سياسة الاتحاد الأوروبي تجاه الملف النووي الإيراني

::cck::2797::/cck::
::introtext::

فى إطار الدور السياسي المتصاعد الذي يقوم به الاتحاد الأوروبي تجاه عدد من المشكلات السياسية الحالية يأتي الدور الذي يلعبه تجاه الملف النووي الإيراني في إطار الرغبة في التهدئة وإعطاء الخيار الدبلوماسي الوقت اللازم. وهو الدور الذي تعود جذوره التاريخية إلى فترة حكم شاه إيران عندما اتجهت كل من ألمانيا وبريطانيا وفرنسا لتقديم الدعم المادي والتقني اللازم لإيران وهو الدعم الذي تجدد بعد انتهاء الحرب العراقية- الإيرانية في إطار الجهود التي قامت بها إيران لإحياء برنامجها النووي في عهد الرئيس الأسبق هاشمي رافسنجاني.

::/introtext::
::fulltext::

فى إطار الدور السياسي المتصاعد الذي يقوم به الاتحاد الأوروبي تجاه عدد من المشكلات السياسية الحالية يأتي الدور الذي يلعبه تجاه الملف النووي الإيراني في إطار الرغبة في التهدئة وإعطاء الخيار الدبلوماسي الوقت اللازم. وهو الدور الذي تعود جذوره التاريخية إلى فترة حكم شاه إيران عندما اتجهت كل من ألمانيا وبريطانيا وفرنسا لتقديم الدعم المادي والتقني اللازم لإيران وهو الدعم الذي تجدد بعد انتهاء الحرب العراقية- الإيرانية في إطار الجهود التي قامت بها إيران لإحياء برنامجها النووي في عهد الرئيس الأسبق هاشمي رفسنجاني .

واشتعلت القضية النووية الإيرانية بعد الحرب على العراق في مارس سنة 2003 عقب أن أصبحت موضعاً لشك وريبة المجتمع الدولي وخاصة الولايات المتحدة الأمريكية والوكالة الدولية للطاقة الذرية وهو ما دعا الاتحاد الأوروبي للقيام بدور الوساطة لتحفيز إيران على سلوك أكثر إيجابية يأتي متماشيا مع المطالب الأمريكية ووكالة الطاقة النووية. ورداً على مبادرة الاتحاد الأوروبي، اتجهت إيران لدعوة وزراء خارجية كل من ألمانيا وبريطانيا وفرنسا لزيارة طهران في محاولة منها للخروج من إسار الضغوط السياسية والاقتصادية المكثفة الموجهة إليها على نحو خاص من الولايات المتحدة الأمريكية وإسرائيل. وتركز الموقف العام لدول الاتحاد الأوروبي في التعامل مع المسألة النووية الإيرانية من منظور أمني من خلال الوكالة الدولية للطاقة النووية مع إعطاء الوكالة من ناحية وإيران من ناحية أخرى الوقت الكافي لمعالجة الأزمة قبل تصعيدها سياسياً برفعها إلى مجلس الأمن الدولي. وعليه فقد دعا الاتحاد الأوروبي إيران لإعادة النظر في هدف برنامجها النووي مع تعهده بتقديم يد العون لها في حال استجابتها لكافة شروط المجتمع الدولي والتي من أهمها أن يكون البرنامج موجهاً لخدمة الأهداف السلمية المدنية.

وبناء على ذلك فقد أثمرت المباحثات الأوروبية- الإيرانية عددا من النتائج الأساسية تمثلت في:

أولاً: اعتراف الأوروبيين رسمياً بحق طهران في الحصول على التكنولوجيا النووية في الإطار الذي لا يتعارض مع معاهدة حظر انتشار الأسلحة النووية.

ثانياً: إن انضمام إيران للبروتوكول الإضافي لمعاهدة حظر انتشار الأسلحة النووية الصادر عام 1997 لا يجب أن يأتي بالانتقاص من سيادتها وأمنها القومي.

ثالثاً: وعد الدول الأوروبية بالعمل على تطوير علاقتها الاقتصادية والتكنولوجية مع إيران في حال توفر المناخ الآمن الذي يسمح بهذا.

ومن خلال البيان المشترك الصادر في أكتوبر سنة 2003، بين وزراء خارجية كل من فرنسا وبريطانيا وألمانيا، وسكرتير مجلس الأمن القومي الإيراني وافقت إيران على التوقيع على البروتوكول الإضافي لمعاهدة الحد من انتشار الأسلحة النووية، وهو البروتوكول الذي يعد بمثابة أداة دولية رئيسية لمراقبة الأسلحة النووية، حيث يتعين على الدول الموقعة عليه أن تقدم للوكالة الدولية معلومات أكثر دقة من التي يطلبها نظام تطبيق معاهدة حظر الانتشار النووي، كما يسمح بتفقد منشآت لا تنص المعاهدة على تفتيشها مثل المفاعلات التي توقفت عن العمل والمراكز والمصانع التي تنتج مواد تدخل في إطار البرامج النووية.

وعلى الرغم من دور الاتحاد الأوروبي في إقناع إيران بالتوقيع على البروتوكول بشروطه الشديدة الصرامة فقد واصلت دول الاتحاد الأوروبي حثها إيران على المضي قدماً في إثبات حسن نيتها بالموافقة على مراقبة برنامجها النووي من قبل مفتشين تابعين للوكالة فضلا عن متابعتها عن بعد من خلال الكاميرات الموجودة داخل المفاعلات، وهو الأمر الذي ربطته دول الاتحاد الأوروبي باستمرار علاقاتها الاقتصادية مع إيران، وهو ما تم فعلياً في فبراير سنة 2004 عندما اتفق وزراء خارجية الاتحاد الأوروبي على انتظار تقرير الوكالة الدولية حول الأنشطة النووية الإيرانية قبل استئناف المحادثات حول إبرام اتفاقية تجارية مع إيران. وهو المطلب الذي رأى عدد من السياسيين الإيرانيين ضرورة أن تنظر إليه إيران بعين الاعتبار من خلال إظهار مزيد من التعاون مع الوكالة الدولية لمنع تكرار سيناريو الهجوم على العراق. ومن أجل عدم التضحية بالعديد من المصالح التجارية التي تجمع بين إيران ودول الاتحاد الأوروبي خاصة أن هذه الدول تواجه ضغوطاً أمريكية لإقناع لإيران بأخذ موقف مرن ومتعاون مع مطالب الوكالة الدولية للطاقة الذرية، حيث تراقب واشنطن نتائج المفاوضات الأوروبية –الإيرانية وهي المفاوضات التي لم تسفر إلى الآن عن حل يرضي الدوائر الأمريكية لسببين أساسيين:

السبب الأول يعود إلى إصرار إيران على الاحتفاظ بحقها في امتلاك الطاقة النووية لاستخدامها في الأغراض السلمية وحقها أيضاً – كما تحدث عن ذلك مسؤولون إيرانيون- في امتلاك أسلحة نووية أسوة بدول أخرى في المنطقة وفي العالم وفي مقدمتها إسرائيل التي لم توقع على معاهدة حظر انتشار الأسلحة النووية.

السبب الثاني: إصرار الاتحاد الأوروبي على الربط بين السياسة الخارجية الإيرانية والملف النووي، حيث دعا الاتحاد الأوروبي طهران من خلال (بيان بروكسل) إلى ضرورة تغيير سياستها تجاه عملية السلام في الشرق الأوسط، وتجاه إسرائيل، على نحو خاص، كمطلب أساسي لاستمرار التعاون بينهما، وهو المطلب الذي تعارضه إيران بشدة خاصة في إطار تلويح إسرائيل بإمكانية توجيه ضربة عسكرية إلى مفاعل بوشهر على غرار عملية ضرب المفاعل النووي العراقي خلال الثمانينات.

وعليه، فإن اتجاه دول الاتحاد الأوروبي لممارسة دور نشط إزاء المسألة النووية الإيرانية، والذي يعد، كما وصفه بعض المحللين، دور الموازن مع الولايات المتحدة الأمريكية، لا يزال يواجهه الكثير من العقبات التي تعود لرفض طهران للضغوط الدولية التي تجبرها على التوافق مع المطالب والسياسات الأمريكية خاصة في إطار الفتوى التي أوضحها المرشد الأعلى للثورة الإسلامية آية الله خامنئي وجاء فيها أنه لا يوجد ما يمنع إيران من امتلاك السلاح النووي وإن كانت لا تسعى في الوقت ذاته لامتلاك أسلحة الدمار الشامل ولذلك فإن طهران –حسبما أشار- لن تتردد في وقف تعاونها مع الوكالة الدولية، إذا ما تمادت الوكالة في مطالب يمكن أن تهدد المصالح القومية الإيرانية.

ومن هذا المنطلق كان الرد الإيراني قاطعاً في مواجهة التصريحات المتشددة الأخيرة للرئيس الأمريكي جورج بوش التي أكد من خلالها عدم حاجة إيران إلى الاستخدام السلمي للطاقة النووية، حيث أشارت طهران إلى إنها لا تطالب بالكثير، فهي تسعى فقط لتأكيد حقها في الحصول على التكنولوجيا النووية المتاحة لكل الدول الموقعة على معاهدة حظر انتشار الأسلحة النووية، وهي الناحية التي ستعمل على طرحها خلال مؤتمر مراجعة معاهدة منع الانتشار النووي المنعقد في نيويورك، وهو المؤتمر الذي يعقد كل خمس سنوات بهدف التأكد من تنفيذ الأهداف التي نصّت عليها أحكام المعاهدة.

وكانت طهران قد هددت، من خلال ما أعلنه حسن روحاني، كبير مفاوضي إيران، في محادثات تسوية ملفها النووي في لندن، نيتها في استئناف أنشطة تحويل اليورانيوم الذي سبق تخصيبه وذلك بعد فشل المحادثات مع الاتحاد الأوروبي في إحراز تقدم ملموس، حيث كانت قد جمدت أنشطة التخصيب في نوفمبر سنة 2004 كمبادرة لحسن النية وإجراء لبناء الثقة في بداية المفاوضات مع دول الاتحاد الأوروبي وذلك إلى حين التوصل إلى اتفاق معها. وهو التهديد الذي أكده حميد رضا آصفي المتحدث باسم الخارجية الإيرانية والذي جاء بعد ساعات من اختتام محادثات لندن بين الوفد الإيراني ووفد الترويكا الأوروبية، وحرصت من خلاله إيران على إبقاء الباب مواربا بينها وبين دول الاتحاد الأوروبي من خلال ما أعلنته عن نيتها في مواصلة المفاوضات معها بالشكل الذي يحفظ مصالح المتفاوضين، ويؤدي إلى التوصل إلى حل مرضي للملف النووي الإيراني، خاصة أن جميع الأطراف سوف تشارك في المحادثات الخاصة بمؤتمر مراجعة معاهدة الانتشار النووي، حيث يمكن في هذا الصدد إجراء مزيد من المباحثات بين الطرفين الإيراني والأوروبي على هامش المؤتمر.

وعليه يتبين أنه على الرغم من تشابه الموقف الأوروبي من الأزمة النووية الإيرانية مع الموقف الأمريكي إلا إن دول الاتحاد تتبنى موقفاً متأنياً متعقلاً يرفض الخيار العسكري حتى لا تتحول إيران إلى عراق آخر، وسعيا للحفاظ على المصالح المتنوعة التي تربط دول الاتحاد بمنطقة الشرق الأوسط وعلى رأسها النفط. وعليه تقوم دول الاتحاد الأوروبي بممارسة دورين مترابطين:

الدور الأول: ويعد هو الأوضح وهو دورها كوسيط بين الطرفين الإيراني والأمريكي وذلك من خلال ما تملكه من قنوات اتصال وعلاقات جيدة بالطرفين، وهو أيضاً الدور الذي يلقى قبولاً جيداً منهما، حيث ترى إيران أنها تستطيع من خلال تعاملها مع دول الاتحاد الأوروبي الحصول على ضمان كافٍ يتمثل في عدم إقدام واشنطن على إلغاء حقها المشروع في تطوير أسلحتها النووية للأغراض السلمية وذلك عقب تقديمها كل الضمانات اللازمة للمجتمع الدولي والوكالة الدولية للطاقة الذرية. أما الولايات المتحدة الأمريكية فستحصل على ضمانات عبر دول الاتحاد الأوروبي بتوقف إيران عن تطوير أنشطتها النووية بكل أنواعها.

أما الدور الثاني وهو الأقل وضوحاً فيتمثل في الدور الذي تقوم به دول الاتحاد الأوروبي كطرف مستقل يقدم مبادرات تسعى للحل السلمي التدريجي للمشكلة الإيرانية، من ذلك اقتراح المستشار الألماني جيرهارد شردور بإقامة نظام للأمن الجماعي في الخليج لتلبية احتياجات إيران للطاقة النووية السلمية، وهو الاقتراح الذي لم يلق قبولا لدى واشنطن.

وعموماً، فإن الدور الذي تقوم به دول الاتحاد الأوروبي سواء أكان دور الوسيط أو دور الطرف المستقل يقوم إلى حد بعيد على سياسة الترغيب والترهيب من خلال عرض الطرف الأوروبي لمكاسب سياسية وتجارية وتكنولوجية في حال تنازل إيران عن تخصيب اليورانيوم، وهى الصفقة التي يهدد الطرف الأوروبي إيران في حال رفضها إياها بالتحول إلى تبني موقف واشنطن الداعي لعرض القضية على مجلس الأمن لفرض عقوبات على إيران.

 

::/fulltext::

1005-d5f
Getting your Trinity Audio player ready...

::cck::2797::/cck::
::introtext::

فى إطار الدور السياسي المتصاعد الذي يقوم به الاتحاد الأوروبي تجاه عدد من المشكلات السياسية الحالية يأتي الدور الذي يلعبه تجاه الملف النووي الإيراني في إطار الرغبة في التهدئة وإعطاء الخيار الدبلوماسي الوقت اللازم. وهو الدور الذي تعود جذوره التاريخية إلى فترة حكم شاه إيران عندما اتجهت كل من ألمانيا وبريطانيا وفرنسا لتقديم الدعم المادي والتقني اللازم لإيران وهو الدعم الذي تجدد بعد انتهاء الحرب العراقية- الإيرانية في إطار الجهود التي قامت بها إيران لإحياء برنامجها النووي في عهد الرئيس الأسبق هاشمي رافسنجاني.

::/introtext::
::fulltext::

فى إطار الدور السياسي المتصاعد الذي يقوم به الاتحاد الأوروبي تجاه عدد من المشكلات السياسية الحالية يأتي الدور الذي يلعبه تجاه الملف النووي الإيراني في إطار الرغبة في التهدئة وإعطاء الخيار الدبلوماسي الوقت اللازم. وهو الدور الذي تعود جذوره التاريخية إلى فترة حكم شاه إيران عندما اتجهت كل من ألمانيا وبريطانيا وفرنسا لتقديم الدعم المادي والتقني اللازم لإيران وهو الدعم الذي تجدد بعد انتهاء الحرب العراقية- الإيرانية في إطار الجهود التي قامت بها إيران لإحياء برنامجها النووي في عهد الرئيس الأسبق هاشمي رفسنجاني .

واشتعلت القضية النووية الإيرانية بعد الحرب على العراق في مارس سنة 2003 عقب أن أصبحت موضعاً لشك وريبة المجتمع الدولي وخاصة الولايات المتحدة الأمريكية والوكالة الدولية للطاقة الذرية وهو ما دعا الاتحاد الأوروبي للقيام بدور الوساطة لتحفيز إيران على سلوك أكثر إيجابية يأتي متماشيا مع المطالب الأمريكية ووكالة الطاقة النووية. ورداً على مبادرة الاتحاد الأوروبي، اتجهت إيران لدعوة وزراء خارجية كل من ألمانيا وبريطانيا وفرنسا لزيارة طهران في محاولة منها للخروج من إسار الضغوط السياسية والاقتصادية المكثفة الموجهة إليها على نحو خاص من الولايات المتحدة الأمريكية وإسرائيل. وتركز الموقف العام لدول الاتحاد الأوروبي في التعامل مع المسألة النووية الإيرانية من منظور أمني من خلال الوكالة الدولية للطاقة النووية مع إعطاء الوكالة من ناحية وإيران من ناحية أخرى الوقت الكافي لمعالجة الأزمة قبل تصعيدها سياسياً برفعها إلى مجلس الأمن الدولي. وعليه فقد دعا الاتحاد الأوروبي إيران لإعادة النظر في هدف برنامجها النووي مع تعهده بتقديم يد العون لها في حال استجابتها لكافة شروط المجتمع الدولي والتي من أهمها أن يكون البرنامج موجهاً لخدمة الأهداف السلمية المدنية.

وبناء على ذلك فقد أثمرت المباحثات الأوروبية- الإيرانية عددا من النتائج الأساسية تمثلت في:

أولاً: اعتراف الأوروبيين رسمياً بحق طهران في الحصول على التكنولوجيا النووية في الإطار الذي لا يتعارض مع معاهدة حظر انتشار الأسلحة النووية.

ثانياً: إن انضمام إيران للبروتوكول الإضافي لمعاهدة حظر انتشار الأسلحة النووية الصادر عام 1997 لا يجب أن يأتي بالانتقاص من سيادتها وأمنها القومي.

ثالثاً: وعد الدول الأوروبية بالعمل على تطوير علاقتها الاقتصادية والتكنولوجية مع إيران في حال توفر المناخ الآمن الذي يسمح بهذا.

ومن خلال البيان المشترك الصادر في أكتوبر سنة 2003، بين وزراء خارجية كل من فرنسا وبريطانيا وألمانيا، وسكرتير مجلس الأمن القومي الإيراني وافقت إيران على التوقيع على البروتوكول الإضافي لمعاهدة الحد من انتشار الأسلحة النووية، وهو البروتوكول الذي يعد بمثابة أداة دولية رئيسية لمراقبة الأسلحة النووية، حيث يتعين على الدول الموقعة عليه أن تقدم للوكالة الدولية معلومات أكثر دقة من التي يطلبها نظام تطبيق معاهدة حظر الانتشار النووي، كما يسمح بتفقد منشآت لا تنص المعاهدة على تفتيشها مثل المفاعلات التي توقفت عن العمل والمراكز والمصانع التي تنتج مواد تدخل في إطار البرامج النووية.

وعلى الرغم من دور الاتحاد الأوروبي في إقناع إيران بالتوقيع على البروتوكول بشروطه الشديدة الصرامة فقد واصلت دول الاتحاد الأوروبي حثها إيران على المضي قدماً في إثبات حسن نيتها بالموافقة على مراقبة برنامجها النووي من قبل مفتشين تابعين للوكالة فضلا عن متابعتها عن بعد من خلال الكاميرات الموجودة داخل المفاعلات، وهو الأمر الذي ربطته دول الاتحاد الأوروبي باستمرار علاقاتها الاقتصادية مع إيران، وهو ما تم فعلياً في فبراير سنة 2004 عندما اتفق وزراء خارجية الاتحاد الأوروبي على انتظار تقرير الوكالة الدولية حول الأنشطة النووية الإيرانية قبل استئناف المحادثات حول إبرام اتفاقية تجارية مع إيران. وهو المطلب الذي رأى عدد من السياسيين الإيرانيين ضرورة أن تنظر إليه إيران بعين الاعتبار من خلال إظهار مزيد من التعاون مع الوكالة الدولية لمنع تكرار سيناريو الهجوم على العراق. ومن أجل عدم التضحية بالعديد من المصالح التجارية التي تجمع بين إيران ودول الاتحاد الأوروبي خاصة أن هذه الدول تواجه ضغوطاً أمريكية لإقناع لإيران بأخذ موقف مرن ومتعاون مع مطالب الوكالة الدولية للطاقة الذرية، حيث تراقب واشنطن نتائج المفاوضات الأوروبية –الإيرانية وهي المفاوضات التي لم تسفر إلى الآن عن حل يرضي الدوائر الأمريكية لسببين أساسيين:

السبب الأول يعود إلى إصرار إيران على الاحتفاظ بحقها في امتلاك الطاقة النووية لاستخدامها في الأغراض السلمية وحقها أيضاً – كما تحدث عن ذلك مسؤولون إيرانيون- في امتلاك أسلحة نووية أسوة بدول أخرى في المنطقة وفي العالم وفي مقدمتها إسرائيل التي لم توقع على معاهدة حظر انتشار الأسلحة النووية.

السبب الثاني: إصرار الاتحاد الأوروبي على الربط بين السياسة الخارجية الإيرانية والملف النووي، حيث دعا الاتحاد الأوروبي طهران من خلال (بيان بروكسل) إلى ضرورة تغيير سياستها تجاه عملية السلام في الشرق الأوسط، وتجاه إسرائيل، على نحو خاص، كمطلب أساسي لاستمرار التعاون بينهما، وهو المطلب الذي تعارضه إيران بشدة خاصة في إطار تلويح إسرائيل بإمكانية توجيه ضربة عسكرية إلى مفاعل بوشهر على غرار عملية ضرب المفاعل النووي العراقي خلال الثمانينات.

وعليه، فإن اتجاه دول الاتحاد الأوروبي لممارسة دور نشط إزاء المسألة النووية الإيرانية، والذي يعد، كما وصفه بعض المحللين، دور الموازن مع الولايات المتحدة الأمريكية، لا يزال يواجهه الكثير من العقبات التي تعود لرفض طهران للضغوط الدولية التي تجبرها على التوافق مع المطالب والسياسات الأمريكية خاصة في إطار الفتوى التي أوضحها المرشد الأعلى للثورة الإسلامية آية الله خامنئي وجاء فيها أنه لا يوجد ما يمنع إيران من امتلاك السلاح النووي وإن كانت لا تسعى في الوقت ذاته لامتلاك أسلحة الدمار الشامل ولذلك فإن طهران –حسبما أشار- لن تتردد في وقف تعاونها مع الوكالة الدولية، إذا ما تمادت الوكالة في مطالب يمكن أن تهدد المصالح القومية الإيرانية.

ومن هذا المنطلق كان الرد الإيراني قاطعاً في مواجهة التصريحات المتشددة الأخيرة للرئيس الأمريكي جورج بوش التي أكد من خلالها عدم حاجة إيران إلى الاستخدام السلمي للطاقة النووية، حيث أشارت طهران إلى إنها لا تطالب بالكثير، فهي تسعى فقط لتأكيد حقها في الحصول على التكنولوجيا النووية المتاحة لكل الدول الموقعة على معاهدة حظر انتشار الأسلحة النووية، وهي الناحية التي ستعمل على طرحها خلال مؤتمر مراجعة معاهدة منع الانتشار النووي المنعقد في نيويورك، وهو المؤتمر الذي يعقد كل خمس سنوات بهدف التأكد من تنفيذ الأهداف التي نصّت عليها أحكام المعاهدة.

وكانت طهران قد هددت، من خلال ما أعلنه حسن روحاني، كبير مفاوضي إيران، في محادثات تسوية ملفها النووي في لندن، نيتها في استئناف أنشطة تحويل اليورانيوم الذي سبق تخصيبه وذلك بعد فشل المحادثات مع الاتحاد الأوروبي في إحراز تقدم ملموس، حيث كانت قد جمدت أنشطة التخصيب في نوفمبر سنة 2004 كمبادرة لحسن النية وإجراء لبناء الثقة في بداية المفاوضات مع دول الاتحاد الأوروبي وذلك إلى حين التوصل إلى اتفاق معها. وهو التهديد الذي أكده حميد رضا آصفي المتحدث باسم الخارجية الإيرانية والذي جاء بعد ساعات من اختتام محادثات لندن بين الوفد الإيراني ووفد الترويكا الأوروبية، وحرصت من خلاله إيران على إبقاء الباب مواربا بينها وبين دول الاتحاد الأوروبي من خلال ما أعلنته عن نيتها في مواصلة المفاوضات معها بالشكل الذي يحفظ مصالح المتفاوضين، ويؤدي إلى التوصل إلى حل مرضي للملف النووي الإيراني، خاصة أن جميع الأطراف سوف تشارك في المحادثات الخاصة بمؤتمر مراجعة معاهدة الانتشار النووي، حيث يمكن في هذا الصدد إجراء مزيد من المباحثات بين الطرفين الإيراني والأوروبي على هامش المؤتمر.

وعليه يتبين أنه على الرغم من تشابه الموقف الأوروبي من الأزمة النووية الإيرانية مع الموقف الأمريكي إلا إن دول الاتحاد تتبنى موقفاً متأنياً متعقلاً يرفض الخيار العسكري حتى لا تتحول إيران إلى عراق آخر، وسعيا للحفاظ على المصالح المتنوعة التي تربط دول الاتحاد بمنطقة الشرق الأوسط وعلى رأسها النفط. وعليه تقوم دول الاتحاد الأوروبي بممارسة دورين مترابطين:

الدور الأول: ويعد هو الأوضح وهو دورها كوسيط بين الطرفين الإيراني والأمريكي وذلك من خلال ما تملكه من قنوات اتصال وعلاقات جيدة بالطرفين، وهو أيضاً الدور الذي يلقى قبولاً جيداً منهما، حيث ترى إيران أنها تستطيع من خلال تعاملها مع دول الاتحاد الأوروبي الحصول على ضمان كافٍ يتمثل في عدم إقدام واشنطن على إلغاء حقها المشروع في تطوير أسلحتها النووية للأغراض السلمية وذلك عقب تقديمها كل الضمانات اللازمة للمجتمع الدولي والوكالة الدولية للطاقة الذرية. أما الولايات المتحدة الأمريكية فستحصل على ضمانات عبر دول الاتحاد الأوروبي بتوقف إيران عن تطوير أنشطتها النووية بكل أنواعها.

أما الدور الثاني وهو الأقل وضوحاً فيتمثل في الدور الذي تقوم به دول الاتحاد الأوروبي كطرف مستقل يقدم مبادرات تسعى للحل السلمي التدريجي للمشكلة الإيرانية، من ذلك اقتراح المستشار الألماني جيرهارد شردور بإقامة نظام للأمن الجماعي في الخليج لتلبية احتياجات إيران للطاقة النووية السلمية، وهو الاقتراح الذي لم يلق قبولا لدى واشنطن.

وعموماً، فإن الدور الذي تقوم به دول الاتحاد الأوروبي سواء أكان دور الوسيط أو دور الطرف المستقل يقوم إلى حد بعيد على سياسة الترغيب والترهيب من خلال عرض الطرف الأوروبي لمكاسب سياسية وتجارية وتكنولوجية في حال تنازل إيران عن تخصيب اليورانيوم، وهى الصفقة التي يهدد الطرف الأوروبي إيران في حال رفضها إياها بالتحول إلى تبني موقف واشنطن الداعي لعرض القضية على مجلس الأمن لفرض عقوبات على إيران.

 

::/fulltext::
::cck::2797::/cck::

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *