“ربيع” طهران الانتخابي انحسار دور “الأيديولوجيا” وتنامي التوق نحو التغيير
::cck::2848::/cck::
::introtext::
عندما تنهي طهران بسلام انتخاباتها الرئاسية التاسعة في نهاية ربيع هذا العام يكون عمر نظامها الإسلامي الوليد قد زاد على 26 عاماً بقليل. ومع طي ملف الاستحقاق الانتخابي الرئاسي الحالي تكون طهران قد شهدت على امتداد عمرها القصير الآنف الذكر نحو 26 عملية انتخابية توزعت ساحاتها بين اختيار أعضاء مجلس خبراء القيادة وأعضاء مجلس الشورى الإسلامي وأعضاء المجالس البلدية، ولم تتوقف هذه العمليات الاختيارية التي كانت تجري بالاقتراع المباشر جميعها حتى في أحلك الظروف البلاد حيث خاضت حرباً دفاعية طويلة ناهزت الثمانية أعوام فيما عرف بالحرب العراقية – الإيرانية.
::/introtext::
::fulltext::
عندما تنهي طهران بسلام انتخاباتها الرئاسية التاسعة في نهاية ربيع هذا العام يكون عمر نظامها الإسلامي الوليد قد زاد على 26 عاماً بقليل. ومع طي ملف الاستحقاق الانتخابي الرئاسي الحالي تكون طهران قد شهدت على امتداد عمرها القصير الآنف الذكر نحو 26 عملية انتخابية توزعت ساحاتها بين اختيار أعضاء مجلس خبراء القيادة وأعضاء مجلس الشورى الإسلامي وأعضاء المجالس البلدية، ولم تتوقف هذه العمليات الاختيارية التي كانت تجري بالاقتراع المباشر جميعها حتى في أحلك الظروف البلاد حيث خاضت حرباً دفاعية طويلة ناهزت الثمانية أعوام فيما عرف بالحرب العراقية – الإيرانية.
وظلت الشعارات الأيديولوجية وقيم الثورة وما كان يسمى ((الدفاع المقدس)) طاغية على أغلب تلك الانتخابات. لكن الانتخابات الأخيرة كان لها طعم آخر تماماً، طعم يشبه أي شيء إلا الانتخابات الإيرانية التي اعتدنا عليها حتى الآن. لا أحد كان يقترب من الأيديولوجيا في البلد الذي قامت ثورته أساساً على الأيديولوجيا. صدق ذلك أو لا تصدق! وكأن فيها ((مساً)) من السكون! ليس بالضرورة لأنهم غير معتقدين بأيديولوجيا معينة أو لم يعودوا معتقدين بها وبالذات الأيديولوجيا الإسلامية، لكنها التداعيات الطبيعية المترتبة على أي إدمان من نوع الانتخابات، حيث زمن مخاطبة الفرد والجماعة في المشاعر العامة والأحاسيس والحاجات الملموسة والمحسوسة، زمن مخاطبة العاطفة والقلب والفؤاد أكثر من زمن مخاطبة العقول والأفكار، وكما يصفه أحد ((قدامى المحاربين)) الأيديولوجيين هنا بزمن ((استجداء الأصوات)) و((شحاذيها)) فكل مواطن في مثل هذه المناسبة يتحول إلى رأي يمكن له أن يرفع مرشحاً أو يطيح بآخر، لا بل إن باستطاعته أن يحول الانتخابات كلها إلى مشروع إضعاف لهذه الأيديولوجيا أو تلك، ناهيك عن قدرته على جعلها هي بالذات مشروعة أو غير مشروعة!
وهكذا إذن كانت الانتخابات الرئاسية الإيرانية التاسعة ((جدباء)) من أي لون أو نكهة أيديولوجية!
((لقد ولى زمن الشعارات وحان وقت العمل والعملانية)) هذا ما كان يردده مرشح محسوب على الحرس الثوري وهو يلتمس الشباب والشابات ليعطوه أصواتهم، ويعدهم بغدٍ أفضل يرثون فيه هم السلطة عن الجيلين الأول والثاني للثورة في ظل ((هواء طازج وجديد)) كما ورد على لسان المرشح المذكور. ((لن أسمح بتدخل الدولة والأجهزة في حرية الأشخاص والعائلات وجماعات المجتمع المدني)) واعداً الأخيرة بدعمه وإسناده لها لتصبح فاعلة بعيداً عن ((هيمنة)) الدولة في ظل مشروعه الانتخابي القائم أصلا على برنامج ما سماه ((التنمية الديمقراطية)) وهو ما حرص على التأكيد عليه مرشح آخر يعتبر من أركان النظام الإسلامي المؤدلج والمؤسسين له.
إن الكل صار يتغنى بالطبيعة الإيرانية وما ينبغي أن توفره للإيرانيين -كل الإيرانيين- من مكانة وموقع لائقين بهم بعيدا عن (قيمومة الدولة وتدخلها بخصوصيات الأفراد والجماعات) ولم تجانب هذه الطروحات حتى برنامج مرشح قادم إلى مسرح التنافس الانتخابي من موقع قيادة جهاز الشرطة إذا لم يكن أكثر حرصاً على طرحها من غيره، وهو العارف أكثر من غيره مدى ملامستها لأعماق أفئدة الناخب.
إنه زمن ((استجداء الأصوات)) بامتياز وهو الزمن الذي عبر أحد مساعدي رئيس الجمهورية عنه (بزمن المصالحات والوئام والتسامح والتساهل نحو الداخل كما نحو الخارج) والذي قال عنه (ليته يدوم في كل أوقات السنة). الجميع كان حريصاً على كسب ود ليس فقط الرأي العام الداخلي، بل وأيضا الإقليمي والدولي، وكان يسارع على الفور إلى تكذيب أو تصحيح كل تصريح من شأنه الإساءة إلى صورته العامة أو مدرسته الفكرية أو السياسية التي ينتمي إليها حتى لا يفهم خطأ بأنه يسعى للتوتر مع هذا البلد أو ذاك أو هذه المجموعة الدولية أو تلك حتى الولايات المتحدة الأمريكية (والعياذ بالله)!
إنه زمن الوعود وأية وعود! فقد ذهب أحدهم إلى أنه قطع على نفسه وعداً فيما لو انتخب بأن يؤمن دفع مبلغ ثابت لكل مواطن فوق سن الـ 18 يأتيه وهو جالس في بيته (60 دولاراً)، وعندما سئل على الهواء مباشرة من جانب التلفزيون الرسمي عن مثل هذه الوعود المادية التي قد تكون صعبة المنال أجاب: ((وماذا تريدون مني أن أعدهم؟ هل أعدهم بالشفاعة يوم القيامة!)) ومن مثلي ليس ضامناً نفسه! وهو المرشح الذي ينبغي تصنيفه ضمن الرعيل الأول النجباء للأيديولوجيا بكل أمانة وصدق. إنها ظاهرة لطيفة ولافتة سيتعلم الناخب الإيراني مثله مثل غيره من الناخبين في الدنيا كيف يختبر أصحاب هذه الوعود، وكيف يسائل ويحاسب من سيتملص منهم من مثل هذه الوعود عند أول محطة اختبار قاسية، خاصة عندما سيلقي باللائمة على غيره من المنافسين أو حتى على الناس أنفسهم الذين لم يمنحوه الفرصة الكافية؟!
أو لم يكن لديهم ((الرشد الكافي)) ليصبروا عليه أو يتفهموا ظروفه الصعبة في الحكم؟! إنها اللعبة الديمقراطية المستوردة إلى بلادنا أصلا من سياق مجتمعات أخرى، لكنها ابتسرت عن سياقاتها الأصلية، وتم تعميمها وكأنها الدواء الأوحد الذي لا مناص من تناوله، وهكذا أصبحت اللعبة الأكثر رواجاً والأكثر إلحاحاً حتى صارت أشبه بصندوق الأحلام السحري حتى لدى أرباب الأيديولوجيا! إنها ورقة أصغر من الكف تمسك بها أصابع ثلاث وتسقطها في صندوق مقفل فإذا بها نائب يسعى، كما يقول أحد كتاب ((جريدة السفير)) اللبنانية الظرفاء في تعليق له على انتخابات بلاده البرلمانية.
نائب يسعى أو رئيس يسعى لا فرق، إنما الفرق إلى ماذا يسعى؟ هل يسعى للوصول إلى السلطة بأي ثمن كان أم إلى إسعاد الناس ورضاهم؟ إنها لعبة – يقول المواطن الإيراني – إنه تمرس عليها خلال الست والعشرين سنة الماضية، وعاش معها التجارب الحلوة والمرة، لكنها كانت ((المعلمة)) الصادقة معه أفاد منها كيف يتعامل مع هؤلاء ((الشحاذين)) ومارس دوره بنجاح في إيصال من يشاء إلى القمة وإنزال من يشاء منها وفي اللحظة المناسبة.
المراقبون لهذا المسرح الانتخابي المشحون بحراك سياسي واسع يكادون يجزمون بأن طهران إنما تمارس هذه اللعبة الديمقراطية بكل هذه الأريحية ((الجدباء)) من الأيديولوجيا اليوم رغم صلابة موقفها الأيديولوجي العام لا سيما تجاه الخارج، لأنها باتت تلمس عن قرب مدى توق الناخب الإيراني إلى كل ما هو جديد و((طازج)) ويحمل رياح التغيير والإصلاح و((تدوير الدماء)) في جسم السلطة والدولة قبل فوات الأوان، كما تلمس مع كل يوم يمر عليها مدى سرعة التحولات العالمية التي تجعل من الشعار والأيديولوجيا مهما كانا صامدين، فإنهما بحاجة إلى فضاءات جديدة تليق بظروف المماحكة والمناكفة والمواجهة الجديدة تماماً.
من هنا كانت أكثر الشعارات رواجاً لدى كافة المرشحين من دون استثناء هي: ((نحو فضاء جديد)) لا مكان فيه لمحسوبية أو منسوبية، فضاء جديد لا مكان فيه لنوى الفساد الاقتصادي أو السياسي التي عادة ما تجد طريقها للتشكل على هامش الاقتدار السلطوي أياً تكن أيديولوجية النظام أو نوايا الحكم ومناقبيته. فضاء يفتح الباب واسعاً أمام حركة تداول السلطة والمسؤولية بين النخب بكل مشاربها وأطيافها. فضاء يليق بالوطن الأم الكبير شرط أن يضم ويحتضن بكل حنان ومسؤولية كل النوى والمكونات الأصغر دينية كانت أو عرقية أو مناطقية أو ثقافية أو قومية. فضاء يفسح المجال للرأي والرأي الآخر أن يتجاذبا ويتدافعا من أجل رفعة الناس كل الناس والوطن كل الوطن. فضاء يحتضن المواطن الإيراني أيا كانت انتماءاته تحت سقف الوطنية الخالصة التي يفترض أن تبقى متاحة للجميع حتى لا يضطر أحدهم للجوء إلى سقف مستعار! فضاء يحمي الجميع لا غبن فيه لصغير على حساب كبير ولا لفقير على حساب غني ولا لضعيف على حساب قوي!
إنه عصر التجديد وعصر إعادة وصل ما انقطع بين الناخب والمنتخب، كما وصفه أحد الراسخين بعلم الانتخابات الإيرانية، ما على المرشح إلا إدراك مدى أهميته ((الذهبية)) وما على المواطن إلا استثماره ليقول كلمته من دون مجاملة أو وجل أو خوف من أحد.
الراسخون بعلم التحولات الاجتماعية في إيران منذ نهضتها الدستورية في بدايات القرن الماضي مروراً بثورتها الحديثة عام 1979 وتعريجاً على حركتها الإصلاحية التجديدية عام 1996، يكادون يجزمون بأن إيران مقبلة على فصل جديد من الإصلاح والتغيير والتحول ستكون له آثار وتداعيات ليس على الداخل فقط، بل وأيضاً على الصعيدين الإقليمي والدولي.
فالناس في إيران يبحثون عن ((ربيع)) حقيقي يتنفسون فيه الهواء الطلق انسجاما مع هويتهم الدينية و((القومية)) والثقافية والاعتدالية المسالمة البعيدة عن الإفراط والتفريط في السلوك كما في المعاملات سواء فيما بين أعضاء الجماعة الوطنية الإيرانية أو بين الجماعة ككل وبين ((الآخر)) حتى لو كان خصماً ظالماً لها كالولايات المتحدة الأمريكية. هذا ما يرشح بشكل واضح من مجمل الاستحقاق الانتخابي الرئاسي الإيراني التاسع. إنها عودة متجددة لمقولة الشاعر الإيراني الكبير حافظ الشيرازي الذي يكاد يلخص سمات الشخصية الإيرانية الثقافية والحضارية في بيت الشعر التالي الذي يقول فيه:
سعادة الدارين في هذين البيتين
مروءة مع الصديق ومداراة مع العدو
فهل تنجح الثورة الإيرانية حقاً في إجراء هذه المصالحة الضرورية مع ذاتها كما مع العالم الخارجي بعدما وصلت من العمر إلى ربيع الشباب؟ التوقعات الأولية تفيد بالإيجاب، وتقول إن الناخب الإيراني سيقول كلمته هذه المرة أيضاً بشكل ملموس موصلاً إلى سدة الرئاسة ليس رئيساً أهلا لتحمل هذه المسؤوليات التاريخية الجسام فقط، بل وأيضاً برنامجاً لـ ((التصالح)) الشامل مع المحيط الإقليمي والمجتمع الدولي يحمل في طياته مشروعاً واقعياً وعملانياً للاعتدال والتنمية والوسطية و(المروءة) مع أهل الداخل كل الداخل و((المداراة)) مع أهل الخارج كل الخارج من دون أن يفرط في أي بند من بنود وطنية الناس أو تدينهم، أو أن يفرط في تساهله أو تسامحه مع أهل الخارج على حساب المصلحة القومية العليا.
::/fulltext::
|
Getting your Trinity Audio player ready...
|
::cck::2848::/cck::
::introtext::
عندما تنهي طهران بسلام انتخاباتها الرئاسية التاسعة في نهاية ربيع هذا العام يكون عمر نظامها الإسلامي الوليد قد زاد على 26 عاماً بقليل. ومع طي ملف الاستحقاق الانتخابي الرئاسي الحالي تكون طهران قد شهدت على امتداد عمرها القصير الآنف الذكر نحو 26 عملية انتخابية توزعت ساحاتها بين اختيار أعضاء مجلس خبراء القيادة وأعضاء مجلس الشورى الإسلامي وأعضاء المجالس البلدية، ولم تتوقف هذه العمليات الاختيارية التي كانت تجري بالاقتراع المباشر جميعها حتى في أحلك الظروف البلاد حيث خاضت حرباً دفاعية طويلة ناهزت الثمانية أعوام فيما عرف بالحرب العراقية – الإيرانية.
::/introtext::
::fulltext::
عندما تنهي طهران بسلام انتخاباتها الرئاسية التاسعة في نهاية ربيع هذا العام يكون عمر نظامها الإسلامي الوليد قد زاد على 26 عاماً بقليل. ومع طي ملف الاستحقاق الانتخابي الرئاسي الحالي تكون طهران قد شهدت على امتداد عمرها القصير الآنف الذكر نحو 26 عملية انتخابية توزعت ساحاتها بين اختيار أعضاء مجلس خبراء القيادة وأعضاء مجلس الشورى الإسلامي وأعضاء المجالس البلدية، ولم تتوقف هذه العمليات الاختيارية التي كانت تجري بالاقتراع المباشر جميعها حتى في أحلك الظروف البلاد حيث خاضت حرباً دفاعية طويلة ناهزت الثمانية أعوام فيما عرف بالحرب العراقية – الإيرانية.
وظلت الشعارات الأيديولوجية وقيم الثورة وما كان يسمى ((الدفاع المقدس)) طاغية على أغلب تلك الانتخابات. لكن الانتخابات الأخيرة كان لها طعم آخر تماماً، طعم يشبه أي شيء إلا الانتخابات الإيرانية التي اعتدنا عليها حتى الآن. لا أحد كان يقترب من الأيديولوجيا في البلد الذي قامت ثورته أساساً على الأيديولوجيا. صدق ذلك أو لا تصدق! وكأن فيها ((مساً)) من السكون! ليس بالضرورة لأنهم غير معتقدين بأيديولوجيا معينة أو لم يعودوا معتقدين بها وبالذات الأيديولوجيا الإسلامية، لكنها التداعيات الطبيعية المترتبة على أي إدمان من نوع الانتخابات، حيث زمن مخاطبة الفرد والجماعة في المشاعر العامة والأحاسيس والحاجات الملموسة والمحسوسة، زمن مخاطبة العاطفة والقلب والفؤاد أكثر من زمن مخاطبة العقول والأفكار، وكما يصفه أحد ((قدامى المحاربين)) الأيديولوجيين هنا بزمن ((استجداء الأصوات)) و((شحاذيها)) فكل مواطن في مثل هذه المناسبة يتحول إلى رأي يمكن له أن يرفع مرشحاً أو يطيح بآخر، لا بل إن باستطاعته أن يحول الانتخابات كلها إلى مشروع إضعاف لهذه الأيديولوجيا أو تلك، ناهيك عن قدرته على جعلها هي بالذات مشروعة أو غير مشروعة!
وهكذا إذن كانت الانتخابات الرئاسية الإيرانية التاسعة ((جدباء)) من أي لون أو نكهة أيديولوجية!
((لقد ولى زمن الشعارات وحان وقت العمل والعملانية)) هذا ما كان يردده مرشح محسوب على الحرس الثوري وهو يلتمس الشباب والشابات ليعطوه أصواتهم، ويعدهم بغدٍ أفضل يرثون فيه هم السلطة عن الجيلين الأول والثاني للثورة في ظل ((هواء طازج وجديد)) كما ورد على لسان المرشح المذكور. ((لن أسمح بتدخل الدولة والأجهزة في حرية الأشخاص والعائلات وجماعات المجتمع المدني)) واعداً الأخيرة بدعمه وإسناده لها لتصبح فاعلة بعيداً عن ((هيمنة)) الدولة في ظل مشروعه الانتخابي القائم أصلا على برنامج ما سماه ((التنمية الديمقراطية)) وهو ما حرص على التأكيد عليه مرشح آخر يعتبر من أركان النظام الإسلامي المؤدلج والمؤسسين له.
إن الكل صار يتغنى بالطبيعة الإيرانية وما ينبغي أن توفره للإيرانيين -كل الإيرانيين- من مكانة وموقع لائقين بهم بعيدا عن (قيمومة الدولة وتدخلها بخصوصيات الأفراد والجماعات) ولم تجانب هذه الطروحات حتى برنامج مرشح قادم إلى مسرح التنافس الانتخابي من موقع قيادة جهاز الشرطة إذا لم يكن أكثر حرصاً على طرحها من غيره، وهو العارف أكثر من غيره مدى ملامستها لأعماق أفئدة الناخب.
إنه زمن ((استجداء الأصوات)) بامتياز وهو الزمن الذي عبر أحد مساعدي رئيس الجمهورية عنه (بزمن المصالحات والوئام والتسامح والتساهل نحو الداخل كما نحو الخارج) والذي قال عنه (ليته يدوم في كل أوقات السنة). الجميع كان حريصاً على كسب ود ليس فقط الرأي العام الداخلي، بل وأيضا الإقليمي والدولي، وكان يسارع على الفور إلى تكذيب أو تصحيح كل تصريح من شأنه الإساءة إلى صورته العامة أو مدرسته الفكرية أو السياسية التي ينتمي إليها حتى لا يفهم خطأ بأنه يسعى للتوتر مع هذا البلد أو ذاك أو هذه المجموعة الدولية أو تلك حتى الولايات المتحدة الأمريكية (والعياذ بالله)!
إنه زمن الوعود وأية وعود! فقد ذهب أحدهم إلى أنه قطع على نفسه وعداً فيما لو انتخب بأن يؤمن دفع مبلغ ثابت لكل مواطن فوق سن الـ 18 يأتيه وهو جالس في بيته (60 دولاراً)، وعندما سئل على الهواء مباشرة من جانب التلفزيون الرسمي عن مثل هذه الوعود المادية التي قد تكون صعبة المنال أجاب: ((وماذا تريدون مني أن أعدهم؟ هل أعدهم بالشفاعة يوم القيامة!)) ومن مثلي ليس ضامناً نفسه! وهو المرشح الذي ينبغي تصنيفه ضمن الرعيل الأول النجباء للأيديولوجيا بكل أمانة وصدق. إنها ظاهرة لطيفة ولافتة سيتعلم الناخب الإيراني مثله مثل غيره من الناخبين في الدنيا كيف يختبر أصحاب هذه الوعود، وكيف يسائل ويحاسب من سيتملص منهم من مثل هذه الوعود عند أول محطة اختبار قاسية، خاصة عندما سيلقي باللائمة على غيره من المنافسين أو حتى على الناس أنفسهم الذين لم يمنحوه الفرصة الكافية؟!
أو لم يكن لديهم ((الرشد الكافي)) ليصبروا عليه أو يتفهموا ظروفه الصعبة في الحكم؟! إنها اللعبة الديمقراطية المستوردة إلى بلادنا أصلا من سياق مجتمعات أخرى، لكنها ابتسرت عن سياقاتها الأصلية، وتم تعميمها وكأنها الدواء الأوحد الذي لا مناص من تناوله، وهكذا أصبحت اللعبة الأكثر رواجاً والأكثر إلحاحاً حتى صارت أشبه بصندوق الأحلام السحري حتى لدى أرباب الأيديولوجيا! إنها ورقة أصغر من الكف تمسك بها أصابع ثلاث وتسقطها في صندوق مقفل فإذا بها نائب يسعى، كما يقول أحد كتاب ((جريدة السفير)) اللبنانية الظرفاء في تعليق له على انتخابات بلاده البرلمانية.
نائب يسعى أو رئيس يسعى لا فرق، إنما الفرق إلى ماذا يسعى؟ هل يسعى للوصول إلى السلطة بأي ثمن كان أم إلى إسعاد الناس ورضاهم؟ إنها لعبة – يقول المواطن الإيراني – إنه تمرس عليها خلال الست والعشرين سنة الماضية، وعاش معها التجارب الحلوة والمرة، لكنها كانت ((المعلمة)) الصادقة معه أفاد منها كيف يتعامل مع هؤلاء ((الشحاذين)) ومارس دوره بنجاح في إيصال من يشاء إلى القمة وإنزال من يشاء منها وفي اللحظة المناسبة.
المراقبون لهذا المسرح الانتخابي المشحون بحراك سياسي واسع يكادون يجزمون بأن طهران إنما تمارس هذه اللعبة الديمقراطية بكل هذه الأريحية ((الجدباء)) من الأيديولوجيا اليوم رغم صلابة موقفها الأيديولوجي العام لا سيما تجاه الخارج، لأنها باتت تلمس عن قرب مدى توق الناخب الإيراني إلى كل ما هو جديد و((طازج)) ويحمل رياح التغيير والإصلاح و((تدوير الدماء)) في جسم السلطة والدولة قبل فوات الأوان، كما تلمس مع كل يوم يمر عليها مدى سرعة التحولات العالمية التي تجعل من الشعار والأيديولوجيا مهما كانا صامدين، فإنهما بحاجة إلى فضاءات جديدة تليق بظروف المماحكة والمناكفة والمواجهة الجديدة تماماً.
من هنا كانت أكثر الشعارات رواجاً لدى كافة المرشحين من دون استثناء هي: ((نحو فضاء جديد)) لا مكان فيه لمحسوبية أو منسوبية، فضاء جديد لا مكان فيه لنوى الفساد الاقتصادي أو السياسي التي عادة ما تجد طريقها للتشكل على هامش الاقتدار السلطوي أياً تكن أيديولوجية النظام أو نوايا الحكم ومناقبيته. فضاء يفتح الباب واسعاً أمام حركة تداول السلطة والمسؤولية بين النخب بكل مشاربها وأطيافها. فضاء يليق بالوطن الأم الكبير شرط أن يضم ويحتضن بكل حنان ومسؤولية كل النوى والمكونات الأصغر دينية كانت أو عرقية أو مناطقية أو ثقافية أو قومية. فضاء يفسح المجال للرأي والرأي الآخر أن يتجاذبا ويتدافعا من أجل رفعة الناس كل الناس والوطن كل الوطن. فضاء يحتضن المواطن الإيراني أيا كانت انتماءاته تحت سقف الوطنية الخالصة التي يفترض أن تبقى متاحة للجميع حتى لا يضطر أحدهم للجوء إلى سقف مستعار! فضاء يحمي الجميع لا غبن فيه لصغير على حساب كبير ولا لفقير على حساب غني ولا لضعيف على حساب قوي!
إنه عصر التجديد وعصر إعادة وصل ما انقطع بين الناخب والمنتخب، كما وصفه أحد الراسخين بعلم الانتخابات الإيرانية، ما على المرشح إلا إدراك مدى أهميته ((الذهبية)) وما على المواطن إلا استثماره ليقول كلمته من دون مجاملة أو وجل أو خوف من أحد.
الراسخون بعلم التحولات الاجتماعية في إيران منذ نهضتها الدستورية في بدايات القرن الماضي مروراً بثورتها الحديثة عام 1979 وتعريجاً على حركتها الإصلاحية التجديدية عام 1996، يكادون يجزمون بأن إيران مقبلة على فصل جديد من الإصلاح والتغيير والتحول ستكون له آثار وتداعيات ليس على الداخل فقط، بل وأيضاً على الصعيدين الإقليمي والدولي.
فالناس في إيران يبحثون عن ((ربيع)) حقيقي يتنفسون فيه الهواء الطلق انسجاما مع هويتهم الدينية و((القومية)) والثقافية والاعتدالية المسالمة البعيدة عن الإفراط والتفريط في السلوك كما في المعاملات سواء فيما بين أعضاء الجماعة الوطنية الإيرانية أو بين الجماعة ككل وبين ((الآخر)) حتى لو كان خصماً ظالماً لها كالولايات المتحدة الأمريكية. هذا ما يرشح بشكل واضح من مجمل الاستحقاق الانتخابي الرئاسي الإيراني التاسع. إنها عودة متجددة لمقولة الشاعر الإيراني الكبير حافظ الشيرازي الذي يكاد يلخص سمات الشخصية الإيرانية الثقافية والحضارية في بيت الشعر التالي الذي يقول فيه:
سعادة الدارين في هذين البيتين
مروءة مع الصديق ومداراة مع العدو
فهل تنجح الثورة الإيرانية حقاً في إجراء هذه المصالحة الضرورية مع ذاتها كما مع العالم الخارجي بعدما وصلت من العمر إلى ربيع الشباب؟ التوقعات الأولية تفيد بالإيجاب، وتقول إن الناخب الإيراني سيقول كلمته هذه المرة أيضاً بشكل ملموس موصلاً إلى سدة الرئاسة ليس رئيساً أهلا لتحمل هذه المسؤوليات التاريخية الجسام فقط، بل وأيضاً برنامجاً لـ ((التصالح)) الشامل مع المحيط الإقليمي والمجتمع الدولي يحمل في طياته مشروعاً واقعياً وعملانياً للاعتدال والتنمية والوسطية و(المروءة) مع أهل الداخل كل الداخل و((المداراة)) مع أهل الخارج كل الخارج من دون أن يفرط في أي بند من بنود وطنية الناس أو تدينهم، أو أن يفرط في تساهله أو تسامحه مع أهل الخارج على حساب المصلحة القومية العليا.
::/fulltext::
::cck::2848::/cck::
