دور المؤسسات النسائية في النهوض بالمرأة : مملكة البحرين نموذجاً

::cck::2827::/cck::
::introtext::

الحديث عن المؤسسات النسائية يشمل الرسمية منها والأهلية، وتكتسب الجهتان أهمية بارزة اليوم أخذاً بمبدأ الشراكة المجتمعية من خلال تكامل الجهدين الرسمي والأهلي لبلوغ أهداف التنمية عموماً وللنهوض بالمرأة والدفاع عن قضاياها بشكل خاص.

 

::/introtext::
::fulltext::

الحديث عن المؤسسات النسائية يشمل الرسمية منها والأهلية، وتكتسب الجهتان أهمية بارزة اليوم أخذاً بمبدأ الشراكة المجتمعية من خلال تكامل الجهدين الرسمي والأهلي لبلوغ أهداف التنمية عموماً وللنهوض بالمرأة والدفاع عن قضاياها بشكل خاص.

ويتوجه الاهتمام – خليجيا- للنهوض بالمرأة والدفاع عن حقوقها باعتبار أن المرأة الخليجية لم تزل – في الغالب- ترزح تحت طائلة منظور مجتمعي إقصائي يصادر الكثير من حقوقها ويدرجها في قائمة المواطن من الرتبة الثانية، كما يقصر مشاركتها في الشأن المجتمعي العام على الأدوار الهامشية، مما يعرقل نهوضها ويعيق مشاركتها. ويتنوع العمل النسائي الخليجي، ويتفاوت وفقا لظروف وطابع التطور الاقتصادي، السياسي، الاجتماعي والثقافي التي مرّ بها كل مجتمع خليجي، وانعكست آثارها على مستوى نهوض المرأة فيه وماهية الدور الذي مارسته وتمارسه في الدفاع عن قضاياها. وإذا كان العمل النسائي الخليجي قد غلب على معظمه طابع العمل الخيري والخدماتي خلال العقود الماضية، فإن التوجهات الحالية تسير نحو التركيز على قضايا حقوق المرأة والنهوض بها وتفعيل مشاركتها في الشأن العام والتنمية المجتمعية.

والجدير ذكره أن القطاع الأهلي قد سبق القطاع الرسمي الحكومي في تشكيل مؤسسات العمل النسائي في العديد من دول الخليج العربية. وعلى أثر تنامي الدور الأهلي في هذا المجال وما حققه من نجاحات، توجهت الدول بشكل رسمي إلى تكوين مؤسسات نسائية رسمية والتدرج في توسيع مشاركة المرأة في الشأن العام. وتحتاج الدول الخليجية اليوم لتحقيق مستوى معين من النهوض بالمرأة بهدف استثمار طاقاتها في التنمية المجتمعية. ذلك إلى جانب ما استجد في السنوات الأخيرة من مطالبات عالمية بالديمقراطية وحقوق الإنسان وما تواجهه مجتمعات الخليج العربية من ضغوط دولية تتعلق بحقوق المرأة فيها.

وتقع مملكة البحرين على رأس الدول الخليجية في تاريخ تأسيس وعمل المؤسسات النسائية التي بدأت منذ نصف قرن في مرحلة ما قبل الاستقلال. ولبلوغ مقاربة موضوعية في تقييم دور المؤسسات النسائية في المجتمع البحريني، لابد من الأخذ في الاعتبار مرحلتين أساسيتين مرت بهما البحرين في تاريخها الحديث هما: مرحلة المشروع الإصلاحي الذي دشنه الملك الشيخ حمد بن عيسى آل خليفة منذ بداية عهده مطلع الألفية الثالثة، والمرحلة التي تسبق ذلك وتمتد لنصف قرن من الزمن. وذلك لما يمثله عهد الإصلاح بقيادة الملك من نقلة كبرى في أوضاع المرأة البحرينية والمكاسب التي حققتها في ظله.

في المرحلة السابقة للمشروع الإصلاحي كان للجهود الأهلية الدور المحوري في قيام مؤسسات العمل النسائي قبل أي توجه رسمي في هذا الاتجاه بسنوات طويلة. وهذا التوجه الأهلي هو إفراز طبيعي لما يميز المجتمع البحريني من وعي وانفتاح وتفاعل ينعكس على حيوية الحراك السياسي والثقافي والاجتماعي في كافة المنعطفات التاريخية المهمة التي مر بها هذا المجتمع خلال القرن الماضي. كما أن حيوية الحراك المجتمعي وفاعليته جعلتا الجهة الرسمية وعموم المجتمع يتقبلون مشاركة المرأة في الحياة العامة وفقا لمتطلبات كل مرحلة وبما يلائم التقبل المجتمعي عموما.

وتأسست أول جمعية نسائية أهلية بحرينية في عام 1955. ومع دخول الستينات تأسست الجمعية النسائية الثانية. وبعد إعلان الاستقلال ظهرت -خلال السبعينات- أربع جمعيات نسائية. وفي الفترة ما بين منتصف الخمسينات إلى منتصف الستينات قام عمل المؤسسات النسائية بشكل أساسي على جهود نساء بحرينيات من الأسرة الحاكمة وأسر الطبقة الموسرة الأكثر تحررا في المجتمع، وكان الطابع الخيري هو الغالب على عمل تلك المؤسسات. ورغم ذلك يحسب للمؤسسات النسائية في تلك الفترة أنها أول من بدأ في البحرين بأنشطة محو الأمية والتعليم التكميلي لربات البيوت وإن بشكل محدود، وأول من فتح روضة للأطفال في تاريخ البحرين. أضف لذلك بعض الأنشطة الخدمية والتوعوية.

ومنذ منتصف الستينات دخولا في السبعينات من القرن الماضي كان المجتمع البحريني يمور بالحراك السياسي والثقافي. وكان لذلك أثره الكبير في تنامي الوعي المجتمعي والتوجه نحو التوسع في تعليم المرأة، فتزايدت نسبة المتعلمات والخريجات الجامعيات من الشابات البحرينيات، وتوجهت فئات منهن لتأسيس جمعيات نسائية أهلية انضمت إليها شابات من مختلف الطبقات الاجتماعية، وطرحت تلك الجمعيات أهدافا جديدة تركز على توعية المرأة والدفاع عن حقوقها، مما أحدث نقلة حتى في عمل الجمعيات الأقدم وتوجهها نحو تجاوز طابع العمل الخيري إلى النهوض بالمرأة توعية ودفاعا عن حقوقها.

واتسمت مرحلة السبعينات بالتوسع في الأنشطة التوعوية التي تصل للمرأة في مناطقها، وشملت الفعاليات التوعية الأسرية، الثقافية والصحية، كما فتحت معظم الجمعيات النسائية صفوفا لمحو الأمية. وعلى أعتاب التجربة البرلمانية الأولى في البحرين (النصف الأول من السبعينات) تصدت الجمعيات النسائية لمصادرة حق المرأة السياسي، ونظمت حملات توعية بهذا الشأن شملت مختلف أوساط المجتمع البحريني الأهلية والرسمية، كما تقدمت بأول عريضة نسائية في تاريخ البحرين للمطالبة بحقوق المرأة السياسية، إلى جانب ما بذلته الجمعيات من جهود لتأسيس اتحاد نسائي بحريني لم تكلل بالنجاح.

وعلى أثر إجهاض التجربة الديمقراطية الأولى في البحرين، دخل المجتمع البحريني مرحلة صعبة من التضييق على الحريات وعلى الحراك المجتمعي. فتوقف ظهور مؤسسات نسائية جديدة، وواجهت العمل النسائي -مثله مثل غيره من المؤسسات الأهلية – صعوبات وقيود كثيرة. ورغم ذلك يحسب لمؤسسات العمل النسائي قدرتها آنذاك –أكثر من أي مؤسسات أهلية أخرى- على مواصلة العمل في أصعب الظروف وأكثرها قيودا. فخلال الثمانينات والتسعينات الماضية اتجهت مؤسسات العمل النسائي الأهلي نحو أهداف جديدة تركز أساسا على الجانب الحقوقي والتنموي للمرأة اتساقا مع الطروحات العالمية بعد انعقاد مؤتمرات المرأة العالمية في نيروبي وبكين. واتجهت الجمعيات النسائية للتركيز على المطالبة بإصدار قانون للأحوال الشخصية، وبادرت في عام 1981 إلى تأسيس لجنة أهلية للدفع بإصدار القانون، كما بدأت كل جمعية نسائية تفتح مشاريع حرفية صغيرة لتشغيل النساء ولإحياء مهن تراثية. ودخلت جمعيتان نسائيتان في مشروع تقديم القروض المتناهية الصغر (المايكروستارت)، ودشنت جمعيتان مركزين للمشورة القانونية والأسرية المجانية للنساء من الفئات الفقيرة، كما أنجزت بعض هذه الجمعيات دراسات وبحوث علمية ميدانية عن القضايا الاجتماعية في حياة المرأة والأسرة البحرينية، وافتتحت إحدى الجمعيات مركز معلومات حول المرأة والطفل وغيره من المشاريع.

ويمكننا بالنتيجة أن نزعم بأن المؤسسات النسائية الأهلية منذ الخمسينات إلى أواخر التسعينات ظلت قريبة من الاحتياجات الفعلية للمرأة البحرينية، وطورت أهدافها وفقا لتطورات أوضاع المرأة وحركة المجتمع البحريني عموما بدءا من التركيز على النشاط الخيري وانتهاء بالتركيز على المطالبة بحقوق المرأة وتدشين مشاريع تنموية للمرأة والأسرة.

غير أن ما أنجزته مؤسسات العمل النسائي الأهلي لا ينفي جوانب القصور والسلبيات في عملها، فأول سلبياتها أنها لم تستطع أن تتوحد تحت مظلة اتحاد نسائي يكون حاضنة موحدة لكل نساء البحرين، كما أن بعض الجمعيات الشابة التي بدأت بزخم نسائي جماهيري واسع في السبعينات لم تستطع أن تحتفظ بذلك الزخم وتحولت تدريجيا إلى مؤسسات نخبوية في عضويتها وشيئا فشيئا في برامجها وخطابها. ولم تستطع أن تتحول إلى حركة نسائية ذات تأثير مجتمعي عام. ومما يؤخذ على العمل النسائي في العقود السابقة فشله في إعداد صفوف بديلة عن الكوادر القيادية المؤهلة مما أفسح المجال لبقاء بعض الوجوه القيادية عقودا من الزمن وأثر سلبا في فاعلية الأداء والإنتاجية. ومن جانب آخر كابدت مؤسسات العمل النسائي في فترة ما قبل الإصلاح قيودا رسمية على مشاريعها وبرامج عملها وحركتها في الأوساط النسائية البحرينية وفي مشاركتها في الفعاليات العربية والدولية. وتمثل ذلك في القوانين والأنظمة الرسمية المقيدة للمجتمع ومؤسساته كقانون الجمعيات 1989.

ومع دخول الألفية الثالثة شكّل عهد الإصلاح بقيادة الشيخ حمد بن عيسى آل خليفة ملك مملكة البحرين ركيزة انطلاق كبرى نحو آفاق جديدة وواسعة في العمل النسائي على الصعيدين الرسمي والأهلي، فأهم ما ميز عهده حصول المرأة البحرينية على كامل حقوقها السياسية ومشاركتها الفعلية في الانتخابات البلدية والنيابية عام 2002. كما تأسست في العام 2001 أول مؤسسة رسمية معنية بالنهوض بالمرأة وبالدفاع عن قضاياها هي المجلس الأعلى للمرأة الذي ترأسه الشيخة سبيكة بنت إبراهيم آل خليفة حرم ملك البحرين.
ومنذ تأسيسه اهتم المجلس بأوضاع المرأة وحقوقها ونشط من أجل إصدار قانون للأحوال الشخصية. كما رفع الكثير من التوصيات المتعلقة بالوضع الحقوقي والاحتياج الحياتي للمرأة، واتخذت تلك التوصيات طريقها للتنفيذ الفعلي بالتنسيق مع الوزارات المعنية كتوصية منح العلاوة الاجتماعية للموظفات وتحديد المراكز الاجتماعية كمقرات للقاء الوالدين بأبنائهما في حالة انفصال الزوجين، وفتح مكاتب بالمحافظات لتلقي شكاوى المرأة، وتقديم المساعدة القانونية المجانية للمرأة الفقيرة، ومنح المرأة المطلقة الحاضنة والمرأة المعيلة لأسرتها حق الانتفاع بالخدمات الإسكانية.

ومن جانب آخر دشن المجلس مطلع 2005 الاستراتيجية الوطنية للنهوض بالمرأة البحرينية وبدأ إجراءات تفعيلها، كما أعلن خطة عامة للنهوض بالمرأة البحرينية في مجال المشاركة السياسية ومواقع اتخاذ القرار، وينشط المجلس حالياً في تفعيل الخطة المذكورة استعدادا لانتخابات 2006 بالتنسيق مع الجمعيات النسائية الأهلية ومؤسسات المجتمع المدني الأخرى بعقد ورش عمل متخصصة ودورات تأهيل القيادات النسائية.

أما على الصعيد الأهلي فإن أجواء الانفتاح السياسي واتساع هامش الحريات قد فتحا الأبواب واسعة لمزيد من المشاركة النسائية في الشأن المجتمعي العام، وأمدّت المؤسسات النسائية العريقة المؤسسات الأهلية التي تزايد ظهورها بالكوادر النسائية التي خبرت العمل التطوعي وتربت وتدربت في الجمعيات النسائية. ومع النشاط الملحوظ في الحراك السياسي بالمجتمع خلال السنوات الثلاث الأخيرة، سعى كل تيار سياسي إلى تفعيل عمل المجموعات النسائية المحسوبة عليه في مؤسسات نسائية رسمية. وفي نهاية 2004 بلغ عدد الجمعيات النسائية المشهرة أربع عشرة جمعية.

وتنشط الجمعيات النسائية الأهلية اليوم في تنظيم البرامج التوعوية بدور المرأة في الإصلاح، وتنفذ برامج منوعة لتمكين المرأة من المشاركة السياسية والاجتماعية، ومن الوصول لمواقع اتخاذ القرار، كما اتجهت الجمعيات النسائية لتوحيد جهودها في اتحاد نسائي يضم نساء البحرين، فتأسست لجنة تحضيرية تقدمت للجهة الرسمية بطلب لإشهار الاتحاد، وتنشط الجمعيات النسائية حاليا في مجالات التوعية الحقوقية للمرأة وتمكينها من خلال عقد الدورات وورش العمل التي تتناول شتى الموضوعات المتعلقة بهذا الشأن وخصوصا إصدار قانون الأحوال الشخصية، حقوق المرأة من المنظور الجندري، الحصص النسائية (الكوتا) في المجالس المنتخبة. كما تعد الجمعيات خططها لتمكين المرأة البحرينية من المشاركة الفاعلة في الانتخابات النيابية المقبلة. وعموما يمكن اعتبار بحرين اليوم ورشة عمل كبرى للنهوض بالمرأة البحرينية وتمكينها.

وهذا النشاط الملحوظ لمؤسسات العمل النسائي والزخم المتواتر في مساعيها للنهوض بالمرأة والدفاع عن قضاياها ليس معناه أن الطريق معبدة بالورود دون عقبات ومصاعب، فأهم التحديات التي تواجه المجلس الأعلى للمرأة كمؤسسة رسمية هو مدى قدرته على بلوغ المستوى المطلوب من الشراكة والتكامل مع المؤسسات النسائية الأهلية في مجال تمكين المرأة والدفاع عن حقوقها، بالإضافة لمدى قدرته على تحويل بنود الاستراتيجية الوطنية للنهوض بالمرأة البحرينية إلى خطط عمل وبرامج فاعلة على أرض الواقع. أما المؤسسات النسائية الأهلية فتواجه عددا من التحديات والعقبات الموضوعية والذاتية التي تحتاج لتضافر جهودها من أجل تذليلها، فعلى المستوى الموضوعي لم يزل الاتحاد النسائي ينتظر الإشهار من وزارة الشؤون الاجتماعية. ولم يزل قانون الجمعيات يضع قيودا على عمل الجمعيات لا تتلاءم وطابع المرحلة الإصلاحي. وعلى المستوى الذاتي لم تزل جوانب من عمل المؤسسات النسائية تحمل الطابع والخطاب النخبوي وإن بدأ عدد منها يعمل في الوقت الحاضر جاهداً للتخلص من هذه السلبية.

وبالختام نقول إن زخم الحراك المجتمعي الواسع الذي تعيشه البحرين اليوم والمهام التنموية المطروحة بقوة وأجواء الحريات المتاحة، يفتح آفاقا واسعة أمام العمل النسائي لتطوير برامجه وتجذيرها باتجاه المزيد من النهوض بالمرأة البحرينية والدفاع عن قضاياها.

 

::/fulltext::

Getting your Trinity Audio player ready...

::cck::2827::/cck::
::introtext::

الحديث عن المؤسسات النسائية يشمل الرسمية منها والأهلية، وتكتسب الجهتان أهمية بارزة اليوم أخذاً بمبدأ الشراكة المجتمعية من خلال تكامل الجهدين الرسمي والأهلي لبلوغ أهداف التنمية عموماً وللنهوض بالمرأة والدفاع عن قضاياها بشكل خاص.

 

::/introtext::
::fulltext::

الحديث عن المؤسسات النسائية يشمل الرسمية منها والأهلية، وتكتسب الجهتان أهمية بارزة اليوم أخذاً بمبدأ الشراكة المجتمعية من خلال تكامل الجهدين الرسمي والأهلي لبلوغ أهداف التنمية عموماً وللنهوض بالمرأة والدفاع عن قضاياها بشكل خاص.

ويتوجه الاهتمام – خليجيا- للنهوض بالمرأة والدفاع عن حقوقها باعتبار أن المرأة الخليجية لم تزل – في الغالب- ترزح تحت طائلة منظور مجتمعي إقصائي يصادر الكثير من حقوقها ويدرجها في قائمة المواطن من الرتبة الثانية، كما يقصر مشاركتها في الشأن المجتمعي العام على الأدوار الهامشية، مما يعرقل نهوضها ويعيق مشاركتها. ويتنوع العمل النسائي الخليجي، ويتفاوت وفقا لظروف وطابع التطور الاقتصادي، السياسي، الاجتماعي والثقافي التي مرّ بها كل مجتمع خليجي، وانعكست آثارها على مستوى نهوض المرأة فيه وماهية الدور الذي مارسته وتمارسه في الدفاع عن قضاياها. وإذا كان العمل النسائي الخليجي قد غلب على معظمه طابع العمل الخيري والخدماتي خلال العقود الماضية، فإن التوجهات الحالية تسير نحو التركيز على قضايا حقوق المرأة والنهوض بها وتفعيل مشاركتها في الشأن العام والتنمية المجتمعية.

والجدير ذكره أن القطاع الأهلي قد سبق القطاع الرسمي الحكومي في تشكيل مؤسسات العمل النسائي في العديد من دول الخليج العربية. وعلى أثر تنامي الدور الأهلي في هذا المجال وما حققه من نجاحات، توجهت الدول بشكل رسمي إلى تكوين مؤسسات نسائية رسمية والتدرج في توسيع مشاركة المرأة في الشأن العام. وتحتاج الدول الخليجية اليوم لتحقيق مستوى معين من النهوض بالمرأة بهدف استثمار طاقاتها في التنمية المجتمعية. ذلك إلى جانب ما استجد في السنوات الأخيرة من مطالبات عالمية بالديمقراطية وحقوق الإنسان وما تواجهه مجتمعات الخليج العربية من ضغوط دولية تتعلق بحقوق المرأة فيها.

وتقع مملكة البحرين على رأس الدول الخليجية في تاريخ تأسيس وعمل المؤسسات النسائية التي بدأت منذ نصف قرن في مرحلة ما قبل الاستقلال. ولبلوغ مقاربة موضوعية في تقييم دور المؤسسات النسائية في المجتمع البحريني، لابد من الأخذ في الاعتبار مرحلتين أساسيتين مرت بهما البحرين في تاريخها الحديث هما: مرحلة المشروع الإصلاحي الذي دشنه الملك الشيخ حمد بن عيسى آل خليفة منذ بداية عهده مطلع الألفية الثالثة، والمرحلة التي تسبق ذلك وتمتد لنصف قرن من الزمن. وذلك لما يمثله عهد الإصلاح بقيادة الملك من نقلة كبرى في أوضاع المرأة البحرينية والمكاسب التي حققتها في ظله.

في المرحلة السابقة للمشروع الإصلاحي كان للجهود الأهلية الدور المحوري في قيام مؤسسات العمل النسائي قبل أي توجه رسمي في هذا الاتجاه بسنوات طويلة. وهذا التوجه الأهلي هو إفراز طبيعي لما يميز المجتمع البحريني من وعي وانفتاح وتفاعل ينعكس على حيوية الحراك السياسي والثقافي والاجتماعي في كافة المنعطفات التاريخية المهمة التي مر بها هذا المجتمع خلال القرن الماضي. كما أن حيوية الحراك المجتمعي وفاعليته جعلتا الجهة الرسمية وعموم المجتمع يتقبلون مشاركة المرأة في الحياة العامة وفقا لمتطلبات كل مرحلة وبما يلائم التقبل المجتمعي عموما.

وتأسست أول جمعية نسائية أهلية بحرينية في عام 1955. ومع دخول الستينات تأسست الجمعية النسائية الثانية. وبعد إعلان الاستقلال ظهرت -خلال السبعينات- أربع جمعيات نسائية. وفي الفترة ما بين منتصف الخمسينات إلى منتصف الستينات قام عمل المؤسسات النسائية بشكل أساسي على جهود نساء بحرينيات من الأسرة الحاكمة وأسر الطبقة الموسرة الأكثر تحررا في المجتمع، وكان الطابع الخيري هو الغالب على عمل تلك المؤسسات. ورغم ذلك يحسب للمؤسسات النسائية في تلك الفترة أنها أول من بدأ في البحرين بأنشطة محو الأمية والتعليم التكميلي لربات البيوت وإن بشكل محدود، وأول من فتح روضة للأطفال في تاريخ البحرين. أضف لذلك بعض الأنشطة الخدمية والتوعوية.

ومنذ منتصف الستينات دخولا في السبعينات من القرن الماضي كان المجتمع البحريني يمور بالحراك السياسي والثقافي. وكان لذلك أثره الكبير في تنامي الوعي المجتمعي والتوجه نحو التوسع في تعليم المرأة، فتزايدت نسبة المتعلمات والخريجات الجامعيات من الشابات البحرينيات، وتوجهت فئات منهن لتأسيس جمعيات نسائية أهلية انضمت إليها شابات من مختلف الطبقات الاجتماعية، وطرحت تلك الجمعيات أهدافا جديدة تركز على توعية المرأة والدفاع عن حقوقها، مما أحدث نقلة حتى في عمل الجمعيات الأقدم وتوجهها نحو تجاوز طابع العمل الخيري إلى النهوض بالمرأة توعية ودفاعا عن حقوقها.

واتسمت مرحلة السبعينات بالتوسع في الأنشطة التوعوية التي تصل للمرأة في مناطقها، وشملت الفعاليات التوعية الأسرية، الثقافية والصحية، كما فتحت معظم الجمعيات النسائية صفوفا لمحو الأمية. وعلى أعتاب التجربة البرلمانية الأولى في البحرين (النصف الأول من السبعينات) تصدت الجمعيات النسائية لمصادرة حق المرأة السياسي، ونظمت حملات توعية بهذا الشأن شملت مختلف أوساط المجتمع البحريني الأهلية والرسمية، كما تقدمت بأول عريضة نسائية في تاريخ البحرين للمطالبة بحقوق المرأة السياسية، إلى جانب ما بذلته الجمعيات من جهود لتأسيس اتحاد نسائي بحريني لم تكلل بالنجاح.

وعلى أثر إجهاض التجربة الديمقراطية الأولى في البحرين، دخل المجتمع البحريني مرحلة صعبة من التضييق على الحريات وعلى الحراك المجتمعي. فتوقف ظهور مؤسسات نسائية جديدة، وواجهت العمل النسائي -مثله مثل غيره من المؤسسات الأهلية – صعوبات وقيود كثيرة. ورغم ذلك يحسب لمؤسسات العمل النسائي قدرتها آنذاك –أكثر من أي مؤسسات أهلية أخرى- على مواصلة العمل في أصعب الظروف وأكثرها قيودا. فخلال الثمانينات والتسعينات الماضية اتجهت مؤسسات العمل النسائي الأهلي نحو أهداف جديدة تركز أساسا على الجانب الحقوقي والتنموي للمرأة اتساقا مع الطروحات العالمية بعد انعقاد مؤتمرات المرأة العالمية في نيروبي وبكين. واتجهت الجمعيات النسائية للتركيز على المطالبة بإصدار قانون للأحوال الشخصية، وبادرت في عام 1981 إلى تأسيس لجنة أهلية للدفع بإصدار القانون، كما بدأت كل جمعية نسائية تفتح مشاريع حرفية صغيرة لتشغيل النساء ولإحياء مهن تراثية. ودخلت جمعيتان نسائيتان في مشروع تقديم القروض المتناهية الصغر (المايكروستارت)، ودشنت جمعيتان مركزين للمشورة القانونية والأسرية المجانية للنساء من الفئات الفقيرة، كما أنجزت بعض هذه الجمعيات دراسات وبحوث علمية ميدانية عن القضايا الاجتماعية في حياة المرأة والأسرة البحرينية، وافتتحت إحدى الجمعيات مركز معلومات حول المرأة والطفل وغيره من المشاريع.

ويمكننا بالنتيجة أن نزعم بأن المؤسسات النسائية الأهلية منذ الخمسينات إلى أواخر التسعينات ظلت قريبة من الاحتياجات الفعلية للمرأة البحرينية، وطورت أهدافها وفقا لتطورات أوضاع المرأة وحركة المجتمع البحريني عموما بدءا من التركيز على النشاط الخيري وانتهاء بالتركيز على المطالبة بحقوق المرأة وتدشين مشاريع تنموية للمرأة والأسرة.

غير أن ما أنجزته مؤسسات العمل النسائي الأهلي لا ينفي جوانب القصور والسلبيات في عملها، فأول سلبياتها أنها لم تستطع أن تتوحد تحت مظلة اتحاد نسائي يكون حاضنة موحدة لكل نساء البحرين، كما أن بعض الجمعيات الشابة التي بدأت بزخم نسائي جماهيري واسع في السبعينات لم تستطع أن تحتفظ بذلك الزخم وتحولت تدريجيا إلى مؤسسات نخبوية في عضويتها وشيئا فشيئا في برامجها وخطابها. ولم تستطع أن تتحول إلى حركة نسائية ذات تأثير مجتمعي عام. ومما يؤخذ على العمل النسائي في العقود السابقة فشله في إعداد صفوف بديلة عن الكوادر القيادية المؤهلة مما أفسح المجال لبقاء بعض الوجوه القيادية عقودا من الزمن وأثر سلبا في فاعلية الأداء والإنتاجية. ومن جانب آخر كابدت مؤسسات العمل النسائي في فترة ما قبل الإصلاح قيودا رسمية على مشاريعها وبرامج عملها وحركتها في الأوساط النسائية البحرينية وفي مشاركتها في الفعاليات العربية والدولية. وتمثل ذلك في القوانين والأنظمة الرسمية المقيدة للمجتمع ومؤسساته كقانون الجمعيات 1989.

ومع دخول الألفية الثالثة شكّل عهد الإصلاح بقيادة الشيخ حمد بن عيسى آل خليفة ملك مملكة البحرين ركيزة انطلاق كبرى نحو آفاق جديدة وواسعة في العمل النسائي على الصعيدين الرسمي والأهلي، فأهم ما ميز عهده حصول المرأة البحرينية على كامل حقوقها السياسية ومشاركتها الفعلية في الانتخابات البلدية والنيابية عام 2002. كما تأسست في العام 2001 أول مؤسسة رسمية معنية بالنهوض بالمرأة وبالدفاع عن قضاياها هي المجلس الأعلى للمرأة الذي ترأسه الشيخة سبيكة بنت إبراهيم آل خليفة حرم ملك البحرين.
ومنذ تأسيسه اهتم المجلس بأوضاع المرأة وحقوقها ونشط من أجل إصدار قانون للأحوال الشخصية. كما رفع الكثير من التوصيات المتعلقة بالوضع الحقوقي والاحتياج الحياتي للمرأة، واتخذت تلك التوصيات طريقها للتنفيذ الفعلي بالتنسيق مع الوزارات المعنية كتوصية منح العلاوة الاجتماعية للموظفات وتحديد المراكز الاجتماعية كمقرات للقاء الوالدين بأبنائهما في حالة انفصال الزوجين، وفتح مكاتب بالمحافظات لتلقي شكاوى المرأة، وتقديم المساعدة القانونية المجانية للمرأة الفقيرة، ومنح المرأة المطلقة الحاضنة والمرأة المعيلة لأسرتها حق الانتفاع بالخدمات الإسكانية.

ومن جانب آخر دشن المجلس مطلع 2005 الاستراتيجية الوطنية للنهوض بالمرأة البحرينية وبدأ إجراءات تفعيلها، كما أعلن خطة عامة للنهوض بالمرأة البحرينية في مجال المشاركة السياسية ومواقع اتخاذ القرار، وينشط المجلس حالياً في تفعيل الخطة المذكورة استعدادا لانتخابات 2006 بالتنسيق مع الجمعيات النسائية الأهلية ومؤسسات المجتمع المدني الأخرى بعقد ورش عمل متخصصة ودورات تأهيل القيادات النسائية.

أما على الصعيد الأهلي فإن أجواء الانفتاح السياسي واتساع هامش الحريات قد فتحا الأبواب واسعة لمزيد من المشاركة النسائية في الشأن المجتمعي العام، وأمدّت المؤسسات النسائية العريقة المؤسسات الأهلية التي تزايد ظهورها بالكوادر النسائية التي خبرت العمل التطوعي وتربت وتدربت في الجمعيات النسائية. ومع النشاط الملحوظ في الحراك السياسي بالمجتمع خلال السنوات الثلاث الأخيرة، سعى كل تيار سياسي إلى تفعيل عمل المجموعات النسائية المحسوبة عليه في مؤسسات نسائية رسمية. وفي نهاية 2004 بلغ عدد الجمعيات النسائية المشهرة أربع عشرة جمعية.

وتنشط الجمعيات النسائية الأهلية اليوم في تنظيم البرامج التوعوية بدور المرأة في الإصلاح، وتنفذ برامج منوعة لتمكين المرأة من المشاركة السياسية والاجتماعية، ومن الوصول لمواقع اتخاذ القرار، كما اتجهت الجمعيات النسائية لتوحيد جهودها في اتحاد نسائي يضم نساء البحرين، فتأسست لجنة تحضيرية تقدمت للجهة الرسمية بطلب لإشهار الاتحاد، وتنشط الجمعيات النسائية حاليا في مجالات التوعية الحقوقية للمرأة وتمكينها من خلال عقد الدورات وورش العمل التي تتناول شتى الموضوعات المتعلقة بهذا الشأن وخصوصا إصدار قانون الأحوال الشخصية، حقوق المرأة من المنظور الجندري، الحصص النسائية (الكوتا) في المجالس المنتخبة. كما تعد الجمعيات خططها لتمكين المرأة البحرينية من المشاركة الفاعلة في الانتخابات النيابية المقبلة. وعموما يمكن اعتبار بحرين اليوم ورشة عمل كبرى للنهوض بالمرأة البحرينية وتمكينها.

وهذا النشاط الملحوظ لمؤسسات العمل النسائي والزخم المتواتر في مساعيها للنهوض بالمرأة والدفاع عن قضاياها ليس معناه أن الطريق معبدة بالورود دون عقبات ومصاعب، فأهم التحديات التي تواجه المجلس الأعلى للمرأة كمؤسسة رسمية هو مدى قدرته على بلوغ المستوى المطلوب من الشراكة والتكامل مع المؤسسات النسائية الأهلية في مجال تمكين المرأة والدفاع عن حقوقها، بالإضافة لمدى قدرته على تحويل بنود الاستراتيجية الوطنية للنهوض بالمرأة البحرينية إلى خطط عمل وبرامج فاعلة على أرض الواقع. أما المؤسسات النسائية الأهلية فتواجه عددا من التحديات والعقبات الموضوعية والذاتية التي تحتاج لتضافر جهودها من أجل تذليلها، فعلى المستوى الموضوعي لم يزل الاتحاد النسائي ينتظر الإشهار من وزارة الشؤون الاجتماعية. ولم يزل قانون الجمعيات يضع قيودا على عمل الجمعيات لا تتلاءم وطابع المرحلة الإصلاحي. وعلى المستوى الذاتي لم تزل جوانب من عمل المؤسسات النسائية تحمل الطابع والخطاب النخبوي وإن بدأ عدد منها يعمل في الوقت الحاضر جاهداً للتخلص من هذه السلبية.

وبالختام نقول إن زخم الحراك المجتمعي الواسع الذي تعيشه البحرين اليوم والمهام التنموية المطروحة بقوة وأجواء الحريات المتاحة، يفتح آفاقا واسعة أمام العمل النسائي لتطوير برامجه وتجذيرها باتجاه المزيد من النهوض بالمرأة البحرينية والدفاع عن قضاياها.

 

::/fulltext::
::cck::2827::/cck::

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *