المشهد الانتخابي اليمني
::cck::2872::/cck::
::introtext::
هل تشكل الانتخابات نموذجاً لاكتساب وعي ديمقراطي وحقوقي جديد؟ للإجابة عن هذا السؤال يمكن القول إن الانتخابات الرئاسية التي شهدها اليمن تشكل تحولاً جديداً في وعي الأفراد والجماعات وممارساتهم السياسية علاوة على كونها خطوة جريئة من حيث إن تاريخ المجتمع لم يعرف التداول السلمي للسلطة. فالثابت تاريخياً هو الصراع والعنف والوصول إلى السلطة وفق مبدأ (الإمارة بالتغلب) بل إن ذلك هو الوضع العام في المجتمع العربي كله وليس في المجتمع اليمني فقط.
::/introtext::
::fulltext::
هل تشكل الانتخابات نموذجاً لاكتساب وعي ديمقراطي وحقوقي جديد؟ للإجابة عن هذا السؤال يمكن القول إن الانتخابات الرئاسية التي شهدها اليمن تشكل تحولاً جديداً في وعي الأفراد والجماعات وممارساتهم السياسية علاوة على كونها خطوة جريئة من حيث إن تاريخ المجتمع لم يعرف التداول السلمي للسلطة. فالثابت تاريخياً هو الصراع والعنف والوصول إلى السلطة وفق مبدأ (الإمارة بالتغلب) بل إن ذلك هو الوضع العام في المجتمع العربي كله وليس في المجتمع اليمني فقط.
الثابت تاريخياً أننا معشر العرب لم نمارس الديمقراطية ولم نتعود عليها ولم نستوعب ثقافتها، فقد تميز وضع الدولة في المجتمع اليمني – والعربي – في الماضي كما في الحاضر بنفي الشراكة في السلطة ومن هنا نشأت لدينا حواجز عديدة تعوق بناء وممارسة الديمقراطية. ومن هنا أيضاً ندرك أهمية المقولة التاريخية للشهرستاني (إنه ما استل سيف في الإسلام كما استل على الإمامة)، فقد ظهرت ملامح العنف حول السلطة منذ حادثة (السقيفة) وبرزت حدته مع حكم الخليفة الثالث والرابع وأصبح جزءاً من طبيعة السلطة وآلياتها منذ تأسيس الدولة الأموية حتى اليوم.
ولعل أهم إشكالية تواجهها الدولة اليمنية الراهنة هي مشكلة السلطة، أي كيفية الولوج إليها ووفق أي شروط ومدى سقفها الزمني وكيفية التناوب والتداول للسلطة بالطرق السلمية وهي العملية التي تستنزف معظم الموارد بكل تنوعها، إضافة إلى ما تولده من أزمات متعددة ومتنوعة في مختلف المجالات، الأمر الذي يضعف عملية البناء والتجديد الحضاري مقابل تأبيد واقع التخلف والعجز الإنمائي.
وقد شهد المجتمع اليمني المعاصر صراعاً عنيفاً على السلطة منذ إعلان الثورة عام 1962 في الشمال وكذلك عام 1967 في الجنوب، فكلتا النخبتين اللتين تسلمتا السلطة بعد قيام الثورة نشأ بين أفرادهما صراع على عملية توزيع المناصب السياسية وعلى تحديد التوجهات السياسية والاجتماعية، الأمر الذي جعل كل فريق يخلق له تكتلاً جبهوياً من أجل دعمه في تغليب رؤيته وتحقيق مصالحه، ولذلك عرف اليمن انقلابات متعددة في الشمال والجنوب وحتى في دولة الوحدة التي جاءت في إطار حوار سلمي لم يتسن لها أن تستقر حتى تخاصم الطرفان اللذان أعلنا الوحدة وتطور ذلك إلى المواجهة العسكرية في حرب أهلية استمرت سبعين يوماً.
وفي هذا السياق تبرز أهمية الانتخابات الرئاسية في اليمن ليس من منطلق ما تحققه من تداول في السلطة، فذلك أمر بعيد المنال حالياً، ولكن من منطلق أنها طرحت لأول مرة رسمياً الدعوة إلى الشعب في حقه السياسي والقانوني أن ينتخب حكامه وهذه عملية بالغة الأهمية في مجتمع تقليدي كاليمن، حيث تتوجه السلطة ذاتها بالاعتراف بأن من حقوق المواطنة المدنية والسياسية انتخاب الحكام، وهذا الأمر يحدث تجديدا في وعي الأفراد والجماعات ويؤسس لثقافة سياسية جديدة تتطلب من المثقفين والمتخصصين أن يعملوا على تعزيز ذلك التحول الديمقراطي ونشر كل مفرداته الثقافية التي تنمي في الأفراد وعياً حقوقياً وسياسياً جديداً من شأنه أن يولد ممارسات ونشاطات عملية تتمسك بتلك الحقوق وتوسع من مجالاتها ومن فضاءتها.
إن أهم ما في الديمقراطية أن الحاكم يأتي من خلال أصوات المواطنين، وأن أفراد المجتمع هم الذين يمنحونه المشروعية. ومن هنا يمكن القول إن الانتخابات في اليمن تخلق وعياً جديداً (ببطء شديد) يعبر عن إعادة الحق الطبيعي لهم باختيار الحكام، وينفي ذلك الاعتقاد الثقافي والسياسي الذي تشكل تاريخياً حول إهمال حق المجتمع في اختيار حكامه، وأن عليهم الطاعة فقط لمن استطاع الوصول إلى السلطة أياً كانت وسائله في ذلك. خاصة أن الثقافة التقليدية المضادة لحق الشعوب في اختيار حكامهم تم إنتاجها خصيصاً كأيديولوجيا من أجل إضفاء المشروعية على الحكام ودعمها بالأسانيد الدينية التي تم تخليقها وانتقاؤها لتخدم أهدافاً سياسية وتترسخ في الوعي الشعبي الذي يضيف إليها عدداً من المقولات والأمثال، وتتم إعادة إنتاجها رسمياً وشعبياً حتى يعتقد الناس تماما أنه لا يمكن الخروج أو تغيير ذلك الموروث الثقافي. وهنا تبرز المهمة الكبيرة أمام المثفف اليمني ومؤسسات المجتمع المدني وهي مهمة التأسيس الثقافي لمفهوم الديمقراطية في الوعي الفردي والجمعي حتى يتحقق الانتشار العام داخل المجتمع لثقافة سياسية حديثة تخلق وعياً وممارسة وقيماً وتصورات واتجاهات تدعم عمليات التحديث بكل مجالاتها اجتماعياً واقتصادياً وسياسياً.
وفي هذا السياق يمكن القول إن المجتمع اليمني المعاصر يمر بمرحلة انتقالية نحو عالم الحداثة سياسياً واقتصادياً واجتماعياً، وهي مرحلة مهمة لابد من تجاوزها بنجاح، وتكمن أهمية هذه المرحلة في أنها تؤسس وتضع القواعد والمرتكزات للمستقبل، فهي تهيئ الأفراد والجماعات ثقافياً وسيكولوجياً، وتضع الأسس اللازمة للولوج إلى عالم الحداثة والتطور خاصة أننا نشهد بداية الألفية الثالثة التي تتسم بتزايد سرعة التغير والتحول في مختلف مجالات الحياة.
صفوة القول إن المنطلق الوطني لاهتمام الفرد بشؤون بلاده يجعله يحس بالقلق الشديد لواقع الدولة والمجتمع في عالم متغير. هذا الاهتمام لا يعكس الرغبة في توجيه نقد للنظام بقدر ما يعني رغبة الفرد وطموحه وتمنيه أن تكون بلاده متجهة إلى مسار التقدم والتطور، أي أن تكون ضمن الدول المتطورة والمتحضرة التي تحترم مواطنيها وتحمي حقوقهم وكرامتهم، مما يعمق من الولاء الوطني ويخلق دوافع قوية لدى كل مواطن للمشاركة والإسهام الفاعل في مختلف عمليات التنمية والبناء. وفي هذا السياق يمكن القول إن الانتخابات الرئاسية في اليمن لا ننظر إليها كعملية في التداول والتناوب بل في قبول المبدأ ذاته الذي كان محل رفض في السنوات السابقة.
إن بداية الحملة الانتخابية تعكس تزايداً في النشاط الحزبي والفعاليات السياسية المختلفة فالأحزاب اليمنية يتصف نشاطها بالجمود والرتابة طوال العام، ولا تبرز فعالياتها إلا في المواسم الانتخابية. فالانتخابات تعد من أهم فرص التنشيط الكلي للأحزاب ومختلف التنظيمات المدنية والسياسية، حيث تتطلب من كل حزب رفع جاهزيته وتفعيل نشاط كل أعضائه. ولعل الأمر المهم هنا أن التصعيد السياسي والحزبي قادته أحزاب (اللقاء المشترك) بإصرارها على منازلة الحزب الحاكم وتحديه، الأمر الذي ولد مزيداً من التخوف والهواجس لدى (المؤتمر الشعبي) والرئيس بشكل خاص، فهذا الأخير يدرك مدى الضعف الكبير في حزبه. فالمؤتمر عبارة عن تنظيم فضفاض أهم علاماته المائزة ضعف فاعليته وقدراته وكفاءته مما يجعله باستمرار معتمداً على الجهاز الإداري للدولة ومؤسساتها الأمنية.
والجدير بالذكر أن الالتزام بإجراء الانتخابات في موعدها المحدد يعبر إيجابياً عن الرغبة في استمرار المسار الديمقراطي المعلن منذ مايو 1990، وأن تزايد حجم الناخبين يعكس رغبتهم في ممارسة حق من حقوق المواطنة من أجل التأثير في أهم دوائر صنع السياسات العامة.
ولما كنا نعيش في عصر العولمة بكل ما تفرزه من متغيرات متعددة ومتنوعة لا يمكن الانعزال عنها فإن الانتخابات الرئاسية في اليمن ليست بمنأى عن المتغيرات الدولية خاصة بعد أحداث 11 سبتمبر وإعلان الحرب على الإرهاب، فقد حاولت القوى السياسية الفاعلة في السلطة والمعارضة الاستفادة من إيجابيات المتغيرات السياسية الدولية وتجنب سلبياتها قدر الإمكان، وهنا اتجه الحزب الحاكم إلى الاستفادة القصوى من الأجندة الأمريكية، وتقبل بعض مفرداتها، حيث صرح الرئيس اليمني أكثر من مرة بأن اليمن شريك لأمريكا في الحرب على الإرهاب. وهنا نجد تفسير اهتمام (حزب الإصلاح) بتجمع اللقاء المشترك وبروزه كأهم أقطابه وأكثر المستفيدين منه، وهو بتواجده ضمن هذا التجمع أراد إبعاد الشبهة عنه بالتطرف والإرهاب، وهو بذلك أيضاً يقدم مؤشرات ودلالات رمزية إلى من يهمه الأمر في الداخل والخارج.
إن التكتلات الحزبية التي ظهرت في اليمن تشكلت وفق معطيات الصراع السياسي واللعبة السياسية التي ارتبطت بالعمليات الانتخابية، إضافة إلى كونها تكتيكات سياسية تستخدمها الأحزاب كآليات عملية تعكس مدى تخوف أحزاب المعارضة من المواجهة المنفردة تجاه الحزب الحاكم، الذي بدوره عمل ويعمل بشكل مستمر على إيجاد تكتلات علنية أو غير علنية منها المجلس الوطني للمعارضة (يطلق عليه في الشارع اليمني معارضة المعارضة) والذي يتألف من ستة أحزاب تتصف بغياب فاعليتها وضعف قواعدها الاجتماعية وليس لها حضور مجتمعي إلا من خلال مطبوعاتها الصحفية التي تصدر بشكل شبه منتظم في أغلب الأحيان.
::/fulltext::
|
Getting your Trinity Audio player ready...
|
::cck::2872::/cck::
::introtext::
هل تشكل الانتخابات نموذجاً لاكتساب وعي ديمقراطي وحقوقي جديد؟ للإجابة عن هذا السؤال يمكن القول إن الانتخابات الرئاسية التي شهدها اليمن تشكل تحولاً جديداً في وعي الأفراد والجماعات وممارساتهم السياسية علاوة على كونها خطوة جريئة من حيث إن تاريخ المجتمع لم يعرف التداول السلمي للسلطة. فالثابت تاريخياً هو الصراع والعنف والوصول إلى السلطة وفق مبدأ (الإمارة بالتغلب) بل إن ذلك هو الوضع العام في المجتمع العربي كله وليس في المجتمع اليمني فقط.
::/introtext::
::fulltext::
هل تشكل الانتخابات نموذجاً لاكتساب وعي ديمقراطي وحقوقي جديد؟ للإجابة عن هذا السؤال يمكن القول إن الانتخابات الرئاسية التي شهدها اليمن تشكل تحولاً جديداً في وعي الأفراد والجماعات وممارساتهم السياسية علاوة على كونها خطوة جريئة من حيث إن تاريخ المجتمع لم يعرف التداول السلمي للسلطة. فالثابت تاريخياً هو الصراع والعنف والوصول إلى السلطة وفق مبدأ (الإمارة بالتغلب) بل إن ذلك هو الوضع العام في المجتمع العربي كله وليس في المجتمع اليمني فقط.
الثابت تاريخياً أننا معشر العرب لم نمارس الديمقراطية ولم نتعود عليها ولم نستوعب ثقافتها، فقد تميز وضع الدولة في المجتمع اليمني – والعربي – في الماضي كما في الحاضر بنفي الشراكة في السلطة ومن هنا نشأت لدينا حواجز عديدة تعوق بناء وممارسة الديمقراطية. ومن هنا أيضاً ندرك أهمية المقولة التاريخية للشهرستاني (إنه ما استل سيف في الإسلام كما استل على الإمامة)، فقد ظهرت ملامح العنف حول السلطة منذ حادثة (السقيفة) وبرزت حدته مع حكم الخليفة الثالث والرابع وأصبح جزءاً من طبيعة السلطة وآلياتها منذ تأسيس الدولة الأموية حتى اليوم.
ولعل أهم إشكالية تواجهها الدولة اليمنية الراهنة هي مشكلة السلطة، أي كيفية الولوج إليها ووفق أي شروط ومدى سقفها الزمني وكيفية التناوب والتداول للسلطة بالطرق السلمية وهي العملية التي تستنزف معظم الموارد بكل تنوعها، إضافة إلى ما تولده من أزمات متعددة ومتنوعة في مختلف المجالات، الأمر الذي يضعف عملية البناء والتجديد الحضاري مقابل تأبيد واقع التخلف والعجز الإنمائي.
وقد شهد المجتمع اليمني المعاصر صراعاً عنيفاً على السلطة منذ إعلان الثورة عام 1962 في الشمال وكذلك عام 1967 في الجنوب، فكلتا النخبتين اللتين تسلمتا السلطة بعد قيام الثورة نشأ بين أفرادهما صراع على عملية توزيع المناصب السياسية وعلى تحديد التوجهات السياسية والاجتماعية، الأمر الذي جعل كل فريق يخلق له تكتلاً جبهوياً من أجل دعمه في تغليب رؤيته وتحقيق مصالحه، ولذلك عرف اليمن انقلابات متعددة في الشمال والجنوب وحتى في دولة الوحدة التي جاءت في إطار حوار سلمي لم يتسن لها أن تستقر حتى تخاصم الطرفان اللذان أعلنا الوحدة وتطور ذلك إلى المواجهة العسكرية في حرب أهلية استمرت سبعين يوماً.
وفي هذا السياق تبرز أهمية الانتخابات الرئاسية في اليمن ليس من منطلق ما تحققه من تداول في السلطة، فذلك أمر بعيد المنال حالياً، ولكن من منطلق أنها طرحت لأول مرة رسمياً الدعوة إلى الشعب في حقه السياسي والقانوني أن ينتخب حكامه وهذه عملية بالغة الأهمية في مجتمع تقليدي كاليمن، حيث تتوجه السلطة ذاتها بالاعتراف بأن من حقوق المواطنة المدنية والسياسية انتخاب الحكام، وهذا الأمر يحدث تجديدا في وعي الأفراد والجماعات ويؤسس لثقافة سياسية جديدة تتطلب من المثقفين والمتخصصين أن يعملوا على تعزيز ذلك التحول الديمقراطي ونشر كل مفرداته الثقافية التي تنمي في الأفراد وعياً حقوقياً وسياسياً جديداً من شأنه أن يولد ممارسات ونشاطات عملية تتمسك بتلك الحقوق وتوسع من مجالاتها ومن فضاءتها.
إن أهم ما في الديمقراطية أن الحاكم يأتي من خلال أصوات المواطنين، وأن أفراد المجتمع هم الذين يمنحونه المشروعية. ومن هنا يمكن القول إن الانتخابات في اليمن تخلق وعياً جديداً (ببطء شديد) يعبر عن إعادة الحق الطبيعي لهم باختيار الحكام، وينفي ذلك الاعتقاد الثقافي والسياسي الذي تشكل تاريخياً حول إهمال حق المجتمع في اختيار حكامه، وأن عليهم الطاعة فقط لمن استطاع الوصول إلى السلطة أياً كانت وسائله في ذلك. خاصة أن الثقافة التقليدية المضادة لحق الشعوب في اختيار حكامهم تم إنتاجها خصيصاً كأيديولوجيا من أجل إضفاء المشروعية على الحكام ودعمها بالأسانيد الدينية التي تم تخليقها وانتقاؤها لتخدم أهدافاً سياسية وتترسخ في الوعي الشعبي الذي يضيف إليها عدداً من المقولات والأمثال، وتتم إعادة إنتاجها رسمياً وشعبياً حتى يعتقد الناس تماما أنه لا يمكن الخروج أو تغيير ذلك الموروث الثقافي. وهنا تبرز المهمة الكبيرة أمام المثفف اليمني ومؤسسات المجتمع المدني وهي مهمة التأسيس الثقافي لمفهوم الديمقراطية في الوعي الفردي والجمعي حتى يتحقق الانتشار العام داخل المجتمع لثقافة سياسية حديثة تخلق وعياً وممارسة وقيماً وتصورات واتجاهات تدعم عمليات التحديث بكل مجالاتها اجتماعياً واقتصادياً وسياسياً.
وفي هذا السياق يمكن القول إن المجتمع اليمني المعاصر يمر بمرحلة انتقالية نحو عالم الحداثة سياسياً واقتصادياً واجتماعياً، وهي مرحلة مهمة لابد من تجاوزها بنجاح، وتكمن أهمية هذه المرحلة في أنها تؤسس وتضع القواعد والمرتكزات للمستقبل، فهي تهيئ الأفراد والجماعات ثقافياً وسيكولوجياً، وتضع الأسس اللازمة للولوج إلى عالم الحداثة والتطور خاصة أننا نشهد بداية الألفية الثالثة التي تتسم بتزايد سرعة التغير والتحول في مختلف مجالات الحياة.
صفوة القول إن المنطلق الوطني لاهتمام الفرد بشؤون بلاده يجعله يحس بالقلق الشديد لواقع الدولة والمجتمع في عالم متغير. هذا الاهتمام لا يعكس الرغبة في توجيه نقد للنظام بقدر ما يعني رغبة الفرد وطموحه وتمنيه أن تكون بلاده متجهة إلى مسار التقدم والتطور، أي أن تكون ضمن الدول المتطورة والمتحضرة التي تحترم مواطنيها وتحمي حقوقهم وكرامتهم، مما يعمق من الولاء الوطني ويخلق دوافع قوية لدى كل مواطن للمشاركة والإسهام الفاعل في مختلف عمليات التنمية والبناء. وفي هذا السياق يمكن القول إن الانتخابات الرئاسية في اليمن لا ننظر إليها كعملية في التداول والتناوب بل في قبول المبدأ ذاته الذي كان محل رفض في السنوات السابقة.
إن بداية الحملة الانتخابية تعكس تزايداً في النشاط الحزبي والفعاليات السياسية المختلفة فالأحزاب اليمنية يتصف نشاطها بالجمود والرتابة طوال العام، ولا تبرز فعالياتها إلا في المواسم الانتخابية. فالانتخابات تعد من أهم فرص التنشيط الكلي للأحزاب ومختلف التنظيمات المدنية والسياسية، حيث تتطلب من كل حزب رفع جاهزيته وتفعيل نشاط كل أعضائه. ولعل الأمر المهم هنا أن التصعيد السياسي والحزبي قادته أحزاب (اللقاء المشترك) بإصرارها على منازلة الحزب الحاكم وتحديه، الأمر الذي ولد مزيداً من التخوف والهواجس لدى (المؤتمر الشعبي) والرئيس بشكل خاص، فهذا الأخير يدرك مدى الضعف الكبير في حزبه. فالمؤتمر عبارة عن تنظيم فضفاض أهم علاماته المائزة ضعف فاعليته وقدراته وكفاءته مما يجعله باستمرار معتمداً على الجهاز الإداري للدولة ومؤسساتها الأمنية.
والجدير بالذكر أن الالتزام بإجراء الانتخابات في موعدها المحدد يعبر إيجابياً عن الرغبة في استمرار المسار الديمقراطي المعلن منذ مايو 1990، وأن تزايد حجم الناخبين يعكس رغبتهم في ممارسة حق من حقوق المواطنة من أجل التأثير في أهم دوائر صنع السياسات العامة.
ولما كنا نعيش في عصر العولمة بكل ما تفرزه من متغيرات متعددة ومتنوعة لا يمكن الانعزال عنها فإن الانتخابات الرئاسية في اليمن ليست بمنأى عن المتغيرات الدولية خاصة بعد أحداث 11 سبتمبر وإعلان الحرب على الإرهاب، فقد حاولت القوى السياسية الفاعلة في السلطة والمعارضة الاستفادة من إيجابيات المتغيرات السياسية الدولية وتجنب سلبياتها قدر الإمكان، وهنا اتجه الحزب الحاكم إلى الاستفادة القصوى من الأجندة الأمريكية، وتقبل بعض مفرداتها، حيث صرح الرئيس اليمني أكثر من مرة بأن اليمن شريك لأمريكا في الحرب على الإرهاب. وهنا نجد تفسير اهتمام (حزب الإصلاح) بتجمع اللقاء المشترك وبروزه كأهم أقطابه وأكثر المستفيدين منه، وهو بتواجده ضمن هذا التجمع أراد إبعاد الشبهة عنه بالتطرف والإرهاب، وهو بذلك أيضاً يقدم مؤشرات ودلالات رمزية إلى من يهمه الأمر في الداخل والخارج.
إن التكتلات الحزبية التي ظهرت في اليمن تشكلت وفق معطيات الصراع السياسي واللعبة السياسية التي ارتبطت بالعمليات الانتخابية، إضافة إلى كونها تكتيكات سياسية تستخدمها الأحزاب كآليات عملية تعكس مدى تخوف أحزاب المعارضة من المواجهة المنفردة تجاه الحزب الحاكم، الذي بدوره عمل ويعمل بشكل مستمر على إيجاد تكتلات علنية أو غير علنية منها المجلس الوطني للمعارضة (يطلق عليه في الشارع اليمني معارضة المعارضة) والذي يتألف من ستة أحزاب تتصف بغياب فاعليتها وضعف قواعدها الاجتماعية وليس لها حضور مجتمعي إلا من خلال مطبوعاتها الصحفية التي تصدر بشكل شبه منتظم في أغلب الأحيان.
::/fulltext::
::cck::2872::/cck::
