الإعلام العسكري والحرب النفسية في زمن السلم والحرب

::cck::2856::/cck::
::introtext::

يلعب الإعلام العسكري دوراً مؤثراً في غالبية المؤسسات العسكرية سواء في وقت السلم أو الحرب، فهو أسلوب لتوليد وتبادل المعلومات وتكوين درجة من الوعي بين صانعي القرارات، كما أنه سلاح الدول أثناء الأزمات لتهيئة الرأي العام المحلي والدولي لكافة الاحتمالات التي قد تطفو على السطح نتيجة ظروف معينة أو أحداث مصيرية لها علاقة بالأمن الوطني للدولة لقدرته البالغة على التأثير عند استخدامه الاستخدام الأمثل، لأنه ينقل الأخبار العسكرية، ويتحكم بالإصدارات الصحفية ذات الطبيعة العسكرية والتي توجه داخلياً وخارجياً نتيجة إعداده المعلومات لكل من وسائل الإعلام المرئية والمسموعة والمقروءة بقصد تحقيق السيطرة على المعلومات الأمنية عن طريق تدبير وإدارة التدفق المستمر للمعلومات والأسئلة المتعلقة بالمؤسسة العسكرية ليكون المصدر الوحيد والأكبر للمعلومات الخاصة بالمعارك والحروب.

::/introtext::
::fulltext::

يلعب الإعلام العسكري دوراً مؤثراً في غالبية المؤسسات العسكرية سواء في وقت السلم أو الحرب، فهو أسلوب لتوليد وتبادل المعلومات وتكوين درجة من الوعي بين صانعي القرارات، كما أنه سلاح الدول أثناء الأزمات لتهيئة الرأي العام المحلي والدولي لكافة الاحتمالات التي قد تطفو على السطح نتيجة ظروف معينة أو أحداث مصيرية لها علاقة بالأمن الوطني للدولة لقدرته البالغة على التأثير عند استخدامه الاستخدام الأمثل، لأنه ينقل الأخبار العسكرية، ويتحكم بالإصدارات الصحفية ذات الطبيعة العسكرية والتي توجه داخلياً وخارجياً نتيجة إعداده المعلومات لكل من وسائل الإعلام المرئية والمسموعة والمقروءة بقصد تحقيق السيطرة على المعلومات الأمنية عن طريق تدبير وإدارة التدفق المستمر للمعلومات والأسئلة المتعلقة بالمؤسسة العسكرية ليكون المصدر الوحيد والأكبر للمعلومات الخاصة بالمعارك والحروب.
إن قيام الإعلام العسكري بشرح تفاصيل الخيارات العسكرية بطرق مختلفة يمكن أن يرفع أو يضعف المعنويات للمدنيين والعسكريين، ويساهم إذا تم استخدامه بكفاءة في صناعة قيم جديدة للانتصارات أو الخسائر في معارك قائمة أو ستتم في ظل تعطش الرأي العام الداخلي والخارجي لمتابعة الأخبار خاصة في أوقات الحروب والأزمات وارتفاع وتيرة التهديدات من خلال وسائط الاتصالات المختلفة المتاحة بعد التطور الكبير لوسائل نقل المعلومات ضمن مظلة العولمة (في بعض الدول العربية والأجنبية التي تمت عسكرتها بالكامل يلعب الإعلام العسكري دوراً كبيراً بحيث يصبح المصدر الوحيد للأخبار المدنية والعسكرية في غياب الحيادية).
إن غالبية المهتمين بالتاريخ العسكري لا تزال حتى هذه اللحظات تتابع تلك الأفلام الوثائقية للحرب العالمية الثانية التي أصبحت شاهداً على التراث العسكري الإنساني وعلى القدرة للاستخدام الأمثل للإعلام العسكري في أفضل صوره، حيث تميزت آلة إعلام المؤسسة العسكرية الألمانية بأنها أفضل من استخدم الإعلام العسكري في خطابه الإعلامي والدعائي في الحرب العالمية الثانية إلى درجة التصاق الدعاية العسكرية لتلك الآلة الرهيبة بالإعلام العسكري الموجه الذي كان يدير اتجاهاته وزير الدعاية الألماني غوبلز.
قبل وجود وسائل الإعلام الحديثة مثل التلفزيون والإذاعة كانت الجيوش والقوات المسلحة تعتمد على ما ينشر في وسائل الصحافة البدائية المقروءة المتوافرة حينها إما لنقل المعلومات العسكرية عن المعارك والحروب القائمة في ذلك الوقت وخاصة على مسرح العمليات الأوروبي الذي كان يعج بها في ظل الصراع بين تلك الدول رغم محدودية أعداد القراء وصعوبة وسائل النقل حتى تم اختراع (التلغراف) الذي كان أحد أهم مصادر نقل المعلومات العسكرية حينها ليستخدم بكثافة كإحدى وسائل الإعلام العسكري.
ويمثل الإعلام العسكري أحد الروافد المهمة في التشكيلات العسكرية، حيث تقوم كافة الوحدات العسكرية بوضع هيكل متكامل لكافة الأقسام التي تشكل وسائل الإعلام العسكري المقروءة منها أو المرئية أو المسموعة، كما تقوم بوضع السياسات الإعلامية التي تطلبها القيادات العسكرية ضمن استراتيجية وأهداف الدولة المقررة، والعمل الإعلامي في المجال العسكري يحتاج إلى حذر شديد في التعامل مع المعلومات العسكرية لتفادي التأثير في الأمن الوطني، مما يتطلب الكثير من التوازن والالتزام في نقل المعلومات العسكرية للوصول إلى الغاية والأهداف من دون التفريط بالأمن العسكري.
وكانت فترة الحرب العالمية الثانية الفترة الذهبية لعمل الإعلام العسكري رغم محدودية وسائل الإعلام حينها، والتي كانت تعتمد على البث الإذاعي و الصحافة المقروءة وأشرطة الأفلام التي كانت تعرض في دور السينما، حيث استطاع الجانبان المتحاربان تكثيف دور ذلك الإعلام الموجه بدرجة كبيرة لكون الإعلام إحدى أهم الأدوات المشكلة للحرب النفسية ضمن أسلوب الدعاية للتأثير في رأي الشعوب وسلوكها (مثال استخدام البث الإذاعي باللغة الإنجليزية من طوكيو للتأثير في العسكريين الأمريكيين من قبل المذيعة (طوكيو روز) واستخدام الأشرطة الوثائقية الألمانية لتدعيم الانتصارات الألمانية في معركة الغواصات في المحيط الأطلسي واستخدام بريطانيا للشرائط السينمائية لإبراز النصر الجوي البريطاني على القوة الجوية الألمانية في معركة بريطانيا وتصوير الدخول المذل لباريس من قبل القوات الألمانية بعد سقوط فرنسا).
واستمر الإعلام العسكري في فترة الحرب الباردة ما بين انتهاء الحرب العالمية الثانية عام 1945 إلى سقوط الاتحاد السوفييتي عام 1991 بالتطور والصعود مستفيداً من انتشار الاتصالات الحديثة وأجهزة الحاسب الآلي وشبكة الإنترنت والفاكس وأجهزة الاستقبال بالأقمار الصناعية، حيث تنوعت استخداماته حسب ظروف تلك الفترة التي كان الإعلام إحدى الوسائل المهمة في حرب غير عسكرية استخدمت فيها العمليات السرية والمعلنة والأكاذيب والأخبار المغلوطة وتشويهه وتزييف الحقائق بطرق غير مسبوقة نتيجة اعتراف القطبين حينها الاتحاد السوفييتي وحلف وارسو من جهة والولايات المتحدة الأمريكية وحلف شمال الأطلسي من جهة أخرى بصعوبة تحقيق الحسم العسكري في الصراعات القائمة وفرض الإرادات نتيجة ظهور أسلحة متطورة تحد من قدرة أحد الطرفين على الانتصار وصعوبة الحسم العسكري رغم التفوق التقني، حيث أدى الوصول إلى تلك القناعات إلى ازدهار بما يعرف بمصطلح الحرب النفسية التي أصبحت تحتل حيزاً كبيراً بين الأسلحة المستخدمة في النظام العالمي الجديد، بحيث أصبحت مقومات الحرب النفسية أكثر شمولاً.
لقد أدرك القادة العسكريون منذ بدء الصراعات المسلحة بين البشر أهمية العمليات النفسية، ووجدوا أن الإنسان يقاتل بشجاعة أحياناً، ويصاب بالجبن أحياناً، ويستبسل في ظروف معينة، ويتقهقر في ظروف أخرى نتيجة العوامل النفسية التي تشكل الطبيعة البشرية، وهو ما دعا الكثير من المخططين العسكريين للاتجاه للتركيز على التأثير في العامل النفسي لدى العدو بقصد تدمير سلوكيات وعواطف جنوده والتأثير في الميدان من دون الدخول في معارك، ويذكرنا ذلك بعدة مقولات مشهورة، فالقائد الصيني (صن تزو) الذي كتب قبل 2500 عاماً تقريباً في كتابه المشهور (فن الحرب) إن القائد البارع هو من يهاجم بالخدع الحربية فيقهر العدو دون قتال، والقائد الألماني الفذ (آروين رومل) الذي قال (القائد الناجح هو الذي يسيطر على عقول أعدائه قبل أجسادهم) وقول السياسي البريطاني تشرشل (كثيراً ما غيرت الحروب النفسية التاريخ) وما ذكره المؤرخ والأكاديمي العسكري الألماني المشهور كارل فون كلاوتز في كتابه المشهور عن الحرب (بغض النظر عن عبقرية القادة العسكريين وقوة وصمود الجيوش والقواعد والقوانين المشكلة لبديهيات المعارك يظل العامل النفسي والروح المعنوية للجنود في الميدان الحد الفاصل بين الهزيمة والانتصار على أرض المعركة). إذا كان الفضاء هو البعد الرابع، أي القوة الفضائية، بعد القوات الثلاث (القوة البرية والجوية والبحرية) فإن الحرب النفسية تعتبر الآن البعد الشامل الجديد بعد الأبعاد السياسية والعسكرية والاقتصادية، بل إن دولة بحجم إسرائيل اعتبرت العامل النفسي مساوياً لمستوى الأمن الوطني من منظور شامل، إذ إن الحرب النفسية تتميز بأن لها وسائل وأهدافاً، وتتشعب بطرق تنفيذها حيث يكون الإعلام إحدى أهم الأدوات المتوافرة لتحقيق الأهداف المعلنة وغير المعلنة للدول عبر الاستخدام المبرمج في الترويج ونقل الأخبار والقدرة على التأثير المباشر مع تطور تقنيات الاتصالات التي تشكل عصباً رئيسياً للتأثير في الطرف المعادي.
وقد تعرض المجتمع الخليجي لجرعات مختلفة من أنشطة الحروب النفسية على مدى امتد لأكثر من خمسة عقود، حاولت فيها قوى إقليمية وعربية مختلفة بث وفرض مفاهيم غريبة عن تقاليد المجتمعات الخليجية، ولكن حنكة القادة والمسؤولين الخليجيين نجحت في إيقاف مفعول تلك التأثيرات السلبية المستمرة، عندما بينوا وأكدوا أن أحد أهم الأساليب لمكافحة تلك الجرعات الدعائية الضارة يبنى على ضرورة التركيز على مبدأ الشفافية في بث المعلومات لمواجهة تدفق المعلومات الكاذبة والتحريض والدعاية الموجهة.
وتمحورت أبرز فترات الحروب النفسية في منطقة الخليج العربي خلال فترة انبعاث المد القومي والدعايات الموجهة من بعض الأنظمة الثورية العربية في فترة خمسينات القرن الماضي، والفترة التي أعقبت استقلال الدول الخليجية والانسحاب البريطاني من الخليج العربي والممتدة من أوائل ستينات وسبعينات القرن العشرين، لتزداد حدة بالحرب العراقية – الإيرانية بين الأعوام (1980 – 1988) ولتتطور الأمور التي أخذت منحى جديداً خلال الغزو العراقي لدولة الكويت في أغسطس 1990 وفترة الاحتلال العراقي لها ثم حرب تحرير الكويت بين يناير وفبراير 1991. وفي الفترة التي سبقت حرب تحرير العراق بين الأعوام (1991 – 2003) شهدت منطقة الخليج العربي نشاطاً كبيراً للنشاط النفسي الهدام بعد ارتفاع وتيرة الإرهاب في المنطقة وظروف حرب تحرير العراق.
وهناك آثار اقتصادية واجتماعية للحروب النفسية، ولو أخذنا بعض الأمثلة الواقعية التي حدثت في الخليج مثلاً لرأينا التالي : خلال أسلوب الدعاية بواسطة الوسائل المسموعة في خمسينات القرن الماضي من قبل بعض الأنظمة الثورية العربية ازدادت جرعة الشحن النفسي لبعض المواطنين في دول الخليج ضد أنظمة الحكم الخليجية بحجة الرجعية والعمالة للغرب، فتم العبث وتدمير بعض الآبار البترولية، واستطاعت دعاية تلك الأنظمة إقناع المواطنين الخليجيين بإمكانية اعتبار إعلام تلك الأنظمة الموجهة إعلاماً متزناً يمكن تصديقه رغم أن قراءة متأنية في الإعلام العسكري العربي حينها كان سيوضح من دون أي شك عجزه عن تقديم صورة متوازنة وعقلانية (مثال حي كان في الخامس من يونيو 1967 عندما ادعى ذلك الإعلام إسقاط أكثر من 400 طائرة إسرائيلية في اليوم الأول من حرب الستة أيام رغم كذب تلك المعلومات).
ورأينا أمثلة أخرى لبعض تطبيقات الحرب النفسية في منطقتنا، ففي الفترة القاسية للحرب العراقية – الإيرانية في ثمانينات القرن الماضي تعرضت دول الخليج وخاصة المملكة العربية السعودية والكويت للتعرض إلى تدفق غير طبيعي لمعلومات وأحداث وتهديدات مختلفة من الجانبين المتحاربين وخاصة من الجانب الإيراني بسبب الاعتقاد بالانحياز إلى جانب العراق ما أدى إلى قيام إيران بممارسة أساليب مختلفة لزعزعة الأمن في البلدين بإثارة البلبلة عبر تشويهه الرموز السياسية والقيادية لتعميم مشاعر الإحباط، والتخويف من الوجود الأجنبي، واستثارة المشاعر الوطنية والقومية، ومحاولة إثارة شعور الأقليات وتقويض مقومات الحياة الاقتصادية عن طريق مهاجمة ناقلات النفط، والتهديد بإغلاق مضيق هرمز والادعاء بوجود قلاقل بين الأقليات ودعم التطرف الديني والتلويح باستخدام أسلحة الدمار الشامل ضد الدول التي تساعد العراق .
واعتبرت فترة الغزو العراقي للكويت في أغسطس 1990 ومن ثم حرب تحرير الكويت واحدة من أقسى الفترات في تاريخ الدول الخليجية، نتيجة ممارسة النظام العراقي السابق وسائل لا حصر لها لأساليب الحرب النفسية ضد تلك الدول، والتي كانت تعتمد على الكذب المبالغ به والتضليل ونشر الشائعات الرخيصة والأسلوب السوقي في استخدام الألفاظ وعرض الأفلام المفبركة ومحاولة زعزعة إيمان الخليجيين بعدالة القضية الكويتية. وعلى الرغم من بعض الإجراءات البدائية للنظام العراقي السابق في استخدام الوسائل التقليدية للدعاية ضد الأنظمة الخليجية ونجاحها جزئياً لدى بعض (الرعاع) في الشارع العربي إلا أنها فشلت في التأثير في الشارع الخليجي أو إحداث آثار اجتماعية في المواطنين السعوديين والكويتيين.
وقبل حرب تحرير العراق استمر النظام العراقي السابق على المنوال نفسه في تكثيف أساليب حربه النفسية الرخيصة ضد دول الخليج ضمن الاعتقاد السائد بأن الشارع العربي سيدعم الأطروحات والأكاذيب التي كان ينادي بها من منظور قومي، وقد استمر الفشل الذريع لأساليب النظام العراقي السابق، وفشل في تحقيق أهدافه، ولم يستطع إيجاد أي تأثير اقتصادي أو اجتماعي حتى إن المواطنين الكويتيين رغم التهديد باستخدام أسلحة الدمار الشامل ضد بلادهم لم يؤثر ذلك فيهم بل أدت كافة الدعايات العراقية البائسة إلى التفاف الكويتيين حول قيادتهم السياسية ودعمهم لخطط إسقاط النظام العراقي السابق.
أخيراً تظل الحرب النفسية تظل وسيلة لتحقيق استراتيجية الدولة وهي أخطر أنواع الحروب لأنها تتم عبر تدمير عقل وفكر السكان المدنيين والعسكريين المقاتلين في الميدان، وبالإضافة إلى أهدافها السياسية والعسكرية دخلت مجال الاقتصاد والسياسة وأمن المجتمعات في ظل تطور الإمكانات التقنية التي أدت إلى ثورة في عالم الاتصالات وتقدم علوم الحاسبات الآلية.

::/fulltext::

Getting your Trinity Audio player ready...

::cck::2856::/cck::
::introtext::

يلعب الإعلام العسكري دوراً مؤثراً في غالبية المؤسسات العسكرية سواء في وقت السلم أو الحرب، فهو أسلوب لتوليد وتبادل المعلومات وتكوين درجة من الوعي بين صانعي القرارات، كما أنه سلاح الدول أثناء الأزمات لتهيئة الرأي العام المحلي والدولي لكافة الاحتمالات التي قد تطفو على السطح نتيجة ظروف معينة أو أحداث مصيرية لها علاقة بالأمن الوطني للدولة لقدرته البالغة على التأثير عند استخدامه الاستخدام الأمثل، لأنه ينقل الأخبار العسكرية، ويتحكم بالإصدارات الصحفية ذات الطبيعة العسكرية والتي توجه داخلياً وخارجياً نتيجة إعداده المعلومات لكل من وسائل الإعلام المرئية والمسموعة والمقروءة بقصد تحقيق السيطرة على المعلومات الأمنية عن طريق تدبير وإدارة التدفق المستمر للمعلومات والأسئلة المتعلقة بالمؤسسة العسكرية ليكون المصدر الوحيد والأكبر للمعلومات الخاصة بالمعارك والحروب.

::/introtext::
::fulltext::

يلعب الإعلام العسكري دوراً مؤثراً في غالبية المؤسسات العسكرية سواء في وقت السلم أو الحرب، فهو أسلوب لتوليد وتبادل المعلومات وتكوين درجة من الوعي بين صانعي القرارات، كما أنه سلاح الدول أثناء الأزمات لتهيئة الرأي العام المحلي والدولي لكافة الاحتمالات التي قد تطفو على السطح نتيجة ظروف معينة أو أحداث مصيرية لها علاقة بالأمن الوطني للدولة لقدرته البالغة على التأثير عند استخدامه الاستخدام الأمثل، لأنه ينقل الأخبار العسكرية، ويتحكم بالإصدارات الصحفية ذات الطبيعة العسكرية والتي توجه داخلياً وخارجياً نتيجة إعداده المعلومات لكل من وسائل الإعلام المرئية والمسموعة والمقروءة بقصد تحقيق السيطرة على المعلومات الأمنية عن طريق تدبير وإدارة التدفق المستمر للمعلومات والأسئلة المتعلقة بالمؤسسة العسكرية ليكون المصدر الوحيد والأكبر للمعلومات الخاصة بالمعارك والحروب.
إن قيام الإعلام العسكري بشرح تفاصيل الخيارات العسكرية بطرق مختلفة يمكن أن يرفع أو يضعف المعنويات للمدنيين والعسكريين، ويساهم إذا تم استخدامه بكفاءة في صناعة قيم جديدة للانتصارات أو الخسائر في معارك قائمة أو ستتم في ظل تعطش الرأي العام الداخلي والخارجي لمتابعة الأخبار خاصة في أوقات الحروب والأزمات وارتفاع وتيرة التهديدات من خلال وسائط الاتصالات المختلفة المتاحة بعد التطور الكبير لوسائل نقل المعلومات ضمن مظلة العولمة (في بعض الدول العربية والأجنبية التي تمت عسكرتها بالكامل يلعب الإعلام العسكري دوراً كبيراً بحيث يصبح المصدر الوحيد للأخبار المدنية والعسكرية في غياب الحيادية).
إن غالبية المهتمين بالتاريخ العسكري لا تزال حتى هذه اللحظات تتابع تلك الأفلام الوثائقية للحرب العالمية الثانية التي أصبحت شاهداً على التراث العسكري الإنساني وعلى القدرة للاستخدام الأمثل للإعلام العسكري في أفضل صوره، حيث تميزت آلة إعلام المؤسسة العسكرية الألمانية بأنها أفضل من استخدم الإعلام العسكري في خطابه الإعلامي والدعائي في الحرب العالمية الثانية إلى درجة التصاق الدعاية العسكرية لتلك الآلة الرهيبة بالإعلام العسكري الموجه الذي كان يدير اتجاهاته وزير الدعاية الألماني غوبلز.
قبل وجود وسائل الإعلام الحديثة مثل التلفزيون والإذاعة كانت الجيوش والقوات المسلحة تعتمد على ما ينشر في وسائل الصحافة البدائية المقروءة المتوافرة حينها إما لنقل المعلومات العسكرية عن المعارك والحروب القائمة في ذلك الوقت وخاصة على مسرح العمليات الأوروبي الذي كان يعج بها في ظل الصراع بين تلك الدول رغم محدودية أعداد القراء وصعوبة وسائل النقل حتى تم اختراع (التلغراف) الذي كان أحد أهم مصادر نقل المعلومات العسكرية حينها ليستخدم بكثافة كإحدى وسائل الإعلام العسكري.
ويمثل الإعلام العسكري أحد الروافد المهمة في التشكيلات العسكرية، حيث تقوم كافة الوحدات العسكرية بوضع هيكل متكامل لكافة الأقسام التي تشكل وسائل الإعلام العسكري المقروءة منها أو المرئية أو المسموعة، كما تقوم بوضع السياسات الإعلامية التي تطلبها القيادات العسكرية ضمن استراتيجية وأهداف الدولة المقررة، والعمل الإعلامي في المجال العسكري يحتاج إلى حذر شديد في التعامل مع المعلومات العسكرية لتفادي التأثير في الأمن الوطني، مما يتطلب الكثير من التوازن والالتزام في نقل المعلومات العسكرية للوصول إلى الغاية والأهداف من دون التفريط بالأمن العسكري.
وكانت فترة الحرب العالمية الثانية الفترة الذهبية لعمل الإعلام العسكري رغم محدودية وسائل الإعلام حينها، والتي كانت تعتمد على البث الإذاعي و الصحافة المقروءة وأشرطة الأفلام التي كانت تعرض في دور السينما، حيث استطاع الجانبان المتحاربان تكثيف دور ذلك الإعلام الموجه بدرجة كبيرة لكون الإعلام إحدى أهم الأدوات المشكلة للحرب النفسية ضمن أسلوب الدعاية للتأثير في رأي الشعوب وسلوكها (مثال استخدام البث الإذاعي باللغة الإنجليزية من طوكيو للتأثير في العسكريين الأمريكيين من قبل المذيعة (طوكيو روز) واستخدام الأشرطة الوثائقية الألمانية لتدعيم الانتصارات الألمانية في معركة الغواصات في المحيط الأطلسي واستخدام بريطانيا للشرائط السينمائية لإبراز النصر الجوي البريطاني على القوة الجوية الألمانية في معركة بريطانيا وتصوير الدخول المذل لباريس من قبل القوات الألمانية بعد سقوط فرنسا).
واستمر الإعلام العسكري في فترة الحرب الباردة ما بين انتهاء الحرب العالمية الثانية عام 1945 إلى سقوط الاتحاد السوفييتي عام 1991 بالتطور والصعود مستفيداً من انتشار الاتصالات الحديثة وأجهزة الحاسب الآلي وشبكة الإنترنت والفاكس وأجهزة الاستقبال بالأقمار الصناعية، حيث تنوعت استخداماته حسب ظروف تلك الفترة التي كان الإعلام إحدى الوسائل المهمة في حرب غير عسكرية استخدمت فيها العمليات السرية والمعلنة والأكاذيب والأخبار المغلوطة وتشويهه وتزييف الحقائق بطرق غير مسبوقة نتيجة اعتراف القطبين حينها الاتحاد السوفييتي وحلف وارسو من جهة والولايات المتحدة الأمريكية وحلف شمال الأطلسي من جهة أخرى بصعوبة تحقيق الحسم العسكري في الصراعات القائمة وفرض الإرادات نتيجة ظهور أسلحة متطورة تحد من قدرة أحد الطرفين على الانتصار وصعوبة الحسم العسكري رغم التفوق التقني، حيث أدى الوصول إلى تلك القناعات إلى ازدهار بما يعرف بمصطلح الحرب النفسية التي أصبحت تحتل حيزاً كبيراً بين الأسلحة المستخدمة في النظام العالمي الجديد، بحيث أصبحت مقومات الحرب النفسية أكثر شمولاً.
لقد أدرك القادة العسكريون منذ بدء الصراعات المسلحة بين البشر أهمية العمليات النفسية، ووجدوا أن الإنسان يقاتل بشجاعة أحياناً، ويصاب بالجبن أحياناً، ويستبسل في ظروف معينة، ويتقهقر في ظروف أخرى نتيجة العوامل النفسية التي تشكل الطبيعة البشرية، وهو ما دعا الكثير من المخططين العسكريين للاتجاه للتركيز على التأثير في العامل النفسي لدى العدو بقصد تدمير سلوكيات وعواطف جنوده والتأثير في الميدان من دون الدخول في معارك، ويذكرنا ذلك بعدة مقولات مشهورة، فالقائد الصيني (صن تزو) الذي كتب قبل 2500 عاماً تقريباً في كتابه المشهور (فن الحرب) إن القائد البارع هو من يهاجم بالخدع الحربية فيقهر العدو دون قتال، والقائد الألماني الفذ (آروين رومل) الذي قال (القائد الناجح هو الذي يسيطر على عقول أعدائه قبل أجسادهم) وقول السياسي البريطاني تشرشل (كثيراً ما غيرت الحروب النفسية التاريخ) وما ذكره المؤرخ والأكاديمي العسكري الألماني المشهور كارل فون كلاوتز في كتابه المشهور عن الحرب (بغض النظر عن عبقرية القادة العسكريين وقوة وصمود الجيوش والقواعد والقوانين المشكلة لبديهيات المعارك يظل العامل النفسي والروح المعنوية للجنود في الميدان الحد الفاصل بين الهزيمة والانتصار على أرض المعركة). إذا كان الفضاء هو البعد الرابع، أي القوة الفضائية، بعد القوات الثلاث (القوة البرية والجوية والبحرية) فإن الحرب النفسية تعتبر الآن البعد الشامل الجديد بعد الأبعاد السياسية والعسكرية والاقتصادية، بل إن دولة بحجم إسرائيل اعتبرت العامل النفسي مساوياً لمستوى الأمن الوطني من منظور شامل، إذ إن الحرب النفسية تتميز بأن لها وسائل وأهدافاً، وتتشعب بطرق تنفيذها حيث يكون الإعلام إحدى أهم الأدوات المتوافرة لتحقيق الأهداف المعلنة وغير المعلنة للدول عبر الاستخدام المبرمج في الترويج ونقل الأخبار والقدرة على التأثير المباشر مع تطور تقنيات الاتصالات التي تشكل عصباً رئيسياً للتأثير في الطرف المعادي.
وقد تعرض المجتمع الخليجي لجرعات مختلفة من أنشطة الحروب النفسية على مدى امتد لأكثر من خمسة عقود، حاولت فيها قوى إقليمية وعربية مختلفة بث وفرض مفاهيم غريبة عن تقاليد المجتمعات الخليجية، ولكن حنكة القادة والمسؤولين الخليجيين نجحت في إيقاف مفعول تلك التأثيرات السلبية المستمرة، عندما بينوا وأكدوا أن أحد أهم الأساليب لمكافحة تلك الجرعات الدعائية الضارة يبنى على ضرورة التركيز على مبدأ الشفافية في بث المعلومات لمواجهة تدفق المعلومات الكاذبة والتحريض والدعاية الموجهة.
وتمحورت أبرز فترات الحروب النفسية في منطقة الخليج العربي خلال فترة انبعاث المد القومي والدعايات الموجهة من بعض الأنظمة الثورية العربية في فترة خمسينات القرن الماضي، والفترة التي أعقبت استقلال الدول الخليجية والانسحاب البريطاني من الخليج العربي والممتدة من أوائل ستينات وسبعينات القرن العشرين، لتزداد حدة بالحرب العراقية – الإيرانية بين الأعوام (1980 – 1988) ولتتطور الأمور التي أخذت منحى جديداً خلال الغزو العراقي لدولة الكويت في أغسطس 1990 وفترة الاحتلال العراقي لها ثم حرب تحرير الكويت بين يناير وفبراير 1991. وفي الفترة التي سبقت حرب تحرير العراق بين الأعوام (1991 – 2003) شهدت منطقة الخليج العربي نشاطاً كبيراً للنشاط النفسي الهدام بعد ارتفاع وتيرة الإرهاب في المنطقة وظروف حرب تحرير العراق.
وهناك آثار اقتصادية واجتماعية للحروب النفسية، ولو أخذنا بعض الأمثلة الواقعية التي حدثت في الخليج مثلاً لرأينا التالي : خلال أسلوب الدعاية بواسطة الوسائل المسموعة في خمسينات القرن الماضي من قبل بعض الأنظمة الثورية العربية ازدادت جرعة الشحن النفسي لبعض المواطنين في دول الخليج ضد أنظمة الحكم الخليجية بحجة الرجعية والعمالة للغرب، فتم العبث وتدمير بعض الآبار البترولية، واستطاعت دعاية تلك الأنظمة إقناع المواطنين الخليجيين بإمكانية اعتبار إعلام تلك الأنظمة الموجهة إعلاماً متزناً يمكن تصديقه رغم أن قراءة متأنية في الإعلام العسكري العربي حينها كان سيوضح من دون أي شك عجزه عن تقديم صورة متوازنة وعقلانية (مثال حي كان في الخامس من يونيو 1967 عندما ادعى ذلك الإعلام إسقاط أكثر من 400 طائرة إسرائيلية في اليوم الأول من حرب الستة أيام رغم كذب تلك المعلومات).
ورأينا أمثلة أخرى لبعض تطبيقات الحرب النفسية في منطقتنا، ففي الفترة القاسية للحرب العراقية – الإيرانية في ثمانينات القرن الماضي تعرضت دول الخليج وخاصة المملكة العربية السعودية والكويت للتعرض إلى تدفق غير طبيعي لمعلومات وأحداث وتهديدات مختلفة من الجانبين المتحاربين وخاصة من الجانب الإيراني بسبب الاعتقاد بالانحياز إلى جانب العراق ما أدى إلى قيام إيران بممارسة أساليب مختلفة لزعزعة الأمن في البلدين بإثارة البلبلة عبر تشويهه الرموز السياسية والقيادية لتعميم مشاعر الإحباط، والتخويف من الوجود الأجنبي، واستثارة المشاعر الوطنية والقومية، ومحاولة إثارة شعور الأقليات وتقويض مقومات الحياة الاقتصادية عن طريق مهاجمة ناقلات النفط، والتهديد بإغلاق مضيق هرمز والادعاء بوجود قلاقل بين الأقليات ودعم التطرف الديني والتلويح باستخدام أسلحة الدمار الشامل ضد الدول التي تساعد العراق .
واعتبرت فترة الغزو العراقي للكويت في أغسطس 1990 ومن ثم حرب تحرير الكويت واحدة من أقسى الفترات في تاريخ الدول الخليجية، نتيجة ممارسة النظام العراقي السابق وسائل لا حصر لها لأساليب الحرب النفسية ضد تلك الدول، والتي كانت تعتمد على الكذب المبالغ به والتضليل ونشر الشائعات الرخيصة والأسلوب السوقي في استخدام الألفاظ وعرض الأفلام المفبركة ومحاولة زعزعة إيمان الخليجيين بعدالة القضية الكويتية. وعلى الرغم من بعض الإجراءات البدائية للنظام العراقي السابق في استخدام الوسائل التقليدية للدعاية ضد الأنظمة الخليجية ونجاحها جزئياً لدى بعض (الرعاع) في الشارع العربي إلا أنها فشلت في التأثير في الشارع الخليجي أو إحداث آثار اجتماعية في المواطنين السعوديين والكويتيين.
وقبل حرب تحرير العراق استمر النظام العراقي السابق على المنوال نفسه في تكثيف أساليب حربه النفسية الرخيصة ضد دول الخليج ضمن الاعتقاد السائد بأن الشارع العربي سيدعم الأطروحات والأكاذيب التي كان ينادي بها من منظور قومي، وقد استمر الفشل الذريع لأساليب النظام العراقي السابق، وفشل في تحقيق أهدافه، ولم يستطع إيجاد أي تأثير اقتصادي أو اجتماعي حتى إن المواطنين الكويتيين رغم التهديد باستخدام أسلحة الدمار الشامل ضد بلادهم لم يؤثر ذلك فيهم بل أدت كافة الدعايات العراقية البائسة إلى التفاف الكويتيين حول قيادتهم السياسية ودعمهم لخطط إسقاط النظام العراقي السابق.
أخيراً تظل الحرب النفسية تظل وسيلة لتحقيق استراتيجية الدولة وهي أخطر أنواع الحروب لأنها تتم عبر تدمير عقل وفكر السكان المدنيين والعسكريين المقاتلين في الميدان، وبالإضافة إلى أهدافها السياسية والعسكرية دخلت مجال الاقتصاد والسياسة وأمن المجتمعات في ظل تطور الإمكانات التقنية التي أدت إلى ثورة في عالم الاتصالات وتقدم علوم الحاسبات الآلية.

::/fulltext::
::cck::2856::/cck::

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *