أمريكا وإيران.. رسائل متبادلة بلغة المناورات العسكرية

::cck::2858::/cck::
::introtext::

تعتقد كثير من دول العالم أن إجراء المناورات العسكرية الدورية أو الطارئة إنما هو أداة متوفرة لديها لتحقيق الكثير من الأهداف العسكرية، الفنية، والسياسية. فتحاول المؤسسات العسكرية والسياسية في تلك الدول بذل أقصى الجهود للالتزام بمواعيد وأماكن إجراء تلك المناورات. وفي كثير من الأحيان لا تتراجع عنها حتى إن أدت إلى أزمة سياسية دولية بينها وبين الدول التي تجري المناورات قريبة من حدودها. 

::/introtext::
::fulltext::

تعتقد كثير من دول العالم أن إجراء المناورات العسكرية الدورية أو الطارئة إنما هو أداة متوفرة لديها لتحقيق الكثير من الأهداف العسكرية، الفنية، والسياسية. فتحاول المؤسسات العسكرية والسياسية في تلك الدول بذل أقصى الجهود للالتزام بمواعيد وأماكن إجراء تلك المناورات. وفي كثير من الأحيان لا تتراجع عنها حتى إن أدت إلى أزمة سياسية دولية بينها وبين الدول التي تجري المناورات قريبة من حدودها.
إن التراجع عن إجراء المناورات قد يكون صعباً عندما يتم وضع هدف دولي للمناورة تشترك في تنفيذه وحدات عسكرية من عدة دول حليفة، فتصر الدول على إجراء المناورات حتى لا يتم تفسير إلغائها على أنه تراجع عن الأهداف المعلنة سابقاً. والأهداف الفنية التي تكون الأساس الرئيسي لإجراء المناورات العسكرية تنقسم إلى عدة أقسام: أولها التدريب على رفع الكفاءة القتالية، الفنية، والإدارية للعسكريين العاملين في الوحدات القتالية المختلفة، والتدريب المستمر تحت ظروف طبيعية وغير طبيعية وفي أماكن وتضاريس متنوعة تساعد العسكريين على التكيف مع ظروف المواجهة المحتملة وتعطيهم الثقة بإمكانية أسلحتهم المستخدمة. ثانيها قد تجرى المناورات لاختبار عقيدة جديدة تكون القيادة السياسية قد حددتها مسبقاً أو تم تغييرها حديثاً، ويطلب من القوات المسلحة تجربتها وتأهيل أفرادها ومنتسبيها على اتباعها. وفي حال التمارين والمناورات المشتركة بين عدة دول متحالفة (دول حلف الناتو مثلا) يتم تغيير العقيدة القتالية بناء على النتائج المستخلصة من التجارب القتالية في أماكن مختلفة من العالم. ثالثها يعتمد على قيام الوحدات العسكرية المختلفة سواء كانت القوات البرية أو البحرية، أو الجوية، أو الوحدات الخاصة باختبار أسلحة جديدة وحديثة حصلت عليها مؤخراً من دول أخرى أو طورتها في مصانعها العسكرية وبإمكانياتها الذاتية. ويتم رصد نتائج تلك الاختبارات ضمن أنظمة رصد حديثة وترسل إلى الدول المصدرة أو أماكن التصنيع المحلية لكي يتم بعدها التأكد من تطابق تلك النتائج مع التوقعات المبدئية للسلاح أو المعدة العسكرية أو طلب تعديل فاعلية وإمكانية السلاح لكي يفي بالغرض المصنع لأجله.
أما الأهداف السياسية من إجراء مناورات عسكرية فتتنوع على حسب المتغيرات والمصالح السياسية والعسكرية، والاقتصادية للدول. فالدول العظمى تجري مناورات كثيرة ومتعددة في مناطق مختلفة من العالم وذلك لدعم مصالحها الحيوية الاقتصادية، وتأكيد هيمنتها على الأراضي والممرات المائية التي تحت سيطرتها، ودعم مصانعها العسكرية المتنوعة، وتأهيل حلفائها على استعمال سلاحها الذي باعته لها. وكذلك كثيراً ما تحاول الدول الكبرى إظهار قواتها وإمكانياتها العسكرية المختلفة عبر استعراض شامل للأسلحة الحديثة والمتطورة من خلال تجربة تلك الأسلحة في مناطق قريبة من الدول التي تعتبر معادية لها. فيكون الهدف إرسال رسالة واضحة عن إمكانية التدخل العسكري السريع في شؤون الدول التي تعتبر معادية وذلك في حال رفض الأخيرة التجاوب مع مطالب الدولة العظمى السياسية والاقتصادية والعسكرية. وكذلك تقوم الدول العظمى وحلفاؤها بحشد أكبر عدد ممكن من القوات العسكرية المقاتلة في منطقة جغرافية معينة بهدف التدخل المباشر وتحت غطاء المناورات العسكرية المتعددة الأطراف. أما الدول الإقليمية الأصغر حجماً فتجري مناوراتها الدورية مستهدفة إرسال رسالة إلى الدول الكبرى التي تهددها تؤكد فيها أن قواتها المسلحة قادرة على حماية حدودها وصيانة مكتسباتها الوطنية. وأيضاً تحاول أن تثبت لجيرانها الأصغر أن قدراتها القتالية الدفاعية والهجومية قادرة على تأمين وضع إقليمي مستقر وذلك من خلال إظهار أكبر عدد من المعدات العسكرية التي تملكها في المناورات، كما يتم حشد وسائل الإعلام المرئية والمقروءة لإثبات قدرة الدولة على إجراء مناورات ضخمة تستطيع فيها القيادة السياسية إثبات مقدرتها على امتلاك جيش قوي يمتلك وسائل الردع إضافة إلى امتلاكه أنظمة القتال الحديثة والمتطورة.
المناورات الأمريكية
تقوم الولايات المتحدة الأمريكية وخصوصاً قيادة المنطقة الوسطى ببرمجة وإجراء ما يقارب سبعين مناورة عسكرية خلال السنة في منطقة مسؤوليتها. وتمتد هذه المنطقة في الشرق الأوسط من المملكة المغربية غرباً إلى الجمهورية الباكستانية شرقاً ومن دول وسط آسيا شمالاً إلى جنوب المحيط الهندي جنوباً، فتم تقسيم هذه المناورات على مدار شهور السنة، فمنها الذي يتم إجراؤه سنوياً والآخر كل ستة أشهر وبمشاركة وحدات رمزية من دول المنطقة وذلك إما بشكل انفرادي أو جماعي، إضافة إلى ذلك تقوم الوحدات العسكرية الأمريكية بمناورات غير مبرمجة في أماكن متفرقة من العالم تحت غطاء محاربة الإرهاب وتنفيذاً لقرارات الأمم المتحدة. وفي هذه الحالة تعتمد بشكل أساسي على مشاركة الدول الغربية المتحالفة معها وخصوصاً بريطانيا وفرنسا وألمانيا، وأستراليا. والملاحظ أن الولايات المتحدة تعتمد في مناوراتها العسكرية على القدرة القتالية الهائلة لحاملات الطائرات التي تمتلكها، حيث تحاول من خلالها الضغط على الدول التي تعتبرها عدوة سياسياً. وبعد أحداث الحادي عشر من سبتمبر عام 2001 ميلادية أعلنت الولايات المتحدة الأمريكية عن اعتبار إيران عدواً لها في منطقة الشرق الأوسط، وزادت المشاحنات السياسية بين الدولتين بعد إعلان الأمم المتحدة عن قيام إيران بتطوير برنامجها النووي لكي يتحول إلى برنامج عسكري في غضون السنوات المقبلة. أما الأمم المتحدة فدعت إلى مفاوضات تقودها الدول الأوروبية بهدف إقناع إيران بالعدول عن البرنامج النووي في مقابل حوافز تقنية تقدمها الدول الغربية. وفي خلال السنوات التالية قامت الولايات المتحدة بتمركز قواتها المسلحة شرق وغرب إيران من خلال احتلال أفغانستان (2001 م) والعراق (2003 م). وضمن اتفاقيات عسكرية واقتصادية مغرية استطاعت الولايات المتحدة وضع قواتها العسكرية في دول وسط آسيا شمالاً ودول مجلس التعاون الخليجي جنوباً، وقامت بعد ذلك بإجراء عدة مناورات متعددة الأطراف قريبة من حدود إيران اعتبرتها الأخيرة استفزازاً موجهاً ضدها.آخر تلك المناورات التي تحمل الطابع الدولي كانت مناورة (الحافة البارزة) في 30/10/2006م والتي جرت قرب السواحل الإيرانية في الخليج العربي وبحر العرب واستمرت لمدة يومين، وكان مقر القيادة المشرفة على المناورة في مملكة البحرين التي شاركت بسفينة واحدة إضافة إلى بريطانيا وفرنسا وألمانيا وإيطاليا، وأستراليا. أما بقية الدول كدولة الإمارات وقطر والكويت، وكوريا الجنوبية، واليابان وغيرها فقد أرسلت عدداً صغيراً من المراقبين لحضور المناورة. وكان الهدف المعلن من وراء إجراء المناورة البحرية هو التدريب على اعتراض سفينة تحمل مواد ومعدات نووية متجهة إلى إحدى الدول المعادية. أما الأهداف غير المعلنة فقد شملت أولاً حشد أكبر عدد من السفن العسكرية (أربع مجموعات قتالية تقودها حاملات طائرات) في منطقة الخليج العربي، بحر العرب، والمحيط الهندي لإظهار القوة الضاربة التي سوف تتعامل مع إيران. ثانياً إرسال رسالة إلى دول مجلس التعاون الخليجي مفادها أن الولايات المتحدة قادرة على حماية أمن تلك الدول في حال نشوب نزاع مسلح مع إيران. ثالثاً التأكد من أن دول المنطقة والحلفاء قد استوعبوا العقيدة التي تتبعها الولايات المتحدة في حروبها والتي تعتمد في أساسها على مبدأ (الضربة الاستباقية). رابعاً اختبار ورصد رد فعل القوات المسلحة الإيرانية للمناورات العسكرية التي تتم قرب حدودها الإقليمية. وأخيراً محاولة اكتشاف الجاهزية القتالية للقوات المسلحة الإيرانية وتقييم مدى فاعلية الدفاعات الأرضية التي تملكها.
المناورات الإيرانية
يبقى هم إيران الأكبر هو كيفية الدفاع عن حدودها الشاسعة في ظل وجود عسكري كبير يحيط بها من كل الاتجاهات. وفي الوقت نفسه تحاول بدورها الرد على الضغوط الأمريكية والغربية وذلك بتمديد المفاوضات لكسب الوقت الذي تحتاجه لتطوير برنامجها النووي. ومن خلال تحالفها العسكري والاقتصادي مع روسيا والصين استطاعت التملص من الضغوط الدولية، وقامت بتطوير مقدرة معداتها العسكرية وخصوصاً ترسانتها الصاروخية، حيث ركزت منذ سنوات على تطوير أسلحتها ذاتياً وذلك ضمن برنامج ضخم يشتمل على إنتاج معدات عسكرية متطورة منها الدبابات، الطائرات، السفن، الأجهزة الإلكترونية، معدات الرادار، والأسلحة الخفيفة المختلفة. ومن خلال تجربتها في الحرب العراقية –الإيرانية التي امتدت لثماني سنوات استطاعت أن تطور مقدرة الحرس الثوري لكي يوازي القوات النظامية في تشكيلاته، تنظيمه، تسليحه، ومقدرته القتالية. وفي السياق نفسه قامت بتغيير العقيدة القتالية التقليدية التي كان الجيش الإيراني يتبعها سابقاً وذلك بتطوير عقيدة قتالية تعتمد على المجموعات الصغيرة والخفيفة الحركة ذات التسليح العالي، كما قامت بعدة محاولات لإرسال رسائل تدل على مقدرتها العسكرية الكبيرة للدفاع عن أراضيها ومكتسباتها الوطنية (خصوصاً برنامجها النووي) وذلك بإجراء عدة مناورات رئيسية في عام 2006م. ومن أهم تلك المناورات التي جرت على الأراضي الإيرانية وضمن مياهها الإقليمية مناورة (الرسول الأعظم-1) في إبريل عام 2006 م ومناورة (ضربة ذوالفقار) في أغسطس 2006 م. وفي تلك المناورات تم اختبار صواريخ بر-بحر تطلق من الأراضي المحيطة بالخليج، وطوربيدات بحرية ذات سرعة عالية تطلق من السفن والغواصات، وطائرات استطلاع من دون طيار تطلق من البر أو من السفن في البحر.
أما آخر المناورات التي أجرتها إيران فكانت مناورة (الرسول الأعظم-2) الضخمة التي جرت في نوفمبر 2006م. فبمشاركة عشرات آلاف من العسكريين استمرت المناورة لمدة عشرة أيام غطت خلالها معظم المناطق الحدودية، حيث شملت أربع عشرة محافظة امتدت من الشرق على الحدود الأفغانية – الباكستانية إلى الغرب على حدود العراق، تركيا، والخليج العربي وشاركت فيها وحدات عسكرية مختلفة، وركزت المناورة على إظهار مقدرة القوة الصاروخية البعيدة والمتوسطة المدى التي تملكها إيران وذلك من خلال تجربة صاروخ (شهاب 2) بمداه الذي يتعدى 1000 كيلومتر وصاروخ (شهاب-3) بمداه الذي يتعدى 2000 كيلومتر إضافة إلى صاروخ (فتح) 110 كيلومترات وصاروخ (ذوالفقار) 73 كيلومتراً، كما اختبرت مقدرة القوات النظامية وقوات الحرس الثوري على الحركة السريعة لوحداتها العسكرية لمواجهة أي هجوم محتمل على إحدى الجبهات، وحاولت من خلال هذه المناورة إرسال عدة رسائل إلى الولايات المتحدة وحلفائها الغربيين، إضافة إلى دول مجلس التعاون الخليجي: أولها أنها قادرة بفضل صواريخها البعيدة المدى على الوصول إلى إسرائيل وضربها في حال تعرضت منشآتها النووية لضربة عسكرية مباشرة. ثانياً، إن دول مجلس التعاون ليست في مأمن من ردة فعلها العسكرية في حال سمحت هذه الدول للقوات الأمريكية والغربية باستعمال قواعدها البرية والبحرية والجوية للهجوم عليها. ثالثاً، إرسال إشارات إلى دول مجلس التعاون بأن الجارة إيران قادرة على حماية أمن الخليج العربي من التدخلات الخارجية، وأنه يمكن الاعتماد عليها عسكرياً في حال الالتزام باتفاقيات أمنية بين الأطراف. وأخيراً، إرسال رسالة إلى الولايات المتحدة بأن إيران قادرة على المواجهة العسكرية والقتال على عدة جبهات لحماية مكتسباتها الوطنية.
وبالمحصلة تحاول الولايات المتحدة وإيران إظهار قوتهما العسكرية من خلال إجراء مناورات متزامنة في منطقة الخليج العربي، وزادت كثافة تلك المناورات مع تعقد المفاوضات الدائرة بين إيران والدول الغربية التي دخلت عامها الثالث من دون الوصول إلى نتائج ترضي جميع الأطراف. فالدول الغربية وتحت ضغط من الولايات المتحدة تحاول إيقاف البرنامج النووي الإيراني لمصلحة أمن إسرائيل، ولكن في الناحية الأخرى تعلن إيران أنها ماضية في تطوير برنامجها النووي للأغراض السلمية فقط، وأدى انعكاس المجابهة بين تلك الدول إلى عرض للعضلات العسكرية تمثل في حشد قوات ضخمة أمريكية وغربية بحجة مكافحة الإرهاب في منطقة الخليج قابله تطور هائل في الترسانة العسكرية الإيرانية؛ كل ذلك قد يحمل آثاراً سليبة على دول مجلس التعاون التي لا تريد لحوض الخليج العربي أن يتحول إلى منطقة صراع مزمن. ومن الآثار السلبية التي قد تحدث في المنطقة: أولاً، احتمال أن تتطور تلك المناورات لتتحول إلى مواجهات عسكرية بين الأطراف تجر معها دول الخليج إلى حرب لا تريد أن تكون طرفاً فيها. ثانياً، بدء سباق تسلح نووي بين دول المنطقة الغنية تكون عواقبه البيئية المستقبلية كبيرة. ثالثاً، مع انتشار السلاح المتطور البعيد المدى بين دول المنطقة تصبح احتمالات التدمير الشامل الذي يطول المدنيين في أي مواجهة محتملة خطيرة جداً.

::/fulltext::

Getting your Trinity Audio player ready...

::cck::2858::/cck::
::introtext::

تعتقد كثير من دول العالم أن إجراء المناورات العسكرية الدورية أو الطارئة إنما هو أداة متوفرة لديها لتحقيق الكثير من الأهداف العسكرية، الفنية، والسياسية. فتحاول المؤسسات العسكرية والسياسية في تلك الدول بذل أقصى الجهود للالتزام بمواعيد وأماكن إجراء تلك المناورات. وفي كثير من الأحيان لا تتراجع عنها حتى إن أدت إلى أزمة سياسية دولية بينها وبين الدول التي تجري المناورات قريبة من حدودها. 

::/introtext::
::fulltext::

تعتقد كثير من دول العالم أن إجراء المناورات العسكرية الدورية أو الطارئة إنما هو أداة متوفرة لديها لتحقيق الكثير من الأهداف العسكرية، الفنية، والسياسية. فتحاول المؤسسات العسكرية والسياسية في تلك الدول بذل أقصى الجهود للالتزام بمواعيد وأماكن إجراء تلك المناورات. وفي كثير من الأحيان لا تتراجع عنها حتى إن أدت إلى أزمة سياسية دولية بينها وبين الدول التي تجري المناورات قريبة من حدودها.
إن التراجع عن إجراء المناورات قد يكون صعباً عندما يتم وضع هدف دولي للمناورة تشترك في تنفيذه وحدات عسكرية من عدة دول حليفة، فتصر الدول على إجراء المناورات حتى لا يتم تفسير إلغائها على أنه تراجع عن الأهداف المعلنة سابقاً. والأهداف الفنية التي تكون الأساس الرئيسي لإجراء المناورات العسكرية تنقسم إلى عدة أقسام: أولها التدريب على رفع الكفاءة القتالية، الفنية، والإدارية للعسكريين العاملين في الوحدات القتالية المختلفة، والتدريب المستمر تحت ظروف طبيعية وغير طبيعية وفي أماكن وتضاريس متنوعة تساعد العسكريين على التكيف مع ظروف المواجهة المحتملة وتعطيهم الثقة بإمكانية أسلحتهم المستخدمة. ثانيها قد تجرى المناورات لاختبار عقيدة جديدة تكون القيادة السياسية قد حددتها مسبقاً أو تم تغييرها حديثاً، ويطلب من القوات المسلحة تجربتها وتأهيل أفرادها ومنتسبيها على اتباعها. وفي حال التمارين والمناورات المشتركة بين عدة دول متحالفة (دول حلف الناتو مثلا) يتم تغيير العقيدة القتالية بناء على النتائج المستخلصة من التجارب القتالية في أماكن مختلفة من العالم. ثالثها يعتمد على قيام الوحدات العسكرية المختلفة سواء كانت القوات البرية أو البحرية، أو الجوية، أو الوحدات الخاصة باختبار أسلحة جديدة وحديثة حصلت عليها مؤخراً من دول أخرى أو طورتها في مصانعها العسكرية وبإمكانياتها الذاتية. ويتم رصد نتائج تلك الاختبارات ضمن أنظمة رصد حديثة وترسل إلى الدول المصدرة أو أماكن التصنيع المحلية لكي يتم بعدها التأكد من تطابق تلك النتائج مع التوقعات المبدئية للسلاح أو المعدة العسكرية أو طلب تعديل فاعلية وإمكانية السلاح لكي يفي بالغرض المصنع لأجله.
أما الأهداف السياسية من إجراء مناورات عسكرية فتتنوع على حسب المتغيرات والمصالح السياسية والعسكرية، والاقتصادية للدول. فالدول العظمى تجري مناورات كثيرة ومتعددة في مناطق مختلفة من العالم وذلك لدعم مصالحها الحيوية الاقتصادية، وتأكيد هيمنتها على الأراضي والممرات المائية التي تحت سيطرتها، ودعم مصانعها العسكرية المتنوعة، وتأهيل حلفائها على استعمال سلاحها الذي باعته لها. وكذلك كثيراً ما تحاول الدول الكبرى إظهار قواتها وإمكانياتها العسكرية المختلفة عبر استعراض شامل للأسلحة الحديثة والمتطورة من خلال تجربة تلك الأسلحة في مناطق قريبة من الدول التي تعتبر معادية لها. فيكون الهدف إرسال رسالة واضحة عن إمكانية التدخل العسكري السريع في شؤون الدول التي تعتبر معادية وذلك في حال رفض الأخيرة التجاوب مع مطالب الدولة العظمى السياسية والاقتصادية والعسكرية. وكذلك تقوم الدول العظمى وحلفاؤها بحشد أكبر عدد ممكن من القوات العسكرية المقاتلة في منطقة جغرافية معينة بهدف التدخل المباشر وتحت غطاء المناورات العسكرية المتعددة الأطراف. أما الدول الإقليمية الأصغر حجماً فتجري مناوراتها الدورية مستهدفة إرسال رسالة إلى الدول الكبرى التي تهددها تؤكد فيها أن قواتها المسلحة قادرة على حماية حدودها وصيانة مكتسباتها الوطنية. وأيضاً تحاول أن تثبت لجيرانها الأصغر أن قدراتها القتالية الدفاعية والهجومية قادرة على تأمين وضع إقليمي مستقر وذلك من خلال إظهار أكبر عدد من المعدات العسكرية التي تملكها في المناورات، كما يتم حشد وسائل الإعلام المرئية والمقروءة لإثبات قدرة الدولة على إجراء مناورات ضخمة تستطيع فيها القيادة السياسية إثبات مقدرتها على امتلاك جيش قوي يمتلك وسائل الردع إضافة إلى امتلاكه أنظمة القتال الحديثة والمتطورة.
المناورات الأمريكية
تقوم الولايات المتحدة الأمريكية وخصوصاً قيادة المنطقة الوسطى ببرمجة وإجراء ما يقارب سبعين مناورة عسكرية خلال السنة في منطقة مسؤوليتها. وتمتد هذه المنطقة في الشرق الأوسط من المملكة المغربية غرباً إلى الجمهورية الباكستانية شرقاً ومن دول وسط آسيا شمالاً إلى جنوب المحيط الهندي جنوباً، فتم تقسيم هذه المناورات على مدار شهور السنة، فمنها الذي يتم إجراؤه سنوياً والآخر كل ستة أشهر وبمشاركة وحدات رمزية من دول المنطقة وذلك إما بشكل انفرادي أو جماعي، إضافة إلى ذلك تقوم الوحدات العسكرية الأمريكية بمناورات غير مبرمجة في أماكن متفرقة من العالم تحت غطاء محاربة الإرهاب وتنفيذاً لقرارات الأمم المتحدة. وفي هذه الحالة تعتمد بشكل أساسي على مشاركة الدول الغربية المتحالفة معها وخصوصاً بريطانيا وفرنسا وألمانيا، وأستراليا. والملاحظ أن الولايات المتحدة تعتمد في مناوراتها العسكرية على القدرة القتالية الهائلة لحاملات الطائرات التي تمتلكها، حيث تحاول من خلالها الضغط على الدول التي تعتبرها عدوة سياسياً. وبعد أحداث الحادي عشر من سبتمبر عام 2001 ميلادية أعلنت الولايات المتحدة الأمريكية عن اعتبار إيران عدواً لها في منطقة الشرق الأوسط، وزادت المشاحنات السياسية بين الدولتين بعد إعلان الأمم المتحدة عن قيام إيران بتطوير برنامجها النووي لكي يتحول إلى برنامج عسكري في غضون السنوات المقبلة. أما الأمم المتحدة فدعت إلى مفاوضات تقودها الدول الأوروبية بهدف إقناع إيران بالعدول عن البرنامج النووي في مقابل حوافز تقنية تقدمها الدول الغربية. وفي خلال السنوات التالية قامت الولايات المتحدة بتمركز قواتها المسلحة شرق وغرب إيران من خلال احتلال أفغانستان (2001 م) والعراق (2003 م). وضمن اتفاقيات عسكرية واقتصادية مغرية استطاعت الولايات المتحدة وضع قواتها العسكرية في دول وسط آسيا شمالاً ودول مجلس التعاون الخليجي جنوباً، وقامت بعد ذلك بإجراء عدة مناورات متعددة الأطراف قريبة من حدود إيران اعتبرتها الأخيرة استفزازاً موجهاً ضدها.آخر تلك المناورات التي تحمل الطابع الدولي كانت مناورة (الحافة البارزة) في 30/10/2006م والتي جرت قرب السواحل الإيرانية في الخليج العربي وبحر العرب واستمرت لمدة يومين، وكان مقر القيادة المشرفة على المناورة في مملكة البحرين التي شاركت بسفينة واحدة إضافة إلى بريطانيا وفرنسا وألمانيا وإيطاليا، وأستراليا. أما بقية الدول كدولة الإمارات وقطر والكويت، وكوريا الجنوبية، واليابان وغيرها فقد أرسلت عدداً صغيراً من المراقبين لحضور المناورة. وكان الهدف المعلن من وراء إجراء المناورة البحرية هو التدريب على اعتراض سفينة تحمل مواد ومعدات نووية متجهة إلى إحدى الدول المعادية. أما الأهداف غير المعلنة فقد شملت أولاً حشد أكبر عدد من السفن العسكرية (أربع مجموعات قتالية تقودها حاملات طائرات) في منطقة الخليج العربي، بحر العرب، والمحيط الهندي لإظهار القوة الضاربة التي سوف تتعامل مع إيران. ثانياً إرسال رسالة إلى دول مجلس التعاون الخليجي مفادها أن الولايات المتحدة قادرة على حماية أمن تلك الدول في حال نشوب نزاع مسلح مع إيران. ثالثاً التأكد من أن دول المنطقة والحلفاء قد استوعبوا العقيدة التي تتبعها الولايات المتحدة في حروبها والتي تعتمد في أساسها على مبدأ (الضربة الاستباقية). رابعاً اختبار ورصد رد فعل القوات المسلحة الإيرانية للمناورات العسكرية التي تتم قرب حدودها الإقليمية. وأخيراً محاولة اكتشاف الجاهزية القتالية للقوات المسلحة الإيرانية وتقييم مدى فاعلية الدفاعات الأرضية التي تملكها.
المناورات الإيرانية
يبقى هم إيران الأكبر هو كيفية الدفاع عن حدودها الشاسعة في ظل وجود عسكري كبير يحيط بها من كل الاتجاهات. وفي الوقت نفسه تحاول بدورها الرد على الضغوط الأمريكية والغربية وذلك بتمديد المفاوضات لكسب الوقت الذي تحتاجه لتطوير برنامجها النووي. ومن خلال تحالفها العسكري والاقتصادي مع روسيا والصين استطاعت التملص من الضغوط الدولية، وقامت بتطوير مقدرة معداتها العسكرية وخصوصاً ترسانتها الصاروخية، حيث ركزت منذ سنوات على تطوير أسلحتها ذاتياً وذلك ضمن برنامج ضخم يشتمل على إنتاج معدات عسكرية متطورة منها الدبابات، الطائرات، السفن، الأجهزة الإلكترونية، معدات الرادار، والأسلحة الخفيفة المختلفة. ومن خلال تجربتها في الحرب العراقية –الإيرانية التي امتدت لثماني سنوات استطاعت أن تطور مقدرة الحرس الثوري لكي يوازي القوات النظامية في تشكيلاته، تنظيمه، تسليحه، ومقدرته القتالية. وفي السياق نفسه قامت بتغيير العقيدة القتالية التقليدية التي كان الجيش الإيراني يتبعها سابقاً وذلك بتطوير عقيدة قتالية تعتمد على المجموعات الصغيرة والخفيفة الحركة ذات التسليح العالي، كما قامت بعدة محاولات لإرسال رسائل تدل على مقدرتها العسكرية الكبيرة للدفاع عن أراضيها ومكتسباتها الوطنية (خصوصاً برنامجها النووي) وذلك بإجراء عدة مناورات رئيسية في عام 2006م. ومن أهم تلك المناورات التي جرت على الأراضي الإيرانية وضمن مياهها الإقليمية مناورة (الرسول الأعظم-1) في إبريل عام 2006 م ومناورة (ضربة ذوالفقار) في أغسطس 2006 م. وفي تلك المناورات تم اختبار صواريخ بر-بحر تطلق من الأراضي المحيطة بالخليج، وطوربيدات بحرية ذات سرعة عالية تطلق من السفن والغواصات، وطائرات استطلاع من دون طيار تطلق من البر أو من السفن في البحر.
أما آخر المناورات التي أجرتها إيران فكانت مناورة (الرسول الأعظم-2) الضخمة التي جرت في نوفمبر 2006م. فبمشاركة عشرات آلاف من العسكريين استمرت المناورة لمدة عشرة أيام غطت خلالها معظم المناطق الحدودية، حيث شملت أربع عشرة محافظة امتدت من الشرق على الحدود الأفغانية – الباكستانية إلى الغرب على حدود العراق، تركيا، والخليج العربي وشاركت فيها وحدات عسكرية مختلفة، وركزت المناورة على إظهار مقدرة القوة الصاروخية البعيدة والمتوسطة المدى التي تملكها إيران وذلك من خلال تجربة صاروخ (شهاب 2) بمداه الذي يتعدى 1000 كيلومتر وصاروخ (شهاب-3) بمداه الذي يتعدى 2000 كيلومتر إضافة إلى صاروخ (فتح) 110 كيلومترات وصاروخ (ذوالفقار) 73 كيلومتراً، كما اختبرت مقدرة القوات النظامية وقوات الحرس الثوري على الحركة السريعة لوحداتها العسكرية لمواجهة أي هجوم محتمل على إحدى الجبهات، وحاولت من خلال هذه المناورة إرسال عدة رسائل إلى الولايات المتحدة وحلفائها الغربيين، إضافة إلى دول مجلس التعاون الخليجي: أولها أنها قادرة بفضل صواريخها البعيدة المدى على الوصول إلى إسرائيل وضربها في حال تعرضت منشآتها النووية لضربة عسكرية مباشرة. ثانياً، إن دول مجلس التعاون ليست في مأمن من ردة فعلها العسكرية في حال سمحت هذه الدول للقوات الأمريكية والغربية باستعمال قواعدها البرية والبحرية والجوية للهجوم عليها. ثالثاً، إرسال إشارات إلى دول مجلس التعاون بأن الجارة إيران قادرة على حماية أمن الخليج العربي من التدخلات الخارجية، وأنه يمكن الاعتماد عليها عسكرياً في حال الالتزام باتفاقيات أمنية بين الأطراف. وأخيراً، إرسال رسالة إلى الولايات المتحدة بأن إيران قادرة على المواجهة العسكرية والقتال على عدة جبهات لحماية مكتسباتها الوطنية.
وبالمحصلة تحاول الولايات المتحدة وإيران إظهار قوتهما العسكرية من خلال إجراء مناورات متزامنة في منطقة الخليج العربي، وزادت كثافة تلك المناورات مع تعقد المفاوضات الدائرة بين إيران والدول الغربية التي دخلت عامها الثالث من دون الوصول إلى نتائج ترضي جميع الأطراف. فالدول الغربية وتحت ضغط من الولايات المتحدة تحاول إيقاف البرنامج النووي الإيراني لمصلحة أمن إسرائيل، ولكن في الناحية الأخرى تعلن إيران أنها ماضية في تطوير برنامجها النووي للأغراض السلمية فقط، وأدى انعكاس المجابهة بين تلك الدول إلى عرض للعضلات العسكرية تمثل في حشد قوات ضخمة أمريكية وغربية بحجة مكافحة الإرهاب في منطقة الخليج قابله تطور هائل في الترسانة العسكرية الإيرانية؛ كل ذلك قد يحمل آثاراً سليبة على دول مجلس التعاون التي لا تريد لحوض الخليج العربي أن يتحول إلى منطقة صراع مزمن. ومن الآثار السلبية التي قد تحدث في المنطقة: أولاً، احتمال أن تتطور تلك المناورات لتتحول إلى مواجهات عسكرية بين الأطراف تجر معها دول الخليج إلى حرب لا تريد أن تكون طرفاً فيها. ثانياً، بدء سباق تسلح نووي بين دول المنطقة الغنية تكون عواقبه البيئية المستقبلية كبيرة. ثالثاً، مع انتشار السلاح المتطور البعيد المدى بين دول المنطقة تصبح احتمالات التدمير الشامل الذي يطول المدنيين في أي مواجهة محتملة خطيرة جداً.

::/fulltext::
::cck::2858::/cck::

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *