الهروب إلى المجهول
::cck::2789::/cck::
::introtext::
الطريق البري الطويل الذي يقطع الصحراء المترامية الأطراف التي تتفرع من مدينة الرمادي غرب بغداد نحو سوريا والأردن يكتظ بالحافلات التي تقوم بنقل الهاربين من (مطحنة الموت) التي تزداد حدّتها في العراق يوماً بعد آخر دون توقف في طريق الرحلة التي تستغرق اثنتي عشرة ساعة متواصلة خوفاً من مخاطر القتل والسلب التي تتعرض لها الحافلات دائماً، حيث يفقد المسافرون الهاربون نقودهم في معظم الأحيان، بينما يفقد القسم الآخر حياته بطرق قتل لم يسبق أن عرفتها الحضارات المختلفة في أحلك أيام صراعها المرير قتامة.
::/introtext::
::fulltext::
الطريق البري الطويل الذي يقطع الصحراء المترامية الأطراف التي تتفرع من مدينة الرمادي غرب بغداد نحو سوريا والأردن يكتظ بالحافلات التي تقوم بنقل الهاربين من (مطحنة الموت) التي تزداد حدّتها في العراق يوماً بعد آخر دون توقف في طريق الرحلة التي تستغرق اثنتي عشرة ساعة متواصلة خوفاً من مخاطر القتل والسلب التي تتعرض لها الحافلات دائماً، حيث يفقد المسافرون الهاربون نقودهم في معظم الأحيان، بينما يفقد القسم الآخر حياته بطرق قتل لم يسبق أن عرفتها الحضارات المختلفة في أحلك أيام صراعها المرير قتامة.
أحد سائقي الحافلات الذي كان ينقل نحو خمسة وأربعين راكباً في حافلته من بغداد إلى سوريا والذي نجا بنفسه من الموت بأعجوبة، يروي أن مسلحين اعترضوا الحافلة في المنطقة المعروفة بالكيلو 160 على الحدود المشتركة بين العراق من جهة وكل من سوريا والأردن من جهة أخرى وأجبروه على السير في طريق ترابي حددت ممراته بصفائح معدنية، وفي ساحة رسمت حدودها بالآجر توقفت الحافلة فصعد إليها المسلحون وبعد تفحص أوراق وبحث طويل عن حياة كل راكب طلبوا إلى أربعة من الشبان من ركاب الحافلة النزول منها، ثلاثة من هؤلاء في العشرينات من العمر، أما الرابع فكان في السادسة عشرة من العمر وقد اقتلعوه بالقوة من بين أيدي أمه وشقيقتيه اللتين كانتا تتوسلان إلى المسلحين الذين استلوا الشبان الأربعة واقتادوهم إلى ساحة القتل ليلحقوهم بالمئات ممن سبقوهم والذين لا تزال جثثهم ممزقة في العراء تنذر الهاربين الجدد من الخطر المحدق بهم على الطريق البري. أما عندما تصل إلى المخافر الحدودية الأردنية أو السورية وقبلهما العراقية فإن عليك المبيت في الغالب متوسداً العراء حتى يأتيك الدور لتمثل أمام ضابط المخفر الحدودي، وذلك طبعاً بعد أن تجتاز محنة الصحراء وتكون قد فرغت من محن المسلحين على الطريق وعطل السيارات المحتمل في صحراء لا شاخص فيها ولا رسم وهي محن تعددت فيها الروايات وكثر المتحدثون عنها.
السيدة افتخار كامل نور الدين (45 سنة) تقول إنها وزوجها قررا أن يصطحبا ابنيهما وبنتهما بعد أن باعا منزلهما بثمن بخس في بغداد ويهاجرا فارين بحياتهما من محن القتل إلا أنهما تعرضا إلى ما هو أسوأ من ذلك حيث سلب منهما ما اصطحباه من نقود وأجبرا على العودة إلى بغداد من دون مال وسكن لا يعرفان ماذا يفعلان لمواجهة المحنة المزدوجة الجديدة. أما جمال علي مراد وزوجته ابتهال فقالا إنهما تحايلا على المسلحين ونجحا في تهريب (تحويشة العمر) معهما إلى عمّان حيث يعيشان منذ سنة. فيما يروي علي حميد الطائي وشقيقه مازن أنهما تغلبا على محنة السلب بإخفاء النقود في زاوية من الحافلة بالاتفاق مع السائق وخدعا المسلحين بإبراز هويات مزورة وجواز سفر مزور يرافقهما في الترحال ولا يبرزانه عادة لضابط الجوازات.
أما عن طريق الجو فما على المسافر إلا أن ينتظر أسابيع حتى يتمكن من الحصول على حجز على خطوط الطيران العراقية، والجهة المسموح بها دائماً هي سوريا والأردن، أما بقية الدول العربية فقد وضعت شروطاً قاسية على دخـول العراقيين فيما أغلقت الــدول الغربية منافذها بشكل نـــهائي في وجوههم.
ورغم أن الإحصائيات تقول إن هناك خمسة ملايين وستمائة ألف عراقي هاربون إلى الخارج منذ أيام حكم صدام حسين، إلا أن المعلومات الجديدة تذكر أن أعداد الفارين إلى الخارج وصل إلى ستة ملايين ونصف المليون، يتوزع منهم أكثر من ثلاثة ملايين ونصف المليون في عدد من الدول العربية ونحو مليون ومائتين وخمسين ألفاً في الولايات المتحدة، ويتوزع القسم المتبقي بين أستراليا والدول الغربية وخاصة الدول الاسكندنافية على شكل لاجئين إنسانيين أو مقيمين غير شرعيين.
أما الصورة من داخل العراق فتبدو قاتمة جداً خاصة أنك تشاهد آلاف المنازل الفاخرة والمتوسطة، إضافة إلى السيارات الفارهة والمزارع متروكة دون عناية أو معروضة للبيع بثمن بخس، بينما ينتظر أصحابها فرصة اللحاق بمن سبقهم إلى الخارج بعد أن ينتهوا من البيع خشية أن تقع تلك القارات بحيازة جماعات العصابات التي سرعان ما تنقل سجل تلك العقارات إلى أسماء جديدة.
يقول منتظر عبد الجبار صاحب محل لبيع وشراء العقارات في منطقة المسبح الراقية في ضاحية الكرادة الشرقية التي تعتبر أسعار البيوت والأراضي فيها الأغلى من بين بقية مناطق مدينة بغداد: تواجهنا مشكلات كبيرة ومعقدة في تعاملات بيع العقارات في مدينة بغداد، وجل هذه المشكلات ينحصر في أن أصحاب العقارات الحقيقيين مسافرون إلى الخارج، وأن من يقومون بإنجاز معاملات البيع هم وكلاء بحسب وكالات صادرة عن كاتب العدل يشكك البعض في صحتها، ويعتمدها البعض الآخر حتى يكتشف عدم صحتها بعد فوات الأوان وبعد أن تكون مشكلات قانونية أخرى برزت إلى السطح، وألقت بزمامها إلى المحاكم شأنها شأن الآلاف من القضايا التي تتشابك أمام المحاكم وجهات حل النزاعات التي أنشئت بعد سقوط نظام صدام حسين.الطريق المسدود إلى دول (الشنكل)
ولاستكمال الرحلة إلى المجهول ينتظر عشرات الآف من الشبان العراقيين نساء ورجالاً دورهم في اللحاق بمن سبقهم من الهاربين، يقودهم في هذه الرحلة سماسرة دوليون يعملون تحت جنح الظلام ويتكفلون بإيصال زبائنهم إلى إحدى دول (الشنكل) بعد دفع مبالغ كبيرة من المال.
تقول (ن ك – 42 عاماً): أنتظر دوي في الحصول على إذن الهجرة في عمّان منذ ستة أشهر.
وحول كم دفعت من مبالغ لقاء ذلك، تقول إنها دفعت ثمانية آلاف دولار أمريكي لقاء وصولها إلى الدولة التي اتفقت مع المتعهد في الوصول إليها، لكن المتعهد لا يضمن سلامة وضعها داخل تلك الدولة وماذا ينتظرها من مخاطر وصعوبات من السلطات الحكومية.
وتضيف إن المخاطر التي تنتظرها في رحلتها إلى هدفها المنشود بدأت منذ وصولها إلى عّمان، وأول تلك المخاطر كان نجاحها في اجتياز عقبة (المحرم) حيث لا توافق السلطات العراقية وكذلك السورية والأردنية على سفر الفتاة – العراقية -غير المتزوجة إلا برفقة أحد المحرمين عليها شرعياً، إلا أنها نجحت في اختبارها الأول ودخلت الأراضي الأردنية حيث تقيم الآن من دون محرم، وتتمثل الخطورة الثانية بمدة الإقامة التي يجب أن تجدد كل ثلاثة أشهر بالنسبة لسوريا وكل ثلاثة أسابيع بالنسبة للأردن، إضافة إلى تكاليف فترة الانتظار المرهقة وخطورة الرحلة التي لا أعرف ولا يعرف أحد مدى سلامتها و كيفية القيام بها، إنها حقاً رحلة السفر نحو المجهول الذي لابد منه.
عقبــة جواز السفر الجديــد
المأزق الجديد الذي ينتظر العراقيين المقيمين في الخارج هو عقبة جواز السفر الجديد، فقد شاع بينهم أن الدولة الفلانية ترفض التعامل من الرمز (ج) في جوازات السفر العراقية وأخرى ترفض التعامل مع الرمز (س) وهكذا تتعدد الرموز التي ترغب أو ترفض الدول، خاصة الأوروبية منها، اعتماد جواز السفر العراقي لغرض منح سمات الدخول إلى حملتها وفق ما يتردد داخل العراق وخارجه حتى صارت دوائر الجوازات في داخل العراق والسفارات العراقية في الخارج تستقبل يوميا آلاف المراجعين الذين لا يعرفون ما الذي يجب عليهم أن يفعلوه لكي يتحاشوا العودة إلى العراق مجدداً بالنسبة للمقيمين في الخارج أو كيفية الهرب خارجاً بالنسبة لمن مازالوا في داخل العراق، يضاف إلى تلك المآزق رفض قاطع من دول الخليج العربية دخول العراقيين إلا بعد سلسلة من الموافقات والإجراءات التي يعجز عنها من يبحث عن الهروب إلى المجهول.
إن الهجرة خارج العراق لم يسبق أن عانى منها شعب من الشعوب، أولاً لكون المكوث في الخارج ليس لشهر أو اثنين، وثانياً لأن هذا الهروب أخذ معه (الزبدة) من العراقيين، خيرة الأطباء وأساتذة الجامعات والصناعيين والمثقفين ومعظم الفنانين، وأخذ معه مطاعم (ابن سمينة) و(قدوري) في دمشق و(قاسم أبو الكص) و(الولائم والعزائم) في عمّان. وهكذا في غيرها من الدول الأخرى التي استقبلت الخبز (الصمون) العراقي، فيما سافرت الأكلات الشعبية المشهورة تركض خلف أهلها فصار الشاميون يعرفون (القوزي)، وصار الأردنيون والمصريون يعرفون (التشريب) و(الباقلاء) بالبيض و(القيمر) العراقي. ولعل الأكثر أهمية من ذلك سفر رؤوس الأموال العراقية على نطاق واسع وبدء الاستثمار خارج الوطن.
أخيراً إن المأزق الذي يعيشه أكثر من ستة ملايين عراقي دفع الأمين العام للأمم المتحدة إلى تخصيص 60 مليون دولار لمساعدة هذا العدد الكبير من الهاربين، في الوقت نفسه الذي وجه فيه الدعوة إلى دول العالم لتقديم يد العون لهؤلاء الذين أول من تخلت عنهم الدول العربية، وصاروا عبئاً ثقيلاً على بقية دول الجوار، أما أولئك الذين يسكنون خيام الهجرة داخل العراق تحت وطأة الاحتراب الطائفي فلنا معهم وقفة أخرى ربما نتعرف فيها إلى ظروفهم في العراء دون أن تصل إليهم يد الدول المانحة.
::/fulltext::
|
Getting your Trinity Audio player ready...
|
::cck::2789::/cck::
::introtext::
الطريق البري الطويل الذي يقطع الصحراء المترامية الأطراف التي تتفرع من مدينة الرمادي غرب بغداد نحو سوريا والأردن يكتظ بالحافلات التي تقوم بنقل الهاربين من (مطحنة الموت) التي تزداد حدّتها في العراق يوماً بعد آخر دون توقف في طريق الرحلة التي تستغرق اثنتي عشرة ساعة متواصلة خوفاً من مخاطر القتل والسلب التي تتعرض لها الحافلات دائماً، حيث يفقد المسافرون الهاربون نقودهم في معظم الأحيان، بينما يفقد القسم الآخر حياته بطرق قتل لم يسبق أن عرفتها الحضارات المختلفة في أحلك أيام صراعها المرير قتامة.
::/introtext::
::fulltext::
الطريق البري الطويل الذي يقطع الصحراء المترامية الأطراف التي تتفرع من مدينة الرمادي غرب بغداد نحو سوريا والأردن يكتظ بالحافلات التي تقوم بنقل الهاربين من (مطحنة الموت) التي تزداد حدّتها في العراق يوماً بعد آخر دون توقف في طريق الرحلة التي تستغرق اثنتي عشرة ساعة متواصلة خوفاً من مخاطر القتل والسلب التي تتعرض لها الحافلات دائماً، حيث يفقد المسافرون الهاربون نقودهم في معظم الأحيان، بينما يفقد القسم الآخر حياته بطرق قتل لم يسبق أن عرفتها الحضارات المختلفة في أحلك أيام صراعها المرير قتامة.
أحد سائقي الحافلات الذي كان ينقل نحو خمسة وأربعين راكباً في حافلته من بغداد إلى سوريا والذي نجا بنفسه من الموت بأعجوبة، يروي أن مسلحين اعترضوا الحافلة في المنطقة المعروفة بالكيلو 160 على الحدود المشتركة بين العراق من جهة وكل من سوريا والأردن من جهة أخرى وأجبروه على السير في طريق ترابي حددت ممراته بصفائح معدنية، وفي ساحة رسمت حدودها بالآجر توقفت الحافلة فصعد إليها المسلحون وبعد تفحص أوراق وبحث طويل عن حياة كل راكب طلبوا إلى أربعة من الشبان من ركاب الحافلة النزول منها، ثلاثة من هؤلاء في العشرينات من العمر، أما الرابع فكان في السادسة عشرة من العمر وقد اقتلعوه بالقوة من بين أيدي أمه وشقيقتيه اللتين كانتا تتوسلان إلى المسلحين الذين استلوا الشبان الأربعة واقتادوهم إلى ساحة القتل ليلحقوهم بالمئات ممن سبقوهم والذين لا تزال جثثهم ممزقة في العراء تنذر الهاربين الجدد من الخطر المحدق بهم على الطريق البري. أما عندما تصل إلى المخافر الحدودية الأردنية أو السورية وقبلهما العراقية فإن عليك المبيت في الغالب متوسداً العراء حتى يأتيك الدور لتمثل أمام ضابط المخفر الحدودي، وذلك طبعاً بعد أن تجتاز محنة الصحراء وتكون قد فرغت من محن المسلحين على الطريق وعطل السيارات المحتمل في صحراء لا شاخص فيها ولا رسم وهي محن تعددت فيها الروايات وكثر المتحدثون عنها.
السيدة افتخار كامل نور الدين (45 سنة) تقول إنها وزوجها قررا أن يصطحبا ابنيهما وبنتهما بعد أن باعا منزلهما بثمن بخس في بغداد ويهاجرا فارين بحياتهما من محن القتل إلا أنهما تعرضا إلى ما هو أسوأ من ذلك حيث سلب منهما ما اصطحباه من نقود وأجبرا على العودة إلى بغداد من دون مال وسكن لا يعرفان ماذا يفعلان لمواجهة المحنة المزدوجة الجديدة. أما جمال علي مراد وزوجته ابتهال فقالا إنهما تحايلا على المسلحين ونجحا في تهريب (تحويشة العمر) معهما إلى عمّان حيث يعيشان منذ سنة. فيما يروي علي حميد الطائي وشقيقه مازن أنهما تغلبا على محنة السلب بإخفاء النقود في زاوية من الحافلة بالاتفاق مع السائق وخدعا المسلحين بإبراز هويات مزورة وجواز سفر مزور يرافقهما في الترحال ولا يبرزانه عادة لضابط الجوازات.
أما عن طريق الجو فما على المسافر إلا أن ينتظر أسابيع حتى يتمكن من الحصول على حجز على خطوط الطيران العراقية، والجهة المسموح بها دائماً هي سوريا والأردن، أما بقية الدول العربية فقد وضعت شروطاً قاسية على دخـول العراقيين فيما أغلقت الــدول الغربية منافذها بشكل نـــهائي في وجوههم.
ورغم أن الإحصائيات تقول إن هناك خمسة ملايين وستمائة ألف عراقي هاربون إلى الخارج منذ أيام حكم صدام حسين، إلا أن المعلومات الجديدة تذكر أن أعداد الفارين إلى الخارج وصل إلى ستة ملايين ونصف المليون، يتوزع منهم أكثر من ثلاثة ملايين ونصف المليون في عدد من الدول العربية ونحو مليون ومائتين وخمسين ألفاً في الولايات المتحدة، ويتوزع القسم المتبقي بين أستراليا والدول الغربية وخاصة الدول الاسكندنافية على شكل لاجئين إنسانيين أو مقيمين غير شرعيين.
أما الصورة من داخل العراق فتبدو قاتمة جداً خاصة أنك تشاهد آلاف المنازل الفاخرة والمتوسطة، إضافة إلى السيارات الفارهة والمزارع متروكة دون عناية أو معروضة للبيع بثمن بخس، بينما ينتظر أصحابها فرصة اللحاق بمن سبقهم إلى الخارج بعد أن ينتهوا من البيع خشية أن تقع تلك القارات بحيازة جماعات العصابات التي سرعان ما تنقل سجل تلك العقارات إلى أسماء جديدة.
يقول منتظر عبد الجبار صاحب محل لبيع وشراء العقارات في منطقة المسبح الراقية في ضاحية الكرادة الشرقية التي تعتبر أسعار البيوت والأراضي فيها الأغلى من بين بقية مناطق مدينة بغداد: تواجهنا مشكلات كبيرة ومعقدة في تعاملات بيع العقارات في مدينة بغداد، وجل هذه المشكلات ينحصر في أن أصحاب العقارات الحقيقيين مسافرون إلى الخارج، وأن من يقومون بإنجاز معاملات البيع هم وكلاء بحسب وكالات صادرة عن كاتب العدل يشكك البعض في صحتها، ويعتمدها البعض الآخر حتى يكتشف عدم صحتها بعد فوات الأوان وبعد أن تكون مشكلات قانونية أخرى برزت إلى السطح، وألقت بزمامها إلى المحاكم شأنها شأن الآلاف من القضايا التي تتشابك أمام المحاكم وجهات حل النزاعات التي أنشئت بعد سقوط نظام صدام حسين.الطريق المسدود إلى دول (الشنكل)
ولاستكمال الرحلة إلى المجهول ينتظر عشرات الآف من الشبان العراقيين نساء ورجالاً دورهم في اللحاق بمن سبقهم من الهاربين، يقودهم في هذه الرحلة سماسرة دوليون يعملون تحت جنح الظلام ويتكفلون بإيصال زبائنهم إلى إحدى دول (الشنكل) بعد دفع مبالغ كبيرة من المال.
تقول (ن ك – 42 عاماً): أنتظر دوي في الحصول على إذن الهجرة في عمّان منذ ستة أشهر.
وحول كم دفعت من مبالغ لقاء ذلك، تقول إنها دفعت ثمانية آلاف دولار أمريكي لقاء وصولها إلى الدولة التي اتفقت مع المتعهد في الوصول إليها، لكن المتعهد لا يضمن سلامة وضعها داخل تلك الدولة وماذا ينتظرها من مخاطر وصعوبات من السلطات الحكومية.
وتضيف إن المخاطر التي تنتظرها في رحلتها إلى هدفها المنشود بدأت منذ وصولها إلى عّمان، وأول تلك المخاطر كان نجاحها في اجتياز عقبة (المحرم) حيث لا توافق السلطات العراقية وكذلك السورية والأردنية على سفر الفتاة – العراقية -غير المتزوجة إلا برفقة أحد المحرمين عليها شرعياً، إلا أنها نجحت في اختبارها الأول ودخلت الأراضي الأردنية حيث تقيم الآن من دون محرم، وتتمثل الخطورة الثانية بمدة الإقامة التي يجب أن تجدد كل ثلاثة أشهر بالنسبة لسوريا وكل ثلاثة أسابيع بالنسبة للأردن، إضافة إلى تكاليف فترة الانتظار المرهقة وخطورة الرحلة التي لا أعرف ولا يعرف أحد مدى سلامتها و كيفية القيام بها، إنها حقاً رحلة السفر نحو المجهول الذي لابد منه.
عقبــة جواز السفر الجديــد
المأزق الجديد الذي ينتظر العراقيين المقيمين في الخارج هو عقبة جواز السفر الجديد، فقد شاع بينهم أن الدولة الفلانية ترفض التعامل من الرمز (ج) في جوازات السفر العراقية وأخرى ترفض التعامل مع الرمز (س) وهكذا تتعدد الرموز التي ترغب أو ترفض الدول، خاصة الأوروبية منها، اعتماد جواز السفر العراقي لغرض منح سمات الدخول إلى حملتها وفق ما يتردد داخل العراق وخارجه حتى صارت دوائر الجوازات في داخل العراق والسفارات العراقية في الخارج تستقبل يوميا آلاف المراجعين الذين لا يعرفون ما الذي يجب عليهم أن يفعلوه لكي يتحاشوا العودة إلى العراق مجدداً بالنسبة للمقيمين في الخارج أو كيفية الهرب خارجاً بالنسبة لمن مازالوا في داخل العراق، يضاف إلى تلك المآزق رفض قاطع من دول الخليج العربية دخول العراقيين إلا بعد سلسلة من الموافقات والإجراءات التي يعجز عنها من يبحث عن الهروب إلى المجهول.
إن الهجرة خارج العراق لم يسبق أن عانى منها شعب من الشعوب، أولاً لكون المكوث في الخارج ليس لشهر أو اثنين، وثانياً لأن هذا الهروب أخذ معه (الزبدة) من العراقيين، خيرة الأطباء وأساتذة الجامعات والصناعيين والمثقفين ومعظم الفنانين، وأخذ معه مطاعم (ابن سمينة) و(قدوري) في دمشق و(قاسم أبو الكص) و(الولائم والعزائم) في عمّان. وهكذا في غيرها من الدول الأخرى التي استقبلت الخبز (الصمون) العراقي، فيما سافرت الأكلات الشعبية المشهورة تركض خلف أهلها فصار الشاميون يعرفون (القوزي)، وصار الأردنيون والمصريون يعرفون (التشريب) و(الباقلاء) بالبيض و(القيمر) العراقي. ولعل الأكثر أهمية من ذلك سفر رؤوس الأموال العراقية على نطاق واسع وبدء الاستثمار خارج الوطن.
أخيراً إن المأزق الذي يعيشه أكثر من ستة ملايين عراقي دفع الأمين العام للأمم المتحدة إلى تخصيص 60 مليون دولار لمساعدة هذا العدد الكبير من الهاربين، في الوقت نفسه الذي وجه فيه الدعوة إلى دول العالم لتقديم يد العون لهؤلاء الذين أول من تخلت عنهم الدول العربية، وصاروا عبئاً ثقيلاً على بقية دول الجوار، أما أولئك الذين يسكنون خيام الهجرة داخل العراق تحت وطأة الاحتراب الطائفي فلنا معهم وقفة أخرى ربما نتعرف فيها إلى ظروفهم في العراء دون أن تصل إليهم يد الدول المانحة.
::/fulltext::
::cck::2789::/cck::
