إيران.. هل هي جزء من حل أَم أن الأزمة مستعصية في العراق؟

::cck::2875::/cck::
::introtext::

لماذا لم تتفق واشنطن وطهران حتى الآن بشأن العراق؟
في كل مرة، يجد الرئيس الأمريكي جورج بوش حبل العراق يلتَف حوله ليخنقه، يتجه صوب إيران، فيثير نقاشاً وسجالات داخل بلاده وخارجها حول أهمية التحاور مع طهران حول العراقلماذا لم تتفق واشنطن وطهران حتى الآن بشأن العراق؟

::/introtext::
::fulltext::

لماذا لم تتفق واشنطن وطهران حتى الآن بشأن العراق؟
في كل مرة، يجد الرئيس الأمريكي جورج بوش حبل العراق يلتَف حوله ليخنقه، يتجه صوب إيران، فيثير نقاشاً وسجالات داخل بلاده وخارجها حول أهمية التحاور مع طهران حول العراق.
وفي كل مرة، يكاد الطرفان يجلسان وجهاً لوجه على طاولة واحدة، إلا أنهما يتباعدان أكثر، ويظل مثل هذا الحوار مفقوداً في ضوء رغبة أمريكية بأن يقتصر الحوار مع طهران على دورها في إنهاء العنف في العراق، وإصرار إيران على أن الحل في العراق يجب أن يمر من بوابة ملفها النووي، وربما أيضاً عبر (بوابة فاطمة) بين إسرائيل ولبنان، حيث حزب الله وصراعه المفتوح هناك.
إن ما يشهده العراق من تطورات مثيرة، يؤكد بما لا يدع مجالا للشك أن إرادات عدة، أبرزها إيران والولايات المتحدة، تتصارع هذه الأيام في العراق كما في لبنان.
ففي العراق، تعمل إسرائيل وجميع الدول الإقليمية، وينشط (في البصرة وحدها) أكثر من 18 جهاز مخابرات، إقليمي ودولي، إلا أن الحديث يركز فقط على إيران، ليس لأنها بالفعل ناشطة في العراق لجوارها الجغرافي وصلة التاريخ والمذهب الموغلة في الزمن البعيد وحسب، بل لأن جهات دولية عديدة تريد – مثلما يؤكد مراقبون – إبراز هذا النشاط (وهو كبير جداً) ومنحه أكثر من حجمه الطبيعي في مخطط يرمي، حسبما يبدو، إلى إثارة صراع نفوذ حقيقي بين إيران ودول المنطقة المجاورة للعراق (إضافة إلى مصر) وإذكاء العداوة بين العرب وإيران، لم تفلح حرب طاحنة استمرت ثمانية أعوام (1980-1988) في زرع كراهية دائمة بينهما خصوصا بين الشيعة وإيران.
صحيح أن الشيعة العراقيين، الذين نصروا الثورة الإسلامية في إيران، ولجأوا إلى جمهوريتها الإسلامية الفتية، وقاتل عدد كبير منهم في الجبهتين مع إيران وضدها، لم يعودوا إلى بلادهم سفراء لنهج ولاية الفقيه وحاكمية الدولة الإسلامية القائمة على سلطة بمرجعية إيرانية لسبب بسيط، هو أن إيران لم تتعامل مع العراقيين، حتى أنصارها، إلا بسياسة التجويع والترهيب والتخويف، وكانت تزج بمن تشك بولائه لها في المعتقلات، بل ضيقت عليهم الخناق وسمتهم بـ (الطفيليين)، وأجبرت الآلاف منهم على ركوب المخاطر، ليصبح الكثير منهم طعاماً شهياً لأسماك القرش، عندما كانوا يحاولون التخلص من ظلم ذوي القربى بحثاً عن الرزق والأمان في (بلاد الكفر).
وما لا يعرفه الكثيرون عن إيران الجمهورية الإسلامية، أنها اضطهدت الشيعة العراقيين الذين لجأوا لها، واستخدمتهم ورقة في بازارها السياسي الإقليمي والدولي، وأن عراق صدام اضطهد العراقيين الشيعة وكان يشك بولائهم للوطن، حتى وهو يزج بهم في حربه، التي يراد لها – حسبما يبدو – أن تندلع من جديد بين الجمهورية الإسلامية والعراق الجديد.
وقد يبدو طبيعياً أن تبحث إيران عن موطئ قدم لها في عراق ما بعد صدام، في ظل دور عربي غير متكامل، لأن إيران تضررت كثيراً من الحرب المجنونة التي شنها رئيس النظام السابق عليها (قدرت لجنة تابعة للأمم المتحدة الخسائر التي تكبدتها بنحو 100 مليار دولار)، التي أوجدت حالات من الاستقطاب الإقليمي أو الدولي، وتسببت في اندلاع حرب أخرى باحتلال العراق للكويت.
وإيران، كبقية الدول المجاورة، تبحث عن مصالحها، وتعتقد أن عليها الاهتمام بما يجري في العراق على قاعدة دفع الضرر، ومنع تحول العراق الجديد إلى قاعدة انطلاق في حرب قادمة ضدها، وتشير مؤشرات عدة إلى أن الولايات المتحدة تخطط لها.
ويستطيع أي مراقب أن يؤكد بالأرقام، أن ما يقال عن دور إيراني في العراق مبالغ فيه كثيراً، وأنه جزء من الدعاية المضادة المدروسة والمخطط لها من قبل أجهزة مخابرات دول منافسة، خصوصا ما يتعلق الأمر منه بالتفجيرات التي تستهدف أبرياء ومدنيين من العراقيين، لأنه من غير المعقول أن تعمل إيران على إضعاف حلفائها الممسكين بزمام السلطة (العراقية).
ومعروف أن تصريحات المسؤولين الأمريكيين، ومنهم بالطبع وزير الدفاع المستقيل دونالد رامسفيلد، تكشف باستمرار عن تناقض كبير بشأن طبيعة التدخل الإيراني بين ما هو عسكري مباشر وسياسي أو مخابراتي.
تأييد إيراني لإفشال المشروع الأمريكي في العراق

وما من شك، فإن الولايات المتحدة لم تكن بعيدة (على الأقل بُعيد سقوط نظام صدام)، عن التمدد السياسي والمخابراتي الإيراني في العراق، خصوصاً أن زعماء المعارضة العراقية (الحكام الجدد) انخرطوا في المشروع الأمريكي، عندما كانوا في طهران، وكان زعماء المعارضة (آنذاك) ممن اختاروا إيران مقراً لإقامتهم أو لا، يعبرون الأراضي الإيرانية بإشراف المخابرات ومقر (نصر)، الذي كان العميد رضا سيف اللهي يقوده نحو مصيف صلاح الدين في كردستان العراق، حيث عقد الاجتماع الأخير للمعارضة قبل غزو العراق عسكرياً.وفي الوقت الذي كانت فيه القوات الأمريكية والبريطانية تراقب مناطق الحدود مع إيران وتغض الطرف عن تمدد الأخيرة السياسي والاستخباراتي، كانت تلك القوات تنظر بعين الرضا لتسلل المقاتلين العرب من دول جوار أخرى، لتنشطر (أنيميا) في كل أنحاء العراق.
آلاف البعثيين ومعهم رؤوس أموال ضخمة انتقلوا على مرأى ومسمع من قوات الاحتلال إلى دول مجاورة خارج العراق، لتشكل قاعدة مالية وإعلامية وسياسية، تدعم علانية (التمرد) الذي تتحمل هذه القوات مسؤولية اندلاعه، حين كانت واشنطن تزعم أنها تريد استدراج (الإرهابيين) إلى داخل العراق للقضاء عليهم هناك.
ونستطيع القول إن إيران مارست تمدداً داخل العراق عبر منظمات وجماعات ورجال مخابرات وأموال وشركات، بينما المسلحون العرب والبعثيون انطلقوا لتنفيذ أعمال التفجير العشوائي في حرب تأكل الأخضر واليابس، وكل ذلك يجري برعاية واشنطن وحليفاتها.
نعم، تؤيد إيران كل ما من شأنه إفشال المشروع الأمريكي في العراق، وهي تطالب على الدوام بخروج القوات الأجنبية من المنطقة، وربما تقدم الدعم لجهات تعارض أو حتى (تقاوم) الاحتلال، لكنها لن تفعل ذلك مع الجماعات التي تسعى من خلال التفجيرات إلى إسقاط حلفائها التقليديين، (حكام) العهد الجديد، ومنهم معظم زعماء الشيعة والأكراد، تحديداً الرئيس الحالي للعراق جلال الطالباني وعبد العزيز الحكيم.
لقد احتجزت إيران، بعد سقوط حكومة طالبان في أفغانستان، عدداً كبيراً من كوادر تنظيم القاعدة وزجت بهم في السجون، وأعادت بعضهم إلى بلدانهم الأصلية، وحاولت أن تساوم بهم في أي صفقة ممكنة مع الولايات المتحدة لتخفيف الضغط عليها في أزمتها النووية، ولكنها لم تستخدمهم في عمليات داخل العراق، وذلك طبعا لخلاف مذهبي حاد بين الجانبين، ولكي لا تضعف (أصدقاءها) العراقيين في الحكومة.
واتسمت العلاقة بين إيران والقاعدة على الدوام بما يمكن أن نسميه (الود المفقود)، رغم أن ما جمعها بالأفغان العرب وعموم أمراء (الجهاد) الأفغاني ضد الغزو السوفييتي السابق لأفغانستان، كان مواجهة تنامي النفوذ الأمريكي في تلك المنطقة الحيوية، بنفس درجة مخاوف إيران من خطر سقوط منطقة آسيا الوسطى كلها في حضن الشيوعية.
في تلك الأيام، كان بعض الأفغان العرب يترددون على إيران، وتلقت معظم الفصائل الأفغانية العون من إيران، التي أسست لهذا الغرض (مكتب حركات التحرر) في وزارة الخارجية لتهميش مكتب آخر أوجده مهدي الهاشمي في قيادة الحرس الثوري. وترك صراع المكتبين تداعياته المباشرة على علاقة إيران مع الدول ومع الحركات المناهضة لها، إلا أن الحسم لصالح الخارجية بعد اعتقال وإعدام مهدي الهاشمي (شقيق صهر خليفة الإمام الخميني المخلوع حسين علي منتظري)، حدد مفاصل العلاقة مع الأفغان العرب في اتجاه الطلاق، وبإعلان العداء المباشر إثر سيطرة حركة طالبان على أفغانستان في سبتمبر 1996، والمجازر التي ارتكبتها (طالبان والقاعدة) ضد الشيعة الهزارة، وتصفية دبلوماسيي القنصلية الإيرانية في مزار شريف، بما كرس قطيعة طالبان ومعها القاعدة، المذهبية مع إيران.
وبعد سقوط حكومة طالبان لجأ مئات الأفغان العرب من عناصر القاعدة مع عوائلهم إلى داخل المدن الإيرانية، وقامت السلطات بإسكان قسم منهم في فندق مرمر بشارع ميرزاي شيرازي في طهران، قبل أن تنقلهم إلى معتقلات خاصة بهم، وواجهت معهم مشكلة في معرفة أسمائهم ومواقعهم القيادية داخل تنظيم القاعدة، وتمكنت من تحسين علاقاتها مع عدد من الدول بتسليمها بعض مواطنيها، لكن طهران بالطبع، لم تفعل ذلك مع المهمين في القاعدة ممن تحتجزهم حتى الآن.
وما إن انهار النظام العراقي السابق، حتى أصبحت حدود العراق مفتوحة مع إيران، كما هو الحال بين العراق وبقية دول الجوار، وحرصت السلطات الإيرانية على استثمار الوضع الجديد لتحسين أداء مخابراتها والحرس الثوري داخل العراق.
وكان الاعتراف بمجلس الحكم، الذي ضم عدداً من أصدقائها، وتوقيع اتفاقيات أمنية وعسكرية مع الحكومة الانتقالية السابقة برئاسة إبراهيم الجعفري، ومحاولة احتواء التيار الصدري لإقناعه بالعمل تحت عباءة الحكيم، مع تأييد إعلامي وسياسي لأي عمل (يقاوم) الاحتلال والانفتاح على معظم الفعاليات العراقية بكل مكوناتها الدينية والعرقية، هو أبرز ما شكّل السياسة الإيرانية تجاه العراق.
الأزمة المستعصية
إن إيران – التي تعتبر نفسها قوة إقليمية مؤثرة – تسعى لأن تصبح لاعباً أساسياً في العراق والمنطقة، إلا أنها تواجه منافسة قوية من دول إقليمية مهمة في المنطقة، كتركيا التي ظن البعض أنها تخلت عن دورها في التدخل المباشر الذي كانت تمارسه في شمال العراق قبل سقوط نظام صدام حسين، ذلك أن الدور التركي يجري التنسيق بشأنه مع الولايات المتحدة.ويجدر التذكير هنا بأن السفير الأمريكي في العراق زلماي خليل زاده فضّل أنقرة لتكون مكاناً لأهم اجتماع عقده مع قيادات عراقية سنية، كانت تعترض على مجمل العملية السياسية، وأقنعها بالانضمام إلى الحكومة والمشاركة في الانتخابات السابقة. كما أن الولايات المتحدة، وهي تعمل على فرملة الرغبة التركية في الانضمام إلى الاتحاد الأوروبي رغم ما تبديه من تأييد علني، تفضل لتركيا أن تقوم بمهام شرق أوسطية لموازنة التحالف السوري – الإيراني من خلال أوراق عدة تملكها أنقرة لممارسة الضغط على سوريا وإيران، حيث لم تفلح اتفاقيات واجتماعات أمنية تعقد كل شهر في المدن الحدودية مع إيران في التخفيف من التوتر الذي يظهر بين الفينة والأخرى على سطح العلاقات الثنائية بين أنقرة وطهران.
ففي الآونة الأخيرة، حمل رئيس الوزراء التركي رجب طيب أردوغان الملف العراقي في زياراته إلى عمّان وطهران وعواصم إقليمية أخرى، وسعى كما فعل العام الماضي إلى تبني مطالب (السنة) العراقيين، خصوصاً بعد أن استضافت أنقرة مؤتمراً لنصرة أهل السنة، الذي شن هجوماً عنيفاً على إيران وعلى من سماهم (الشيعة الصفويين)، ربما تحت ضغط أمريكي مباشر يستثمر بقوة الأزمة الطائفية الراهنة في العراق.
وتحاول تركيا كمن يعمل على فك ارتباط إيران بسوريا، ويرى متابعون للوضع في المنطقة أنها قد تكون أسست لهذا الدور أثناء الحرب الإسرائيلية الأخيرة على لبنان من خلال قطع خط الاتصال الذي يربط إيران بحزب الله عن طريق سوريا، والإسهام في فرض السيطرة على الطرق الجوية والبرية المتصلة بالأردن والعراق، كما تعمل أنقرة على إبراز دورها من داخل اجتماعات دول الجوار العراقي بالإضافة إلى مصر، وحتى عبر رئيس مؤتمر منظمة المؤتمر الإسلامي، التركي إحسان أكمل أوغلو الذي لعب في الأسابيع الماضية دوراً مباشراً في إقناع زعامات سنية وشيعية عراقية بالتوقيع على وثيقة مكة (الهشة).
كذلك، فإن تركيا (السنية)، التي كانت معظم دول المنطقة جزءاً منها في بدايات القرن العشرين والطامحة إلى الدخول في النادي الأوروبي، تواجه ضغوطاً أمريكية وأوروبية مستمرة في قضية قبرص ومجازر الأرمن، وخاضت حرباً طائفية استمرت قرنين مع إيران الشيعية في العهد الصفوي، تستطيع أن تلعب دوراً في العراق من خلال قضية التركمان، والدفاع عن (السنة) في الموصل وغيرها من المدن، وأيضاً عبر التعاطي (السلبي) مع الأكراد العراقيين، حلفاء الشيعة التقليديين من أصدقاء إيران.
وليس خافياً أن الدور التركي المطلوب لموازنة التحالف الإيراني – السوري، مهّدت له أنقرة عبر إرسال جنودها إلى لبنان للمشاركة في قوات الأمم المتحدة (اليونيفيل)، بما يعكس تطور الاستراتيجية التركية الإقليمية والدولية، وفي مرحلة تالية، للمطالبة ببرنامج نووي، من قراءة ترى أن امتلاك إيران للطاقة النووية السلمية، يجعل من طهران القوة الأعظم في المنطقة، وهذا الأمر ينسجم مع رغبة الغرب في مواجهة طموحات إيران النووية.
باختصار، فإن ثمة من يعتقد أن تركيا قادرة على أن تؤسس أو تقود هلالاً (سنياً) يوازن الهلال الشيعي الإيراني – السوري – العراقي، الممتد بدوره إلى لبنان وربما سيضيف ذلك المزيد من الغموض على طريقة التعاطي مع الدور الإيراني لحل أزمة العراق المستعصية.

::/fulltext::

Getting your Trinity Audio player ready...

::cck::2875::/cck::
::introtext::

لماذا لم تتفق واشنطن وطهران حتى الآن بشأن العراق؟
في كل مرة، يجد الرئيس الأمريكي جورج بوش حبل العراق يلتَف حوله ليخنقه، يتجه صوب إيران، فيثير نقاشاً وسجالات داخل بلاده وخارجها حول أهمية التحاور مع طهران حول العراقلماذا لم تتفق واشنطن وطهران حتى الآن بشأن العراق؟

::/introtext::
::fulltext::

لماذا لم تتفق واشنطن وطهران حتى الآن بشأن العراق؟
في كل مرة، يجد الرئيس الأمريكي جورج بوش حبل العراق يلتَف حوله ليخنقه، يتجه صوب إيران، فيثير نقاشاً وسجالات داخل بلاده وخارجها حول أهمية التحاور مع طهران حول العراق.
وفي كل مرة، يكاد الطرفان يجلسان وجهاً لوجه على طاولة واحدة، إلا أنهما يتباعدان أكثر، ويظل مثل هذا الحوار مفقوداً في ضوء رغبة أمريكية بأن يقتصر الحوار مع طهران على دورها في إنهاء العنف في العراق، وإصرار إيران على أن الحل في العراق يجب أن يمر من بوابة ملفها النووي، وربما أيضاً عبر (بوابة فاطمة) بين إسرائيل ولبنان، حيث حزب الله وصراعه المفتوح هناك.
إن ما يشهده العراق من تطورات مثيرة، يؤكد بما لا يدع مجالا للشك أن إرادات عدة، أبرزها إيران والولايات المتحدة، تتصارع هذه الأيام في العراق كما في لبنان.
ففي العراق، تعمل إسرائيل وجميع الدول الإقليمية، وينشط (في البصرة وحدها) أكثر من 18 جهاز مخابرات، إقليمي ودولي، إلا أن الحديث يركز فقط على إيران، ليس لأنها بالفعل ناشطة في العراق لجوارها الجغرافي وصلة التاريخ والمذهب الموغلة في الزمن البعيد وحسب، بل لأن جهات دولية عديدة تريد – مثلما يؤكد مراقبون – إبراز هذا النشاط (وهو كبير جداً) ومنحه أكثر من حجمه الطبيعي في مخطط يرمي، حسبما يبدو، إلى إثارة صراع نفوذ حقيقي بين إيران ودول المنطقة المجاورة للعراق (إضافة إلى مصر) وإذكاء العداوة بين العرب وإيران، لم تفلح حرب طاحنة استمرت ثمانية أعوام (1980-1988) في زرع كراهية دائمة بينهما خصوصا بين الشيعة وإيران.
صحيح أن الشيعة العراقيين، الذين نصروا الثورة الإسلامية في إيران، ولجأوا إلى جمهوريتها الإسلامية الفتية، وقاتل عدد كبير منهم في الجبهتين مع إيران وضدها، لم يعودوا إلى بلادهم سفراء لنهج ولاية الفقيه وحاكمية الدولة الإسلامية القائمة على سلطة بمرجعية إيرانية لسبب بسيط، هو أن إيران لم تتعامل مع العراقيين، حتى أنصارها، إلا بسياسة التجويع والترهيب والتخويف، وكانت تزج بمن تشك بولائه لها في المعتقلات، بل ضيقت عليهم الخناق وسمتهم بـ (الطفيليين)، وأجبرت الآلاف منهم على ركوب المخاطر، ليصبح الكثير منهم طعاماً شهياً لأسماك القرش، عندما كانوا يحاولون التخلص من ظلم ذوي القربى بحثاً عن الرزق والأمان في (بلاد الكفر).
وما لا يعرفه الكثيرون عن إيران الجمهورية الإسلامية، أنها اضطهدت الشيعة العراقيين الذين لجأوا لها، واستخدمتهم ورقة في بازارها السياسي الإقليمي والدولي، وأن عراق صدام اضطهد العراقيين الشيعة وكان يشك بولائهم للوطن، حتى وهو يزج بهم في حربه، التي يراد لها – حسبما يبدو – أن تندلع من جديد بين الجمهورية الإسلامية والعراق الجديد.
وقد يبدو طبيعياً أن تبحث إيران عن موطئ قدم لها في عراق ما بعد صدام، في ظل دور عربي غير متكامل، لأن إيران تضررت كثيراً من الحرب المجنونة التي شنها رئيس النظام السابق عليها (قدرت لجنة تابعة للأمم المتحدة الخسائر التي تكبدتها بنحو 100 مليار دولار)، التي أوجدت حالات من الاستقطاب الإقليمي أو الدولي، وتسببت في اندلاع حرب أخرى باحتلال العراق للكويت.
وإيران، كبقية الدول المجاورة، تبحث عن مصالحها، وتعتقد أن عليها الاهتمام بما يجري في العراق على قاعدة دفع الضرر، ومنع تحول العراق الجديد إلى قاعدة انطلاق في حرب قادمة ضدها، وتشير مؤشرات عدة إلى أن الولايات المتحدة تخطط لها.
ويستطيع أي مراقب أن يؤكد بالأرقام، أن ما يقال عن دور إيراني في العراق مبالغ فيه كثيراً، وأنه جزء من الدعاية المضادة المدروسة والمخطط لها من قبل أجهزة مخابرات دول منافسة، خصوصا ما يتعلق الأمر منه بالتفجيرات التي تستهدف أبرياء ومدنيين من العراقيين، لأنه من غير المعقول أن تعمل إيران على إضعاف حلفائها الممسكين بزمام السلطة (العراقية).
ومعروف أن تصريحات المسؤولين الأمريكيين، ومنهم بالطبع وزير الدفاع المستقيل دونالد رامسفيلد، تكشف باستمرار عن تناقض كبير بشأن طبيعة التدخل الإيراني بين ما هو عسكري مباشر وسياسي أو مخابراتي.
تأييد إيراني لإفشال المشروع الأمريكي في العراق

وما من شك، فإن الولايات المتحدة لم تكن بعيدة (على الأقل بُعيد سقوط نظام صدام)، عن التمدد السياسي والمخابراتي الإيراني في العراق، خصوصاً أن زعماء المعارضة العراقية (الحكام الجدد) انخرطوا في المشروع الأمريكي، عندما كانوا في طهران، وكان زعماء المعارضة (آنذاك) ممن اختاروا إيران مقراً لإقامتهم أو لا، يعبرون الأراضي الإيرانية بإشراف المخابرات ومقر (نصر)، الذي كان العميد رضا سيف اللهي يقوده نحو مصيف صلاح الدين في كردستان العراق، حيث عقد الاجتماع الأخير للمعارضة قبل غزو العراق عسكرياً.وفي الوقت الذي كانت فيه القوات الأمريكية والبريطانية تراقب مناطق الحدود مع إيران وتغض الطرف عن تمدد الأخيرة السياسي والاستخباراتي، كانت تلك القوات تنظر بعين الرضا لتسلل المقاتلين العرب من دول جوار أخرى، لتنشطر (أنيميا) في كل أنحاء العراق.
آلاف البعثيين ومعهم رؤوس أموال ضخمة انتقلوا على مرأى ومسمع من قوات الاحتلال إلى دول مجاورة خارج العراق، لتشكل قاعدة مالية وإعلامية وسياسية، تدعم علانية (التمرد) الذي تتحمل هذه القوات مسؤولية اندلاعه، حين كانت واشنطن تزعم أنها تريد استدراج (الإرهابيين) إلى داخل العراق للقضاء عليهم هناك.
ونستطيع القول إن إيران مارست تمدداً داخل العراق عبر منظمات وجماعات ورجال مخابرات وأموال وشركات، بينما المسلحون العرب والبعثيون انطلقوا لتنفيذ أعمال التفجير العشوائي في حرب تأكل الأخضر واليابس، وكل ذلك يجري برعاية واشنطن وحليفاتها.
نعم، تؤيد إيران كل ما من شأنه إفشال المشروع الأمريكي في العراق، وهي تطالب على الدوام بخروج القوات الأجنبية من المنطقة، وربما تقدم الدعم لجهات تعارض أو حتى (تقاوم) الاحتلال، لكنها لن تفعل ذلك مع الجماعات التي تسعى من خلال التفجيرات إلى إسقاط حلفائها التقليديين، (حكام) العهد الجديد، ومنهم معظم زعماء الشيعة والأكراد، تحديداً الرئيس الحالي للعراق جلال الطالباني وعبد العزيز الحكيم.
لقد احتجزت إيران، بعد سقوط حكومة طالبان في أفغانستان، عدداً كبيراً من كوادر تنظيم القاعدة وزجت بهم في السجون، وأعادت بعضهم إلى بلدانهم الأصلية، وحاولت أن تساوم بهم في أي صفقة ممكنة مع الولايات المتحدة لتخفيف الضغط عليها في أزمتها النووية، ولكنها لم تستخدمهم في عمليات داخل العراق، وذلك طبعا لخلاف مذهبي حاد بين الجانبين، ولكي لا تضعف (أصدقاءها) العراقيين في الحكومة.
واتسمت العلاقة بين إيران والقاعدة على الدوام بما يمكن أن نسميه (الود المفقود)، رغم أن ما جمعها بالأفغان العرب وعموم أمراء (الجهاد) الأفغاني ضد الغزو السوفييتي السابق لأفغانستان، كان مواجهة تنامي النفوذ الأمريكي في تلك المنطقة الحيوية، بنفس درجة مخاوف إيران من خطر سقوط منطقة آسيا الوسطى كلها في حضن الشيوعية.
في تلك الأيام، كان بعض الأفغان العرب يترددون على إيران، وتلقت معظم الفصائل الأفغانية العون من إيران، التي أسست لهذا الغرض (مكتب حركات التحرر) في وزارة الخارجية لتهميش مكتب آخر أوجده مهدي الهاشمي في قيادة الحرس الثوري. وترك صراع المكتبين تداعياته المباشرة على علاقة إيران مع الدول ومع الحركات المناهضة لها، إلا أن الحسم لصالح الخارجية بعد اعتقال وإعدام مهدي الهاشمي (شقيق صهر خليفة الإمام الخميني المخلوع حسين علي منتظري)، حدد مفاصل العلاقة مع الأفغان العرب في اتجاه الطلاق، وبإعلان العداء المباشر إثر سيطرة حركة طالبان على أفغانستان في سبتمبر 1996، والمجازر التي ارتكبتها (طالبان والقاعدة) ضد الشيعة الهزارة، وتصفية دبلوماسيي القنصلية الإيرانية في مزار شريف، بما كرس قطيعة طالبان ومعها القاعدة، المذهبية مع إيران.
وبعد سقوط حكومة طالبان لجأ مئات الأفغان العرب من عناصر القاعدة مع عوائلهم إلى داخل المدن الإيرانية، وقامت السلطات بإسكان قسم منهم في فندق مرمر بشارع ميرزاي شيرازي في طهران، قبل أن تنقلهم إلى معتقلات خاصة بهم، وواجهت معهم مشكلة في معرفة أسمائهم ومواقعهم القيادية داخل تنظيم القاعدة، وتمكنت من تحسين علاقاتها مع عدد من الدول بتسليمها بعض مواطنيها، لكن طهران بالطبع، لم تفعل ذلك مع المهمين في القاعدة ممن تحتجزهم حتى الآن.
وما إن انهار النظام العراقي السابق، حتى أصبحت حدود العراق مفتوحة مع إيران، كما هو الحال بين العراق وبقية دول الجوار، وحرصت السلطات الإيرانية على استثمار الوضع الجديد لتحسين أداء مخابراتها والحرس الثوري داخل العراق.
وكان الاعتراف بمجلس الحكم، الذي ضم عدداً من أصدقائها، وتوقيع اتفاقيات أمنية وعسكرية مع الحكومة الانتقالية السابقة برئاسة إبراهيم الجعفري، ومحاولة احتواء التيار الصدري لإقناعه بالعمل تحت عباءة الحكيم، مع تأييد إعلامي وسياسي لأي عمل (يقاوم) الاحتلال والانفتاح على معظم الفعاليات العراقية بكل مكوناتها الدينية والعرقية، هو أبرز ما شكّل السياسة الإيرانية تجاه العراق.
الأزمة المستعصية
إن إيران – التي تعتبر نفسها قوة إقليمية مؤثرة – تسعى لأن تصبح لاعباً أساسياً في العراق والمنطقة، إلا أنها تواجه منافسة قوية من دول إقليمية مهمة في المنطقة، كتركيا التي ظن البعض أنها تخلت عن دورها في التدخل المباشر الذي كانت تمارسه في شمال العراق قبل سقوط نظام صدام حسين، ذلك أن الدور التركي يجري التنسيق بشأنه مع الولايات المتحدة.ويجدر التذكير هنا بأن السفير الأمريكي في العراق زلماي خليل زاده فضّل أنقرة لتكون مكاناً لأهم اجتماع عقده مع قيادات عراقية سنية، كانت تعترض على مجمل العملية السياسية، وأقنعها بالانضمام إلى الحكومة والمشاركة في الانتخابات السابقة. كما أن الولايات المتحدة، وهي تعمل على فرملة الرغبة التركية في الانضمام إلى الاتحاد الأوروبي رغم ما تبديه من تأييد علني، تفضل لتركيا أن تقوم بمهام شرق أوسطية لموازنة التحالف السوري – الإيراني من خلال أوراق عدة تملكها أنقرة لممارسة الضغط على سوريا وإيران، حيث لم تفلح اتفاقيات واجتماعات أمنية تعقد كل شهر في المدن الحدودية مع إيران في التخفيف من التوتر الذي يظهر بين الفينة والأخرى على سطح العلاقات الثنائية بين أنقرة وطهران.
ففي الآونة الأخيرة، حمل رئيس الوزراء التركي رجب طيب أردوغان الملف العراقي في زياراته إلى عمّان وطهران وعواصم إقليمية أخرى، وسعى كما فعل العام الماضي إلى تبني مطالب (السنة) العراقيين، خصوصاً بعد أن استضافت أنقرة مؤتمراً لنصرة أهل السنة، الذي شن هجوماً عنيفاً على إيران وعلى من سماهم (الشيعة الصفويين)، ربما تحت ضغط أمريكي مباشر يستثمر بقوة الأزمة الطائفية الراهنة في العراق.
وتحاول تركيا كمن يعمل على فك ارتباط إيران بسوريا، ويرى متابعون للوضع في المنطقة أنها قد تكون أسست لهذا الدور أثناء الحرب الإسرائيلية الأخيرة على لبنان من خلال قطع خط الاتصال الذي يربط إيران بحزب الله عن طريق سوريا، والإسهام في فرض السيطرة على الطرق الجوية والبرية المتصلة بالأردن والعراق، كما تعمل أنقرة على إبراز دورها من داخل اجتماعات دول الجوار العراقي بالإضافة إلى مصر، وحتى عبر رئيس مؤتمر منظمة المؤتمر الإسلامي، التركي إحسان أكمل أوغلو الذي لعب في الأسابيع الماضية دوراً مباشراً في إقناع زعامات سنية وشيعية عراقية بالتوقيع على وثيقة مكة (الهشة).
كذلك، فإن تركيا (السنية)، التي كانت معظم دول المنطقة جزءاً منها في بدايات القرن العشرين والطامحة إلى الدخول في النادي الأوروبي، تواجه ضغوطاً أمريكية وأوروبية مستمرة في قضية قبرص ومجازر الأرمن، وخاضت حرباً طائفية استمرت قرنين مع إيران الشيعية في العهد الصفوي، تستطيع أن تلعب دوراً في العراق من خلال قضية التركمان، والدفاع عن (السنة) في الموصل وغيرها من المدن، وأيضاً عبر التعاطي (السلبي) مع الأكراد العراقيين، حلفاء الشيعة التقليديين من أصدقاء إيران.
وليس خافياً أن الدور التركي المطلوب لموازنة التحالف الإيراني – السوري، مهّدت له أنقرة عبر إرسال جنودها إلى لبنان للمشاركة في قوات الأمم المتحدة (اليونيفيل)، بما يعكس تطور الاستراتيجية التركية الإقليمية والدولية، وفي مرحلة تالية، للمطالبة ببرنامج نووي، من قراءة ترى أن امتلاك إيران للطاقة النووية السلمية، يجعل من طهران القوة الأعظم في المنطقة، وهذا الأمر ينسجم مع رغبة الغرب في مواجهة طموحات إيران النووية.
باختصار، فإن ثمة من يعتقد أن تركيا قادرة على أن تؤسس أو تقود هلالاً (سنياً) يوازن الهلال الشيعي الإيراني – السوري – العراقي، الممتد بدوره إلى لبنان وربما سيضيف ذلك المزيد من الغموض على طريقة التعاطي مع الدور الإيراني لحل أزمة العراق المستعصية.

::/fulltext::
::cck::2875::/cck::

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *