حلف” الناتو” ودول مجلس التعاون.. الحوار والشراكة إلى أين؟

::cck::2860::/cck::
::introtext::

تعد قضية الأمن والدفاع إحدى أهم وأبرز القضايا الخليجية المطروحة بقوة على الساحة السياسية لدول مجلس التعاون الخليجي حالياً ومستقبلاً، وخاصة في ظل تعدد الرؤى والخيارات المطروحة لأمن المنطقة ودولها، وفي ظل ظروف أمنية إقليمية بالغة التعقيد، أبرزها الإصرار الإيراني على امتلاك السلاح النووي والانعكاسات السلبية على المنطقة ودولها من جراء ذلك.

::/introtext::
::fulltext::

تعد قضية الأمن والدفاع إحدى أهم وأبرز القضايا الخليجية المطروحة بقوة على الساحة السياسية لدول مجلس التعاون الخليجي حالياً ومستقبلاً، وخاصة في ظل تعدد الرؤى والخيارات المطروحة لأمن المنطقة ودولها، وفي ظل ظروف أمنية إقليمية بالغة التعقيد، أبرزها الإصرار الإيراني على امتلاك السلاح النووي والانعكاسات السلبية على المنطقة ودولها من جراء ذلك.
في ظل التشابك والتعقيد اللذين يشهدهما النظام العالمي برمته، أصبح حلف الناتو إحدى أهم المعادلات الأمنية في الخليج، وقد استضافت الكويت (المؤتمر الدولي للتعاون بين الناتو ودول الخليج – مواجهة التحديات المشتركة من خلال مبادرة اسطنبول للتعاون) في الفترة من 11 ـ 12 من ديسمبر 2006، وللمرة الأولى اجتمع مجلس الناتو الذي يشمل كبار القادة في الحلف والأكاديميين ومسؤولين حكوميين من الدول الست الأعضاء في مبادرة اسطنبول للتعاون لتبادل وجهات النظر حول المبادرة وفرص التعاون المتاحة لدول الشرق الأوسط، ومما يذكر أن أربع دول تشارك في المبادرة هي الكويت التي تعد أول دولة تنضم إلى مبادرة اسطنبول للتعاون في الأول من ديسمبر 2004، والبحرين وقطر اللتان انضمتا إليها في 16 فبراير 2005، فيما انضمت دولة الإمارات العربية المتحدة إلى المبادرة في 22 يونيو 2005.
وتزامن ذلك المؤتمر مع قمة (لقاء أمن الخليج) التي عقدت في البحرين في الفترة من 8 ـ 10 ديسمبر 2006 لبحث طرح أو تصور أمريكي جديد يحقق الاستقرار في منطقة الخليج العربي، وكان مؤتمر (مخاطر وتداعيات الانتشـار النووي على منطقة الخليج) قد عقد بالبحرين في الفترة من 10 ـ 11 سبتمبر 2006 لوضع صيغة مستقبلية لأمن الخليج.
خلفية الحوار بين الناتو ودول الخليج
على الرغم من أن الحوار بين دول مجلس التعاون الخليجي وحلف الناتو بدأ منذ مطلع التسعينات، إلا أن التطور الحقيقي بهذا الشأن تمثل في مظاهر ثلاثة: أولها مؤتمر تحولات الناتو والأمن في الخليج الذي عقد في قطر في إبريل 2004، حيث كان هذا المؤتمر بمنزلة تمهيد لقمة اسطنبول التي عقدت في العام ذاته، والذي أطلق مبادرة (تحسين مستوى علاقات الناتو مع العالم العربي)، وقد اقترح المشاركون في المؤتمر العمل من أجل إيجاد آلية للتعاون المستقبلي بين دول الخليج الست والحلف.
أما ثاني مظاهر التعاون فقد عكسته المباحثات الثنائية بين الناتو وبعض الدول الخليجية، ومن ذلك المباحثات التي أُجريت بين مسؤولي الحلف وعدد من الدول الخليجية في مارس 2005، والتي لقيت استجابة من بعض الدول الخليجية لوجهة نظر الناتو ومنها الكويت التي أعلنت على لسان رئيس وفدها في تلك المفاوضات أن مبادرة اسطنبول للتعاون التي أقرتها قيادة الحلف بلورت الرغبة في مد جسور التعاون مع هذه المنطقة، وأنه ليس من الصعب التعاون مع الناتو في ثوبه الجديد بعد التحولات العالمية في العقدين الأخيرين واختفاء الاتحاد السوفييتي والتهديدات القديمة مع ظهور تحديات جديدة مثل ظاهرة الإرهاب التي تعد خطراً يهدد الجميع ومثل مخاطر انتشار أسلحة الدمار الشامل.
أما المظهر الثالث لهذا التعاون فتمثل في المحادثات غير الرسمية التي أُجريت خلال شهر أكتوبر 2005 بين مسؤولين سعوديين ومسؤولين من حلف الناتو بمقر الحلف في بروكسل والتي وصفها الأمين العام للحلف بأنها كانت مفيدة وناجحة. وعلى الرغم من أن هناك تجاوباً خليجياً مع دعوات الناتو إلا أن هناك ثمة ملاحظتين: الأولى عدم وجود رؤية خليجية موحدة إزاء مقترحات الناتو، ففي الوقت الذي أعلنت فيه أربع دول هي الكويت وقطر والإمارات والبحرين موافقتها على تلك المقترحات، فإنه لا يزال موقف كل من السعودية وسلطنة عمان غير محدد. والملاحظة الثانية لا يتضمن عرض الناتو مقترحات للتعاون مع دول مجلس التعاون الخليجي ككتلة واحدة، وإنما الصيغة الثنائية هي المقترحة (27+1) وهو ما يعني أن دولة ما قد تختار برامج مهارات المراقبة البحرية، وأخرى تفضل العمل على الحدود الأرضية وغير ذلك، وبالتالي لا تكون هناك صيغة موحدة للتعامل مع برامج الناتو المقترحة مما يحد من التنسيق الخليجي في مجال الدفاع.
الناتو ودول مجلس التعاون.. إشكاليات التعاون
لا شك أن دخول حلف الناتو على خط التفاعلات في منطقة الخليج ستكون له تداعيات عديدة على الأمن الإقليمي في تلك المنطقة، خاصة في ظل التحول الذي طرأ على استراتيجية الحلف من مستوى حوار إلى مستوى شراكة أكثر ديناميكية وعملية من ناحية، وفي ظل الخلل الذي تعانيه المنطقة والذي تم تكريسه بالغزو الأمريكي للعراق في عام 2003 من ناحية أخرى، وبالتالي فإن التعرف إلى نمط توزيع القوة في الإقليم الخليجي أمر ضروري، فإيران لا تزال ترفض أي وجود عربي أو دولي في المنطقة، والعراق لم يصل بعد إلى المرحلة التي تمكنه من المشاركة بفاعلية في أي ترتيبات أمنية مستقبلية، ومن جانبها لا تزال دول مجلس التعاون الخليجي تتمسك بالاتفاقيات الدفاعية الثنائية مع الدول الكبرى.وعلى الرغم من إعلان مسؤولي حلف الأطلنطي أن دول الحلف تواجه الأخطار نفسها التي تواجهها الدول الخليجية الست (الإرهاب وأسلحة الدمار الشامل)، إلا أن القضية الأهم في هذا الشأن هي أمن الخليج والدور المحتمل أن يقوم به الحلف مستقبلاً في الترتيبات الأمنية مع كل دولة خليجية على حدة، وتثير تلك العلاقة الجديدة إشكاليات عدة:
1- كيف يمكن للدول الخليجية التوفيق بين التزاماتها في إطار الاتفاقيات الأمنية الثنائية المبرمة مع بعض أعضاء الناتو ومنها الولايات المتحدة وفرنسا وبريطانيا، والصيغ الجديدة المقترحة من جانب الناتو، فضلاً عن الدفاع الخليجي المشترك في إطار قوات درع الجزيرة؟ بمعنى آخر هل يمكن التوفيق بين المصالح الوطنية والمصالح الإقليمية والمصالح القومية؟ وهو ما يثير التساؤل حول أثر هذا الدور الجديد للحلف على أمن منطقة الخليج.
2- كيفية تتعامل الدول الخليجية مع أطراف المنظومة الأمنية الإقليمية التي قد يقترحها الناتو مستقبلاً والتي تضم إلى جانب الدول الخليجية عدداً من الدول العربية، بالإضافة إلى تركيا وإسرائيل، خاصة أن الناتو مهما بلغت قدراته العسكرية لا يملك حلولاً جذرية لمعضلات تعاني منها المنطقة الخليجية عموماً ويأتي في مقدمتها الخلل بين أطراف تلك المنظومة؟
3- كيف يمكن للدول الخليجية الست التوفيق بين التزاماتها تجاه الناتو والتزاماتها العربية بشأن الصراع العربي – الإسرائيلي، خاصة أن إسرائيل ضمن أطراف الحوار والترتيبات المستقبلية؟ فمفاهيم الإرهاب والمقاومة المسلحة وحق الدفاع الشرعي عن النفس، تثير انقساماً واضحاً بين أعضاء الناتو ودول الإقليم الخليجي، فضلاً عن أن الدول التي أجرى معها الناتو حوارات، ترى أن الإرهاب يشمل المقاومة المشروعة وليس الأعمال الإرهابية فقط.
4- الرفض الإيراني لأي منظومة أمنية في المنطقة ليست هي طرفاً أساسياً فيها؛ ولذلك فإن اهتمام الناتو بقضية أمن الخليج يعني بداية الاحتكاك المباشر مع الرؤية الإيرانية لهذه القضية. ومن الصيغ المطروحة في هذا الشأن إقامة ناتو شرق أوسطي وهو أحد البدائل التي طرحها الكاتب الأمريكي كينيث بولاك، وهو حلف دفاعي إقليمي على غرار الحلف الذي نجح في أوروبا أثناء الحرب العالمية الثانية، بيد أن إقامة هذا الحلف تكتنفه صعوبات عدة منها:
أولاً: هذا الحلف لن تقتصر أطرافه على الدول الخليجية الست، بالإضافة إلى العراق وإيران وإنما قد يتسع ليضم تركيا وإسرائيل، في ظل عدم شفافية الحلف بشأن المحادثات التي أجراها مع إسرائيل خلال السنوات الخمس الأخيرة من ناحية، واستمرار الخلاف بشأن العلاقات مع إسرائيل، فضلاً عن معارضة إيران للدخول في مثل هذا النوع من الترتيبات، وذلك لدعمها للقضية الفلسطينية من ناحية أخرى، وتردي العلاقات الإيرانية – الإسرائيلية من ناحية ثالثة بسبب التهديدات الإسرائيلية لإيران من آن لآخر بضرب منشآتها النووية، لذلك فإن إقامة ناتو شرق أوسطي أمر محل شك.
ثانياً: مثل هذا النوع من الترتيبات قد يكون معرضاً لعدم الاستقرار والاستمرار طالما أنه ليس استجابة لواقع المنطقة التي تتفاوت أطرافها اقتصادياً واجتماعياً وأمنياً، كما أنه من المفترض في مثل هذا النوع من الترتيبات أن يكون هناك حد أدنى من التوافق في الرؤى حول طبيعة التهديدات ومصادرها، إلا أن هذا لا يتوافر بين الأطراف المعنية.
نحو شراكة طويلة المدى بين الناتو والخليج
ومع التسليم بأن الدور الجديد لحلف الناتو في منطقة الخليج يأتي ضمن توجه جديد للحلف – الذي طالما اقتصرت أهدافه على المهام العسكرية – وهو توجه سياسي فإن التساؤل الذي يُثار هو كيف تستفيد الدول الخليجية الست من هذا التوجه الجديد وعلى نحو يجعل هناك شراكة طويلة المدى؟ ويمكن الاستفادة في المجالات الآتية:
* هناك إمكانية لتبادل المعلومات الاستخباراتية وملاحقة الإرهابيين وتجفيف منابعهم المالية.
* التعاون في مجال أمن الحدود وتهريب الأسلحة من خلال القوات سريعة الانتشار والتدخل التي تقرر تفعيلها خلال قمة اسطنبول 2004.
* مساهمة الناتو في تطوير قدرات قوات دول الخليج عن طريق تدريبها ومشاركتها في قوات السلام التي يقودها الناتو.
* دعوة الناتو لدول الخليج الراغبة في المراقبة أو الانضمام إلى أنشطة تدريبات الحلف إلى الشراكة من أجل السلام (بي إف بي) التي تختارها كل دولة وفقاً لما يناسبها.
* صياغة إطار عملي للتعاون والحوار البناء بين الجانبين.
والأمر الذي لا شك فيه أن تعزيز الأمن الذاتي الخليجي يعد مطلباً ضرورياً قبيل الدخول في أي صيغة أمنية إقليمية، ومن ثم فإن حوار الناتو مع الدول الخليجية الست من شأنه أن يفضي إلى تعاون بشأن تطوير القدرات الذاتية لدول المجلس، وخاصة في حالة الشراكة الاستراتيجية بين الطرفين، وينبغي التأكيد على ضرورة أن تكون هناك رؤية خليجية موحدة تجاه الحوار مع الناتو حتى يمكن تعظيم المنافع وتقليل الخسائر.
إجمالي القول إنه من المنتظر أن يشهد ميزان القوى في الخليج إعادة هيكلة جذرية، حيث ستفرض التحديات الأمنية الجديدة تغييرات عميقة في الإقليم، وبات أخطر التهديدات الأمنية للخليج هي تلك التي تؤثر في الأمن الداخلي مثل الإرهاب العابر للحدود، وتهريب الأسلحة الخفيفة، ومع ذلك تظل التهديدات الخارجية محل اهتمام كبير.

::/fulltext::

Getting your Trinity Audio player ready...

::cck::2860::/cck::
::introtext::

تعد قضية الأمن والدفاع إحدى أهم وأبرز القضايا الخليجية المطروحة بقوة على الساحة السياسية لدول مجلس التعاون الخليجي حالياً ومستقبلاً، وخاصة في ظل تعدد الرؤى والخيارات المطروحة لأمن المنطقة ودولها، وفي ظل ظروف أمنية إقليمية بالغة التعقيد، أبرزها الإصرار الإيراني على امتلاك السلاح النووي والانعكاسات السلبية على المنطقة ودولها من جراء ذلك.

::/introtext::
::fulltext::

تعد قضية الأمن والدفاع إحدى أهم وأبرز القضايا الخليجية المطروحة بقوة على الساحة السياسية لدول مجلس التعاون الخليجي حالياً ومستقبلاً، وخاصة في ظل تعدد الرؤى والخيارات المطروحة لأمن المنطقة ودولها، وفي ظل ظروف أمنية إقليمية بالغة التعقيد، أبرزها الإصرار الإيراني على امتلاك السلاح النووي والانعكاسات السلبية على المنطقة ودولها من جراء ذلك.
في ظل التشابك والتعقيد اللذين يشهدهما النظام العالمي برمته، أصبح حلف الناتو إحدى أهم المعادلات الأمنية في الخليج، وقد استضافت الكويت (المؤتمر الدولي للتعاون بين الناتو ودول الخليج – مواجهة التحديات المشتركة من خلال مبادرة اسطنبول للتعاون) في الفترة من 11 ـ 12 من ديسمبر 2006، وللمرة الأولى اجتمع مجلس الناتو الذي يشمل كبار القادة في الحلف والأكاديميين ومسؤولين حكوميين من الدول الست الأعضاء في مبادرة اسطنبول للتعاون لتبادل وجهات النظر حول المبادرة وفرص التعاون المتاحة لدول الشرق الأوسط، ومما يذكر أن أربع دول تشارك في المبادرة هي الكويت التي تعد أول دولة تنضم إلى مبادرة اسطنبول للتعاون في الأول من ديسمبر 2004، والبحرين وقطر اللتان انضمتا إليها في 16 فبراير 2005، فيما انضمت دولة الإمارات العربية المتحدة إلى المبادرة في 22 يونيو 2005.
وتزامن ذلك المؤتمر مع قمة (لقاء أمن الخليج) التي عقدت في البحرين في الفترة من 8 ـ 10 ديسمبر 2006 لبحث طرح أو تصور أمريكي جديد يحقق الاستقرار في منطقة الخليج العربي، وكان مؤتمر (مخاطر وتداعيات الانتشـار النووي على منطقة الخليج) قد عقد بالبحرين في الفترة من 10 ـ 11 سبتمبر 2006 لوضع صيغة مستقبلية لأمن الخليج.
خلفية الحوار بين الناتو ودول الخليج
على الرغم من أن الحوار بين دول مجلس التعاون الخليجي وحلف الناتو بدأ منذ مطلع التسعينات، إلا أن التطور الحقيقي بهذا الشأن تمثل في مظاهر ثلاثة: أولها مؤتمر تحولات الناتو والأمن في الخليج الذي عقد في قطر في إبريل 2004، حيث كان هذا المؤتمر بمنزلة تمهيد لقمة اسطنبول التي عقدت في العام ذاته، والذي أطلق مبادرة (تحسين مستوى علاقات الناتو مع العالم العربي)، وقد اقترح المشاركون في المؤتمر العمل من أجل إيجاد آلية للتعاون المستقبلي بين دول الخليج الست والحلف.
أما ثاني مظاهر التعاون فقد عكسته المباحثات الثنائية بين الناتو وبعض الدول الخليجية، ومن ذلك المباحثات التي أُجريت بين مسؤولي الحلف وعدد من الدول الخليجية في مارس 2005، والتي لقيت استجابة من بعض الدول الخليجية لوجهة نظر الناتو ومنها الكويت التي أعلنت على لسان رئيس وفدها في تلك المفاوضات أن مبادرة اسطنبول للتعاون التي أقرتها قيادة الحلف بلورت الرغبة في مد جسور التعاون مع هذه المنطقة، وأنه ليس من الصعب التعاون مع الناتو في ثوبه الجديد بعد التحولات العالمية في العقدين الأخيرين واختفاء الاتحاد السوفييتي والتهديدات القديمة مع ظهور تحديات جديدة مثل ظاهرة الإرهاب التي تعد خطراً يهدد الجميع ومثل مخاطر انتشار أسلحة الدمار الشامل.
أما المظهر الثالث لهذا التعاون فتمثل في المحادثات غير الرسمية التي أُجريت خلال شهر أكتوبر 2005 بين مسؤولين سعوديين ومسؤولين من حلف الناتو بمقر الحلف في بروكسل والتي وصفها الأمين العام للحلف بأنها كانت مفيدة وناجحة. وعلى الرغم من أن هناك تجاوباً خليجياً مع دعوات الناتو إلا أن هناك ثمة ملاحظتين: الأولى عدم وجود رؤية خليجية موحدة إزاء مقترحات الناتو، ففي الوقت الذي أعلنت فيه أربع دول هي الكويت وقطر والإمارات والبحرين موافقتها على تلك المقترحات، فإنه لا يزال موقف كل من السعودية وسلطنة عمان غير محدد. والملاحظة الثانية لا يتضمن عرض الناتو مقترحات للتعاون مع دول مجلس التعاون الخليجي ككتلة واحدة، وإنما الصيغة الثنائية هي المقترحة (27+1) وهو ما يعني أن دولة ما قد تختار برامج مهارات المراقبة البحرية، وأخرى تفضل العمل على الحدود الأرضية وغير ذلك، وبالتالي لا تكون هناك صيغة موحدة للتعامل مع برامج الناتو المقترحة مما يحد من التنسيق الخليجي في مجال الدفاع.
الناتو ودول مجلس التعاون.. إشكاليات التعاون
لا شك أن دخول حلف الناتو على خط التفاعلات في منطقة الخليج ستكون له تداعيات عديدة على الأمن الإقليمي في تلك المنطقة، خاصة في ظل التحول الذي طرأ على استراتيجية الحلف من مستوى حوار إلى مستوى شراكة أكثر ديناميكية وعملية من ناحية، وفي ظل الخلل الذي تعانيه المنطقة والذي تم تكريسه بالغزو الأمريكي للعراق في عام 2003 من ناحية أخرى، وبالتالي فإن التعرف إلى نمط توزيع القوة في الإقليم الخليجي أمر ضروري، فإيران لا تزال ترفض أي وجود عربي أو دولي في المنطقة، والعراق لم يصل بعد إلى المرحلة التي تمكنه من المشاركة بفاعلية في أي ترتيبات أمنية مستقبلية، ومن جانبها لا تزال دول مجلس التعاون الخليجي تتمسك بالاتفاقيات الدفاعية الثنائية مع الدول الكبرى.وعلى الرغم من إعلان مسؤولي حلف الأطلنطي أن دول الحلف تواجه الأخطار نفسها التي تواجهها الدول الخليجية الست (الإرهاب وأسلحة الدمار الشامل)، إلا أن القضية الأهم في هذا الشأن هي أمن الخليج والدور المحتمل أن يقوم به الحلف مستقبلاً في الترتيبات الأمنية مع كل دولة خليجية على حدة، وتثير تلك العلاقة الجديدة إشكاليات عدة:
1- كيف يمكن للدول الخليجية التوفيق بين التزاماتها في إطار الاتفاقيات الأمنية الثنائية المبرمة مع بعض أعضاء الناتو ومنها الولايات المتحدة وفرنسا وبريطانيا، والصيغ الجديدة المقترحة من جانب الناتو، فضلاً عن الدفاع الخليجي المشترك في إطار قوات درع الجزيرة؟ بمعنى آخر هل يمكن التوفيق بين المصالح الوطنية والمصالح الإقليمية والمصالح القومية؟ وهو ما يثير التساؤل حول أثر هذا الدور الجديد للحلف على أمن منطقة الخليج.
2- كيفية تتعامل الدول الخليجية مع أطراف المنظومة الأمنية الإقليمية التي قد يقترحها الناتو مستقبلاً والتي تضم إلى جانب الدول الخليجية عدداً من الدول العربية، بالإضافة إلى تركيا وإسرائيل، خاصة أن الناتو مهما بلغت قدراته العسكرية لا يملك حلولاً جذرية لمعضلات تعاني منها المنطقة الخليجية عموماً ويأتي في مقدمتها الخلل بين أطراف تلك المنظومة؟
3- كيف يمكن للدول الخليجية الست التوفيق بين التزاماتها تجاه الناتو والتزاماتها العربية بشأن الصراع العربي – الإسرائيلي، خاصة أن إسرائيل ضمن أطراف الحوار والترتيبات المستقبلية؟ فمفاهيم الإرهاب والمقاومة المسلحة وحق الدفاع الشرعي عن النفس، تثير انقساماً واضحاً بين أعضاء الناتو ودول الإقليم الخليجي، فضلاً عن أن الدول التي أجرى معها الناتو حوارات، ترى أن الإرهاب يشمل المقاومة المشروعة وليس الأعمال الإرهابية فقط.
4- الرفض الإيراني لأي منظومة أمنية في المنطقة ليست هي طرفاً أساسياً فيها؛ ولذلك فإن اهتمام الناتو بقضية أمن الخليج يعني بداية الاحتكاك المباشر مع الرؤية الإيرانية لهذه القضية. ومن الصيغ المطروحة في هذا الشأن إقامة ناتو شرق أوسطي وهو أحد البدائل التي طرحها الكاتب الأمريكي كينيث بولاك، وهو حلف دفاعي إقليمي على غرار الحلف الذي نجح في أوروبا أثناء الحرب العالمية الثانية، بيد أن إقامة هذا الحلف تكتنفه صعوبات عدة منها:
أولاً: هذا الحلف لن تقتصر أطرافه على الدول الخليجية الست، بالإضافة إلى العراق وإيران وإنما قد يتسع ليضم تركيا وإسرائيل، في ظل عدم شفافية الحلف بشأن المحادثات التي أجراها مع إسرائيل خلال السنوات الخمس الأخيرة من ناحية، واستمرار الخلاف بشأن العلاقات مع إسرائيل، فضلاً عن معارضة إيران للدخول في مثل هذا النوع من الترتيبات، وذلك لدعمها للقضية الفلسطينية من ناحية أخرى، وتردي العلاقات الإيرانية – الإسرائيلية من ناحية ثالثة بسبب التهديدات الإسرائيلية لإيران من آن لآخر بضرب منشآتها النووية، لذلك فإن إقامة ناتو شرق أوسطي أمر محل شك.
ثانياً: مثل هذا النوع من الترتيبات قد يكون معرضاً لعدم الاستقرار والاستمرار طالما أنه ليس استجابة لواقع المنطقة التي تتفاوت أطرافها اقتصادياً واجتماعياً وأمنياً، كما أنه من المفترض في مثل هذا النوع من الترتيبات أن يكون هناك حد أدنى من التوافق في الرؤى حول طبيعة التهديدات ومصادرها، إلا أن هذا لا يتوافر بين الأطراف المعنية.
نحو شراكة طويلة المدى بين الناتو والخليج
ومع التسليم بأن الدور الجديد لحلف الناتو في منطقة الخليج يأتي ضمن توجه جديد للحلف – الذي طالما اقتصرت أهدافه على المهام العسكرية – وهو توجه سياسي فإن التساؤل الذي يُثار هو كيف تستفيد الدول الخليجية الست من هذا التوجه الجديد وعلى نحو يجعل هناك شراكة طويلة المدى؟ ويمكن الاستفادة في المجالات الآتية:
* هناك إمكانية لتبادل المعلومات الاستخباراتية وملاحقة الإرهابيين وتجفيف منابعهم المالية.
* التعاون في مجال أمن الحدود وتهريب الأسلحة من خلال القوات سريعة الانتشار والتدخل التي تقرر تفعيلها خلال قمة اسطنبول 2004.
* مساهمة الناتو في تطوير قدرات قوات دول الخليج عن طريق تدريبها ومشاركتها في قوات السلام التي يقودها الناتو.
* دعوة الناتو لدول الخليج الراغبة في المراقبة أو الانضمام إلى أنشطة تدريبات الحلف إلى الشراكة من أجل السلام (بي إف بي) التي تختارها كل دولة وفقاً لما يناسبها.
* صياغة إطار عملي للتعاون والحوار البناء بين الجانبين.
والأمر الذي لا شك فيه أن تعزيز الأمن الذاتي الخليجي يعد مطلباً ضرورياً قبيل الدخول في أي صيغة أمنية إقليمية، ومن ثم فإن حوار الناتو مع الدول الخليجية الست من شأنه أن يفضي إلى تعاون بشأن تطوير القدرات الذاتية لدول المجلس، وخاصة في حالة الشراكة الاستراتيجية بين الطرفين، وينبغي التأكيد على ضرورة أن تكون هناك رؤية خليجية موحدة تجاه الحوار مع الناتو حتى يمكن تعظيم المنافع وتقليل الخسائر.
إجمالي القول إنه من المنتظر أن يشهد ميزان القوى في الخليج إعادة هيكلة جذرية، حيث ستفرض التحديات الأمنية الجديدة تغييرات عميقة في الإقليم، وبات أخطر التهديدات الأمنية للخليج هي تلك التي تؤثر في الأمن الداخلي مثل الإرهاب العابر للحدود، وتهريب الأسلحة الخفيفة، ومع ذلك تظل التهديدات الخارجية محل اهتمام كبير.

::/fulltext::
::cck::2860::/cck::

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *