اقتصاد العراق بين ميزانيتين

::cck::2790::/cck::
::introtext::

قال وزير التخطيط العراقي علي بابان إن (6 في المائة) فقط من مبالغ الميزانية العراقية للسنة المالية الماضية (2006) والمخصصة لإعادة البنى التحتية للمدن العراقية وإعادة تأهيل المصانع والورش الصناعية والمعامل وغيرها من المشاريع ينتظر المواطن العراقي تنفيذها بفارغ الصبر، وإن (94 في المائة) من مبالغ تلك المخصصات وقيمتها 15 مليار دولار ستعود لخزائن وزارة المالية، من دون أن تنفق من قبل الوزارات وإدارات المحافظات.

::/introtext::
::fulltext::

قال وزير التخطيط العراقي علي بابان إن (6 في المائة) فقط من مبالغ الميزانية العراقية للسنة المالية الماضية (2006) والمخصصة لإعادة البنى التحتية للمدن العراقية وإعادة تأهيل المصانع والورش الصناعية والمعامل وغيرها من المشاريع ينتظر المواطن العراقي تنفيذها بفارغ الصبر، وإن (94 في المائة) من مبالغ تلك المخصصات وقيمتها 15 مليار دولار ستعود لخزائن وزارة المالية، من دون أن تنفق من قبل الوزارات وإدارات المحافظات.
أنفقت الدوائر العراقية كافة (الوزارات وإدارات المحافظات) بقية المخصصات المتعلقة بالأمن وتوفير الحماية وصرف الرواتب والمكافأة دون تردد وبلا خوف من الهاجس الأمني الذي يحسب الجميع حسابه والذي قيد الدولة وحصرها في الزاوية الدفاعية دون الهجومية بعد أن جردها من كامل فاعليتها. إن تصريح الوزير العراقي علي بابان حول عدم وضع هذه المبالغ في موضعها الصحيح إقرار كامل بأن الإدارات العراقية الحديثة العهد تفتقر إلى الخبرة، وأن هذا الافتقار إلى الخبرة من شأنه إذا تكرر في أي جانب من جوانب الحياة سياسياً كان أو اقتصادياً أو في إطار إعادة ترتيب علاقات العراق الخارجية فإنه سيؤدي إلى كوارث لا تصيب الحكومة وطاقمها الجديد بل تصيب البلاد برمتها بكارثة كبيرة ومدمرة.
كما لم يثر هذا الإعلان الخطير عن العجز الإداري أي ردود أفعال لدى الساسة العراقيين الذين انصبت تصريحاتهم وملاحظاتهم بالحديث فقط عن ميزانية العام الحالي 2007، وتناسوا الحديث عن ذلك الفائض الكبير وعن مصيره وكيف أنه لم يستخدم في إسعاد الناس في العراق ومن دون أن يشير أحد إلى هذا الخلل الكبير في سوء الإدارة ومن دون أن تصدر أي تصريحات صحفية أو استنكار، ولم يؤد أيضاً إلى طرد أو إقالة وزراء أو وكلاء وزراء أو مديرين عامين أو غيرهم من المسؤولين عن هذه الكارثة التي لا أعتقد أن كثيراً من العراقيين يدركونها، كما لم تثر هذه القضية أي ردود أفعال مهما كانت داخل قبة البرلمان العراقي، وأيضاً لم تتسبب في إثارة زوبعة داخل الصحافة العراقية، ولكن من المرجح أن تكون هذه الحادثة مثار جدل داخل البرلمان عندما سيشرع بمناقشة الميزانية العراقية الجديدة.
إضافة لذلك فإن أياً من الدول المانحة للعراق لم تتلق حتى اليوم وفقاً لمصدر في وزارة المالية العراقية أي طلب من شركة عراقية أو أجنبية لغرض الحصول على أموال لتنفيذ مشروع من المشاريع في العراق، خاصة أن آلية صرف الأموال من دول نادي باريس أو الدول المانحة للعراق تقوم وفق آلية يفترض أن تبدأ من الحكومة العراقية، حيث يفترض أن تتعاقد الحكومة مع إحدى الشركات لتنفيذ مشروع ما من مشاريع البنى التحتية في أية منطقة من مناطق العراق وعند ذاك تقوم الشركة بمراجعة الدولة المانحة للحصول على الأموال اللازمة لتنفيذ المشروع، أي إن الدولة المانحة لا تعطي ما تقرر من مبالغ المنح إلى الحكومة العراقية بشكل مباشر إنما تقوم بالتعامل المباشر مع الشركات المنفذة للمشاريع التي لم تتقدم شركة واحدة للحصول على أموال من أية دولة من دول نادي باريس للحصول على مال للإنفاق على مشروع واحد في العراق، أما لماذا يحصل ذلك؟ ولماذا لم تحرك الإدارات الصغيرة الإدارات الكبيرة؟ ولماذا لم تقم الإدارات الكبيرة بتوجيه الإدارات الصغيرة فتلك أحجية تصعب مناقشتها أو الحصول على جواب عنها في الظرف العراقي الحالي المضطرب.
أنا شخصياً أرى أن هذه الظاهرة الخطيرة إشارة ربما تكون غير واضحة لدى كثيرين إلى مدى الاستخفاف لدى البعض من الإدارات التنفيذية في العراق المشرفة إشرافاً مباشراً على تنفيذ الخطط وعدم وجود كفاءة لدى إدارات أخرى، وهي أيضاً ظاهرة تتطلب من الحكومة العراقية أن تعيد النظر بكفاءة تلك الإدارات في المحافظات ومحاسبتها بشدة لعدم قيامها بتقديم الخدمات كما ينبغي أمام المواطن العراقي المثقل بكثير من الهموم، مع علمنا أن كل محافظات جنوب العراق ومحافظات الفرات الأوسط تعيش أوضاعاً أمنية هادئة تختلف اختلافاً جذرياً عما تشهده مدن بغداد وديالى وبدرجة أقل الرمادي والموصل وتكريت، ولذلك فإن التخفي وراء الهاجس الأمني لا يصلح في تلك المحافظات، ولا يجوز أن تقدمه الإدارات التنفيذية عذراً لعدم إنفاقها تلك الأموال الطائلة التي قرر وزير المالية بيان جبر الزبيدي أن تحتفظ الدوائر والمحافظات العراقية بها لتضاف إلى المخصصات المعدة للسنة المالية الحالية، وتواجه المخصصات المالية التي تضمنتها الميزانية العراقية الجديدة هي الأخرى نقداً من قبل الاقتصاديين العراقيين الذين يرون أنها لم تحقق التوازن المطلوب بين القطاعات التي شملها التخصيص بشكل عادل، وكذلك تفاوتت آراء السياسيين العراقيين الذين يمثلون التيارات السياسية المشاركة في الحكومة بصدد تلك المخصصات.
وبحسب الدكتور نجم محسن الوائلي فإن المخصصات للموازنة المالية العراقية للعام الحالي التي تبلغ 432 مليار دولار خصص منها 700 مليون دولار لشبكة الإعلام العراقية التي تصدر عنها صحيفة (الصباح) والفضائية العراقية والإذاعة الحكومية العراقية التي يشرف على إدارتها السيد حبيب الصدر، في حين كان نصيب وزارة الزراعة بكامل قطاعاتها فقط 500 مليون دولار، فيما خصص للجانب الأمني من الميزانية العراقية الجديدة 8 مليارات دولار، فقد كان نصيب كل من وزارتي التعليم العالي والتربية 500 مليون دولار لكل منهما.
إن هذه الموازنة أثارت جدلاً جديداً داخل الأوساط السياسية العراقية، ووصفها النائب في البرلمان العراقي عن قائمة التوافق حسين الفلوجي بأنها ستؤدي بحسب وصفه إلى كارثة، مطالباً أعضاء البرلمان العراقي بالتريث قبل التصديق عليها، إذ ستؤدي – وفقاً لما يراه الفلوجي – إلى تفاقم التضخم والبطالة، فيما دعا رئيس اللجنة الاقتصادية في البرلمان العراقي حيدر العبادي إلى وضع ضوابط وشروط لمنع تصاعد الأسعار بشكل جنوني، داعياً الحكومة إلى تقديم الدعم للعوائل الفقيرة وسن قوانين تتلاءم مع الإصلاحات الجديدة في الاقتصاد العراقي.في حين يرى وزير التخطيط العراقي السابق والعضو الحالي في البرلمان العراقي عن القائمة العراقية الدكتور مهدي الحافظ أن الميزانية الجديدة – لا تعطي تصوراً واضحاً للأولويات التي تواجهها البلاد وهي الأمن والخدمات والبطالة وتفتقد الرؤية الاقتصادية الواضحة.
تلك هي بعض الآراء التي أطلقها كبار المسؤولين في العراق حول تصوراتهم بشأن الموازنة العراقية الجديدة للعام 2007 والتي رصد لها مبلغ 42 مليار دولار، أما المبالغ الفائضة التي لم يتم استثمارها في مشاريع ترميم الدولة العراقية وبناها المهدمة والتي تبلغ وفق ما أعلن 15 مليار دولار فإن أحداً لم يتطرق إليها.
إلى هنا والقضية تبدو مجرد كلام ضاع وسط سيل التصريحات المختلفة التي تصدر عن كبار المسؤولين العراقيين وهي تصريحات تهبط وترتفع وفقاً لمحرك الوضع الأمني.
إن هذه الظاهرة التي توقفنا عندها في هذه الأسطر تضاف إلى ظواهر خطيرة أخرى تصيب الاقتصاد العراقي بالشلل، ففي مجال تشغيل الأيدي العاملة وترويج البضاعة العراقية تقلصت الطاقات الإنتاجية للمئات من الشركات الصناعية العراقية، إضافة إلى إحجام المستثمرين العراقيين عن تأسيس شركات جديدة في مجال الصناعة أو الخدمات وهروبهم مع رؤوس أموالهم إلى خارج البلاد، في وقت استمر فيه المضاربون في البورصة بالتصرف وكأنهم في ناد للقمار يربح فيه هذا سهماً ويخسر فيه الآخر سهماً آخر، في وقت تظل فيه المصانع والمعامل التي قدرت أعداد المغلق منها بأكثر من 9 آلاف توصد أبوابها بعد أن قامت بتسريح عشرات الآلاف من العمال والفنيين والحرفيين والصناعيين المهرة، وبعد أن غادرها أصحابها إلى خارج البلاد، حيث تم بيع تلك المصانع والمعامل بأسعار متدنية لا تمثل قيمتها الحقيقية، وهذه المشكلة الأخرى لا يبدو أنها ستجد حلولاً سريعة، إذ إن المشترين الجدد واجهوا المشكلة نفسها التي دفعت (الأسماك الكبيرة) إلى الهروب خارج العراق وترك تلك المصانع والورش الكبيرة مجرد ذكريات يتوقف عند أبوابها من يعشقون أن تكون لبلادهم صناعة يفخرون بها يوماً ما، ويشترك الكثير من المختصين في أن أهم الأسباب التي تحول دون إعادة دوران الحياة الاقتصادية في العراق هي:
1- فقدان الأمن.
2- عدم وجود مواد أولية للصناعات المختلفة.
3- ارتفاع أسعار المواد الأولية بشكل جنوني مما يجعل من الصعب إقحام المنتج المصنع في مجال المنافسة مع المنتج الأجنبي المستورد من دون رقابة صناعية صارمة في العراق حالياً.
4- قيام الحكومة باستيراد مواد مصنعة في الخارج تباع في السوق المحلي بما يقل أضعافاً عن أسعار المنتج العراقي وهذا سبب كاف لعزوف المستهلك العراقي عن شراء بضاعته المنتجة وطنياً أمام مغريات المنتج المستورد، إضافة إلى عدم توفير الحماية القانونية لهذا المنتج العراقي.
5- هجرة رؤوس الأموال وأصحابها إلى الخارج البلاد وقيامهم بتشغيل رؤوس أموالهم على نطاق واسع في التجارة مع العراق – التصدير إليه.
6- عدم رغبة المستثمرين الأجانب في العمل بالعراق لأسباب معروفة.
7- تقادم المكائن وتآكلها واندثار معظمها.
8- ارتفاع أسعار الوقود الداخل في الصناعة وصعوبة الحصول عليه بيسر وسهولة، وكذلك صعوبة نقله من مصادر إنتاجه إلى أماكن العمل بسبب سوء الوضع الأمني.
تلك هي بعض من هموم الصناعيين في العراق الذين هم جزء مهم من واقع الحياة الاقتصادية ويرتبط بهم بشكل مباشر وفعال نمط الحياة العراقية.
وللوقوف على هموم هؤلاء المشتغلين في القطاع الصناعي العراقي قلنا لمدير شركة المشروبات الغازية في مدينة بابل (120 – كيلومتر جنوب بغداد) وهي من المدن الهادئة أمنياً نسبيا ًإذ لم تشهد إلا نادراً حصول تفجيرات أو هجمات من مسلحين وهو المهندس عباس رحيم كيف ينظر إلى تقلص نشاط هذا المرفق الاقتصادي الحيوي من مرافق الاقتصاد العراقي الذي كان يحقق أرباحاً طائلة؟ فتحدث عن المعمل الذي يديره وهو حديث يصلح أن يشمل بقية القطاعات الصناعية في العراق، قائلاً إن أوضاع المعمل تدهورت بعد أن أوقف المالكون الذين يعيش معظمهم خارج البلاد تقديم الدعم مما تسبب بخسارة مادية وتراجع في الإنتاج الذي هو حالياً (1000 صندوق يومياً) فقط بعد أن كان إنتاجنا اليومي يصل إلى 22 ألف صندوق في اليوم، ويمكن ملاحظة مدى تدني القدرة الإنتاجية لشركتنا التي كانت تعتبر واحدة من بين أهم المؤسسات الإنتاجية التابعة للدولة، وتعمل بثلاثة خطوط إنتاجية يعمل فيها أكثر من 400 عامل وموظف.
أخيراً نقول إن ما قدمناه هو وقفة أولية أمام الحياة الاقتصادية في العراق التي لا تكفيها مثل هذه العجالة من الكلام لكي تضعها أمام النصاب الصحيح، ورغم أن الحياة الجديدة شهدت تشريعات مهمة لصالح المستثمر عراقياً كان أم أجنبياً ومنحته حقوقاً في نقل أمواله من أرباح ورؤوس أموال إلى خارج العراق بعد أن كانت التشريعات السابقة تحد من هذه الحرية إلا أن الهاجس الأمني لا يزال يقض مضاجع المستثمرين الذين يرنون بعيونهم من بعيد ترقباً للدخول إلى العراق الذي لا يزال أرضاً بكراً أمام الرساميل العربية التي ترغب في توطين أموالها داخل بلاد ينتظر فيها كل شيء إعادة الإعمار، ولعل الربط بين الحديث عن الموازنة المالية وتوقف العمل في المشاريع الصناعية والخدمية في العراق راجع إلى أن في الميزانية المقررة أبواباً من شأنها لو تيسرت كل الظروف لتطبيقها أن تعيد بعض الاعتبار لتلك الورش والمصانع التي كانت عامرة في يوماً.

::/fulltext::

Getting your Trinity Audio player ready...

::cck::2790::/cck::
::introtext::

قال وزير التخطيط العراقي علي بابان إن (6 في المائة) فقط من مبالغ الميزانية العراقية للسنة المالية الماضية (2006) والمخصصة لإعادة البنى التحتية للمدن العراقية وإعادة تأهيل المصانع والورش الصناعية والمعامل وغيرها من المشاريع ينتظر المواطن العراقي تنفيذها بفارغ الصبر، وإن (94 في المائة) من مبالغ تلك المخصصات وقيمتها 15 مليار دولار ستعود لخزائن وزارة المالية، من دون أن تنفق من قبل الوزارات وإدارات المحافظات.

::/introtext::
::fulltext::

قال وزير التخطيط العراقي علي بابان إن (6 في المائة) فقط من مبالغ الميزانية العراقية للسنة المالية الماضية (2006) والمخصصة لإعادة البنى التحتية للمدن العراقية وإعادة تأهيل المصانع والورش الصناعية والمعامل وغيرها من المشاريع ينتظر المواطن العراقي تنفيذها بفارغ الصبر، وإن (94 في المائة) من مبالغ تلك المخصصات وقيمتها 15 مليار دولار ستعود لخزائن وزارة المالية، من دون أن تنفق من قبل الوزارات وإدارات المحافظات.
أنفقت الدوائر العراقية كافة (الوزارات وإدارات المحافظات) بقية المخصصات المتعلقة بالأمن وتوفير الحماية وصرف الرواتب والمكافأة دون تردد وبلا خوف من الهاجس الأمني الذي يحسب الجميع حسابه والذي قيد الدولة وحصرها في الزاوية الدفاعية دون الهجومية بعد أن جردها من كامل فاعليتها. إن تصريح الوزير العراقي علي بابان حول عدم وضع هذه المبالغ في موضعها الصحيح إقرار كامل بأن الإدارات العراقية الحديثة العهد تفتقر إلى الخبرة، وأن هذا الافتقار إلى الخبرة من شأنه إذا تكرر في أي جانب من جوانب الحياة سياسياً كان أو اقتصادياً أو في إطار إعادة ترتيب علاقات العراق الخارجية فإنه سيؤدي إلى كوارث لا تصيب الحكومة وطاقمها الجديد بل تصيب البلاد برمتها بكارثة كبيرة ومدمرة.
كما لم يثر هذا الإعلان الخطير عن العجز الإداري أي ردود أفعال لدى الساسة العراقيين الذين انصبت تصريحاتهم وملاحظاتهم بالحديث فقط عن ميزانية العام الحالي 2007، وتناسوا الحديث عن ذلك الفائض الكبير وعن مصيره وكيف أنه لم يستخدم في إسعاد الناس في العراق ومن دون أن يشير أحد إلى هذا الخلل الكبير في سوء الإدارة ومن دون أن تصدر أي تصريحات صحفية أو استنكار، ولم يؤد أيضاً إلى طرد أو إقالة وزراء أو وكلاء وزراء أو مديرين عامين أو غيرهم من المسؤولين عن هذه الكارثة التي لا أعتقد أن كثيراً من العراقيين يدركونها، كما لم تثر هذه القضية أي ردود أفعال مهما كانت داخل قبة البرلمان العراقي، وأيضاً لم تتسبب في إثارة زوبعة داخل الصحافة العراقية، ولكن من المرجح أن تكون هذه الحادثة مثار جدل داخل البرلمان عندما سيشرع بمناقشة الميزانية العراقية الجديدة.
إضافة لذلك فإن أياً من الدول المانحة للعراق لم تتلق حتى اليوم وفقاً لمصدر في وزارة المالية العراقية أي طلب من شركة عراقية أو أجنبية لغرض الحصول على أموال لتنفيذ مشروع من المشاريع في العراق، خاصة أن آلية صرف الأموال من دول نادي باريس أو الدول المانحة للعراق تقوم وفق آلية يفترض أن تبدأ من الحكومة العراقية، حيث يفترض أن تتعاقد الحكومة مع إحدى الشركات لتنفيذ مشروع ما من مشاريع البنى التحتية في أية منطقة من مناطق العراق وعند ذاك تقوم الشركة بمراجعة الدولة المانحة للحصول على الأموال اللازمة لتنفيذ المشروع، أي إن الدولة المانحة لا تعطي ما تقرر من مبالغ المنح إلى الحكومة العراقية بشكل مباشر إنما تقوم بالتعامل المباشر مع الشركات المنفذة للمشاريع التي لم تتقدم شركة واحدة للحصول على أموال من أية دولة من دول نادي باريس للحصول على مال للإنفاق على مشروع واحد في العراق، أما لماذا يحصل ذلك؟ ولماذا لم تحرك الإدارات الصغيرة الإدارات الكبيرة؟ ولماذا لم تقم الإدارات الكبيرة بتوجيه الإدارات الصغيرة فتلك أحجية تصعب مناقشتها أو الحصول على جواب عنها في الظرف العراقي الحالي المضطرب.
أنا شخصياً أرى أن هذه الظاهرة الخطيرة إشارة ربما تكون غير واضحة لدى كثيرين إلى مدى الاستخفاف لدى البعض من الإدارات التنفيذية في العراق المشرفة إشرافاً مباشراً على تنفيذ الخطط وعدم وجود كفاءة لدى إدارات أخرى، وهي أيضاً ظاهرة تتطلب من الحكومة العراقية أن تعيد النظر بكفاءة تلك الإدارات في المحافظات ومحاسبتها بشدة لعدم قيامها بتقديم الخدمات كما ينبغي أمام المواطن العراقي المثقل بكثير من الهموم، مع علمنا أن كل محافظات جنوب العراق ومحافظات الفرات الأوسط تعيش أوضاعاً أمنية هادئة تختلف اختلافاً جذرياً عما تشهده مدن بغداد وديالى وبدرجة أقل الرمادي والموصل وتكريت، ولذلك فإن التخفي وراء الهاجس الأمني لا يصلح في تلك المحافظات، ولا يجوز أن تقدمه الإدارات التنفيذية عذراً لعدم إنفاقها تلك الأموال الطائلة التي قرر وزير المالية بيان جبر الزبيدي أن تحتفظ الدوائر والمحافظات العراقية بها لتضاف إلى المخصصات المعدة للسنة المالية الحالية، وتواجه المخصصات المالية التي تضمنتها الميزانية العراقية الجديدة هي الأخرى نقداً من قبل الاقتصاديين العراقيين الذين يرون أنها لم تحقق التوازن المطلوب بين القطاعات التي شملها التخصيص بشكل عادل، وكذلك تفاوتت آراء السياسيين العراقيين الذين يمثلون التيارات السياسية المشاركة في الحكومة بصدد تلك المخصصات.
وبحسب الدكتور نجم محسن الوائلي فإن المخصصات للموازنة المالية العراقية للعام الحالي التي تبلغ 432 مليار دولار خصص منها 700 مليون دولار لشبكة الإعلام العراقية التي تصدر عنها صحيفة (الصباح) والفضائية العراقية والإذاعة الحكومية العراقية التي يشرف على إدارتها السيد حبيب الصدر، في حين كان نصيب وزارة الزراعة بكامل قطاعاتها فقط 500 مليون دولار، فيما خصص للجانب الأمني من الميزانية العراقية الجديدة 8 مليارات دولار، فقد كان نصيب كل من وزارتي التعليم العالي والتربية 500 مليون دولار لكل منهما.
إن هذه الموازنة أثارت جدلاً جديداً داخل الأوساط السياسية العراقية، ووصفها النائب في البرلمان العراقي عن قائمة التوافق حسين الفلوجي بأنها ستؤدي بحسب وصفه إلى كارثة، مطالباً أعضاء البرلمان العراقي بالتريث قبل التصديق عليها، إذ ستؤدي – وفقاً لما يراه الفلوجي – إلى تفاقم التضخم والبطالة، فيما دعا رئيس اللجنة الاقتصادية في البرلمان العراقي حيدر العبادي إلى وضع ضوابط وشروط لمنع تصاعد الأسعار بشكل جنوني، داعياً الحكومة إلى تقديم الدعم للعوائل الفقيرة وسن قوانين تتلاءم مع الإصلاحات الجديدة في الاقتصاد العراقي.في حين يرى وزير التخطيط العراقي السابق والعضو الحالي في البرلمان العراقي عن القائمة العراقية الدكتور مهدي الحافظ أن الميزانية الجديدة – لا تعطي تصوراً واضحاً للأولويات التي تواجهها البلاد وهي الأمن والخدمات والبطالة وتفتقد الرؤية الاقتصادية الواضحة.
تلك هي بعض الآراء التي أطلقها كبار المسؤولين في العراق حول تصوراتهم بشأن الموازنة العراقية الجديدة للعام 2007 والتي رصد لها مبلغ 42 مليار دولار، أما المبالغ الفائضة التي لم يتم استثمارها في مشاريع ترميم الدولة العراقية وبناها المهدمة والتي تبلغ وفق ما أعلن 15 مليار دولار فإن أحداً لم يتطرق إليها.
إلى هنا والقضية تبدو مجرد كلام ضاع وسط سيل التصريحات المختلفة التي تصدر عن كبار المسؤولين العراقيين وهي تصريحات تهبط وترتفع وفقاً لمحرك الوضع الأمني.
إن هذه الظاهرة التي توقفنا عندها في هذه الأسطر تضاف إلى ظواهر خطيرة أخرى تصيب الاقتصاد العراقي بالشلل، ففي مجال تشغيل الأيدي العاملة وترويج البضاعة العراقية تقلصت الطاقات الإنتاجية للمئات من الشركات الصناعية العراقية، إضافة إلى إحجام المستثمرين العراقيين عن تأسيس شركات جديدة في مجال الصناعة أو الخدمات وهروبهم مع رؤوس أموالهم إلى خارج البلاد، في وقت استمر فيه المضاربون في البورصة بالتصرف وكأنهم في ناد للقمار يربح فيه هذا سهماً ويخسر فيه الآخر سهماً آخر، في وقت تظل فيه المصانع والمعامل التي قدرت أعداد المغلق منها بأكثر من 9 آلاف توصد أبوابها بعد أن قامت بتسريح عشرات الآلاف من العمال والفنيين والحرفيين والصناعيين المهرة، وبعد أن غادرها أصحابها إلى خارج البلاد، حيث تم بيع تلك المصانع والمعامل بأسعار متدنية لا تمثل قيمتها الحقيقية، وهذه المشكلة الأخرى لا يبدو أنها ستجد حلولاً سريعة، إذ إن المشترين الجدد واجهوا المشكلة نفسها التي دفعت (الأسماك الكبيرة) إلى الهروب خارج العراق وترك تلك المصانع والورش الكبيرة مجرد ذكريات يتوقف عند أبوابها من يعشقون أن تكون لبلادهم صناعة يفخرون بها يوماً ما، ويشترك الكثير من المختصين في أن أهم الأسباب التي تحول دون إعادة دوران الحياة الاقتصادية في العراق هي:
1- فقدان الأمن.
2- عدم وجود مواد أولية للصناعات المختلفة.
3- ارتفاع أسعار المواد الأولية بشكل جنوني مما يجعل من الصعب إقحام المنتج المصنع في مجال المنافسة مع المنتج الأجنبي المستورد من دون رقابة صناعية صارمة في العراق حالياً.
4- قيام الحكومة باستيراد مواد مصنعة في الخارج تباع في السوق المحلي بما يقل أضعافاً عن أسعار المنتج العراقي وهذا سبب كاف لعزوف المستهلك العراقي عن شراء بضاعته المنتجة وطنياً أمام مغريات المنتج المستورد، إضافة إلى عدم توفير الحماية القانونية لهذا المنتج العراقي.
5- هجرة رؤوس الأموال وأصحابها إلى الخارج البلاد وقيامهم بتشغيل رؤوس أموالهم على نطاق واسع في التجارة مع العراق – التصدير إليه.
6- عدم رغبة المستثمرين الأجانب في العمل بالعراق لأسباب معروفة.
7- تقادم المكائن وتآكلها واندثار معظمها.
8- ارتفاع أسعار الوقود الداخل في الصناعة وصعوبة الحصول عليه بيسر وسهولة، وكذلك صعوبة نقله من مصادر إنتاجه إلى أماكن العمل بسبب سوء الوضع الأمني.
تلك هي بعض من هموم الصناعيين في العراق الذين هم جزء مهم من واقع الحياة الاقتصادية ويرتبط بهم بشكل مباشر وفعال نمط الحياة العراقية.
وللوقوف على هموم هؤلاء المشتغلين في القطاع الصناعي العراقي قلنا لمدير شركة المشروبات الغازية في مدينة بابل (120 – كيلومتر جنوب بغداد) وهي من المدن الهادئة أمنياً نسبيا ًإذ لم تشهد إلا نادراً حصول تفجيرات أو هجمات من مسلحين وهو المهندس عباس رحيم كيف ينظر إلى تقلص نشاط هذا المرفق الاقتصادي الحيوي من مرافق الاقتصاد العراقي الذي كان يحقق أرباحاً طائلة؟ فتحدث عن المعمل الذي يديره وهو حديث يصلح أن يشمل بقية القطاعات الصناعية في العراق، قائلاً إن أوضاع المعمل تدهورت بعد أن أوقف المالكون الذين يعيش معظمهم خارج البلاد تقديم الدعم مما تسبب بخسارة مادية وتراجع في الإنتاج الذي هو حالياً (1000 صندوق يومياً) فقط بعد أن كان إنتاجنا اليومي يصل إلى 22 ألف صندوق في اليوم، ويمكن ملاحظة مدى تدني القدرة الإنتاجية لشركتنا التي كانت تعتبر واحدة من بين أهم المؤسسات الإنتاجية التابعة للدولة، وتعمل بثلاثة خطوط إنتاجية يعمل فيها أكثر من 400 عامل وموظف.
أخيراً نقول إن ما قدمناه هو وقفة أولية أمام الحياة الاقتصادية في العراق التي لا تكفيها مثل هذه العجالة من الكلام لكي تضعها أمام النصاب الصحيح، ورغم أن الحياة الجديدة شهدت تشريعات مهمة لصالح المستثمر عراقياً كان أم أجنبياً ومنحته حقوقاً في نقل أمواله من أرباح ورؤوس أموال إلى خارج العراق بعد أن كانت التشريعات السابقة تحد من هذه الحرية إلا أن الهاجس الأمني لا يزال يقض مضاجع المستثمرين الذين يرنون بعيونهم من بعيد ترقباً للدخول إلى العراق الذي لا يزال أرضاً بكراً أمام الرساميل العربية التي ترغب في توطين أموالها داخل بلاد ينتظر فيها كل شيء إعادة الإعمار، ولعل الربط بين الحديث عن الموازنة المالية وتوقف العمل في المشاريع الصناعية والخدمية في العراق راجع إلى أن في الميزانية المقررة أبواباً من شأنها لو تيسرت كل الظروف لتطبيقها أن تعيد بعض الاعتبار لتلك الورش والمصانع التي كانت عامرة في يوماً.

::/fulltext::
::cck::2790::/cck::

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *