دور علماء السياسة العرب في عملية صنع القرار السياسي الخارجي

::cck::2874::/cck::
::introtext::

لا تزال الأمة العربية تتعرض إلى جملة من التحديات الإقليمية والدولية، وعلى مر التاريخ أثبتت الأمة أنها أمة حية وتقاوم المخططات الخارجية التي تستهدف كيانها ووجودها ودورها في بناء الإنسانية.

::/introtext::
::fulltext::

لا تزال الأمة العربية تتعرض إلى جملة من التحديات الإقليمية والدولية، وعلى مر التاريخ أثبتت الأمة أنها أمة حية وتقاوم المخططات الخارجية التي تستهدف كيانها ووجودها ودورها في بناء الإنسانية.
ولا شك أن هذه العلامة تثبت حقيقة مهمة مفادها أن أمتنا العربية تندرج ضمن الأمم الحيوية والصلبة، وأنها رغم مشكلاتها ومعاناتها تتحمل عواقب الأزمات وتواجهها وإن كان بمستويات متفاوتة. ورغم هذا تعرضت هذه الأمة إلى الكثير من الكبوات والانكسارات بعد أن صدر إليها الكثير من الأزمات من الخارج إلى داخل الوطن العربي، مع شيوع تفرد القرار عند القيادات السياسية، وإبعاد ذوي الشأن عن المساهمة في المشورة والرأي، والنصيحة في صنع القرار السياسي الخارجي العربي، توجساً وخوفاً من المشاركة السياسية اللاحقة.
ولا نبالغ هنا عندما نقول إنه لو تم استقطاب أكبر حجم من الخبراء والمتخصصين في الشؤون السياسية والدولية من قبل صناع القرار، ومؤسسات الدولة المهمة كوزارات الخارجية لسماع آرائهم، ونصائحهم لتم تحجيم الخسائر الاستراتيجية إلى مديات أقل، وتحديد مواطن الضعف والقوة والتحرك وفق استراتيجية يشترك في صياغتها كل المتخصصين بعد أن يتم إقناع القيادة أو السلطة الحاكمة بأرجحية القرارات، ووضع البدائل التي يمكن استخدامها أو التحرك بموجبها.
وعليه لا مناص من القول إن نخب المجتمع العربي هم الوجه المشرق والمرآة التي تعكس تقدمه وتطوره بسبب إعدادهم الرصين وخبراتهم في مختلف الاختصاصات . ويشكل علماء السياسة العرب شريحة مهمة من النخب الفكرية التي يحفل بها المجتمع العربي. لذلك لا يمكن إغفال دور علماء السياسة العرب في طرح المعطيات، وتحليل الظواهر السياسية، والاقتصادية، والاجتماعية، ورصد المشكلات، والأزمات التي يمكن أن تندلع قبل وقوعها، وتسليط الأضواء على المتغيرات الداخلية، والإقليمية والدولية، وبيان أوجه التقارب والتباعد واحتمالات التعاون والصراع في إطار العلاقات الدولية، وطرحها من خلال دراسات علمية وأكاديمية، أو إقامة ندوات الحوار الاستراتيجي لمناقشة قضية تواجه الدولة، ومطلوب صياغة استراتيجية لمواجهتها لتقدم التوصيات والاقتراحات إلى صناع القرار والمختصين وجمهور المجتمع العربي المثقف الذي يهتم بالرأي الرصين الذي يصدر عن علماء السياسة. وفي ضوء أهمية هذا الموضوع تم تخصيص هذه الورقة العلمية للإجابة عن عدة تساؤلات مهمة لعل من أبرزها: كيف يمكن استثمار علماء السياسة العرب في دعم عملية صنع وتنفيذ القرار السياسي الخارجي العربي؟ وما هي المحددات المؤثرة في دور علماء السياسة العرب؟ وما هو مستقبل دور علماء السياسة العرب في النهوض بالأمة؟ وتقوم هذه الورقة على فرضية مفادها (أهمية إيلاء آراء علماء السياسة العرب في تقدم ونهوض الأمة العربية لمواجهة التحديات ووضع الاستراتيجيات لصنع مستقبل زاهر ومفعم بالإنجازات لصالح الأمة).
وتنقسم هذه الورقة إلى ثلاثة أقسام رئيسية، الأول يتناول دور علماء السياسة العرب في دعم عملية صنع وتنفيذ القرار السياسي الخارجي العربي، والثاني سيؤشر إلى أهم وأبرز المحددات المؤثرة في دور علماء السياسة العرب، وأخيراً القسم الثالث الذي خصص لاستقراء مستقبل دور علماء السياسة العرب في عملية النهوض بالأمة.
دور علماء السياسة العرب في دعم عملية صنع وتنفيذ القرار السياسي الخارجي العربي
لاشك أن الأكاديميين والباحثين في مجال العلوم السياسية يمكن استثمار طاقاتهم العلمية، وتخصصاتهم في مجال العلاقات الدولية والاستراتيجية والنظم السياسية والفكر السياسي التي يمكن من خلالها دعم وصنع القرار السياسي الخارجي بموجب عدة مجالات:
1- المجال الدبلوماسي:
يحتاج العمل الدبلوماسي إلى خبراء متخصصين في مجال المفاوضات الدبلوماسية والتمثيل الدبلوماسي المؤقت والدائم الذي يتفرع إلى حضور المؤتمرات الدورية، وتمثيل الأقطار العربية في الخارج. وهنا يبرز دور المختصين في العلوم السياسية الذي يفضل زجهم في هذا المجال، وكما نعلم أن الدبلوماسية هي ركن أساسي من أركان علم السياسة، أو السياسة ما بين الدول بالتطبيق. وهذا ينقلنا إلى أن الأهداف للدول يمكن تصنيفها إلى صنفين:
أ-صنف من الدول التي تسعى إلى التوسع، وهذا يعني أن سياستها (آليتها) هي الحرب إن تطلب الأمر ذلك، أو التهديد بالحرب.
ب-صنف من الدول التي تحمل سياسات خارجية سلمية وهي تكون (آليتها) الدبلوماسية وركيزتها في آن واحد.
2- حل الأزمات الدولية:
تمر العلاقات العربية-العربية والعربية الدولية بالكثير من الأزمات والمشكلات التي قد تجلب على الأمة الكثير من المعوقات والمحددات التي تؤثر في حركتها الإقليمية والدولية، لأنه قد تكون هناك أزمات مفاجئة أو مدبرة أو أزمات سياسية أو اقتصادية، ناهيك عن حدتها وقوتها، إذ قد تنقسم إلى أزمات ذات تهديد عال أو متوسط أو متدن.وفي هذه الحالة فإن حضور ووجود المتخصصين في العلوم السياسية والذين يمكن أن نطلق عليهم (خبراء السلطة) في غاية الأهمية، لأنهم يختلفون عن رجال الدولة في عدة أمور مهمة لعل من أبرزها:
1- خبير السلطة ينتقي المشكلة أو المعضلة التي يشاء دراستها، أما رجل الدولة فإن المشكلة تفرض نفسها عليه.
2- يخصص خبير السلطة الوقت الكافي الذي يرتئيه كي يبلغ استنتاجا واضحا، أما رجل الدولة فإن ضغط الوقت يشكل التحدي الأكبر له.
3- المحلل أو خبير السلطة لا يركب مطية المخاطرة، أما رجل الدولة فإنه يلوح أمامه ظن واحد، وأخطاؤه لا رجعة عنها.
4- خبير السلطة تنصب أمامه جميع الحقائق، وعليه فإن حكمه يتم وفقاً لفطنته وملكته الذهنية. أما رجل الدولة فإنه يعمل وفقاً لتقييمات لا يمكن برهنتها ساعة تبنيها، بل سيحكم عليها عبر التاريخ على أساس أفق حكمته في إدارة أي تغير حتمي، وفوق هذا في كيفية محافظته على السلام.
ويتفق أغلب الباحثين على أن دور علماء السياسة المتخصصين بالشؤون الدولية والاستراتيجية مهم في حل وإدارة الأزمات بموجب عدة اعتبارات:
1- خبرتهم في مجال اختصاصهم بالتحديد الواضح للأهداف وترتيب أولوياتها، وصنع السياسات والخطط، وتصميم النظم التي تؤمن توجهاً استراتيجياً لدرء أخطار الأزمات.
2- توفير أنظمة للإنذار المبكر، وتنمية إدارات التحليل والتنبؤ بالأزمات.
3- اعداد ورسم السيناريوهات والسيناريوهات البديلة لمواجهة الأزمات.
4- تكوين فريق عمل لإدارة الأزمات من أفراد ذوي خبرة ومؤهلين ولهم ممارسة فعلية في مجال إدارة الازمات.
5- تنظيم القوى وتحقيق التكامل بين الأنشطة المتعددة.
6- توفير نظام جيد للاتصالات الداخلية والخارجية، وتنمية العلاقات التبادلية مع البيئة والمجتمع، وتنسيق الجهود مع المنظمات الأخرى.
7- توفير الموارد التي تحتاجها عملية مواجهة وإدارة الأزمة.
8- توفير نظام المعلومات لإدارة الأزمات يعمل على تدعيم كفاءة واتخاذ القرارات .
9- تبسيط الإجراءات خلال فترة الأزمة بحيث يمكن تجاهل بعض الخطوات المطلوبة الأقل أهمية.
10- توفير الدعم القانوني والرسمي اللازم لتنفيذ الإجراءات المطلوبة مع التفاوض المستمر خلال فترة الأزمة.
11- اتساع قاعدة القبول الشعبي لمخارج الأزمات من خلال توسيع المشاركة في الرأي والاستنتاج.
12- أهمية إعداد جيل من خبراء السلطة لتسلم إدارة الدولة لتسخير خبراتهم في إدارة السلطة.
المحددات المؤثرة في دور علماء السياسة العرب
تلعب عدة عوامل للتأثير في دور علماء السياسة العرب تتراوح بين عوامل داخلية وأخرى دولية.
1- العوامل الداخلية:
تتفاوت اهتمامات الدول العربية بعلماء السياسة بموجب عدة عوامل من أبرزها:
أ-عدم اهتمام المؤسسة السياسية العربية بآراء علماء السياسة:
قراءة الأحداث السياسية لها خبراؤها والمختصون والمحللون، وبناء على ذلك فإن أغلب الدول العربية عند حدوث الأزمات قد ينتابها التسرع وعدم إجراء مسح ميداني لأي رأي استشاري للاستفادة منه في حل الأزمات، وعدم استقطابها للخبراء وللمراقبين السياسين الذين يتابعون الساحات الدولية المختلفة في آسيا وإفريقيا وأمريكا.. إلخ، بالرغم من لجوء الدول العربية في السنوات الأخيرة إلى تشكيل فرق من الاستشاريين لسماع آرائهم عند حدوث الأزمات إلا أن هذه الحالة لم تصبح ظاهرة وآلية من آليات صنع القرار السياسي الخارجي لجعلها سابقة تتبعها الدول المتقدمة عند حدوث الأزمات أو عند وضع السياسات والاستراتيجيات حيث تستدعي المختصين والباحثين لتطعيم خططها مع ملاحظاتهم ومؤشراتهم التي ستعطي لصانع القرار متسعاً ومجالاً لاختيار أفضل البدائل التي تعرض عليه لاختيار أنسبها عند اتخاذ القرار السياسي الخارجي.
ب- قلة الاهتمام بآراء مراكز البحوث العلمية والأكاديمية:
تنتشر في ربوع الوطن العربي العديد من مراكز البحوث السياسية والاستراتيجية التي تصدر العديد من الدراسات والبحوث العلمية الرصينة التي تشكل قاعدة للمعلومات للمؤسسة السياسية والاقتصادية والعسكرية التي يمكن الاستفادة منها في وضع السياسات، ناهيك عن أن مراكز البحوث العربية عند إصدارها دراسة مهمة لا تبادر المؤسسة السياسية إلى استدعاء الباحث لإلقاء بحثه داخل إحدى المؤسسات المهمة كوزارة الخارجية أو مؤسسات صنع القرار السياسي للاستماع مباشرة إلى آرائهم وترشيحهم لتولي مناصب في الدولة في مجال السياسة الخارجية والاستفادة من خبراتهم ومعلوماتهم الرصينة لتوظيفها في إعداد السياسات، وهذا ما تتبعه أغلب الدول المتقدمة في الوقت الحاضر، حيث نرى أن الكثير من وزراء الخارجية أو الذين يعملون في مؤسسات مهمة كمجلس الأمن القومي أو أجهزة الاستخبارات في الولايات المتحدة الأمريكية وبريطانيا هم أعضاء بارزون في مؤسسات بحثية معروفة ومهمة.2- العوامل الدولية:
يساهم البعد الدولي في التأثير في علماء السياسة العرب في عدة اتجاهات من أبرزها استقطاب الباحثين المتميزين للعمل في مراكز البحوث الغربية، حيث تظهر لنا العديد من الشخصيات في القنوات الفضائية، وبعضها له باع في مجال السياسة من الناحية العلمية والأكاديمية على أنهم يعملون في مراكز بحوث غربية مهمة، بينما كان من الأفضل تسخير طاقاتهم لصالح الأقطار العربية التي ينتمون إليها إلا أنهم قد يجدون بعض المتغيرات والتسهيلات للعمل هناك في إطار اتساع حرية إجراء البحوث الأكاديمية من دون ضغط أو إملاء آراء لا تخدم البحث العلمي الرصين وتوفير المستلزمات الشخصية من أجر مناسب وسيارة شخصية وسكن وتسهيلات أخرى تجعلهم يتمسكون بالبقاء للعمل في هذه المؤسسات على حساب افتقاد دولهم لخبراتهم.
مستقبل دور علماء السياسة العرب في عملية النهوض بالأمة
يمكن وضع عدة احتمالات لمستقبل دور علماء السياسة العرب في النهوض بالأمة العربية، فقد يكون دوراً سلبياً بفعل عدة عوامل، أو قد يكون دوراً إيجابياً بموجب عدة عوامل أخرى.
1- الدور السلبي:
في هذا السيناريو قد لا تكون لعلماء السياسة إرادة في صنع هذا السيناريو، لأن الأمر ليس بأيديهم وإنما بأيدي صناع القرار، وعليه فإن الابتعاد عن سماع آراء وملاحظات علماء السياسة العرب وعدم تطعيم المؤسسات السياسية والدبلوماسية بالعناصر الفعالة من علماء السياسة، كل هذه العوامل قد تشارك في جعل دور علماء السياسة سلبياً، لكن ليس بإرادتهم وإنما بإرادة المؤسسة السياسية وصناع القرار.
2-الدور الإيجابي
عند وضع المؤسسة السياسية في الأقطار العربية مساحة مهمة للأصوات والتعليقات التي تصدر عن علماء السياسة في شؤون السياسة الخارجية وصنع القرار السياسي الخارجي سيجعل علماء السياسة يدلون بدلوهم، ويمضون في تشجيعهم على جعل آرائهم واستشاراتهم في خدمة دولهم وليس مجرد إصدار دراسات أكاديمية وآراء علمية مصيرها الإهمال وعدم الاستجابة لها وعندها ستضع هذه الشريحة عصارة تفكيرها في خدمة الأمة والنهوض بقدراتها نحو زيادة زخم تفاعلها الإيجابي مع التحديات القادمة من الخارج.
إن علماء السياسة العرب تنتظرهم أدوار مهمة في عملية صنع القرار السياسي الخارجي، لذلك على المؤسسة السياسية العربية ألا تغفل آرائهم وتعليقاتهم وبحوثهم العلمية والأكاديمية لأنها لم تخرج إلا وقد أخضعت للدراسة والتحليل والرصد الموضوعي للخروج بنتائج وتوصيات وبدائل قد تعين المؤسسة السياسية العربية وصناع القرار على الأخذ بها عند الأوضاع الاعتيادية أو عند اندلاع الأزمات التي تحتاج بالتأكيد إلى الاستئناس بآراء المختصين في الشؤون السياسية والدولية والاستراتيجية.

::/fulltext::

Getting your Trinity Audio player ready...

::cck::2874::/cck::
::introtext::

لا تزال الأمة العربية تتعرض إلى جملة من التحديات الإقليمية والدولية، وعلى مر التاريخ أثبتت الأمة أنها أمة حية وتقاوم المخططات الخارجية التي تستهدف كيانها ووجودها ودورها في بناء الإنسانية.

::/introtext::
::fulltext::

لا تزال الأمة العربية تتعرض إلى جملة من التحديات الإقليمية والدولية، وعلى مر التاريخ أثبتت الأمة أنها أمة حية وتقاوم المخططات الخارجية التي تستهدف كيانها ووجودها ودورها في بناء الإنسانية.
ولا شك أن هذه العلامة تثبت حقيقة مهمة مفادها أن أمتنا العربية تندرج ضمن الأمم الحيوية والصلبة، وأنها رغم مشكلاتها ومعاناتها تتحمل عواقب الأزمات وتواجهها وإن كان بمستويات متفاوتة. ورغم هذا تعرضت هذه الأمة إلى الكثير من الكبوات والانكسارات بعد أن صدر إليها الكثير من الأزمات من الخارج إلى داخل الوطن العربي، مع شيوع تفرد القرار عند القيادات السياسية، وإبعاد ذوي الشأن عن المساهمة في المشورة والرأي، والنصيحة في صنع القرار السياسي الخارجي العربي، توجساً وخوفاً من المشاركة السياسية اللاحقة.
ولا نبالغ هنا عندما نقول إنه لو تم استقطاب أكبر حجم من الخبراء والمتخصصين في الشؤون السياسية والدولية من قبل صناع القرار، ومؤسسات الدولة المهمة كوزارات الخارجية لسماع آرائهم، ونصائحهم لتم تحجيم الخسائر الاستراتيجية إلى مديات أقل، وتحديد مواطن الضعف والقوة والتحرك وفق استراتيجية يشترك في صياغتها كل المتخصصين بعد أن يتم إقناع القيادة أو السلطة الحاكمة بأرجحية القرارات، ووضع البدائل التي يمكن استخدامها أو التحرك بموجبها.
وعليه لا مناص من القول إن نخب المجتمع العربي هم الوجه المشرق والمرآة التي تعكس تقدمه وتطوره بسبب إعدادهم الرصين وخبراتهم في مختلف الاختصاصات . ويشكل علماء السياسة العرب شريحة مهمة من النخب الفكرية التي يحفل بها المجتمع العربي. لذلك لا يمكن إغفال دور علماء السياسة العرب في طرح المعطيات، وتحليل الظواهر السياسية، والاقتصادية، والاجتماعية، ورصد المشكلات، والأزمات التي يمكن أن تندلع قبل وقوعها، وتسليط الأضواء على المتغيرات الداخلية، والإقليمية والدولية، وبيان أوجه التقارب والتباعد واحتمالات التعاون والصراع في إطار العلاقات الدولية، وطرحها من خلال دراسات علمية وأكاديمية، أو إقامة ندوات الحوار الاستراتيجي لمناقشة قضية تواجه الدولة، ومطلوب صياغة استراتيجية لمواجهتها لتقدم التوصيات والاقتراحات إلى صناع القرار والمختصين وجمهور المجتمع العربي المثقف الذي يهتم بالرأي الرصين الذي يصدر عن علماء السياسة. وفي ضوء أهمية هذا الموضوع تم تخصيص هذه الورقة العلمية للإجابة عن عدة تساؤلات مهمة لعل من أبرزها: كيف يمكن استثمار علماء السياسة العرب في دعم عملية صنع وتنفيذ القرار السياسي الخارجي العربي؟ وما هي المحددات المؤثرة في دور علماء السياسة العرب؟ وما هو مستقبل دور علماء السياسة العرب في النهوض بالأمة؟ وتقوم هذه الورقة على فرضية مفادها (أهمية إيلاء آراء علماء السياسة العرب في تقدم ونهوض الأمة العربية لمواجهة التحديات ووضع الاستراتيجيات لصنع مستقبل زاهر ومفعم بالإنجازات لصالح الأمة).
وتنقسم هذه الورقة إلى ثلاثة أقسام رئيسية، الأول يتناول دور علماء السياسة العرب في دعم عملية صنع وتنفيذ القرار السياسي الخارجي العربي، والثاني سيؤشر إلى أهم وأبرز المحددات المؤثرة في دور علماء السياسة العرب، وأخيراً القسم الثالث الذي خصص لاستقراء مستقبل دور علماء السياسة العرب في عملية النهوض بالأمة.
دور علماء السياسة العرب في دعم عملية صنع وتنفيذ القرار السياسي الخارجي العربي
لاشك أن الأكاديميين والباحثين في مجال العلوم السياسية يمكن استثمار طاقاتهم العلمية، وتخصصاتهم في مجال العلاقات الدولية والاستراتيجية والنظم السياسية والفكر السياسي التي يمكن من خلالها دعم وصنع القرار السياسي الخارجي بموجب عدة مجالات:
1- المجال الدبلوماسي:
يحتاج العمل الدبلوماسي إلى خبراء متخصصين في مجال المفاوضات الدبلوماسية والتمثيل الدبلوماسي المؤقت والدائم الذي يتفرع إلى حضور المؤتمرات الدورية، وتمثيل الأقطار العربية في الخارج. وهنا يبرز دور المختصين في العلوم السياسية الذي يفضل زجهم في هذا المجال، وكما نعلم أن الدبلوماسية هي ركن أساسي من أركان علم السياسة، أو السياسة ما بين الدول بالتطبيق. وهذا ينقلنا إلى أن الأهداف للدول يمكن تصنيفها إلى صنفين:
أ-صنف من الدول التي تسعى إلى التوسع، وهذا يعني أن سياستها (آليتها) هي الحرب إن تطلب الأمر ذلك، أو التهديد بالحرب.
ب-صنف من الدول التي تحمل سياسات خارجية سلمية وهي تكون (آليتها) الدبلوماسية وركيزتها في آن واحد.
2- حل الأزمات الدولية:
تمر العلاقات العربية-العربية والعربية الدولية بالكثير من الأزمات والمشكلات التي قد تجلب على الأمة الكثير من المعوقات والمحددات التي تؤثر في حركتها الإقليمية والدولية، لأنه قد تكون هناك أزمات مفاجئة أو مدبرة أو أزمات سياسية أو اقتصادية، ناهيك عن حدتها وقوتها، إذ قد تنقسم إلى أزمات ذات تهديد عال أو متوسط أو متدن.وفي هذه الحالة فإن حضور ووجود المتخصصين في العلوم السياسية والذين يمكن أن نطلق عليهم (خبراء السلطة) في غاية الأهمية، لأنهم يختلفون عن رجال الدولة في عدة أمور مهمة لعل من أبرزها:
1- خبير السلطة ينتقي المشكلة أو المعضلة التي يشاء دراستها، أما رجل الدولة فإن المشكلة تفرض نفسها عليه.
2- يخصص خبير السلطة الوقت الكافي الذي يرتئيه كي يبلغ استنتاجا واضحا، أما رجل الدولة فإن ضغط الوقت يشكل التحدي الأكبر له.
3- المحلل أو خبير السلطة لا يركب مطية المخاطرة، أما رجل الدولة فإنه يلوح أمامه ظن واحد، وأخطاؤه لا رجعة عنها.
4- خبير السلطة تنصب أمامه جميع الحقائق، وعليه فإن حكمه يتم وفقاً لفطنته وملكته الذهنية. أما رجل الدولة فإنه يعمل وفقاً لتقييمات لا يمكن برهنتها ساعة تبنيها، بل سيحكم عليها عبر التاريخ على أساس أفق حكمته في إدارة أي تغير حتمي، وفوق هذا في كيفية محافظته على السلام.
ويتفق أغلب الباحثين على أن دور علماء السياسة المتخصصين بالشؤون الدولية والاستراتيجية مهم في حل وإدارة الأزمات بموجب عدة اعتبارات:
1- خبرتهم في مجال اختصاصهم بالتحديد الواضح للأهداف وترتيب أولوياتها، وصنع السياسات والخطط، وتصميم النظم التي تؤمن توجهاً استراتيجياً لدرء أخطار الأزمات.
2- توفير أنظمة للإنذار المبكر، وتنمية إدارات التحليل والتنبؤ بالأزمات.
3- اعداد ورسم السيناريوهات والسيناريوهات البديلة لمواجهة الأزمات.
4- تكوين فريق عمل لإدارة الأزمات من أفراد ذوي خبرة ومؤهلين ولهم ممارسة فعلية في مجال إدارة الازمات.
5- تنظيم القوى وتحقيق التكامل بين الأنشطة المتعددة.
6- توفير نظام جيد للاتصالات الداخلية والخارجية، وتنمية العلاقات التبادلية مع البيئة والمجتمع، وتنسيق الجهود مع المنظمات الأخرى.
7- توفير الموارد التي تحتاجها عملية مواجهة وإدارة الأزمة.
8- توفير نظام المعلومات لإدارة الأزمات يعمل على تدعيم كفاءة واتخاذ القرارات .
9- تبسيط الإجراءات خلال فترة الأزمة بحيث يمكن تجاهل بعض الخطوات المطلوبة الأقل أهمية.
10- توفير الدعم القانوني والرسمي اللازم لتنفيذ الإجراءات المطلوبة مع التفاوض المستمر خلال فترة الأزمة.
11- اتساع قاعدة القبول الشعبي لمخارج الأزمات من خلال توسيع المشاركة في الرأي والاستنتاج.
12- أهمية إعداد جيل من خبراء السلطة لتسلم إدارة الدولة لتسخير خبراتهم في إدارة السلطة.
المحددات المؤثرة في دور علماء السياسة العرب
تلعب عدة عوامل للتأثير في دور علماء السياسة العرب تتراوح بين عوامل داخلية وأخرى دولية.
1- العوامل الداخلية:
تتفاوت اهتمامات الدول العربية بعلماء السياسة بموجب عدة عوامل من أبرزها:
أ-عدم اهتمام المؤسسة السياسية العربية بآراء علماء السياسة:
قراءة الأحداث السياسية لها خبراؤها والمختصون والمحللون، وبناء على ذلك فإن أغلب الدول العربية عند حدوث الأزمات قد ينتابها التسرع وعدم إجراء مسح ميداني لأي رأي استشاري للاستفادة منه في حل الأزمات، وعدم استقطابها للخبراء وللمراقبين السياسين الذين يتابعون الساحات الدولية المختلفة في آسيا وإفريقيا وأمريكا.. إلخ، بالرغم من لجوء الدول العربية في السنوات الأخيرة إلى تشكيل فرق من الاستشاريين لسماع آرائهم عند حدوث الأزمات إلا أن هذه الحالة لم تصبح ظاهرة وآلية من آليات صنع القرار السياسي الخارجي لجعلها سابقة تتبعها الدول المتقدمة عند حدوث الأزمات أو عند وضع السياسات والاستراتيجيات حيث تستدعي المختصين والباحثين لتطعيم خططها مع ملاحظاتهم ومؤشراتهم التي ستعطي لصانع القرار متسعاً ومجالاً لاختيار أفضل البدائل التي تعرض عليه لاختيار أنسبها عند اتخاذ القرار السياسي الخارجي.
ب- قلة الاهتمام بآراء مراكز البحوث العلمية والأكاديمية:
تنتشر في ربوع الوطن العربي العديد من مراكز البحوث السياسية والاستراتيجية التي تصدر العديد من الدراسات والبحوث العلمية الرصينة التي تشكل قاعدة للمعلومات للمؤسسة السياسية والاقتصادية والعسكرية التي يمكن الاستفادة منها في وضع السياسات، ناهيك عن أن مراكز البحوث العربية عند إصدارها دراسة مهمة لا تبادر المؤسسة السياسية إلى استدعاء الباحث لإلقاء بحثه داخل إحدى المؤسسات المهمة كوزارة الخارجية أو مؤسسات صنع القرار السياسي للاستماع مباشرة إلى آرائهم وترشيحهم لتولي مناصب في الدولة في مجال السياسة الخارجية والاستفادة من خبراتهم ومعلوماتهم الرصينة لتوظيفها في إعداد السياسات، وهذا ما تتبعه أغلب الدول المتقدمة في الوقت الحاضر، حيث نرى أن الكثير من وزراء الخارجية أو الذين يعملون في مؤسسات مهمة كمجلس الأمن القومي أو أجهزة الاستخبارات في الولايات المتحدة الأمريكية وبريطانيا هم أعضاء بارزون في مؤسسات بحثية معروفة ومهمة.2- العوامل الدولية:
يساهم البعد الدولي في التأثير في علماء السياسة العرب في عدة اتجاهات من أبرزها استقطاب الباحثين المتميزين للعمل في مراكز البحوث الغربية، حيث تظهر لنا العديد من الشخصيات في القنوات الفضائية، وبعضها له باع في مجال السياسة من الناحية العلمية والأكاديمية على أنهم يعملون في مراكز بحوث غربية مهمة، بينما كان من الأفضل تسخير طاقاتهم لصالح الأقطار العربية التي ينتمون إليها إلا أنهم قد يجدون بعض المتغيرات والتسهيلات للعمل هناك في إطار اتساع حرية إجراء البحوث الأكاديمية من دون ضغط أو إملاء آراء لا تخدم البحث العلمي الرصين وتوفير المستلزمات الشخصية من أجر مناسب وسيارة شخصية وسكن وتسهيلات أخرى تجعلهم يتمسكون بالبقاء للعمل في هذه المؤسسات على حساب افتقاد دولهم لخبراتهم.
مستقبل دور علماء السياسة العرب في عملية النهوض بالأمة
يمكن وضع عدة احتمالات لمستقبل دور علماء السياسة العرب في النهوض بالأمة العربية، فقد يكون دوراً سلبياً بفعل عدة عوامل، أو قد يكون دوراً إيجابياً بموجب عدة عوامل أخرى.
1- الدور السلبي:
في هذا السيناريو قد لا تكون لعلماء السياسة إرادة في صنع هذا السيناريو، لأن الأمر ليس بأيديهم وإنما بأيدي صناع القرار، وعليه فإن الابتعاد عن سماع آراء وملاحظات علماء السياسة العرب وعدم تطعيم المؤسسات السياسية والدبلوماسية بالعناصر الفعالة من علماء السياسة، كل هذه العوامل قد تشارك في جعل دور علماء السياسة سلبياً، لكن ليس بإرادتهم وإنما بإرادة المؤسسة السياسية وصناع القرار.
2-الدور الإيجابي
عند وضع المؤسسة السياسية في الأقطار العربية مساحة مهمة للأصوات والتعليقات التي تصدر عن علماء السياسة في شؤون السياسة الخارجية وصنع القرار السياسي الخارجي سيجعل علماء السياسة يدلون بدلوهم، ويمضون في تشجيعهم على جعل آرائهم واستشاراتهم في خدمة دولهم وليس مجرد إصدار دراسات أكاديمية وآراء علمية مصيرها الإهمال وعدم الاستجابة لها وعندها ستضع هذه الشريحة عصارة تفكيرها في خدمة الأمة والنهوض بقدراتها نحو زيادة زخم تفاعلها الإيجابي مع التحديات القادمة من الخارج.
إن علماء السياسة العرب تنتظرهم أدوار مهمة في عملية صنع القرار السياسي الخارجي، لذلك على المؤسسة السياسية العربية ألا تغفل آرائهم وتعليقاتهم وبحوثهم العلمية والأكاديمية لأنها لم تخرج إلا وقد أخضعت للدراسة والتحليل والرصد الموضوعي للخروج بنتائج وتوصيات وبدائل قد تعين المؤسسة السياسية العربية وصناع القرار على الأخذ بها عند الأوضاع الاعتيادية أو عند اندلاع الأزمات التي تحتاج بالتأكيد إلى الاستئناس بآراء المختصين في الشؤون السياسية والدولية والاستراتيجية.

::/fulltext::
::cck::2874::/cck::

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *