هل تنجح العولمة فيما عجزت عنه الأيديولوجيات المعاصرة؟
::cck::2794::/cck::
::introtext::
عندما برز مصطلح (العولمة) في الشيوع والتداول، لم يلق في البداية ذلك الاهتمام والصدى بالقياس إلى تأثيرات ـ هذه الأخيرة ـ سواء في الجانب السلبي أو الجانب الإيجابي كالذي لاقته بعض الأطروحات أو النظريات أو الأيديولوجيات التي ظهرت في القرن الماضي، ويعزو البعض إلى أن مصطلح (العولمة) جاء بعد أن كثر الحديث وتشعب في أهم أطروحتين جاءتا قبل الحديث عن العولمة، وهما أطروحة (نهاية التاريخ وخاتمة البشر) للمفكر الأمريكي الياباني فوكوياما وأطروحة (صدام الحضارات) للبروفيسور صاموئيل هانتنغتون.. فالأولى بشرت بانتصار الرأسمالية الغربية بعد سقوط الشيوعية وتفكك الاتحاد السوفييتي وتوقف التاريخ عند الديمقراطية الليبرالية، وعند فوكوياما أن التاريخ قد أغلق تماما أمام الأيديولوجيات المغايرة للرأسمالية الغربية.
::/introtext::
::fulltext::
عندما برز مصطلح (العولمة) في الشيوع والتداول، لم يلق في البداية ذلك الاهتمام والصدى بالقياس إلى تأثيرات ـ هذه الأخيرة ـ سواء في الجانب السلبي أو الجانب الإيجابي كالذي لاقته بعض الأطروحات أو النظريات أو الأيديولوجيات التي ظهرت في القرن الماضي، ويعزو البعض إلى أن مصطلح (العولمة) جاء بعد أن كثر الحديث وتشعب في أهم أطروحتين جاءتا قبل الحديث عن العولمة، وهما أطروحة (نهاية التاريخ وخاتمة البشر) للمفكر الأمريكي الياباني فوكوياما وأطروحة (صدام الحضارات) للبروفيسور صاموئيل هانتنغتون.. فالأولى بشرت بانتصار الرأسمالية الغربية بعد سقوط الشيوعية وتفكك الاتحاد السوفييتي وتوقف التاريخ عند الديمقراطية الليبرالية، وعند فوكوياما أن التاريخ قد أغلق تماما أمام الأيديولوجيات المغايرة للرأسمالية الغربية.
لكن البروفيسور هانتنغتون ناقض زميله في أطروحته (نهاية التاريخ وخاتمة البشر) وأصدر بعد هذه الأطروحة الشهيرة المثيرة للجدل (صراع الحضارات) قال فيها إن الصراع المقبل سيكون صراع حضارات، وتنبأ بأن القوى الصاعدة التي ستشكل خطرا على الغرب ستكون من التحالف بين الحضارة الإسلامية والكونفوشية! وهذا معناه ـ كما يعبر هانتنغتون ـ أن التاريخ لن يتوقف عند الديمقراطية الليبرالية، بل سيبدأ من جديد في صراع آخر ليس أيديولوجياً هذه المرة، كما كان سابقا، بل سيكون بين حضارات وهويات وثقافات.
وساد الهلع والاعتراض على نظرية هنتنغتون في الأوساط العالمية والأكاديمية على وجه الخصوص، وجاءت مئات الردود على هذه المقولة الخطيرة، واستغربت الأوساط الأكاديمية تزاحم الأطروحات ومناقضة بعضها للبعض وكلها صادرة عن مراكز بحثية ومؤسسات صناعة القرار السياسي في الولايات المتحدة. فهل تريد هذه المؤسسات والمراكز البحثية أن تنبه الغرب لصعود بعض القوى في القرن المقبل وعدم الاستهانة بقدراتها؟ أم أن ذلك مجرد افتراضات و توجسات من المتغيرات التي قد تطرأ على العالم، وهو ما نتج عنه سقوط الاتحاد السوفييتي (سابقا) والمعسكر الاشتراكي عموما؟ لكن الأغرب أن مقولتي (نهاية التاريخ) و(صراع الحضارات) تتناقضان تماما مع مصطلح (العولمة) إلى حد التنافر.
فالديمقراطية الليبرالية التي طرحها فرانسيس فوكوياما في كتابه (نهاية التاريخ) تتقاطع مع مفهوم العولمة، حيث إن الأخيرة لا تعترف بالخصوصيات والهويات للشعوب وتطبق مفاهيمها قسراً شاء الآخرون أم أبوا. أما مفهوم التصادم والمناطحة بين الحضارات التي وضعها صاموئيل هانتنغتون فإنه يخالف مصطلح العولمة التي جاءت ـ كما يقول أنصارها ـ بهدف تخليص البشرية من تعاسة التطبيقات الأيديولوجية وانتشال المجتمعات من مشكلات التخلف والتراجع الحضاري والمعاناة الاقتصادية والاجتماعية والتقنية.
وهذا الطرح الذي يهلل له البعض وتصوير العولمة بأنها جنة العصر والبديل النهائي لكل الأفكار والأيديولوجيات والصيغ الحضارية قصد منه ـ كما يقول الدكتور سويم العزي ـ خلق شعوراً لدى أفراد مجتمعات الجنوب بالدونية المرتبطة بثقافاتهم، يراد منه زعزعة ثقة الفرد بذاته وتهيئته للقبول بما يفرض عليه.
ولعل أخطر هذه الآراء وأقواها في مناقشة ظاهرة العولمة ما طرحته الأديبة الفرنسية فيفيان فورستر في كتابها المثير للجدل الإرهاب الاقتصادي الذي آثار ضجة في أوروبا وترجم إلى 10 لغات عالمية، وعبرت عن أن الهدف من إصدار هذا الكتاب هو رفع صوت الاحتجاج ضد نظام يمتص الناس حتى النخاع، وترى أن هناك مؤامرة دولية عالمية يحاول رجال السياسة والاقتصاد والمال والمنظمات الدولية إخفاء الحقائق عن الناس، وأن الإرهاب الاقتصادي هو نتيجة للمجتمع المادي الذي يهدف إلى الربح فقط، كما أنه نتيجة للمجتمع المادي لتقنية (الأوتوماتية) والعولمة الاقتصادية التي تقوم على فكرة إنتاج المزيد من السلع والمنتجات بأقل عدد ممكن من اليد العاملة البشرية.
وهذا بلا شك إحدى نتائج آثار عولمة الاقتصاد بصورة عالمية، فالانفتاح الاقتصادي بلا ضوابط أو معالم محددة تحده في انطلاقته العالمية، سوف يجلب معه الكثير من المشكلات والتحديات ليس على مستوى العالم النامي بل العالم كله، وهذا ما برز في مقولة (روبرت رايخ) عندنا قال إن أربعة أخماس البشرية ستدفع إلى براثن الفاقة على يد قوى العولمة.
لكن هذا لن يعني أن الخمس الباقي سيزدهر كله. فقط النخبة فيه المرتبطة بديناميات العولمة ستفعل ذلك، ويجب أن نتنظر نشوء عالم ثالث داخل العالم الأول. والإشكال القائم الآن هو أن البعض يشكك في مصداقية هذا الفضاء الاقتصادي وسياسة الأبواب المفتوحة، التي قد تعني أن هذا الفضاء لا يعرف إلا معايير المردودية المباشرة والأرباح وجني الثمار من دون الالتفات إلى الظروف الإنسانية والفوارق المتباعدة بين امكانات الدول الاقتصادية وقدرتها على المنافسة.فقبل عشرين عاما مضت كان النظام الرأسمالي محصورا في أوروبا الغربية وشمال أمريكا والعديد من دول العالم الثالث، معظمها في إقليم شرق آسيا، هذه الدول تشكل 20 في المائة من عدد سكان العالم.. وهناك ثلث آخر من عدد سكان العالم كانوا تحت قبضة الحكم الاشتراكي، أما البقية ومعظمها في الدول النامية فقد كانت تحكم عن طريق نظام ثالث خليط بين الرأسمالية والاشتراكية، كل ذلك تغير فجأة من دون أن يكون هناك وقت كافٍ لاستيعاب هذه التحولات الكبيرة. وبحلول الثمانينات دخلت معظم الأنظمة غير الرأسمالية في حالة من الإفلاس تسببت فيها هذه الأنظمة نفسها، وكرد فعل طبيعي على ذلك فقد لفظت هذه الدول استراتيجيتها الاقتصادية الفاشلة، وبدأت في تقليد الأنظمة الاقتصادية الليبرالية. ونتيجة لذلك ـ تقول هذه التحليلات ـ دخل العالم في عهد جديد ومعقد من الرأسمالية العالمية.. رأسمالية ستقدم من دون شك فرصا عظيمة للنمو، لكنها تخلو أيضا من المخاطر والمشكلات المقلقة.
لكن البعض يخالف هذه الآراء، ويرى أن الكثير من الدول التي انتفعت بالفعل من الانفتاح الاقتصادي المنظم والمسؤول استطاعت حقا أن تضيق الهوة بين الأغنياء والفقراء، وتحدث نقلة نوعية في مجتمعاتها. وهذا التأييد لسياسة الانفتاح وإسهاماته الإيجابية والمهمة في عصرنا الراهن مقبول وصحيح في جوانب عديدة إذا ما تم هذا الانفتاح بآليات وبرامج منظمة ودقيقة، لكن العولمة ودخولها ميدان الاقتصاد والتجارة والتكنولوجيا والنظم المعرفية، ظاهرة تختلف عن سياسة الانفتاح الذي يمكن أن تسيطر عليه الدول وتوجيهه الوجهة التي تلائم مصلحتها وتطبيقاتها.
فالعولمة شيء مختلف عن الانفتاح الذي استفادت منه بعض الدول في السبعينات مثل الصين وبعض دول شرق آسيا، فهي – أي العولمة – شكل جديد ومغاير عما عرفته السياسات الاقتصادية خلال نصف قرن ويرجعها البعض إلى نموذج الرأسمالية التي طبقت في القرن التاسع عشر. وهناك من الأصوات المحذرة من ظاهرة العولمة المقبلة لا تقتصر على العالم النامي بل تتعداه إلى العالم المتقدم، وتطالب هذه الأصوات بإعادة التفكير في هذه السياسات القائمة على الربحية والمنافسة،والقفز على واقع وظروف اقتصاديات الدول الأخرى بالمعاهدات والاتفاقات الملزمة، وخاصة العالم العربي الذي لا تزال اقتصادياته في طور النمو والتدرج المتواضع قياساً باقتصاديات الدول المتقدمة.
والسؤال الذي يقفز إلى الأذهان ـ كما يقول الدكتور الشاذلي العياري ـ هو إلى أي مدى يمكن للوطن العربي ككل أن يواجه تيارات العولمة الزاحفة بنجاح.. أي يتمكن من الاستفادة من مزاياها الاقتصادية والتجارية والتكنولوجية والتنظيمية في كنف العدالة الاجتماعية مع الحفاظ على الذاتية العربية.
وهذا هو التحدي الجديد، ذلك أن الاستفادة من مزايا العولمة لا تلغي تيارها المقتحم ونموذجها المتكامل المعزز بتقنية الاتصال، ونظرية البقاء للأقوى، ومنطق المنافسة الشرسة، وتنميط البشر والمجتمعات على منطق واحد أوحد. ومن القضايا المثارة الآن في هذه الظاهرة أنها ـ أي العولمة ـ لا تؤمن إلا بمعايير الإنسان العالمي وفق مواصفات وقيم معينة يجري غرسها وتطبيقها، وتجري في سياقات عديدة متقاطعة مع الهويات الثقافية للشعوب. فالعولمة في رأي الدكتور علي حرب تطال الثقافة بالذات بما هي منظومة من الرموز والقيم يخلع بواسطتها الإنسان معنى على وجوده وتجاربه ومساعيه. فالثقافات باعتبارها مرجعيات للدلالة وأنماطاً للوجود والحياة، خاصة بكل أمة أو دولة أو مجتمع، تجد نفسها عارية أمام تدفق الصور والرسائل والعلامات التي تجوب الكرة الأرضية. وهذه هي الإشكالية التي ستواجهها الإنسانية في القرن المقبل إذا ما فرضت العولمة كبديل عن التنوع الثقافي، وعملت على اكتساح الهوية الحضارية للشعوب، فهل ستنجح العولمة فيما عجزت عنه الأيديولوجيات في هذا القرن من خلال فرض نماذج قسرية على الشعوب والمجتمعات؟
هذا هو السؤال الذي تصعب الإجابة عنه راهناً.
::/fulltext::
|
Getting your Trinity Audio player ready...
|
::cck::2794::/cck::
::introtext::
عندما برز مصطلح (العولمة) في الشيوع والتداول، لم يلق في البداية ذلك الاهتمام والصدى بالقياس إلى تأثيرات ـ هذه الأخيرة ـ سواء في الجانب السلبي أو الجانب الإيجابي كالذي لاقته بعض الأطروحات أو النظريات أو الأيديولوجيات التي ظهرت في القرن الماضي، ويعزو البعض إلى أن مصطلح (العولمة) جاء بعد أن كثر الحديث وتشعب في أهم أطروحتين جاءتا قبل الحديث عن العولمة، وهما أطروحة (نهاية التاريخ وخاتمة البشر) للمفكر الأمريكي الياباني فوكوياما وأطروحة (صدام الحضارات) للبروفيسور صاموئيل هانتنغتون.. فالأولى بشرت بانتصار الرأسمالية الغربية بعد سقوط الشيوعية وتفكك الاتحاد السوفييتي وتوقف التاريخ عند الديمقراطية الليبرالية، وعند فوكوياما أن التاريخ قد أغلق تماما أمام الأيديولوجيات المغايرة للرأسمالية الغربية.
::/introtext::
::fulltext::
عندما برز مصطلح (العولمة) في الشيوع والتداول، لم يلق في البداية ذلك الاهتمام والصدى بالقياس إلى تأثيرات ـ هذه الأخيرة ـ سواء في الجانب السلبي أو الجانب الإيجابي كالذي لاقته بعض الأطروحات أو النظريات أو الأيديولوجيات التي ظهرت في القرن الماضي، ويعزو البعض إلى أن مصطلح (العولمة) جاء بعد أن كثر الحديث وتشعب في أهم أطروحتين جاءتا قبل الحديث عن العولمة، وهما أطروحة (نهاية التاريخ وخاتمة البشر) للمفكر الأمريكي الياباني فوكوياما وأطروحة (صدام الحضارات) للبروفيسور صاموئيل هانتنغتون.. فالأولى بشرت بانتصار الرأسمالية الغربية بعد سقوط الشيوعية وتفكك الاتحاد السوفييتي وتوقف التاريخ عند الديمقراطية الليبرالية، وعند فوكوياما أن التاريخ قد أغلق تماما أمام الأيديولوجيات المغايرة للرأسمالية الغربية.
لكن البروفيسور هانتنغتون ناقض زميله في أطروحته (نهاية التاريخ وخاتمة البشر) وأصدر بعد هذه الأطروحة الشهيرة المثيرة للجدل (صراع الحضارات) قال فيها إن الصراع المقبل سيكون صراع حضارات، وتنبأ بأن القوى الصاعدة التي ستشكل خطرا على الغرب ستكون من التحالف بين الحضارة الإسلامية والكونفوشية! وهذا معناه ـ كما يعبر هانتنغتون ـ أن التاريخ لن يتوقف عند الديمقراطية الليبرالية، بل سيبدأ من جديد في صراع آخر ليس أيديولوجياً هذه المرة، كما كان سابقا، بل سيكون بين حضارات وهويات وثقافات.
وساد الهلع والاعتراض على نظرية هنتنغتون في الأوساط العالمية والأكاديمية على وجه الخصوص، وجاءت مئات الردود على هذه المقولة الخطيرة، واستغربت الأوساط الأكاديمية تزاحم الأطروحات ومناقضة بعضها للبعض وكلها صادرة عن مراكز بحثية ومؤسسات صناعة القرار السياسي في الولايات المتحدة. فهل تريد هذه المؤسسات والمراكز البحثية أن تنبه الغرب لصعود بعض القوى في القرن المقبل وعدم الاستهانة بقدراتها؟ أم أن ذلك مجرد افتراضات و توجسات من المتغيرات التي قد تطرأ على العالم، وهو ما نتج عنه سقوط الاتحاد السوفييتي (سابقا) والمعسكر الاشتراكي عموما؟ لكن الأغرب أن مقولتي (نهاية التاريخ) و(صراع الحضارات) تتناقضان تماما مع مصطلح (العولمة) إلى حد التنافر.
فالديمقراطية الليبرالية التي طرحها فرانسيس فوكوياما في كتابه (نهاية التاريخ) تتقاطع مع مفهوم العولمة، حيث إن الأخيرة لا تعترف بالخصوصيات والهويات للشعوب وتطبق مفاهيمها قسراً شاء الآخرون أم أبوا. أما مفهوم التصادم والمناطحة بين الحضارات التي وضعها صاموئيل هانتنغتون فإنه يخالف مصطلح العولمة التي جاءت ـ كما يقول أنصارها ـ بهدف تخليص البشرية من تعاسة التطبيقات الأيديولوجية وانتشال المجتمعات من مشكلات التخلف والتراجع الحضاري والمعاناة الاقتصادية والاجتماعية والتقنية.
وهذا الطرح الذي يهلل له البعض وتصوير العولمة بأنها جنة العصر والبديل النهائي لكل الأفكار والأيديولوجيات والصيغ الحضارية قصد منه ـ كما يقول الدكتور سويم العزي ـ خلق شعوراً لدى أفراد مجتمعات الجنوب بالدونية المرتبطة بثقافاتهم، يراد منه زعزعة ثقة الفرد بذاته وتهيئته للقبول بما يفرض عليه.
ولعل أخطر هذه الآراء وأقواها في مناقشة ظاهرة العولمة ما طرحته الأديبة الفرنسية فيفيان فورستر في كتابها المثير للجدل الإرهاب الاقتصادي الذي آثار ضجة في أوروبا وترجم إلى 10 لغات عالمية، وعبرت عن أن الهدف من إصدار هذا الكتاب هو رفع صوت الاحتجاج ضد نظام يمتص الناس حتى النخاع، وترى أن هناك مؤامرة دولية عالمية يحاول رجال السياسة والاقتصاد والمال والمنظمات الدولية إخفاء الحقائق عن الناس، وأن الإرهاب الاقتصادي هو نتيجة للمجتمع المادي الذي يهدف إلى الربح فقط، كما أنه نتيجة للمجتمع المادي لتقنية (الأوتوماتية) والعولمة الاقتصادية التي تقوم على فكرة إنتاج المزيد من السلع والمنتجات بأقل عدد ممكن من اليد العاملة البشرية.
وهذا بلا شك إحدى نتائج آثار عولمة الاقتصاد بصورة عالمية، فالانفتاح الاقتصادي بلا ضوابط أو معالم محددة تحده في انطلاقته العالمية، سوف يجلب معه الكثير من المشكلات والتحديات ليس على مستوى العالم النامي بل العالم كله، وهذا ما برز في مقولة (روبرت رايخ) عندنا قال إن أربعة أخماس البشرية ستدفع إلى براثن الفاقة على يد قوى العولمة.
لكن هذا لن يعني أن الخمس الباقي سيزدهر كله. فقط النخبة فيه المرتبطة بديناميات العولمة ستفعل ذلك، ويجب أن نتنظر نشوء عالم ثالث داخل العالم الأول. والإشكال القائم الآن هو أن البعض يشكك في مصداقية هذا الفضاء الاقتصادي وسياسة الأبواب المفتوحة، التي قد تعني أن هذا الفضاء لا يعرف إلا معايير المردودية المباشرة والأرباح وجني الثمار من دون الالتفات إلى الظروف الإنسانية والفوارق المتباعدة بين امكانات الدول الاقتصادية وقدرتها على المنافسة.فقبل عشرين عاما مضت كان النظام الرأسمالي محصورا في أوروبا الغربية وشمال أمريكا والعديد من دول العالم الثالث، معظمها في إقليم شرق آسيا، هذه الدول تشكل 20 في المائة من عدد سكان العالم.. وهناك ثلث آخر من عدد سكان العالم كانوا تحت قبضة الحكم الاشتراكي، أما البقية ومعظمها في الدول النامية فقد كانت تحكم عن طريق نظام ثالث خليط بين الرأسمالية والاشتراكية، كل ذلك تغير فجأة من دون أن يكون هناك وقت كافٍ لاستيعاب هذه التحولات الكبيرة. وبحلول الثمانينات دخلت معظم الأنظمة غير الرأسمالية في حالة من الإفلاس تسببت فيها هذه الأنظمة نفسها، وكرد فعل طبيعي على ذلك فقد لفظت هذه الدول استراتيجيتها الاقتصادية الفاشلة، وبدأت في تقليد الأنظمة الاقتصادية الليبرالية. ونتيجة لذلك ـ تقول هذه التحليلات ـ دخل العالم في عهد جديد ومعقد من الرأسمالية العالمية.. رأسمالية ستقدم من دون شك فرصا عظيمة للنمو، لكنها تخلو أيضا من المخاطر والمشكلات المقلقة.
لكن البعض يخالف هذه الآراء، ويرى أن الكثير من الدول التي انتفعت بالفعل من الانفتاح الاقتصادي المنظم والمسؤول استطاعت حقا أن تضيق الهوة بين الأغنياء والفقراء، وتحدث نقلة نوعية في مجتمعاتها. وهذا التأييد لسياسة الانفتاح وإسهاماته الإيجابية والمهمة في عصرنا الراهن مقبول وصحيح في جوانب عديدة إذا ما تم هذا الانفتاح بآليات وبرامج منظمة ودقيقة، لكن العولمة ودخولها ميدان الاقتصاد والتجارة والتكنولوجيا والنظم المعرفية، ظاهرة تختلف عن سياسة الانفتاح الذي يمكن أن تسيطر عليه الدول وتوجيهه الوجهة التي تلائم مصلحتها وتطبيقاتها.
فالعولمة شيء مختلف عن الانفتاح الذي استفادت منه بعض الدول في السبعينات مثل الصين وبعض دول شرق آسيا، فهي – أي العولمة – شكل جديد ومغاير عما عرفته السياسات الاقتصادية خلال نصف قرن ويرجعها البعض إلى نموذج الرأسمالية التي طبقت في القرن التاسع عشر. وهناك من الأصوات المحذرة من ظاهرة العولمة المقبلة لا تقتصر على العالم النامي بل تتعداه إلى العالم المتقدم، وتطالب هذه الأصوات بإعادة التفكير في هذه السياسات القائمة على الربحية والمنافسة،والقفز على واقع وظروف اقتصاديات الدول الأخرى بالمعاهدات والاتفاقات الملزمة، وخاصة العالم العربي الذي لا تزال اقتصادياته في طور النمو والتدرج المتواضع قياساً باقتصاديات الدول المتقدمة.
والسؤال الذي يقفز إلى الأذهان ـ كما يقول الدكتور الشاذلي العياري ـ هو إلى أي مدى يمكن للوطن العربي ككل أن يواجه تيارات العولمة الزاحفة بنجاح.. أي يتمكن من الاستفادة من مزاياها الاقتصادية والتجارية والتكنولوجية والتنظيمية في كنف العدالة الاجتماعية مع الحفاظ على الذاتية العربية.
وهذا هو التحدي الجديد، ذلك أن الاستفادة من مزايا العولمة لا تلغي تيارها المقتحم ونموذجها المتكامل المعزز بتقنية الاتصال، ونظرية البقاء للأقوى، ومنطق المنافسة الشرسة، وتنميط البشر والمجتمعات على منطق واحد أوحد. ومن القضايا المثارة الآن في هذه الظاهرة أنها ـ أي العولمة ـ لا تؤمن إلا بمعايير الإنسان العالمي وفق مواصفات وقيم معينة يجري غرسها وتطبيقها، وتجري في سياقات عديدة متقاطعة مع الهويات الثقافية للشعوب. فالعولمة في رأي الدكتور علي حرب تطال الثقافة بالذات بما هي منظومة من الرموز والقيم يخلع بواسطتها الإنسان معنى على وجوده وتجاربه ومساعيه. فالثقافات باعتبارها مرجعيات للدلالة وأنماطاً للوجود والحياة، خاصة بكل أمة أو دولة أو مجتمع، تجد نفسها عارية أمام تدفق الصور والرسائل والعلامات التي تجوب الكرة الأرضية. وهذه هي الإشكالية التي ستواجهها الإنسانية في القرن المقبل إذا ما فرضت العولمة كبديل عن التنوع الثقافي، وعملت على اكتساح الهوية الحضارية للشعوب، فهل ستنجح العولمة فيما عجزت عنه الأيديولوجيات في هذا القرن من خلال فرض نماذج قسرية على الشعوب والمجتمعات؟
هذا هو السؤال الذي تصعب الإجابة عنه راهناً.
::/fulltext::
::cck::2794::/cck::
