“تحرر” اقتصادي لا يقود إلى “انفتاح” سياسي
::cck::2873::/cck::
::introtext::
يقابل البعض خطوات (التحرر الاقتصادي) في العالم العربي بتفاؤل شديد، على أن هذا النهج من شأنه أن يعبد الطريق أمام قيام حكم ديمقراطي. ويقوم هذا التصور على أن الاقتصاد المخطط يضع كل الموارد تحت تصرف الحكومات، وبذلك يشكل دعوة مفتوحة لها بأن تكون مطلقة اليد في استخدام جميع هذه الموارد لتقوية سلطتها أو تسلطها على وجه الدقة، وضمان استمرار هذه السلطة، والمصادرة بحق قيام تعددية سياسية حقيقية.
::/introtext::
::fulltext::
يقابل البعض خطوات (التحرر الاقتصادي) في العالم العربي بتفاؤل شديد، على أن هذا النهج من شأنه أن يعبد الطريق أمام قيام حكم ديمقراطي. ويقوم هذا التصور على أن الاقتصاد المخطط يضع كل الموارد تحت تصرف الحكومات، وبذلك يشكل دعوة مفتوحة لها بأن تكون مطلقة اليد في استخدام جميع هذه الموارد لتقوية سلطتها أو تسلطها على وجه الدقة، وضمان استمرار هذه السلطة، والمصادرة بحق قيام تعددية سياسية حقيقية.
مصدر هذا الخداع أن النظم العربية تحرص على إضفاء مسحة من الديمقراطية على ممارساتها لأنها تدرك أن (القمع الدائم) لن يأتي إلا بنتائج عكسية، وتحتاج إلى ما تخفف به من غلواء الانتقادات التي توجهها إليها الدول الديمقراطية، وإلى ما تقنع به رأس المال الهارب كي يعود إلى وطنه أو تجلب به الاستثمار الأجنبي، وتستقطب بعض أعضاء النخب الداخلية، من خلال نحت أدوار مزعومة لهم برئاسة أحزاب سياسية أو مؤسسات أو حتى الاكتفاء بغض الطرف عن آرائهم وانتقاداتهم مادامت لا تتعدى الخط الأحمر الذي رسمته الحكومات.
إن نظم حكم من هذا القبيل بوسعها أن تجمع بين التحرر الاقتصادي والتسلط السياسي. فالعصبيات الحديثة أو (الزبائنية) تقف حائلاً دون أن يؤدي الانفتاح الاقتصادي وبرامج الخصخصة إلى تطور سياسي ديمقراطي. وهناك ثلاثة أنواع من هذه العصبيات، الأول هو الشبكة التي تتشكل حول شخص بيده سلطات ما، والتي تتقطع خيوطها حين تنقضي سلطته، ونجد مثالاً لها بمجموعة المنتفعين التي تلتصق بأصحاب المناصب. والثاني يتمثل في العصبيات التقليدية التي لها وجود سابق على الدولة، مثل القبائل والعشائر والعائلات والأسر الممتدة .. إلخ، والتي من الممكن أن تلعب أدواراً سياسية أو حتى تدير دفة الحكم، حسب النمط الخلدوني في العصبية. أما الثالث فهو المجموعات المتضامنة الحديثة، التي ليس لها وجود سابق على الدولة، والتي توجدها المنافع والحماية المتبادلة للمحسوبيات وزواج الأقارب و(الشلل) الحاكمة التي تدير الدولة لمصلحتها وحدها، بطريقة تشبه النموذج المملوكي أو تحاكيه.
وبالطبع فإن (العصبيات الحديثة) تختلف عن التحالفات الاجتماعية التي تتبع منطق المساومة، وتنشأ إثر ترابط المصالح أو توافق الأيديولوجيات والميول السياسية، والتي تعد إحدى سمات الديمقراطية. وهذه التحالفات تعني اتفاق مجموعة من الأفراد على مواصلة السعي إلى تحقيق أهداف مشتركة، واستخدام المصادر المتاحة لديهم من أجل بلوغ هذه الأهداف، ووجود ترابط بينهم من خلال الإجراءات الرامية إلى تنفيذ ما يحقق تلك الأهداف، ثم الاتفاق على توزيع ما ينجم عن هذه الإجراءات من عوائد. وتظهر مثل هذه التحالفات أثناء عملية تشكيل الحكومة، التي تكون مهمتها تنفيذ البرنامج الانتخابي للمرشحين الفائزين. ولهذا النوع من التحالفات عيوبه التي لا يمكن غض الطرف عنها، والتي تسعى الديمقراطيات الحديثة إلى التخلص من بعضها، لكن هذه العيوب أقل سوءاً، بالنسبة للديمقراطية، من تلك التي تترتب على ممارسات العصبيات الحديثة، التي تسد المنافذ أمام قيام نظام حكم ديمقراطي.
إن هذه الأنواع من العصبيات تمنع ترجمة التحرر الاقتصادي إلى انفتاح سياسي لأنها تقضي على مبدأ الفرص السياسية المتكافئة، القائم على انتشار واسع النطاق أو متعدد للثروة الاقتصادية، وفي الوقت ذاته تستخدم أدوات الإكراه المادي والمعنوي على نطاق واسع في سبيل قهر الجماعات التي من الممكن أن تنافسها على السلطة أو حركة الجماهير المطالبة بالتغيير الديمقراطي.
كما أن القائمين على التحرر الاقتصادي، في ظل هذه العصبيات، لا ينتجون تنمية، فهم (تخصيصيون غير تنمويين)، إذا صح التعبير، همهم الأساسي هو جمع الثروات، وهذا يتطلب البحث عن المشروعات التي تحقق ربحاً سريعاً، وهنا تطل ملامح المجتمع الاستهلاكي برأسها. وقد يعتقد البعض أن البدء بمشروعات استهلاكية قد ينتهي بتنمية حال اتباع خط مستقيم في تعميق التصنيع. لكن هؤلاء (التخصيصيين) لا يعمقون صناعة، إذ إنهم يتحولون قبل بلوغ هذه المرحلة الصناعية بكثير إلى مستوردين كبار للآلات والمعدات التي يدشنون بها مصانعهم، أو يصبحون وكلاء تجاريين لشركات كبرى، تجعل منهم موزعين أكثر من كونهم منتجين حقيقيين. وعدم إنتاج التخصيصية للتنمية يعني تضاؤل فرص التحول الديمقراطي، من منطلق الدور الذي تلعبه التنمية في هذا الشأن، والذي سبق تناوله.
وهناك أكثر من نموذج يوضح الصور التي تتخذها هذه العصبيات الحديثة أو التحالفات الاجتماعية المشبوهة، أول نموذج يتمثل في (تحالف البيروقراطية والعسكر والرأسماليين الجدد). وفي ظل هذا الوضع تولد طبقة من المستثمرين الصناعيين أو التجار الكبار يمالئون السلطة مقابل أن تتولى حمايتهم وسن القوانين واتخاذ الإجراءات التي تحقق المنافع المتبادلة للطرفين. ويأخذ هذا التحالف على عاتقه القيام بتحرر اقتصادي تدريجي لا يؤدي إلى هزة اجتماعية ولا يفقد الدولة أدواتها التقليدية في السيطرة على الأوضاع. ويمكن أن نطلق على النموذج الثاني اسم (التسلط المركزي)، إذ إننا في هذه الحالة نكون بصدد نظام حاكم يحتكر الثروة تماماً، ويوزعها كيفما يشاء، بما يجلب له الخنوع التام من المواطنين، الذين يتحولون إلى مجرد رعايا. وإذا ما أقدم هذا النظام على تحرر اقتصادي فإن ذلك يكون في دائرة ضيقة من المنتفعين الموالين للسلطة تماماً أو من بين رجالها، بحيث يستفيد البعض مالياً من التحرر الاقتصادي، الذي يكون تدريجياً بالطبع من دون تخفيف قبضة الحكم، لأن خطوة من هذا القبيل قد تقلل حجم هذه الاستفادة أو تجهز عليها.
أما النموذج الثالث فيتمثل في (الثالوث القابض)، وهنا تصبح السلطة السياسية بيد تحالف ثلاثي هو المؤسسة العسكرية والحزب الحاكم وبيروقراطية الدولة. وتكون هذه الفئات هي المستفيدة من التحرر الاقتصادي من دون أن تسمح بأن يتفاعل اجتماعياً بما يزيح التسلط ولو بقدر قليل. وحين يظهر أي تيار يهدد هذا الثالوث يكون مصيره القمع الشديد والإقصاء.
ويتركز النموذج الرابع في (وكلاء العولمة الاقتصادية)، ويكمن هذا النموذج في وجود وكلاء تجاريين محليين للشركات الدولية عابرة القوميات والشركات الأجنبية الأخرى ووكلاء للاستيراد، يدافعون عن الانفتاح الاقتصادي، ويجذبون إليهم تباعاً عناصر من النخبة السياسية بحيث تتحول هي الأخرى إلى الوكالة. ويستخدم الجميع القانون والجيش والشرطة في حماية تحالفهم وعلاقاتهم، من دون أن يقدموا على فتح المجال أمام الديمقراطية. وإذا كان هناك تصور بأن فتح الأسواق وزيادة معدلات التمويل والنشاط المستمر لحركة التجارة سيفكك بعض المسائل الخاصة بتسلطية الدولة بما يمهد الطريق إلى الديمقراطية، فإن (الوكلاء التجاريين) باستطاعتهم أن يفرغوا هذا التصور من مضمونه، بحيث يحافظون على ليبرالية اقتصادية دون ليبرالية سياسية، لأن الاثنتين في النهاية تتضافران داخل دائرة اجتماعية ضيقة للغاية.
وتحتاج هذه العصبيات الحديثة إلى (جهاز إعلامي) يروج لتوجهاتها ويبرر سلوكها، ويشكل همزة وصل بينها وبين (العقل الجمعي)، بما يضمن إما تزييف وعيه أو قهره. وهنا يأتي دور بعض المثقفين، الذين يدخلون في علاقات مشبوهة مع السلطة، ويتخلون عن دورهم الحقيقي المرتبط بنقد التسلط والفساد السياسي والاقتصادي والاجتماعي وتنوير الجماهير، وذلك في سعي دائب نحو الأفضل دائماً، وعلى مختلف الصعد.
إن هذه التحالفات، على مختلف أنماطها، يمكنها أن تنتج العديد من المفارقات منها تلك التي تخص العلاقة بين التحرر الاقتصادي والديمقراطية، بحيث لا يبدو التحرر الاقتصادي في حد ذاته كافيا للأخذ بيد المجتمعات التسلطية إلى نظم حكم ديمقراطية، إذ إن العدالة بمختلف أوجهها، القانونية والاجتماعية والسياسية، تغيب لصالح فئات بعينها، وحين تعطل العدالة أو تموت نكون بصدد مجتمع يستمرئ التسلط أو لا يستطيع الفكاك منه إلا بمعجزة.
إن هذا التحرر لا يعني بالضرورة تكافؤ الفرص الاقتصادية للجميع، بل على العكس من ذلك كثيرا ما يؤدي عبر قنوات الفساد إلى احتكار المنافذ والقدرات الاقتصادية، ما يعني التحكم بأدوات وأشكال الممارسة السياسية. وحتى ينعكس تكافؤ الفرص الاقتصادية على الأداء السياسي، بحيث ينتج سياسات ديمقراطية، فلا بد من عدم احتكار أدوات القهر والإكراه وحياد الجهات المنوط بها ممارسة الضبط الاجتماعي أو تلك القادرة على إجبار أي طرف سياسي على (الإذعان مثل المؤسسة العسكرية في بعض الدول)، بحيث لا تكون تحت إمرة فئة بعينها، لأنها في هذه الحالة تحول دون ترجمة التنوع الاقتصادي إلى تعدد سياسي.
::/fulltext::
|
Getting your Trinity Audio player ready...
|
::cck::2873::/cck::
::introtext::
يقابل البعض خطوات (التحرر الاقتصادي) في العالم العربي بتفاؤل شديد، على أن هذا النهج من شأنه أن يعبد الطريق أمام قيام حكم ديمقراطي. ويقوم هذا التصور على أن الاقتصاد المخطط يضع كل الموارد تحت تصرف الحكومات، وبذلك يشكل دعوة مفتوحة لها بأن تكون مطلقة اليد في استخدام جميع هذه الموارد لتقوية سلطتها أو تسلطها على وجه الدقة، وضمان استمرار هذه السلطة، والمصادرة بحق قيام تعددية سياسية حقيقية.
::/introtext::
::fulltext::
يقابل البعض خطوات (التحرر الاقتصادي) في العالم العربي بتفاؤل شديد، على أن هذا النهج من شأنه أن يعبد الطريق أمام قيام حكم ديمقراطي. ويقوم هذا التصور على أن الاقتصاد المخطط يضع كل الموارد تحت تصرف الحكومات، وبذلك يشكل دعوة مفتوحة لها بأن تكون مطلقة اليد في استخدام جميع هذه الموارد لتقوية سلطتها أو تسلطها على وجه الدقة، وضمان استمرار هذه السلطة، والمصادرة بحق قيام تعددية سياسية حقيقية.
مصدر هذا الخداع أن النظم العربية تحرص على إضفاء مسحة من الديمقراطية على ممارساتها لأنها تدرك أن (القمع الدائم) لن يأتي إلا بنتائج عكسية، وتحتاج إلى ما تخفف به من غلواء الانتقادات التي توجهها إليها الدول الديمقراطية، وإلى ما تقنع به رأس المال الهارب كي يعود إلى وطنه أو تجلب به الاستثمار الأجنبي، وتستقطب بعض أعضاء النخب الداخلية، من خلال نحت أدوار مزعومة لهم برئاسة أحزاب سياسية أو مؤسسات أو حتى الاكتفاء بغض الطرف عن آرائهم وانتقاداتهم مادامت لا تتعدى الخط الأحمر الذي رسمته الحكومات.
إن نظم حكم من هذا القبيل بوسعها أن تجمع بين التحرر الاقتصادي والتسلط السياسي. فالعصبيات الحديثة أو (الزبائنية) تقف حائلاً دون أن يؤدي الانفتاح الاقتصادي وبرامج الخصخصة إلى تطور سياسي ديمقراطي. وهناك ثلاثة أنواع من هذه العصبيات، الأول هو الشبكة التي تتشكل حول شخص بيده سلطات ما، والتي تتقطع خيوطها حين تنقضي سلطته، ونجد مثالاً لها بمجموعة المنتفعين التي تلتصق بأصحاب المناصب. والثاني يتمثل في العصبيات التقليدية التي لها وجود سابق على الدولة، مثل القبائل والعشائر والعائلات والأسر الممتدة .. إلخ، والتي من الممكن أن تلعب أدواراً سياسية أو حتى تدير دفة الحكم، حسب النمط الخلدوني في العصبية. أما الثالث فهو المجموعات المتضامنة الحديثة، التي ليس لها وجود سابق على الدولة، والتي توجدها المنافع والحماية المتبادلة للمحسوبيات وزواج الأقارب و(الشلل) الحاكمة التي تدير الدولة لمصلحتها وحدها، بطريقة تشبه النموذج المملوكي أو تحاكيه.
وبالطبع فإن (العصبيات الحديثة) تختلف عن التحالفات الاجتماعية التي تتبع منطق المساومة، وتنشأ إثر ترابط المصالح أو توافق الأيديولوجيات والميول السياسية، والتي تعد إحدى سمات الديمقراطية. وهذه التحالفات تعني اتفاق مجموعة من الأفراد على مواصلة السعي إلى تحقيق أهداف مشتركة، واستخدام المصادر المتاحة لديهم من أجل بلوغ هذه الأهداف، ووجود ترابط بينهم من خلال الإجراءات الرامية إلى تنفيذ ما يحقق تلك الأهداف، ثم الاتفاق على توزيع ما ينجم عن هذه الإجراءات من عوائد. وتظهر مثل هذه التحالفات أثناء عملية تشكيل الحكومة، التي تكون مهمتها تنفيذ البرنامج الانتخابي للمرشحين الفائزين. ولهذا النوع من التحالفات عيوبه التي لا يمكن غض الطرف عنها، والتي تسعى الديمقراطيات الحديثة إلى التخلص من بعضها، لكن هذه العيوب أقل سوءاً، بالنسبة للديمقراطية، من تلك التي تترتب على ممارسات العصبيات الحديثة، التي تسد المنافذ أمام قيام نظام حكم ديمقراطي.
إن هذه الأنواع من العصبيات تمنع ترجمة التحرر الاقتصادي إلى انفتاح سياسي لأنها تقضي على مبدأ الفرص السياسية المتكافئة، القائم على انتشار واسع النطاق أو متعدد للثروة الاقتصادية، وفي الوقت ذاته تستخدم أدوات الإكراه المادي والمعنوي على نطاق واسع في سبيل قهر الجماعات التي من الممكن أن تنافسها على السلطة أو حركة الجماهير المطالبة بالتغيير الديمقراطي.
كما أن القائمين على التحرر الاقتصادي، في ظل هذه العصبيات، لا ينتجون تنمية، فهم (تخصيصيون غير تنمويين)، إذا صح التعبير، همهم الأساسي هو جمع الثروات، وهذا يتطلب البحث عن المشروعات التي تحقق ربحاً سريعاً، وهنا تطل ملامح المجتمع الاستهلاكي برأسها. وقد يعتقد البعض أن البدء بمشروعات استهلاكية قد ينتهي بتنمية حال اتباع خط مستقيم في تعميق التصنيع. لكن هؤلاء (التخصيصيين) لا يعمقون صناعة، إذ إنهم يتحولون قبل بلوغ هذه المرحلة الصناعية بكثير إلى مستوردين كبار للآلات والمعدات التي يدشنون بها مصانعهم، أو يصبحون وكلاء تجاريين لشركات كبرى، تجعل منهم موزعين أكثر من كونهم منتجين حقيقيين. وعدم إنتاج التخصيصية للتنمية يعني تضاؤل فرص التحول الديمقراطي، من منطلق الدور الذي تلعبه التنمية في هذا الشأن، والذي سبق تناوله.
وهناك أكثر من نموذج يوضح الصور التي تتخذها هذه العصبيات الحديثة أو التحالفات الاجتماعية المشبوهة، أول نموذج يتمثل في (تحالف البيروقراطية والعسكر والرأسماليين الجدد). وفي ظل هذا الوضع تولد طبقة من المستثمرين الصناعيين أو التجار الكبار يمالئون السلطة مقابل أن تتولى حمايتهم وسن القوانين واتخاذ الإجراءات التي تحقق المنافع المتبادلة للطرفين. ويأخذ هذا التحالف على عاتقه القيام بتحرر اقتصادي تدريجي لا يؤدي إلى هزة اجتماعية ولا يفقد الدولة أدواتها التقليدية في السيطرة على الأوضاع. ويمكن أن نطلق على النموذج الثاني اسم (التسلط المركزي)، إذ إننا في هذه الحالة نكون بصدد نظام حاكم يحتكر الثروة تماماً، ويوزعها كيفما يشاء، بما يجلب له الخنوع التام من المواطنين، الذين يتحولون إلى مجرد رعايا. وإذا ما أقدم هذا النظام على تحرر اقتصادي فإن ذلك يكون في دائرة ضيقة من المنتفعين الموالين للسلطة تماماً أو من بين رجالها، بحيث يستفيد البعض مالياً من التحرر الاقتصادي، الذي يكون تدريجياً بالطبع من دون تخفيف قبضة الحكم، لأن خطوة من هذا القبيل قد تقلل حجم هذه الاستفادة أو تجهز عليها.
أما النموذج الثالث فيتمثل في (الثالوث القابض)، وهنا تصبح السلطة السياسية بيد تحالف ثلاثي هو المؤسسة العسكرية والحزب الحاكم وبيروقراطية الدولة. وتكون هذه الفئات هي المستفيدة من التحرر الاقتصادي من دون أن تسمح بأن يتفاعل اجتماعياً بما يزيح التسلط ولو بقدر قليل. وحين يظهر أي تيار يهدد هذا الثالوث يكون مصيره القمع الشديد والإقصاء.
ويتركز النموذج الرابع في (وكلاء العولمة الاقتصادية)، ويكمن هذا النموذج في وجود وكلاء تجاريين محليين للشركات الدولية عابرة القوميات والشركات الأجنبية الأخرى ووكلاء للاستيراد، يدافعون عن الانفتاح الاقتصادي، ويجذبون إليهم تباعاً عناصر من النخبة السياسية بحيث تتحول هي الأخرى إلى الوكالة. ويستخدم الجميع القانون والجيش والشرطة في حماية تحالفهم وعلاقاتهم، من دون أن يقدموا على فتح المجال أمام الديمقراطية. وإذا كان هناك تصور بأن فتح الأسواق وزيادة معدلات التمويل والنشاط المستمر لحركة التجارة سيفكك بعض المسائل الخاصة بتسلطية الدولة بما يمهد الطريق إلى الديمقراطية، فإن (الوكلاء التجاريين) باستطاعتهم أن يفرغوا هذا التصور من مضمونه، بحيث يحافظون على ليبرالية اقتصادية دون ليبرالية سياسية، لأن الاثنتين في النهاية تتضافران داخل دائرة اجتماعية ضيقة للغاية.
وتحتاج هذه العصبيات الحديثة إلى (جهاز إعلامي) يروج لتوجهاتها ويبرر سلوكها، ويشكل همزة وصل بينها وبين (العقل الجمعي)، بما يضمن إما تزييف وعيه أو قهره. وهنا يأتي دور بعض المثقفين، الذين يدخلون في علاقات مشبوهة مع السلطة، ويتخلون عن دورهم الحقيقي المرتبط بنقد التسلط والفساد السياسي والاقتصادي والاجتماعي وتنوير الجماهير، وذلك في سعي دائب نحو الأفضل دائماً، وعلى مختلف الصعد.
إن هذه التحالفات، على مختلف أنماطها، يمكنها أن تنتج العديد من المفارقات منها تلك التي تخص العلاقة بين التحرر الاقتصادي والديمقراطية، بحيث لا يبدو التحرر الاقتصادي في حد ذاته كافيا للأخذ بيد المجتمعات التسلطية إلى نظم حكم ديمقراطية، إذ إن العدالة بمختلف أوجهها، القانونية والاجتماعية والسياسية، تغيب لصالح فئات بعينها، وحين تعطل العدالة أو تموت نكون بصدد مجتمع يستمرئ التسلط أو لا يستطيع الفكاك منه إلا بمعجزة.
إن هذا التحرر لا يعني بالضرورة تكافؤ الفرص الاقتصادية للجميع، بل على العكس من ذلك كثيرا ما يؤدي عبر قنوات الفساد إلى احتكار المنافذ والقدرات الاقتصادية، ما يعني التحكم بأدوات وأشكال الممارسة السياسية. وحتى ينعكس تكافؤ الفرص الاقتصادية على الأداء السياسي، بحيث ينتج سياسات ديمقراطية، فلا بد من عدم احتكار أدوات القهر والإكراه وحياد الجهات المنوط بها ممارسة الضبط الاجتماعي أو تلك القادرة على إجبار أي طرف سياسي على (الإذعان مثل المؤسسة العسكرية في بعض الدول)، بحيث لا تكون تحت إمرة فئة بعينها، لأنها في هذه الحالة تحول دون ترجمة التنوع الاقتصادي إلى تعدد سياسي.
::/fulltext::
::cck::2873::/cck::
