعات. وبالرغم من إعجابنا وانفتاحنا على تطور الصناعة العالمية التي كسرت معادلة الحرمان في السوق التي كانت سائدة في القرن الماضي حين مكنت أغلب المستهلكين من الحصول على ما يريدون ولكن بفارق النوعية وحسب المداخيل فالسيارة لم تعد حكراً على الأغنياء بل هي متاحة للجميع ولكن من دون شك هناك فرق بين (الروز رايز) و(الفولكا ) لكنهما تسيران على أربع عجلات و في طريق واحد.
وكذا الحال بالنسبة لملايين من البضائع. ولكن يبقى معيار المشاركة الإنسانية في تلك المعادلة يكمن في القدرة على المساهمة بقدر أو آخر في العملية الإنتاجية للحضارة عموماً، فالناس في بلداننا لم يعودوا قاصرين على العطاء والتعلم بل إنهم تفوقوا على أقرانهم في الجامعات الغربية وهم قادرون على صياغة نمط التفاعل المطلوب مع المجتمع الدولي الذي أضحى عالم الشاشة الصغيرة. من هنا لا بد من الإسهام بشكل أو آخر في الصناعة التحويلية التي تلبي حاجات آنية متزايدة.. وهنا لا بد من تأشير تجارب متنامية في المملكة العربية السعودية في مجال التصنيع الغذائي ودولة الإمارات العربية المتحدة في استقطابها للمصانع العالمية وتشغيلها لآلاف العمال في المعامل والمصانع وبجودة ملحوظة.
ولذلك لا بد من ترسيخ ثقافة المنتج الوطني لدى النشء وتعزيز ثقته بما يصنع على الأرض الوطنية وهذا من دون شك يفتح الآفاق المستقبلية لتطوير تلك التجارب وتنميتها، والترويج لها بأحدث الوسائل وفتح الفرص الميدانية للنشء لمعاينة دورية لتلك المنتجات الوطنية ودوران عجلة الانتاج، وهذا سيرسخ الثقة بالنفس في المستقبل.

::/fulltext::
::cck::2791::/cck::

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *