عودة الجيش العراقي
::cck::2861::/cck::
::introtext::
من خلال الاطلاع على مضمون تقرير (لجنة دراسة الوضع العراقي) التي تم تشكيلها من قبل الكونغرس الأمريكي والذي صدر يوم السادس من ديسمبر 2006، ليس من قبيل المبالغة القول إن التوصيتين (50-51) يمكن النظر إليهما على أنهما الأكثر أهمية من بين التوصيات التسع والسبعين التي وردت في التقرير (مجموعة الدراسة العراقية)، الذي أشرف عليه كل من وزير الخارجية الأمريكي الأسبق جيمس بيكر وعضو الكونغرس الديمقراطي لي هاميلتون حول العراق.
تنص التوصيتان على إلحاق جميع أفراد (الشرطة الوطنية العراقية) وجميع (أفراد شرطة الحدود) بوزارة الدفاع، وهو ما يعني محاولة جادة لتعزيز المؤسسات العسكرية العراقية بصورة ملحوظة على حساب قوات الشرطة العراقية. وإذا أخذنا في الحسبان أن قوات الشرطة الحالية تم اختراقها وبكثافة من قبل الميليشيات، وفقدت مصداقيتها والدعم الجماهيري لها، فإن تعزيز مؤسسات الجيش العراقي يبدو المدخل الأهم لعودة الأمن إلى العراق. غير أن السؤال الذي يفرض نفسه في هذا السياق هو إلى أي درجة يمكن تطبيق هذه التوصيات على أرض الواقع؟
يبدو أن الحكومة العراقية الحالية لا ترغب في تعزيز دور الجيش. فمنذ تشكيل الحكومة في مايو 2006، لم يضطلع الجيش إلا بدور هامشي في الحفاظ على أمن البلاد، ثم إن الدستور العراقي يخضع للقيادة السياسية. فرئيس الوزراء نوري المالكي هو القائد الأعلى للقوات المسلحة، وهو المسؤول الأول عن المؤسسات العسكرية، بما في ذلك تعيين وزير الدفاع. وبدلاً من العمل على إعادة بناء وتعزيز دور الجيش، قررت حكومة المالكي أن تدعم قوتها السياسية عن طريق تسييس قوات الشرطة والتحالف مع العديد من الميليشيات المسلحة. وظهر عزم الحكومة على الحد من نفوذ الجيش ولجم قدراته وجعله يعتمد على الشرطة واضحاً في اقتراح رئيس الوزراء للبرلمان في يوليو 2006 استدعاء ثمانين ألفاً من عناصر الجيش العراقي المنحل، ولكن على أن يلتحق ستون ألفاً منهم بقوات الشرطة وإعادة توظيف عشرين ألفاً منهم فقط في الجيش.
لقد جاء هذا الاقتراح في وقت أصبح فيه من المؤكد أن العديد من قوى الأمن تعاني الفساد والتسييس، وأنه تم اختراقها من قبل الميليشيات الشيعية، وبالتالي فإنه كان يُنظَر إليها على أنها قوى عاجزة عن إعادة الاستقرار إلى العراق. كما أن الاقتراح كشف عن أسلوب الحكومة في الاعتماد على الميليشيات وقوات الشرطة المسيّسة كمصدر لقوتها وحمايتها. فالقيادة والعديد من الجماعات السياسية، بما فيها حزب الدعوة الإسلامي بزعامة رئيس الوزراء والمجلس الأعلى للثورة الإسلامية للعراق بزعامة عبدالعزيز الحكيم وجماعة الصدر، تعتمد على الميليشيات المسلحة التي تُعـَـدّ هي المسؤولة عن زعزعة الاستقرار في البلد بسبب التنافس الحاد بينها على السلطة، وهو ما أدى إلى تدهور الأوضاع الأمنية، ودفع البلاد بصورة تدريجية إلى حرب طائفية وأهلية.
إن دعم مؤسسات الجيش سيقلل من دور وتأثير الميليشيات المسلحة، ويفسح المجال لنـزع سلاحها وحلها في نهاية المطاف. وليس من المستبعد أن تقاوم الميليشيات هذا التوجه، وهو ما قد يؤدي إلى اندلاع اشتباكات مسلحة. ولكن لا بد من الإشارة إلى أن الحكومة قد ترتكب انتحاراً سياسياً إذا واجهت ميليشياتها الآن، لا سيما أن التخلي عن حماية الميليشيات سيترك حكومة معزولة وضعيفة ومعرضة للهجوم من جماعات سنية وكردية راديكالية، بما في ذلك تنظيم القاعدة.
وفي الوقت نفسه لا بد من التعامل مع إمكانية قيام الحكومة بإعادة بناء مؤسسات الجيش العراقي بحذر شديد، فنظراً إلى عدم شعبية حكومة المالكي واعتمادها على الميليشيات، فإن استعداد ضباط الجيش لدعم الحكومة القائمة والقبول بشرعيتها لن يكون أحد الخيارات السهلة. وبالرغم من أن الدستور ينص على أن القوات المسلحة تخضع للقيادة السياسية، فإنه ليس من المحتمل أن يحترم الجيش العراقي الهرم القيادي الذي ينتهي برئيس وزراء مدني، كما أنه ليس من المحتمل أن يدين ضباط الجيش بالولاء لحكومة وضعت البلاد على حافة حرب أهلية.
ونظراً إلى التفوق الدستوري للقيادة السياسية على المؤسسات العسكرية، فإن هناك خيارين أساسيين قد يساعدان على تنفيذ توصيات اللجنة المختصة بالعراق حول تعزيز مؤسسات الجيش العراقي:الخيار الأول، يمكن للولايات المتحدة الأمريكية أن (تدفع باتجاه) وربما (فرض) طلاق الجيش العراقي وتحريره من سيطرة القيادة السياسية، وبالتالي وضع حد لعملية تسييس مؤسسات الجيش، وهو ما سيجعل الجيش العراقي ينعم بالاستقلالية عن القيادة السياسية، ويجعله تحت القيادة المباشرة لوزير الدفاع الذي يجب أن يكون ضابطاً عسكرياً يتمتع بالخبرة والكفاءة ومتحرراً من جميع الولاءات السياسية أو الطائفية، كما أنه سيكون صاحب القرار الأخير في التسلسل القيادي، ولا يخضع لأي جهة سياسية، وبصفته قائداً أعلى للقوات المسلحة، فإنه سيكون مسؤولاً عن قوات الشرطة والأمن العراقية. وقد تم استدعاء عدد من كبار ضباط الجيش العراقي للخدمة، وهم يشرفون حالياً على ثلاثة أو أربعة ألوية من الجيش العراقي المنحل، ولا ينتمي هؤلاء الضباط والجنود إلى قبيلة صدام ولا يدينون له بالولاء، حتى إنه تم استبعاد بعضهم من تولي مهام عسكرية مهمة في عهد صدام، كما عمل بعضهم في المنفى في بريطانيا والولايات المتحدة قبل العودة إلى العراق بعد الاحتلال الأمريكي في عام 2003. وتجدر الإشارة إلى أن هؤلاء الضباط يمثلون جماعات مذهبية متعددة، وهم ملتزمون بالمحافظة على وحدة واستقرار العراق ولم يخضعوا لعملية تسييس ولم يُختَرقوا من قبل الميليشيات. ويمكن نشر هذه الأولوية من (الجيش العراقي الجديد) في بغداد أولاً. ولكن من أجل إيجاد قوة تتمتع بالمصداقية، تحتاج الولايات المتحدة إلى تغيير سياستها وموقفها من الجيش العراقي والعمل على تزويده بأسلحة وتجهيزات حديثة وفعّالة، بالإضافة إلى تقديم الدعم الجوي واللوجستي له. وبعد نشر الجيش بمساعدة الأمريكيين، يمكن لهذه القوات العراقية أن تقف في خطوط المواجهة للقضاء على الميليشيات والجماعات الإرهابية التي تحكم البلد الآن.
الخيار الثاني هو إعلان حالة الطوارئ، فاستناداً إلى الدستور العراقي، فإن إعلان حالة الطوارئ يتطلب موافقة ثلثي أعضاء البرلمان وموافقة كل من رئيس الجمهورية ورئيس مجلس الوزراء. وفور الإعلان عن حالة الطوارئ يستطيع رئيس الوزراء تعليق البرلمان أو حله وتعطيل الحكومة والمبادرة (طوعياً) بتسليم السلطة إلى القادة العسكريين لاستعادة الأمن والنظام.
ولا يبدو من المحتمل، في هذا الوقت على الأقل، أن يوافق المالكي وبعض القادة السياسيين على مثل هذا الخيار، لأن من شأنه، كما هو الحال بالنسبة لإعادة بناء مؤسسات الجيش، أن يؤدي إلى الإقدام على انتحار سياسي بالنسبة إلى قيادة أسست لسلطتها تحت مظلة الولايات المتحدة وقوات الاحتلال الأمريكي. فحالما يتولى الجيش المسؤولية المباشرة عن أمن الوطن، فإنه ليس هناك من ضمانة لكي تتمكن الحكومة المدنية من إعادة النظام السياسي. وإذا أخذنا في الحسبان التاريخ العراقي الحديث، والذي شهد ستة انقلابات عسكرية ناجحة، فإن هذا السيناريو يمكن أن يقضي على السلطة المدنية لتحل محلها قيادة عسكرية. وتجدر الإشارة إلى أنه منذ انتخاب البرلمان العراقي، فإن حالات الطوارئ التي يمتد مفعول كل منها ثلاثين يوماً لا تزال تُجدَّد باستمرار، ولكن لأن حالة الطوارئ هذه تقع تحت سيطرة الحكومة المدنية، فإنها لم تُكلَّلْ بالنجاح.
إن أياً من الخيارين السابقين كفيل بحشد التأييد الجماهيري للجيش العراقي لتولي مسؤولية عودة الأمن والاستقرار إلى العراق. ويبدو واضحاً إلى حد ما أن الحكومة العراقية الحالية لا تتمتع بالشعبية، ثم إن العراقيين لا يثقون بقوات الشرطة أو الجنود الأمريكيين. فالاعتداءات والعمليات الانتحارية والاشتباكات الطائفية وعمليات الاختطاف أصبحت جزءاً لا يتجزأ من الحياة اليومية للعراقيين الذين بدأوا يشعرون بالإحباط. ولذلك، فإن من المتوقع أن يرحب السواد الأعظم من العراقيين بقيادة قوية قادرة على استعادة الأمن والاستقرار. ومن المؤكد أن صورة الجيش العراقي تعرضت للتشويه تحت قيادة صدام، إلاّ أن المؤسسات العسكرية العراقية يُنظَر إليها تقليدياً على أنها قوية وجديرة بالاحترام. ويؤكد تاريخ العراق أن الجيش النظامي، وليس قوات حفظ النظام مثل الحرس الجمهوري، قد برهن على قدرته على العمل كمؤسسة وطنية تتعالى على الولاءات العرقية والطائفية والعشائرية.
::/introtext::
::fulltext::::/fulltext::
|
Getting your Trinity Audio player ready...
|
::cck::2861::/cck::
::introtext::
من خلال الاطلاع على مضمون تقرير (لجنة دراسة الوضع العراقي) التي تم تشكيلها من قبل الكونغرس الأمريكي والذي صدر يوم السادس من ديسمبر 2006، ليس من قبيل المبالغة القول إن التوصيتين (50-51) يمكن النظر إليهما على أنهما الأكثر أهمية من بين التوصيات التسع والسبعين التي وردت في التقرير (مجموعة الدراسة العراقية)، الذي أشرف عليه كل من وزير الخارجية الأمريكي الأسبق جيمس بيكر وعضو الكونغرس الديمقراطي لي هاميلتون حول العراق.
تنص التوصيتان على إلحاق جميع أفراد (الشرطة الوطنية العراقية) وجميع (أفراد شرطة الحدود) بوزارة الدفاع، وهو ما يعني محاولة جادة لتعزيز المؤسسات العسكرية العراقية بصورة ملحوظة على حساب قوات الشرطة العراقية. وإذا أخذنا في الحسبان أن قوات الشرطة الحالية تم اختراقها وبكثافة من قبل الميليشيات، وفقدت مصداقيتها والدعم الجماهيري لها، فإن تعزيز مؤسسات الجيش العراقي يبدو المدخل الأهم لعودة الأمن إلى العراق. غير أن السؤال الذي يفرض نفسه في هذا السياق هو إلى أي درجة يمكن تطبيق هذه التوصيات على أرض الواقع؟
يبدو أن الحكومة العراقية الحالية لا ترغب في تعزيز دور الجيش. فمنذ تشكيل الحكومة في مايو 2006، لم يضطلع الجيش إلا بدور هامشي في الحفاظ على أمن البلاد، ثم إن الدستور العراقي يخضع للقيادة السياسية. فرئيس الوزراء نوري المالكي هو القائد الأعلى للقوات المسلحة، وهو المسؤول الأول عن المؤسسات العسكرية، بما في ذلك تعيين وزير الدفاع. وبدلاً من العمل على إعادة بناء وتعزيز دور الجيش، قررت حكومة المالكي أن تدعم قوتها السياسية عن طريق تسييس قوات الشرطة والتحالف مع العديد من الميليشيات المسلحة. وظهر عزم الحكومة على الحد من نفوذ الجيش ولجم قدراته وجعله يعتمد على الشرطة واضحاً في اقتراح رئيس الوزراء للبرلمان في يوليو 2006 استدعاء ثمانين ألفاً من عناصر الجيش العراقي المنحل، ولكن على أن يلتحق ستون ألفاً منهم بقوات الشرطة وإعادة توظيف عشرين ألفاً منهم فقط في الجيش.
لقد جاء هذا الاقتراح في وقت أصبح فيه من المؤكد أن العديد من قوى الأمن تعاني الفساد والتسييس، وأنه تم اختراقها من قبل الميليشيات الشيعية، وبالتالي فإنه كان يُنظَر إليها على أنها قوى عاجزة عن إعادة الاستقرار إلى العراق. كما أن الاقتراح كشف عن أسلوب الحكومة في الاعتماد على الميليشيات وقوات الشرطة المسيّسة كمصدر لقوتها وحمايتها. فالقيادة والعديد من الجماعات السياسية، بما فيها حزب الدعوة الإسلامي بزعامة رئيس الوزراء والمجلس الأعلى للثورة الإسلامية للعراق بزعامة عبدالعزيز الحكيم وجماعة الصدر، تعتمد على الميليشيات المسلحة التي تُعـَـدّ هي المسؤولة عن زعزعة الاستقرار في البلد بسبب التنافس الحاد بينها على السلطة، وهو ما أدى إلى تدهور الأوضاع الأمنية، ودفع البلاد بصورة تدريجية إلى حرب طائفية وأهلية.
إن دعم مؤسسات الجيش سيقلل من دور وتأثير الميليشيات المسلحة، ويفسح المجال لنـزع سلاحها وحلها في نهاية المطاف. وليس من المستبعد أن تقاوم الميليشيات هذا التوجه، وهو ما قد يؤدي إلى اندلاع اشتباكات مسلحة. ولكن لا بد من الإشارة إلى أن الحكومة قد ترتكب انتحاراً سياسياً إذا واجهت ميليشياتها الآن، لا سيما أن التخلي عن حماية الميليشيات سيترك حكومة معزولة وضعيفة ومعرضة للهجوم من جماعات سنية وكردية راديكالية، بما في ذلك تنظيم القاعدة.
وفي الوقت نفسه لا بد من التعامل مع إمكانية قيام الحكومة بإعادة بناء مؤسسات الجيش العراقي بحذر شديد، فنظراً إلى عدم شعبية حكومة المالكي واعتمادها على الميليشيات، فإن استعداد ضباط الجيش لدعم الحكومة القائمة والقبول بشرعيتها لن يكون أحد الخيارات السهلة. وبالرغم من أن الدستور ينص على أن القوات المسلحة تخضع للقيادة السياسية، فإنه ليس من المحتمل أن يحترم الجيش العراقي الهرم القيادي الذي ينتهي برئيس وزراء مدني، كما أنه ليس من المحتمل أن يدين ضباط الجيش بالولاء لحكومة وضعت البلاد على حافة حرب أهلية.
ونظراً إلى التفوق الدستوري للقيادة السياسية على المؤسسات العسكرية، فإن هناك خيارين أساسيين قد يساعدان على تنفيذ توصيات اللجنة المختصة بالعراق حول تعزيز مؤسسات الجيش العراقي:الخيار الأول، يمكن للولايات المتحدة الأمريكية أن (تدفع باتجاه) وربما (فرض) طلاق الجيش العراقي وتحريره من سيطرة القيادة السياسية، وبالتالي وضع حد لعملية تسييس مؤسسات الجيش، وهو ما سيجعل الجيش العراقي ينعم بالاستقلالية عن القيادة السياسية، ويجعله تحت القيادة المباشرة لوزير الدفاع الذي يجب أن يكون ضابطاً عسكرياً يتمتع بالخبرة والكفاءة ومتحرراً من جميع الولاءات السياسية أو الطائفية، كما أنه سيكون صاحب القرار الأخير في التسلسل القيادي، ولا يخضع لأي جهة سياسية، وبصفته قائداً أعلى للقوات المسلحة، فإنه سيكون مسؤولاً عن قوات الشرطة والأمن العراقية. وقد تم استدعاء عدد من كبار ضباط الجيش العراقي للخدمة، وهم يشرفون حالياً على ثلاثة أو أربعة ألوية من الجيش العراقي المنحل، ولا ينتمي هؤلاء الضباط والجنود إلى قبيلة صدام ولا يدينون له بالولاء، حتى إنه تم استبعاد بعضهم من تولي مهام عسكرية مهمة في عهد صدام، كما عمل بعضهم في المنفى في بريطانيا والولايات المتحدة قبل العودة إلى العراق بعد الاحتلال الأمريكي في عام 2003. وتجدر الإشارة إلى أن هؤلاء الضباط يمثلون جماعات مذهبية متعددة، وهم ملتزمون بالمحافظة على وحدة واستقرار العراق ولم يخضعوا لعملية تسييس ولم يُختَرقوا من قبل الميليشيات. ويمكن نشر هذه الأولوية من (الجيش العراقي الجديد) في بغداد أولاً. ولكن من أجل إيجاد قوة تتمتع بالمصداقية، تحتاج الولايات المتحدة إلى تغيير سياستها وموقفها من الجيش العراقي والعمل على تزويده بأسلحة وتجهيزات حديثة وفعّالة، بالإضافة إلى تقديم الدعم الجوي واللوجستي له. وبعد نشر الجيش بمساعدة الأمريكيين، يمكن لهذه القوات العراقية أن تقف في خطوط المواجهة للقضاء على الميليشيات والجماعات الإرهابية التي تحكم البلد الآن.
الخيار الثاني هو إعلان حالة الطوارئ، فاستناداً إلى الدستور العراقي، فإن إعلان حالة الطوارئ يتطلب موافقة ثلثي أعضاء البرلمان وموافقة كل من رئيس الجمهورية ورئيس مجلس الوزراء. وفور الإعلان عن حالة الطوارئ يستطيع رئيس الوزراء تعليق البرلمان أو حله وتعطيل الحكومة والمبادرة (طوعياً) بتسليم السلطة إلى القادة العسكريين لاستعادة الأمن والنظام.
ولا يبدو من المحتمل، في هذا الوقت على الأقل، أن يوافق المالكي وبعض القادة السياسيين على مثل هذا الخيار، لأن من شأنه، كما هو الحال بالنسبة لإعادة بناء مؤسسات الجيش، أن يؤدي إلى الإقدام على انتحار سياسي بالنسبة إلى قيادة أسست لسلطتها تحت مظلة الولايات المتحدة وقوات الاحتلال الأمريكي. فحالما يتولى الجيش المسؤولية المباشرة عن أمن الوطن، فإنه ليس هناك من ضمانة لكي تتمكن الحكومة المدنية من إعادة النظام السياسي. وإذا أخذنا في الحسبان التاريخ العراقي الحديث، والذي شهد ستة انقلابات عسكرية ناجحة، فإن هذا السيناريو يمكن أن يقضي على السلطة المدنية لتحل محلها قيادة عسكرية. وتجدر الإشارة إلى أنه منذ انتخاب البرلمان العراقي، فإن حالات الطوارئ التي يمتد مفعول كل منها ثلاثين يوماً لا تزال تُجدَّد باستمرار، ولكن لأن حالة الطوارئ هذه تقع تحت سيطرة الحكومة المدنية، فإنها لم تُكلَّلْ بالنجاح.
إن أياً من الخيارين السابقين كفيل بحشد التأييد الجماهيري للجيش العراقي لتولي مسؤولية عودة الأمن والاستقرار إلى العراق. ويبدو واضحاً إلى حد ما أن الحكومة العراقية الحالية لا تتمتع بالشعبية، ثم إن العراقيين لا يثقون بقوات الشرطة أو الجنود الأمريكيين. فالاعتداءات والعمليات الانتحارية والاشتباكات الطائفية وعمليات الاختطاف أصبحت جزءاً لا يتجزأ من الحياة اليومية للعراقيين الذين بدأوا يشعرون بالإحباط. ولذلك، فإن من المتوقع أن يرحب السواد الأعظم من العراقيين بقيادة قوية قادرة على استعادة الأمن والاستقرار. ومن المؤكد أن صورة الجيش العراقي تعرضت للتشويه تحت قيادة صدام، إلاّ أن المؤسسات العسكرية العراقية يُنظَر إليها تقليدياً على أنها قوية وجديرة بالاحترام. ويؤكد تاريخ العراق أن الجيش النظامي، وليس قوات حفظ النظام مثل الحرس الجمهوري، قد برهن على قدرته على العمل كمؤسسة وطنية تتعالى على الولاءات العرقية والطائفية والعشائرية.
::/introtext::
::fulltext::::/fulltext::
::cck::2861::/cck::
