مستقبل العراق وجدلية العلاقة بين الدين والدولة (مرحلة ما بعد الانتخابات)

::cck::2846::/cck::
::introtext::

لعل المتتبع للتاريخ السياسي في العراق يجد أثر الدين ودور رجال الدين واضحين للعيان، إذ بدأت تجربة التعاطي في الأمور السياسية تأخذ مدى متعاظماً شيئاً فشيئاً مع الاعتراف بعدم الحياد عن الثوابت الدينية في السياسة بتغليب جانب النفع العام، حيث تمتد التجربة العراقية في التطرق لمسألة الدين دستورياً إلى تاريخ تأسيس الدولة العراقية عام 1921، حيث كتب أول دستور للعراق عام 1925 والذي احتوى في مادته الثالثة عشرة ما يقنن هذه العلاقة بنصه: الإسلام دين الدولة الرسمي، وحرية القيام بشعائره المألوفة في العراق على اختلاف مذاهبه محترمة لا تمس، وتضمن لجميع ساكني البلاد حرية الاعتقاد الآمنة وحرية القيام بشعائر العبادة وفقاً لعاداتهم ما لم تكن مخلة بالأمن والنظام، وما لم تناف الآداب العامة. وإثر سقوط الملكية في العراق كان للجمهوريات المتعاقبة على العراق باع طويل في كتابة الدساتير وتقنين العلاقة بين الدين والدولة، فكتب أول دستور لجمهورية العراق عام 1958 والذي عدَّ (الإسلام دين الدولة) وأعقبته عدة دساتير أولها دستور 1963 ودستور 22-نيسان 1964، وكلاهما لم يشر بأي صورة كانت إلى دين الدولة وفي أي مادة من مواده، إلا أنه وفي دستور 29-نيسان 1964 تم إيراد هذه العلاقة في مادته الثالثة بنص يتضمن أن الإسلام دين الدولة والقاعدة الأساسية لدستورها، كما أوردت المادة الثانية والعشرون منه ما نص على أن حرية الأديان مصونة وتحمي الدولة حرية القيام بشعائرها على ألا يخل ذلك بالنظام العام أو ينافي الآداب. 

::/introtext::
::fulltext::

لعل المتتبع للتاريخ السياسي في العراق يجد أثر الدين ودور رجال الدين واضحين للعيان، إذ بدأت تجربة التعاطي في الأمور السياسية تأخذ مدى متعاظماً شيئاً فشيئاً مع الاعتراف بعدم الحياد عن الثوابت الدينية في السياسة بتغليب جانب النفع العام، حيث تمتد التجربة العراقية في التطرق لمسألة الدين دستورياً إلى تاريخ تأسيس الدولة العراقية عام 1921، حيث كتب أول دستور للعراق عام 1925 والذي احتوى في مادته الثالثة عشرة ما يقنن هذه العلاقة بنصه: الإسلام دين الدولة الرسمي، وحرية القيام بشعائره المألوفة في العراق على اختلاف مذاهبه محترمة لا تمس، وتضمن لجميع ساكني البلاد حرية الاعتقاد الآمنة وحرية القيام بشعائر العبادة وفقاً لعاداتهم ما لم تكن مخلة بالأمن والنظام، وما لم تناف الآداب العامة. وإثر سقوط الملكية في العراق كان للجمهوريات المتعاقبة على العراق باع طويل في كتابة الدساتير وتقنين العلاقة بين الدين والدولة، فكتب أول دستور لجمهورية العراق عام 1958 والذي عدَّ (الإسلام دين الدولة) وأعقبته عدة دساتير أولها دستور 1963 ودستور 22-نيسان 1964، وكلاهما لم يشر بأي صورة كانت إلى دين الدولة وفي أي مادة من مواده، إلا أنه وفي دستور 29-نيسان 1964 تم إيراد هذه العلاقة في مادته الثالثة بنص يتضمن أن الإسلام دين الدولة والقاعدة الأساسية لدستورها، كما أوردت المادة الثانية والعشرون منه ما نص على أن حرية الأديان مصونة وتحمي الدولة حرية القيام بشعائرها على ألا يخل ذلك بالنظام العام أو ينافي الآداب.

وفي دستور 1968 قننت علاقة الدين بالدولة دستورياً في المادة الرابعة منه بما نصه الإسلام دين الدولة والقاعدة الأساسية لدستورها، ولم يختلف عنه دستور 1970 الذي ذكر في المادة الرابعة منه الإسلام دين الدولة. والحال يتكرر في مشروع دستور 1990، حيث أورد في مادته الخامسة أن الإسلام دين الدولة الرسمي.

وهنالك الكثير من التشريعات في العراق التي استندت في أحكامها على الجانب الديني لا غير، وحظيت برضا وقبول المواطنين كتشريعات الأوقاف، على سبيل المثال لا الحصر. كذلك يمكننا الوقوف على العديد من التشريعات التي أخذت من الدين الكثير من احكامها كالقانون المدني المنظم للمعاملات المدنية من بيع وإيجار ووكالة وكفالة وزواج وغيرها.

وحتى المرحلة الانتقالية الأولى بعد سقوط النظام السياسي العراقي 9 /نيسان/ 2003 ومن خلال قانون ادارة الدولة نص على دور الدين، دستورياً وقانونياً، في المادة (7) منه التي تنص على أن الإسلام دين الدولة الرسمي، ويعد مصدرا للتشريع، ولا يجوز سن قانون يتعارض مع ثوابت الإسلام المجمع عليها، ويحترم الهوية الإسلامية لغالبية الشعب العراقي ويضمن كامل الحقوق الدينية ولجميع الافراد في حرية العقيدة والممارسة الدينية.

وهو بهذا النص اتخذ له مبدأ وسطا، ففي حين أعطى للدين مساحة أوسع، نراه، في الوقت ذاته، قد تماشى في ذلك مع العلمانية المعتدلة بكفالة حرية المعتقد والممارسة الدينية للأفراد جميعهم. وعند قراءته بشكل تحليلي يتضح:

1- الالتزام دستورياً بأن دين الدولة الرسمي هو الإسلام، وبذلك فإنه لم يقر العلمانية، إلا أنه في الوقت ذاته لم يعتمد المذهبية كإيران والسعودية.

2- عد الدين الإسلامي مصدراً من مصادر التشريع وليس المصدر الوحيد الأمر الذي يرد لأول مرة في الدساتير العراقية.

وعوداً على بدء، وعلى ضوء نتيجة الانتخابات التي تمخضت عن صعود التيارات والأحزاب الإسلامية، طرح الدين ودوره في تشكيل الحكومة وإقرار نظام الحكم مشكلة سياسية ترتكز على الخوف والخشية من صعود هذه التيارات والأحزاب إلى السلطة، خصوصاً إذا ما أخذنا بالحسبان تصاعد الأصوات المطالبة بعدم تغييب الدين الإسلامي عن حيثيات تشكيل الحكومة وكتابة الدستور انطلاقاً من حقيقة أن الغالبية العظمى للشعب العراقي هي غالبية مسلمة. وعلى كل ذي بصيرة ألا يتجاهل دور الدين في مستقبل العراق، إذ أن له تأثيراً ودوراً لا ينكران في تحريك الجماهير وتفعيل دورها، إلا أن هناك الكثير من الجهات، سواء كانت القِوى العلمانية أو بعض دول الجوار وغيرها من الدول، مَنْ يتخوف من تكرار التجربة والنموذج الإيراني (على سبيل المثال) والخشية من أن يكون العراق امتداداً لهذه التجربة ونسخة عنها، وعليه تطالب هذه الدول والقِوى بتطبيق النموذج العلماني في تشكيل الحكومة وإقرار نظام الحكم بتجاوز ذكر الإسلام كمصدر رئيسي للتشريع وإقراره في الدستور الدائم.

وتجد هذه الرؤية مصداقها في أن موضوع إدراج دين الدولة في بنود دساتير الدول قد تراجع وخفَّ بريقه في كثير من الدول أمام الحرص على أهمية إدراج وتحديد وضمان الحريات

الممنوحة للشعب، وحدود وصلاحيات السلطة والحكومة من أجل المحافظة على هذه الحريات وضمان عدم تجاوز السلطة لحقوق الشعب، وبذلك عدت هذه الدساتير أن الدين إنما هو اعتناق وممارسة تتعلق بحرية الفرد وليس للدولة الحق أو التدخل في فرضه بالإكراه إلا وفق القانون وضمن حدوده، وهذا ما تمثلته الدول العلمانية التي ترى أن الظاهرة الدينية تشهد اليوم تراجعاً وانحساراً في ميادين وجودها في أعماق الظاهرة الاجتماعية، ومكانتها كسلطة سياسية في معظم مناطق العالم، وتنامى هذا التوجه إلى أن انتهى إلى علمنة السياسة بفصلها عن الدين، وهو اتجاه وصل إلى حد التطرف في بعض الدول إلى درجة إلغاء الدين ودوره في المجتمع أيضاً وفرض القيود على معتنقيه.

حيث ترى في العلمانية الحل الأنسب لمجتمعاتها وعلى اعتبار أنها أكثر قرباً من الديمقراطية، فالعلمانية كما تعرفها موسوعة العلوم السياسية بأنها على المستوى الشخصي هي رفض الفرد أن تتشكل معاملاته السياسية بمصادر لا يكون لإرادته الحرة المباشرة دخل في تشكيلها وصياغتها. وعلى المستوى العام تعني العلمانية المذهب الذي يؤمن بضرورة إبعاد المؤسسات الدينية والمناصب الدينية عن ممارسة أي تأثير أو لعب أي دور في أي مجال من مجالات الحياة العامة بما في ذلك التعليم والتشريع والإدارة وشؤون السياسة والحكم.

فالعلمانية تفترض إذن أن تكون المعايير التي يخضع لها الإنسان في تعامله مع الإنسان وفي تنظيمه لشؤون حياته السياسية والاقتصادية والقانونية هي معايير مستمده من الدنيا لا الدين.

ولكن تبين لنا مجمل مسيرة التاريخ أن هذه السياسة لم تـُجد نفعاً، ففصل الدين عن الدولة لا يعني أن بمقدور هذه الدولة فصل الدين عن المجتمع (وهذا ما يمكن ملاحظته بشكل واضح في الجمهوريات الإسلامية في ما كان يُسمى الاتحاد السوفييتي)، أما معظم الدول العربية فقد أوردت في دساتيرها أن دين الدولة فيها هو الإسلام مع إعطاء الحرية لمعتنقي الأديان الأخرى لممارسة شعائرهم الدينية ضمن حدود النظام العام والآداب العامة.

وتمثل العلمانية، بحد ذاتها، مشكلة للشعب العراقي المتخوف، بدوره، من أن يكون العراق صورة أخرى عن علمانية تركيا. وهنا يمكن القول أن أساس المشكلة كلها، وبأطرافها كافة، يأتي من قصر النظر إلى تجارب الآخرين التي قد لا تكون، بالضرورة، صالحة للتطبيق في دول أخرى غير دولها الأصيلة، حيث نجد، على سبيل المثال، أن كلاً من بريطانيا والولايات المتحدة، وهما من أكبر الدول الديمقراطية، لكل منها نظامها الخاص المختلف عن الأخرى، على الرغم من كون أصولهما الدينية والاجتماعية عموما واحدة.

وعليه، يكون النموذجان الإيراني (كنموذج مطروح إسلامي) والتركي (كنموذج علماني مطروح) غير صالحين للشعب العراقي وذلك لاختلاف التركيبة الاجتماعية لكِلا الشعبين عن التركيبة الاجتماعية للشعب العراقي، ولأنه يجب أن يكون العراق النموذج الذي يحتذى به وليس محتذياً بأي نموذج آخر، فالشعب العراقي يمتلك مميزات تختلف عن جميع الشعوب الأخرى بالقيم والعادات والتقاليد والحضارات والأصالة، علاوة على المميزات الاستراتيجية والاقتصادية التي كانت العامل الأول في وضع العراق تحت المجهر الأمريكي، لذلك لن يصلح له النظام الإسلامي ولا حتى العلماني لإسقاطه على الشعب العراقي وتركيز ذلك في دستوره.

فليس بالمقدور القول بوجوب إبعاد الدين عن السياسة وعدم الإشارة إلى ذلك في الدستور في ما يخص التشريع، فقد أظهرت التجربة العراقية الأخيرة عمق التأثير الديني في الجماهير، والذي لم تستطع سنوات الإستبداد إلغاءه أو إضعاف دوره على أقل تقدير، هذا بالإضافة إلى أن هذه التجربة تكشفت عن إيمان التيار الديني بالديمقراطية وضرورة تفهم الأطراف بعضها لبعض بما يضمن مشاركة فعالة للجميع.

إن الدين يؤثر في السلوك السياسي للعديد من النظم السياسية في العالم، فقد لعب الدين ومازال دوراً في توجهات السلطة السياسية الأمريكية من خلال الدور الذي تمارسه بعض الهيئات الدينية، بالإضافة إلى كون معظم رؤساء الولايات المتحدة ينحدرون من أصول بروتستانتية متدينة. ولا يفوتنا في هذا المجال ذكر إسرائيل كنظام سياسي قائم على رؤية دينية، وتلعب فيه القِوى والأحزاب الدينية دوراً يكاد يكون طاغياً.

فلماذا أصبح الإسلام اليوم تهمة يحاول الكثيرون من ساسة ومفكرين ردها بالابتعاد عن القيم السامية للدين الإسلامي وإظهار مساوئ التطبيق وسوء الإدارة الفردية البعيدة عن الجماهير، فنحن شعب مسلم بغالبيته نحترم الأقليات الدينية الأخرى، ونقر لها حقها في ممارسة طقوسها واحترام حريتها في هذا المجال.

إن الاتجاه نحو العلمانية المتطرفة، كما هو حاصل اليوم في العراق لدى بعض القِوى التي تطالب بعدم الإتيان على ذكر الإسلام كمصدر رئيسي للتشريع، هو اتجاه خطير يتوجب على الجميع الوقوف ضده ورده، فما الضير من أن نطبق ديننا في تسيير أمورنا، خصوصاً إذا ما كان هذا التطبيق معتدلاً، ويقوم على احترام حقوق الإنسان وحرياته الأساسية ووفق الخصوصية

العراقية التي ترى في دينها الإسلامي أسمى المصادر التشريعية، وهو بالوقت نفسه يخدم التوجهات العلمانية حينما يحترم حقوق الآخرين وحرياتهم الأساسية لأنه أساس تقنين إعطاء الحقوق وتحصيل الواجبات، كما يلبي طموحات الغالبية العظمى من الشعب وينظم أمور حياتهم وفق شريعتهم ومبادئها، مع الانتباه والتركيز على أن هذا الاتجاه ذو خصوصية وتكوينات للمجتمع العراقي، ولا يمت بأية صلة لتجارب أخرى.

فالعراقيون قادرون على صنع النموذج المقتدى به، ومن لا يستطيع إجراء ذلك فليبتعد عن الساحة السياسية العراقية للقادرين على ذلك. وبذلك وتسليما بكل مجريات المشهد العراقي الذي ما زال ومنذ الثلاثين من كانون الثاني 2005 يعاني من عدم الثبات والاستقرار على الصعيدين الداخلي والتأثيرات الخارجية، وستشتد الأزمات، وسيبرز التنافر والتقاطع والتناحر وأحياناً أخرى التعاون مع النظر للمصالح الشخصية أولا إلى حين غربلة الساحة السياسية من أصحاب النظرة البراغماتية والمصلحية لأدوارهم إلى أصحاب الاستراتيجية الثلاثية لإعادة هذا البلد الجريح (الوحدة الوطنية – الهوية الموحدة – الديمقراطية).

ومن كل ما تقدم يمكننا القول إن مفاتيح أسرار التجربة العراقية تفرض مميزات وخصوصيات لا يمتلكها إلا العراقيون انفسهم بنفس واحد وأمل واحد وفكر واحد هو بناء العراق الجديد وخوض حرب حقيقية تستهدف إيصال رسالة شعب العراق إلى العالم مفادها أنه عازم على تحصيل حقوقه بالقوة بعد أن توضحت نوايا المحتل وسياساته ونوايا سياسات الدول المجاورة أيضاً. فإذا كانت السياسة، وكما يقال، فن الممكن لا المستحيل، وإذا كانت دول كثيرة، حتى الديمقراطية منها، تقر بأهمية الدين وتكفل للمواطن حق ممارسة دينه والتصرف والتعاطي مع أموره كافة وفقاً لشريعته، فإن التخوف من صعود الإسلاميين المعتدلين لا مبرر له، فحاجة البلد اليوم للدين والدولة معاً من أجل اللحاق بركب الزمن الذي يصر على دخول العراقيين والعالم العربي في سباق محموم معه، فكما يقول برناردشو (إن العقول الصغيرة تناقش الأسماء، أما العقول الكبيرة فتناقش المبادئ).

::/fulltext::

Getting your Trinity Audio player ready...

::cck::2846::/cck::
::introtext::

لعل المتتبع للتاريخ السياسي في العراق يجد أثر الدين ودور رجال الدين واضحين للعيان، إذ بدأت تجربة التعاطي في الأمور السياسية تأخذ مدى متعاظماً شيئاً فشيئاً مع الاعتراف بعدم الحياد عن الثوابت الدينية في السياسة بتغليب جانب النفع العام، حيث تمتد التجربة العراقية في التطرق لمسألة الدين دستورياً إلى تاريخ تأسيس الدولة العراقية عام 1921، حيث كتب أول دستور للعراق عام 1925 والذي احتوى في مادته الثالثة عشرة ما يقنن هذه العلاقة بنصه: الإسلام دين الدولة الرسمي، وحرية القيام بشعائره المألوفة في العراق على اختلاف مذاهبه محترمة لا تمس، وتضمن لجميع ساكني البلاد حرية الاعتقاد الآمنة وحرية القيام بشعائر العبادة وفقاً لعاداتهم ما لم تكن مخلة بالأمن والنظام، وما لم تناف الآداب العامة. وإثر سقوط الملكية في العراق كان للجمهوريات المتعاقبة على العراق باع طويل في كتابة الدساتير وتقنين العلاقة بين الدين والدولة، فكتب أول دستور لجمهورية العراق عام 1958 والذي عدَّ (الإسلام دين الدولة) وأعقبته عدة دساتير أولها دستور 1963 ودستور 22-نيسان 1964، وكلاهما لم يشر بأي صورة كانت إلى دين الدولة وفي أي مادة من مواده، إلا أنه وفي دستور 29-نيسان 1964 تم إيراد هذه العلاقة في مادته الثالثة بنص يتضمن أن الإسلام دين الدولة والقاعدة الأساسية لدستورها، كما أوردت المادة الثانية والعشرون منه ما نص على أن حرية الأديان مصونة وتحمي الدولة حرية القيام بشعائرها على ألا يخل ذلك بالنظام العام أو ينافي الآداب. 

::/introtext::
::fulltext::

لعل المتتبع للتاريخ السياسي في العراق يجد أثر الدين ودور رجال الدين واضحين للعيان، إذ بدأت تجربة التعاطي في الأمور السياسية تأخذ مدى متعاظماً شيئاً فشيئاً مع الاعتراف بعدم الحياد عن الثوابت الدينية في السياسة بتغليب جانب النفع العام، حيث تمتد التجربة العراقية في التطرق لمسألة الدين دستورياً إلى تاريخ تأسيس الدولة العراقية عام 1921، حيث كتب أول دستور للعراق عام 1925 والذي احتوى في مادته الثالثة عشرة ما يقنن هذه العلاقة بنصه: الإسلام دين الدولة الرسمي، وحرية القيام بشعائره المألوفة في العراق على اختلاف مذاهبه محترمة لا تمس، وتضمن لجميع ساكني البلاد حرية الاعتقاد الآمنة وحرية القيام بشعائر العبادة وفقاً لعاداتهم ما لم تكن مخلة بالأمن والنظام، وما لم تناف الآداب العامة. وإثر سقوط الملكية في العراق كان للجمهوريات المتعاقبة على العراق باع طويل في كتابة الدساتير وتقنين العلاقة بين الدين والدولة، فكتب أول دستور لجمهورية العراق عام 1958 والذي عدَّ (الإسلام دين الدولة) وأعقبته عدة دساتير أولها دستور 1963 ودستور 22-نيسان 1964، وكلاهما لم يشر بأي صورة كانت إلى دين الدولة وفي أي مادة من مواده، إلا أنه وفي دستور 29-نيسان 1964 تم إيراد هذه العلاقة في مادته الثالثة بنص يتضمن أن الإسلام دين الدولة والقاعدة الأساسية لدستورها، كما أوردت المادة الثانية والعشرون منه ما نص على أن حرية الأديان مصونة وتحمي الدولة حرية القيام بشعائرها على ألا يخل ذلك بالنظام العام أو ينافي الآداب.

وفي دستور 1968 قننت علاقة الدين بالدولة دستورياً في المادة الرابعة منه بما نصه الإسلام دين الدولة والقاعدة الأساسية لدستورها، ولم يختلف عنه دستور 1970 الذي ذكر في المادة الرابعة منه الإسلام دين الدولة. والحال يتكرر في مشروع دستور 1990، حيث أورد في مادته الخامسة أن الإسلام دين الدولة الرسمي.

وهنالك الكثير من التشريعات في العراق التي استندت في أحكامها على الجانب الديني لا غير، وحظيت برضا وقبول المواطنين كتشريعات الأوقاف، على سبيل المثال لا الحصر. كذلك يمكننا الوقوف على العديد من التشريعات التي أخذت من الدين الكثير من احكامها كالقانون المدني المنظم للمعاملات المدنية من بيع وإيجار ووكالة وكفالة وزواج وغيرها.

وحتى المرحلة الانتقالية الأولى بعد سقوط النظام السياسي العراقي 9 /نيسان/ 2003 ومن خلال قانون ادارة الدولة نص على دور الدين، دستورياً وقانونياً، في المادة (7) منه التي تنص على أن الإسلام دين الدولة الرسمي، ويعد مصدرا للتشريع، ولا يجوز سن قانون يتعارض مع ثوابت الإسلام المجمع عليها، ويحترم الهوية الإسلامية لغالبية الشعب العراقي ويضمن كامل الحقوق الدينية ولجميع الافراد في حرية العقيدة والممارسة الدينية.

وهو بهذا النص اتخذ له مبدأ وسطا، ففي حين أعطى للدين مساحة أوسع، نراه، في الوقت ذاته، قد تماشى في ذلك مع العلمانية المعتدلة بكفالة حرية المعتقد والممارسة الدينية للأفراد جميعهم. وعند قراءته بشكل تحليلي يتضح:

1- الالتزام دستورياً بأن دين الدولة الرسمي هو الإسلام، وبذلك فإنه لم يقر العلمانية، إلا أنه في الوقت ذاته لم يعتمد المذهبية كإيران والسعودية.

2- عد الدين الإسلامي مصدراً من مصادر التشريع وليس المصدر الوحيد الأمر الذي يرد لأول مرة في الدساتير العراقية.

وعوداً على بدء، وعلى ضوء نتيجة الانتخابات التي تمخضت عن صعود التيارات والأحزاب الإسلامية، طرح الدين ودوره في تشكيل الحكومة وإقرار نظام الحكم مشكلة سياسية ترتكز على الخوف والخشية من صعود هذه التيارات والأحزاب إلى السلطة، خصوصاً إذا ما أخذنا بالحسبان تصاعد الأصوات المطالبة بعدم تغييب الدين الإسلامي عن حيثيات تشكيل الحكومة وكتابة الدستور انطلاقاً من حقيقة أن الغالبية العظمى للشعب العراقي هي غالبية مسلمة. وعلى كل ذي بصيرة ألا يتجاهل دور الدين في مستقبل العراق، إذ أن له تأثيراً ودوراً لا ينكران في تحريك الجماهير وتفعيل دورها، إلا أن هناك الكثير من الجهات، سواء كانت القِوى العلمانية أو بعض دول الجوار وغيرها من الدول، مَنْ يتخوف من تكرار التجربة والنموذج الإيراني (على سبيل المثال) والخشية من أن يكون العراق امتداداً لهذه التجربة ونسخة عنها، وعليه تطالب هذه الدول والقِوى بتطبيق النموذج العلماني في تشكيل الحكومة وإقرار نظام الحكم بتجاوز ذكر الإسلام كمصدر رئيسي للتشريع وإقراره في الدستور الدائم.

وتجد هذه الرؤية مصداقها في أن موضوع إدراج دين الدولة في بنود دساتير الدول قد تراجع وخفَّ بريقه في كثير من الدول أمام الحرص على أهمية إدراج وتحديد وضمان الحريات

الممنوحة للشعب، وحدود وصلاحيات السلطة والحكومة من أجل المحافظة على هذه الحريات وضمان عدم تجاوز السلطة لحقوق الشعب، وبذلك عدت هذه الدساتير أن الدين إنما هو اعتناق وممارسة تتعلق بحرية الفرد وليس للدولة الحق أو التدخل في فرضه بالإكراه إلا وفق القانون وضمن حدوده، وهذا ما تمثلته الدول العلمانية التي ترى أن الظاهرة الدينية تشهد اليوم تراجعاً وانحساراً في ميادين وجودها في أعماق الظاهرة الاجتماعية، ومكانتها كسلطة سياسية في معظم مناطق العالم، وتنامى هذا التوجه إلى أن انتهى إلى علمنة السياسة بفصلها عن الدين، وهو اتجاه وصل إلى حد التطرف في بعض الدول إلى درجة إلغاء الدين ودوره في المجتمع أيضاً وفرض القيود على معتنقيه.

حيث ترى في العلمانية الحل الأنسب لمجتمعاتها وعلى اعتبار أنها أكثر قرباً من الديمقراطية، فالعلمانية كما تعرفها موسوعة العلوم السياسية بأنها على المستوى الشخصي هي رفض الفرد أن تتشكل معاملاته السياسية بمصادر لا يكون لإرادته الحرة المباشرة دخل في تشكيلها وصياغتها. وعلى المستوى العام تعني العلمانية المذهب الذي يؤمن بضرورة إبعاد المؤسسات الدينية والمناصب الدينية عن ممارسة أي تأثير أو لعب أي دور في أي مجال من مجالات الحياة العامة بما في ذلك التعليم والتشريع والإدارة وشؤون السياسة والحكم.

فالعلمانية تفترض إذن أن تكون المعايير التي يخضع لها الإنسان في تعامله مع الإنسان وفي تنظيمه لشؤون حياته السياسية والاقتصادية والقانونية هي معايير مستمده من الدنيا لا الدين.

ولكن تبين لنا مجمل مسيرة التاريخ أن هذه السياسة لم تـُجد نفعاً، ففصل الدين عن الدولة لا يعني أن بمقدور هذه الدولة فصل الدين عن المجتمع (وهذا ما يمكن ملاحظته بشكل واضح في الجمهوريات الإسلامية في ما كان يُسمى الاتحاد السوفييتي)، أما معظم الدول العربية فقد أوردت في دساتيرها أن دين الدولة فيها هو الإسلام مع إعطاء الحرية لمعتنقي الأديان الأخرى لممارسة شعائرهم الدينية ضمن حدود النظام العام والآداب العامة.

وتمثل العلمانية، بحد ذاتها، مشكلة للشعب العراقي المتخوف، بدوره، من أن يكون العراق صورة أخرى عن علمانية تركيا. وهنا يمكن القول أن أساس المشكلة كلها، وبأطرافها كافة، يأتي من قصر النظر إلى تجارب الآخرين التي قد لا تكون، بالضرورة، صالحة للتطبيق في دول أخرى غير دولها الأصيلة، حيث نجد، على سبيل المثال، أن كلاً من بريطانيا والولايات المتحدة، وهما من أكبر الدول الديمقراطية، لكل منها نظامها الخاص المختلف عن الأخرى، على الرغم من كون أصولهما الدينية والاجتماعية عموما واحدة.

وعليه، يكون النموذجان الإيراني (كنموذج مطروح إسلامي) والتركي (كنموذج علماني مطروح) غير صالحين للشعب العراقي وذلك لاختلاف التركيبة الاجتماعية لكِلا الشعبين عن التركيبة الاجتماعية للشعب العراقي، ولأنه يجب أن يكون العراق النموذج الذي يحتذى به وليس محتذياً بأي نموذج آخر، فالشعب العراقي يمتلك مميزات تختلف عن جميع الشعوب الأخرى بالقيم والعادات والتقاليد والحضارات والأصالة، علاوة على المميزات الاستراتيجية والاقتصادية التي كانت العامل الأول في وضع العراق تحت المجهر الأمريكي، لذلك لن يصلح له النظام الإسلامي ولا حتى العلماني لإسقاطه على الشعب العراقي وتركيز ذلك في دستوره.

فليس بالمقدور القول بوجوب إبعاد الدين عن السياسة وعدم الإشارة إلى ذلك في الدستور في ما يخص التشريع، فقد أظهرت التجربة العراقية الأخيرة عمق التأثير الديني في الجماهير، والذي لم تستطع سنوات الإستبداد إلغاءه أو إضعاف دوره على أقل تقدير، هذا بالإضافة إلى أن هذه التجربة تكشفت عن إيمان التيار الديني بالديمقراطية وضرورة تفهم الأطراف بعضها لبعض بما يضمن مشاركة فعالة للجميع.

إن الدين يؤثر في السلوك السياسي للعديد من النظم السياسية في العالم، فقد لعب الدين ومازال دوراً في توجهات السلطة السياسية الأمريكية من خلال الدور الذي تمارسه بعض الهيئات الدينية، بالإضافة إلى كون معظم رؤساء الولايات المتحدة ينحدرون من أصول بروتستانتية متدينة. ولا يفوتنا في هذا المجال ذكر إسرائيل كنظام سياسي قائم على رؤية دينية، وتلعب فيه القِوى والأحزاب الدينية دوراً يكاد يكون طاغياً.

فلماذا أصبح الإسلام اليوم تهمة يحاول الكثيرون من ساسة ومفكرين ردها بالابتعاد عن القيم السامية للدين الإسلامي وإظهار مساوئ التطبيق وسوء الإدارة الفردية البعيدة عن الجماهير، فنحن شعب مسلم بغالبيته نحترم الأقليات الدينية الأخرى، ونقر لها حقها في ممارسة طقوسها واحترام حريتها في هذا المجال.

إن الاتجاه نحو العلمانية المتطرفة، كما هو حاصل اليوم في العراق لدى بعض القِوى التي تطالب بعدم الإتيان على ذكر الإسلام كمصدر رئيسي للتشريع، هو اتجاه خطير يتوجب على الجميع الوقوف ضده ورده، فما الضير من أن نطبق ديننا في تسيير أمورنا، خصوصاً إذا ما كان هذا التطبيق معتدلاً، ويقوم على احترام حقوق الإنسان وحرياته الأساسية ووفق الخصوصية

العراقية التي ترى في دينها الإسلامي أسمى المصادر التشريعية، وهو بالوقت نفسه يخدم التوجهات العلمانية حينما يحترم حقوق الآخرين وحرياتهم الأساسية لأنه أساس تقنين إعطاء الحقوق وتحصيل الواجبات، كما يلبي طموحات الغالبية العظمى من الشعب وينظم أمور حياتهم وفق شريعتهم ومبادئها، مع الانتباه والتركيز على أن هذا الاتجاه ذو خصوصية وتكوينات للمجتمع العراقي، ولا يمت بأية صلة لتجارب أخرى.

فالعراقيون قادرون على صنع النموذج المقتدى به، ومن لا يستطيع إجراء ذلك فليبتعد عن الساحة السياسية العراقية للقادرين على ذلك. وبذلك وتسليما بكل مجريات المشهد العراقي الذي ما زال ومنذ الثلاثين من كانون الثاني 2005 يعاني من عدم الثبات والاستقرار على الصعيدين الداخلي والتأثيرات الخارجية، وستشتد الأزمات، وسيبرز التنافر والتقاطع والتناحر وأحياناً أخرى التعاون مع النظر للمصالح الشخصية أولا إلى حين غربلة الساحة السياسية من أصحاب النظرة البراغماتية والمصلحية لأدوارهم إلى أصحاب الاستراتيجية الثلاثية لإعادة هذا البلد الجريح (الوحدة الوطنية – الهوية الموحدة – الديمقراطية).

ومن كل ما تقدم يمكننا القول إن مفاتيح أسرار التجربة العراقية تفرض مميزات وخصوصيات لا يمتلكها إلا العراقيون انفسهم بنفس واحد وأمل واحد وفكر واحد هو بناء العراق الجديد وخوض حرب حقيقية تستهدف إيصال رسالة شعب العراق إلى العالم مفادها أنه عازم على تحصيل حقوقه بالقوة بعد أن توضحت نوايا المحتل وسياساته ونوايا سياسات الدول المجاورة أيضاً. فإذا كانت السياسة، وكما يقال، فن الممكن لا المستحيل، وإذا كانت دول كثيرة، حتى الديمقراطية منها، تقر بأهمية الدين وتكفل للمواطن حق ممارسة دينه والتصرف والتعاطي مع أموره كافة وفقاً لشريعته، فإن التخوف من صعود الإسلاميين المعتدلين لا مبرر له، فحاجة البلد اليوم للدين والدولة معاً من أجل اللحاق بركب الزمن الذي يصر على دخول العراقيين والعالم العربي في سباق محموم معه، فكما يقول برناردشو (إن العقول الصغيرة تناقش الأسماء، أما العقول الكبيرة فتناقش المبادئ).

::/fulltext::
::cck::2846::/cck::

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *