تعثر عمليات إعادة إعمار العراق بعد الاحتلال الأمريكي “الأسباب والنتائج”
::cck::2885::/cck::
::introtext::
بعد سقوط النظام العراقي السابق وبدء الاحتلال الأمريكي للعراق في التاسع من أبريل 2003 بدأت الأوساط السياسية العراقية، وسلطات الاحتلال، ووسائل الإعلام المختلفة، الحديث عن الشروع بعمليات وحملات لإعادة إعمار العراق تشمل البنى التحتية الأساسية والمهمة، وخاصة في مجال توفير الماء الصالح للاستهلاك البشري، وتحديث شبكة الصرف الصحي، وتحسين عمل إنتاج الطاقة الكهربائية والنفطية، فضلاً عن بناء المدارس والمستشفيات والجامعات والمجمعات السكنية ومحطات إنتاج الطاقة الكهربائية ومصافي تكرير النفط.
::/introtext::
::fulltext::
بعد سقوط النظام العراقي السابق وبدء الاحتلال الأمريكي للعراق في التاسع من أبريل 2003 بدأت الأوساط السياسية العراقية، وسلطات الاحتلال، ووسائل الإعلام المختلفة، الحديث عن الشروع بعمليات وحملات لإعادة إعمار العراق تشمل البنى التحتية الأساسية والمهمة، وخاصة في مجال توفير الماء الصالح للاستهلاك البشري، وتحديث شبكة الصرف الصحي، وتحسين عمل إنتاج الطاقة الكهربائية والنفطية، فضلاً عن بناء المدارس والمستشفيات والجامعات والمجمعات السكنية ومحطات إنتاج الطاقة الكهربائية ومصافي تكرير النفط.
آخر المعلومات في هذا المجال ما أعلنت عنه وزارة الخارجية الأمريكية في أول تقرير رئاسي تقدمه إلى الكونغرس الأمريكي في إبريل 2006 (أنه تم إصلاح وتأهيل خدمات المياه والصرف الصحي في العراق). أما المهندس جاسم محمد جعفر وزير الإعمار والإسكان العراقي السابق فقد قال في مايو 2006 إن وزارته (تقوم بتنفيذ 520 مشروعاً وبتكلفة قدرها 986 مليون دولار، إضافة إلى 109 مشاريع في الطرق والجسور وبتكلفة 434 مليون دولار، و23 مجمعاً سكنياً بتكلفة 307 ملايين دولار ومبان عامة بعدد 388 مشروعاً بتكلفة 344 مليون دولار).
ومنذ عام 2003 وإلى حد الآن لم يلمس المواطن العراقي أي إشارات على تحسن الوضع الخدمي له في مختلف المجالات، بالرغم من تمتع إقليم كردستان بالخدمات العامة باعتباره حالة خاصة بعد تشكيل إدارة وحكومة ومجلس تشريعي خاص بمواطني الإقليم منذ عام 1991، حيث لم يتعرض الإقليم منذ ذلك الوقت وإلى الآن لآثار الحروب التي تعرض لها العراق في عامي 1991، و2003، واستمرار تنفيذ المشاريع العمرانية هناك لاستقرار الوضع الأمني، ودخول شركات عربية وأجنبية بعد عام 2003 في مناقصات لبناء مزيد من المشاريع الخدمية والعمرانية.
أما بالنسبة لبقية المحافظات العراقية ماعدا العاصمة بغداد، فتشير الوقائع إلى أن المحافظات الجنوبية تتمتع بقدر مناسب من وصول الطاقة الكهربائية وتوفر المشتقات النفطية ليس لإنجاز واكتمال مشاريع عمرانية وخدمية جديدة، بل لأنها تزود بالطاقة الكهربائية بنسبة أكثر من بقية المحافظات الأخرى، واستيراد المشتقات النفطية من الدول المجاورة خاصة الكويت وإيران وليس أيضاً بسبب إنجاز مشاريع عمرانية جديدة في هذا المجال.
وتبعاً لذلك يمكن القول إنه إذا أراد المراقب المنصف أن ينقل ما يعانيه المواطن العراقي في العاصمة بغداد على سبيل المثال لا الحصر، فسوف يرى رزمة من المشكلات يعاني منها أولها تلوث مياه الشرب وانقطاعها بين فترة وأخرى نتيجة اهتراء شبكات وخطوط نقل المياه واختلاطها مع مياه الصرف الصحي التي تعاني شبكاتها من نضوحات واندثار واسع لأنابيبها، ويصرح المسؤولون عن إنتاج مياه الشرب بأنهم يباشرون بين فترة وأخرى صيانة مشاريعهم التي أصبحت هرمة ولا تستوعب الزيادة الحاصلة في عدد سكان بغداد، فضلاً عن تعرض مشاريع إنتاج المياه للعمليات المسلحة وغيرها من المشكلات.
أما بالنسبة لإنتاج الطاقة الكهربائية، فوضع أحياء بغداد وضواحيها في حالة يرثى لها بسبب استمرار انقطاع التيار الكهربائي لفترات طويلة وصلت إلى 12 ساعة في اليوم الواحد، وفي بعض الأيام وصل الانقطاع ذروته إلى 23 ساعة في اليوم، حيث يعطى المواطن ساعة واحدة من الطاقة الكهربائية وقد لا تكون الطاقة منتظمة خلالها فيلجأ إلى سحب التيار الكهربائي من المولدات الأهلية التي انتشرت في بغداد والمحافظات العراقية بشكل واسع بعد عام 2003، حيث وصل سعر الأمبير من الكهرباء إلى حوالي 6 دولارات، أما ما تعرض له المواطن العراقي للحصول على المشتقات النفطية فيحتاج الأمر إلى كتابة صفحات عديدة لعرض معاناة العوائل العراقية التي ترسل أولادها وأزواجها إلى محطات تعبئة الوقود للحصول على 30 أو 40 ليتراً، وتشير الإحصائيات إلى أن نسبة الإنفاق على الوقود في ميزانية الأسرة العراقية أصبحت 40 في المائة من مجموع إنفاق الأسرة، ناهيك عن ارتفاع سعر إسطوانات الغاز السائل، التي وصلت أسعارها إلى 15 دولاراً أمريكياً للإسطوانة الواحدة في فترات الذروة والأزمات، وتبعاً لذلك بدأ المواطن العراقي يتساءل ويقارن بين ما يسمعه من تصريحات وتحقيقات في الصحف ووسائل الإعلام حول عمليات إعادة الإعمار والواقع اليومي الذي يعيشه ويطرح عدة تساؤلات مهمة لعل من أبرزها: أين المشاريع التي وعدنا بها لتحسين الخدمات الضرورية لنا؟ وما هي الأسباب التي أدت إلى تعثر عمليات إعادة إعمار العراق؟ وما هي النتائج التي يمكن أن تولد جراء توقف وتعثر عمليات إعادة الإعمار، لا بل لماذا توقفت بعض تلك العمليات ؟ وستحاول هذه الورقة البحثية بشكل علمي وأكاديمي أن تعالج تلك التساؤلات وتحاول الإجابة عنها لمعرفة جذور المشكلة وأسبابها والنتائج المتوقعة لها.أسباب تعثر عمليات إعادة إعمار العراق
تجتمع عدة أسباب لتشكل مجموعة من العوامل لها أثر في تعثر عمليات إعادة الإعمار ويمكن تأشير أبرزها كما يأتي:
1- استمرار تدهور الوضع الأمني في البلاد:
لايزال العراق يعيش تداعيات الاضطراب والتدهور الأمني الذي سيؤثر بالتأكيد في الوضع الاقتصادي وعمليات إعادة الإعمار، ويقول في هذا الشأن الدكتور خالد حسين من كلية الإدارة والاقتصاد-جامعة بابل (إن الاقتصاد العراقي دخل حالياً مرحلة جديدة متمثلة بالحلقة المفرغة من الوضع الأمني المتردي). وهناك عدة شواهد تدعم ما توصل إليه الأكاديمي العراقي السابق ذكره سلفاً، حيث يستمر مسلسل السيارات المفخخة، وعمليات العنف ضد المدنيين في الوقت الذي بدأت فيه حملات التهجير القسري للعوائل من مناطقها، وهذه الأحداث تجري في الوقت الذي تزداد في بغداد والمحافظات الكثير من النقاط الأمنية للتفتيش التي تصاحبها (الحملات) المسلحة، وتفاقمت الأمور سوءاً بعد ذيوع حادثة اختطاف الجندي الأمريكي من أصول عراقية في عيد الفطر المبارك لعام 2006، حيث وضعت في بغداد المزيد من الحواجز، ويتم تفتيش سيارة تلو أخرى في مختلف الأحياء، وأغلقت نقاط العبور من وإلى بعض المدن منها مدينة الصدر والكرادة، مما سبب حدوث اختناقات مرورية ضخمة ولم يلتحق الكثير من المواطنين بدوائرهم والطلاب بجامعاتهم ومدارسهم بسبب انقطاع الشوارع والأزقة بالحواجز (الكونكريتية) وصعوبة التنقل بسبب قلة وسائط النقل.
ويقول تقرير حكومي أمريكي أعده ستورات بوين المفتش العام الأمريكي لإعادة إعمار العراق صدر في أكتوبر 2006 (إن تدهور الوضع الأمني لا يزال يعرقل إعادة البناء، ويتسبب في تأخير عدد من المشاريع، ويمنع زيارة العديد من المواقع، ويزيد في النفقات الأمنية، ويعرض حياة المقاولين للخطر).
2- عدم وجود استراتيجية شاملة للتنمية الاقتصادية في العراق:
يؤكد بعض المسؤولين العراقيين عدم وجود استراتيجية شاملة لتنمية المشاريع العمرانية في العراق، ومن هؤلاء علي غالب حسين بابان وزير التخطيط والتعاون الإنمائي حيث يقول في هذا الصدد: (إلى الآن لا توجد استراتيجية شاملة للتنمية في العراق وجزء من مهمة وزارتنا أن نعيد هيكلة هذه الاستراتيجية، كما أن قضية القطاعين العام والخاص لم يتم البت فيها الآن إذ كم يمكننا أن نأخذ لاقتصاد السوق؟ وكم للإبقاء على التخطيط المركزي؟ فهذه القضية ليست محسومة ومهمتنا حسم هذه الأوضاع المعلقة، وأن نضع استراتيجية للتنمية والتطوير تأخذ في الاعتبار المتغيرات التي جرت في ما يتعلق بموقف الدولة واقتصاد السوق). إلا أنه من جانب آخر توجد تأكيدات مناقضة للرأي السابق من بعض دوائر الدولة العراقية ومنها وزارة المالية على دعم برنامج التنمية لتحقيق الاستقرار الاقتصادي بما يخدم السياسات المالية ويعيد التعامل الدولي ضمن برنامج الحكومة العراقية لعام 2006، إذ قال الدكتور كمال البصري وكيل وزارة المالية إن وزارته (استطاعت الإيفاء بكل متطلبات الاتفاقيات المبرمة مع الدول بكافة المعايير والشروط التي تضمنتها تلك الاتفاقيات والخاصة بإسقاط الديون عن العراق مع نهاية عام2006 والوصول إلى عراق خال من الديون عام 2007).
3- ضعف الاستثمار المحلي والأجنبي في العراق:
يعاني العراق من ضآلة الاستثمار المحلي والأجنبي لإعمار مشاريعه، إلا أن العديد من المسؤولين العراقيين يؤكدون أن لدى العراق نية في جعل أبوابه مفتوحة أمام المستثمرين لاستقطاب الأموال والشركات للمشاركة في عمليات إعادة الإعمار، ومن هؤلاء وزير التخطيط والتعاون الإنمائي حيث يقول في هذا الشأن (لدينا توجه كبير لفتح الأبواب أمام المستثمرين سواء كانوا أجانب أو محليين، بشرط عدم تهديد السيادة الوطنية وألا يهيمن المستثمرون على القرار الاقتصادي الوطني، وهذا شامل لكل القطاعات عدا قطاع إنتاج النفط الذي سيبقى قطاعاً وطنياً عراقياً وما عداه فكل القطاعات ستكون متاحة للاستثمار وحتماً سيكون بضوابط يشترط في أولها مصلحة المواطن والبلد). وأضاف المسؤول العراقي نفسه (ستسعى وزارة التخطيط لإيجاد بيئة استثمارية مناسبة تشجع المستثمرين على أن يأتوا بأموالهم للعراق سواء كانت هذه البيئة تشريعات وتسهيلات في الإجراءات الاستثمارية وحوافز. أوإعفاءات ضريبية وإدارة متعاونة).
4- تعرض المشاريع الخدمية لعمليات مسلحة:
تنقل وسائل الإعلام كل يوم تصريحات لمسؤولين حكوميين عراقيين تبرر انقطاع خدمات الماء والكهرباء والهاتف نتيجة لتعرضها لعمليات مسلحة، وتعرض منتسبيها لعمليات عنف والأمثلة كثيرة على ذلك، فعلى سبيل المثال لا الحصر قال محافظ واسط لطيف حمد الطرفة (إن إحدى الشركات المحلية المنفذة لمشروع ماء الكوت المركزي الذي يعتبر أحد مشاريع تصفية مياه الشرب العملاقة في العراق عاودت عملها بتنفيذ المشروع بعد أن أوقفته في شهر أكتوبر2006 بسبب تهديدات تلقاها مكتبها في بغداد).5- انتشار الفساد المالي والإداري في حملات الإعمار:
أصبح الفساد المالي يفتك بأموال الشعب، وتهدر ملايين لا بل مليارات الدولارات جراء خيانة الأمانة أو السطو عليها بصورة علنية أو خلاف ذلك، حيث لجأ الكثير من الموظفين الحكوميين من درجات وظيفية مختلفة خاصة القيادية منها إلى التعاقد وإبرام العقود لإنجاز مشاريع وهمية باسم إعمار العراق فتبين لاحقاً عدم صحة ذلك. وأوضح القاضي راضي الراضي رئيس الهيئة العامة للنزاهة المسؤولة عن قضايا الفساد في أجهزة الدولة (أن الهيئة تسلمت أكثر من 1400 قضية فساد في مختلف مؤسسات الدولة ودوائرها، 45 منها تخص وزراء ووكلاء الوزراء ومديرين عامين). وأوضح الراضي (أن الفساد المالي والإداري في أجهزة الدولة وعموم مرافقها الحيوية هو السبب الرئيسي في تدهور المصالح والخدمات العامة في جميع المجالات الاجتماعية لاسيما الأمن، والصحة، والتربية، والخدمات الأخرى).
من جانب آخر أبلغت وكالة اتحادية أمريكية للمراقبة والإشراف الكونغرس الأمريكي (تحول مشروع لإعادة بناء مقر لقيادة الشرطة العراقية في مدينة الموصل شمال العراق يتم تمويله من قبل الولايات المتحدة الأمريكية من مشروع يمثل المدخل الجديد لعملية إعادة الإعمار ليصبح بدلاً من ذلك مثالاً لرداءة البناء التي قد تعرض القوات الأمنية العراقية لخطر لا داعي له) كما قالت الوكالة الاتحادية.
وقالت صحيفة (كرستيان سانيس مونيتور) الأمريكية إن مركز التحقيقات الشاملة الذي ينظر في قضايا الفساد المالي في العراق وجد أن التهم المنسوبة إلى فيليب بلوم أحد رجال الأعمال الأمريكيين بخصوص غسل أموال ودفعه رشى لغرض الحصول على صفقات بملايين الدولارات كانت صحيحة، حيث أشارت الصحيفة إلى وجود أدلة تثبت تورط مسؤولين كبار في ما يسمى سابقاً (سلطة التحالف) أي سلطات الاحتلال التي تتخذ من فندق بابل في مدينة الحلة مقراً لها. وأشارت إلى أن التقارير أوضحت استخدام (بلوم) الرشوة والجنس والسهرات الخاصة لغرض الحصول على عقود بـ (8 ملايين دولار)، حيث دفع لمقاول أمريكي آخر يدعى روبرت ستاين يسيطر على عقود بقيمة 12 مليون دولار تتعلق بتمويل مشاريع الإعمار لكونه يراقب المشاريع في محافظة بابل. وقد أدين ستاين بتهمة تلقي الرشى والفساد، حيث وزع النقود التي استلمها من بلوم على مسؤولين آخرين في المحافظة.
6- هدر الأموال العراقية على الاستهلاك المحلي:
شهدت الساحة العراقية بعد الاحتلال حدوث أزمات خانقة في توفير المشتقات النفطية، وعالجت الحكومات المتعاقبة هذه الحالة باستيراد تلك المواد من خارج العراق، وهذا يتطلب توفير عملات صعبة لهذا الغرض، التي يمكن أن تكون مسخرة لأغراض إعمار العراق.
وأكد وكيل وزارة المالية العراقي (أن هناك تناقضاً بين نسبة الصرف على الاستثمارات وهي قليلة تصل إلى نسبة 18 في المائة فيما ينفق من الإيرادات 82 في المائة على الاستهلاك)، وأضاف المسؤول العراقي (أن هناك هدراً كبيراً من خزينة الدولة العراقية يذهب إلى جيوب المهربين والمتجاوزين الذين يهربون هذه المواد إلى دول مجاورة بقصد الربح بسبب الفارق في سعر المشتقات النفطية بين العراق وبقية البلدان). وأشار إلى أن (6 آلاف مليار دينار عراقي على الأقل تقدم سنوياً من خزينة الدولة العراقية لدعم أسعار المشتقات النفطية التي لا يستفيد منها العراقيون وخصوصا الفقراء منهم).
7- عدم حسم ملف الديون العراقية:
تعتبر الديون العراقية على العراق ومن ضمنها التعويضات التي يدفعها إلى الكويت منذ عام 1991 وإلى الآن عبئاً اقتصادياً عليه، حيث إنها تؤثر وتعيق عمليات إعمار العراق لأنها ستسحب الموارد المالية من خزينة الدولة لإيفاء الالتزامات بملف الديون والتي كان من الأجدى تسخيرها لمشاريع إعمار العراق. وأكد برهم صالح نائب رئيس الوزراء العراقي (أن إلغاء الديون العراقية المتراكمة عليه منذ أيام النظام السابق سيساعد العراق على تنفيذ الكثير من المشاريع). وأكد أيضاً أن (العراق في أمس الحاجة إلى الدعم المالي لمعالجة النقص الحاصل في الميزانية العراقية)، إلا أن مصدراً مسؤولاً في وزارة المالية العراقية أكد في مايو 2006 اقتراب العراق من التخلص من ديونه الخارجية وحدد نهاية عام 2006 موعداً لشطبها.
8- ضعف التزام الدول المانحة بالتزاماتها المالية تجاه العراق:
عقدت مؤتمرات دولية عدة حضرتها دول متنفذة في العالم لتخصيص منح وموارد مالية لإعادة إعمار العراق منها المؤتمر الدولي الخاص للمانحين في أكتوبر 2003 في مدريد، وتم فيه الإعلان عن تعهدات مالية سخية تبلغ حوالي 33 مليار دولار للعراق وأخرها اجتماع المجموعة التحضيرية لاعتماد مبادرة العهد (العقد) الدولي مع العراق نهاية أكتوبر 2006 في الكويت بمشاركة 14 دولة و7 مؤسسات دولية من بينها الأمم المتحدة. إلا أن ما وصل إلى الخزينة العراقية لا يكاد يذكر بسبب عدم صرف الأموال المعدة لهذه المشاريع من قبل الأجهزة المختصة أو المانحة أو التأخير أو التباطؤ الممل أو عدم الصرف بشكل كامل، حيث ذهبت تلك الأموال ووظفت لأغراض الأمن وبناء القوات المسلحة والإدارية وهذا بدوره لا يشجع على الإقدام على العمل وإعمار العراق، كما أشارت إليه إحدى الدراسات التي نشرت في الصحف العراقية.9- ضعف الموارد المالية المحلية لإنجاز المشاريع:
يؤكد أحد الخبراء والمتخصصين أن من العوامل التي ساهمت في تعثر عمليات إعادة إعمار العراق ضعف الموارد المالية المحلية، ويقول الدكتور مهدي الحافظ وزير التخطيط العراقي السابق وعضو مجلس النواب العراقي في ورقة قدمها في اجتماع خبراء التنمية الذي نظمته اللجنة الاقتصادية الاجتماعية التابعة للأمم المتحدة (ESCWA) الذي انعقد في بيروت في 27-28 يونيو 2006 (تكاد تنحصر الموارد المالية في العوائد الناجمة عن صادراته النفطية إذ تبلغ نسبة القطاع النفطي أكثر من 62 في المائة من إجمالي الناتج المحلي كما تشكل هذه العائدات أكثر من 90 في المائة من موارد الموازنة العامة بما في ذلك موازنة البرنامج الاستثماري وهي حالة فريدة من نوعها، وتحتاج إلى معالجة جدية تعيد التوازن إلى هيكل الاقتصاد العراقي وتنويع مصادره ومداخيله، أي تحرير الاقتصاد من طابعه الريعي وتحويله إلى اقتصاد متنوع ومتوازن المقومات الهيكلية).
ويضيف حافظ (أن الموارد المالية الناجمة عن عائدات النفط لا تفي بالحاجات التمويلية لمشاريع التنمية المستدامة وإعادة الإعمار، لاسيما أن حجم الخراب والتدمير الذي تعاني منه البنى التحتية وهياكل الاقتصاد يستلزم مبالغ مالية كبيرة). وقال يونادم كنة من لجنة الاقتصاد والاستثمار والإعمار في البرلمان العراقي (إن العراق يحتاج إلى 300 مليار دولار لإعادة تأهيله وإعماره ومشاريع السكن فقط بحاجة إلى 200 مليار دولار).
أما الدكتور ثائر الفيلي من وزارة الإسكان والإعمار العراقية فيؤكد (أن العراق بحاجة إلى نحو 420 مليار دولار للنهضة بالبنية التحتية، في الوقت الذي يحتاج إلى نحو 120 مليار دولار لتعديل الأوضاع الأساسية).
النتائج المترتبة على تعثر إعادة عمليات الإعمار
يمكن أن يرشح عن تعثر إعادة عمليات إعمار العراق عدد من النتائج والتداعيات التي يمكن أن تكون لها تأثيرات في مستقبل الاقتصاد العراقي، ويمكن إدراج أبرزها فيما يلي:
1- هجرة الكفاءات العلمية وأصحاب رؤوس الأموال إلى خارج العراق:
إن من التداعيات المتوقعة لتوقف عمليات إعمار العراق انعدام الاستفادة من الكفاءات العراقية العلمية ذات المؤهلات المتقدمة كالمهندسين والفنيين الذين سيحاولون الهجرة إلى خارج الوطن لغرض إيجاد فرص عمل لهم في ظل انعدام الوضع الأمني. فضلا عن ذلك سيحفز هذا الأمر أصحاب رؤوس الأموال على مغادرة العراق إلى الدول المجاورة لنقل أعمالهم هناك في ظل الاستقرار الأمني هناك.
2- تدهور الوضع الصحي والنفسي والاقتصادي والاجتماعي للمواطن العراقي:
لاشك في تدهور الخدمات المقدمة للمواطن العراقي من ماء وكهرباء وخدمات صحية ستكون له تأثيرات في المواطن العراقي نفسه، لأن شربه الماء الملوث سيفتح باب الصرف على الأدوية التي تعالج حالات تلوث المياه، لاسيما أن هناك نقصاً في الأدوية داخل المستشفيات الحكومية وارتفاع أسعارها في الصيدليات الأهلية، كما أن استمرار انقطاع التيار الكهربائي سيكلف المواطن تكاليف باهظة هو في غنى عنها نظراً لاستمرار شرائه للطاقة الكهربائية من المولدات الأهلية وشراء البنزين لعمل المولدات داخل المنازل في ظل انخفاض المستوى المعاشي للعوائل العراقية، ناهيك عن أن استمرار انقطاع التيار الكهربائي سيؤثر في العوائل الفقيرة التي لا تملك قدرة مالية لتوفير الكهرباء لها وتأثر أولادها وبناتها الذين يدرسون في المدارس والكليات، حيث ستتوقف متابعة واجباتهم المدرسية واللاصفية فضلاً عن إصابة شرائح المجتمع بالتوتر النفسي جراء هذه الأزمات التي تعج بالساحة العراقية.
3- انعكاس تعثر إعمار العراق على الاستقرار السياسي:
إن استمرار تعثر إعادة إعمار المشاريع سيترك أثراً سلبياً في الاستقرار السياسي، لأنه سيخلق فجوة بين الشعب والحكومة وتهديد مصداقيتها للوفاء بوعودها للمواطنين لتحسين الخدمات الأساسية المخصصة لهم، ناهيك أن هذا الأمر سيؤدي إلى استياء الشعب والجمهور من أداء الحكومة ونفورهم جراء استمرار تدني الخدمات المقدمة لهم.
9- ازدياد نسب البطالة في العراق:
إن توقف أو تعثر عمليات إعمار العراق سيؤدي إلى الاستغناء عن تشغيل الأيدي العاملة التي لا يوجد لها مورد مالي مما يمكن أن يؤدي إلى تفكك الأسرة والمجتمع وظهور أمراض وأوبئة اجتماعية. وقدرت بعض منظمات المجتمع المدني المهتمة بالاقتصاد والتوظيف أن نسبة البطالة في العراق تقدر بـ (59 في المائة) من حجم قوة العمل و(31 في المائة) بطالة مؤقتة و(43 في المائة) بطالة مقنعة، بينما قدرت نسبة البطالة لدى النساء بـ (85 في المائة) من قوة العمل. وقد بينت دراسة أعدها المركز العراقي للشفافية ومكافحة الفساد أن أكثر من 5 ملايين عراقي يعيشون في حالة فقر أو تحت خط الفقر، وازداد عددهم ما بين عامي (1993 – 2006) بسبب عدم توفر فرص عمل للطبقة الفقيرة في الريف والمدينة.
::/fulltext::
|
Getting your Trinity Audio player ready...
|
::cck::2885::/cck::
::introtext::
بعد سقوط النظام العراقي السابق وبدء الاحتلال الأمريكي للعراق في التاسع من أبريل 2003 بدأت الأوساط السياسية العراقية، وسلطات الاحتلال، ووسائل الإعلام المختلفة، الحديث عن الشروع بعمليات وحملات لإعادة إعمار العراق تشمل البنى التحتية الأساسية والمهمة، وخاصة في مجال توفير الماء الصالح للاستهلاك البشري، وتحديث شبكة الصرف الصحي، وتحسين عمل إنتاج الطاقة الكهربائية والنفطية، فضلاً عن بناء المدارس والمستشفيات والجامعات والمجمعات السكنية ومحطات إنتاج الطاقة الكهربائية ومصافي تكرير النفط.
::/introtext::
::fulltext::
بعد سقوط النظام العراقي السابق وبدء الاحتلال الأمريكي للعراق في التاسع من أبريل 2003 بدأت الأوساط السياسية العراقية، وسلطات الاحتلال، ووسائل الإعلام المختلفة، الحديث عن الشروع بعمليات وحملات لإعادة إعمار العراق تشمل البنى التحتية الأساسية والمهمة، وخاصة في مجال توفير الماء الصالح للاستهلاك البشري، وتحديث شبكة الصرف الصحي، وتحسين عمل إنتاج الطاقة الكهربائية والنفطية، فضلاً عن بناء المدارس والمستشفيات والجامعات والمجمعات السكنية ومحطات إنتاج الطاقة الكهربائية ومصافي تكرير النفط.
آخر المعلومات في هذا المجال ما أعلنت عنه وزارة الخارجية الأمريكية في أول تقرير رئاسي تقدمه إلى الكونغرس الأمريكي في إبريل 2006 (أنه تم إصلاح وتأهيل خدمات المياه والصرف الصحي في العراق). أما المهندس جاسم محمد جعفر وزير الإعمار والإسكان العراقي السابق فقد قال في مايو 2006 إن وزارته (تقوم بتنفيذ 520 مشروعاً وبتكلفة قدرها 986 مليون دولار، إضافة إلى 109 مشاريع في الطرق والجسور وبتكلفة 434 مليون دولار، و23 مجمعاً سكنياً بتكلفة 307 ملايين دولار ومبان عامة بعدد 388 مشروعاً بتكلفة 344 مليون دولار).
ومنذ عام 2003 وإلى حد الآن لم يلمس المواطن العراقي أي إشارات على تحسن الوضع الخدمي له في مختلف المجالات، بالرغم من تمتع إقليم كردستان بالخدمات العامة باعتباره حالة خاصة بعد تشكيل إدارة وحكومة ومجلس تشريعي خاص بمواطني الإقليم منذ عام 1991، حيث لم يتعرض الإقليم منذ ذلك الوقت وإلى الآن لآثار الحروب التي تعرض لها العراق في عامي 1991، و2003، واستمرار تنفيذ المشاريع العمرانية هناك لاستقرار الوضع الأمني، ودخول شركات عربية وأجنبية بعد عام 2003 في مناقصات لبناء مزيد من المشاريع الخدمية والعمرانية.
أما بالنسبة لبقية المحافظات العراقية ماعدا العاصمة بغداد، فتشير الوقائع إلى أن المحافظات الجنوبية تتمتع بقدر مناسب من وصول الطاقة الكهربائية وتوفر المشتقات النفطية ليس لإنجاز واكتمال مشاريع عمرانية وخدمية جديدة، بل لأنها تزود بالطاقة الكهربائية بنسبة أكثر من بقية المحافظات الأخرى، واستيراد المشتقات النفطية من الدول المجاورة خاصة الكويت وإيران وليس أيضاً بسبب إنجاز مشاريع عمرانية جديدة في هذا المجال.
وتبعاً لذلك يمكن القول إنه إذا أراد المراقب المنصف أن ينقل ما يعانيه المواطن العراقي في العاصمة بغداد على سبيل المثال لا الحصر، فسوف يرى رزمة من المشكلات يعاني منها أولها تلوث مياه الشرب وانقطاعها بين فترة وأخرى نتيجة اهتراء شبكات وخطوط نقل المياه واختلاطها مع مياه الصرف الصحي التي تعاني شبكاتها من نضوحات واندثار واسع لأنابيبها، ويصرح المسؤولون عن إنتاج مياه الشرب بأنهم يباشرون بين فترة وأخرى صيانة مشاريعهم التي أصبحت هرمة ولا تستوعب الزيادة الحاصلة في عدد سكان بغداد، فضلاً عن تعرض مشاريع إنتاج المياه للعمليات المسلحة وغيرها من المشكلات.
أما بالنسبة لإنتاج الطاقة الكهربائية، فوضع أحياء بغداد وضواحيها في حالة يرثى لها بسبب استمرار انقطاع التيار الكهربائي لفترات طويلة وصلت إلى 12 ساعة في اليوم الواحد، وفي بعض الأيام وصل الانقطاع ذروته إلى 23 ساعة في اليوم، حيث يعطى المواطن ساعة واحدة من الطاقة الكهربائية وقد لا تكون الطاقة منتظمة خلالها فيلجأ إلى سحب التيار الكهربائي من المولدات الأهلية التي انتشرت في بغداد والمحافظات العراقية بشكل واسع بعد عام 2003، حيث وصل سعر الأمبير من الكهرباء إلى حوالي 6 دولارات، أما ما تعرض له المواطن العراقي للحصول على المشتقات النفطية فيحتاج الأمر إلى كتابة صفحات عديدة لعرض معاناة العوائل العراقية التي ترسل أولادها وأزواجها إلى محطات تعبئة الوقود للحصول على 30 أو 40 ليتراً، وتشير الإحصائيات إلى أن نسبة الإنفاق على الوقود في ميزانية الأسرة العراقية أصبحت 40 في المائة من مجموع إنفاق الأسرة، ناهيك عن ارتفاع سعر إسطوانات الغاز السائل، التي وصلت أسعارها إلى 15 دولاراً أمريكياً للإسطوانة الواحدة في فترات الذروة والأزمات، وتبعاً لذلك بدأ المواطن العراقي يتساءل ويقارن بين ما يسمعه من تصريحات وتحقيقات في الصحف ووسائل الإعلام حول عمليات إعادة الإعمار والواقع اليومي الذي يعيشه ويطرح عدة تساؤلات مهمة لعل من أبرزها: أين المشاريع التي وعدنا بها لتحسين الخدمات الضرورية لنا؟ وما هي الأسباب التي أدت إلى تعثر عمليات إعادة إعمار العراق؟ وما هي النتائج التي يمكن أن تولد جراء توقف وتعثر عمليات إعادة الإعمار، لا بل لماذا توقفت بعض تلك العمليات ؟ وستحاول هذه الورقة البحثية بشكل علمي وأكاديمي أن تعالج تلك التساؤلات وتحاول الإجابة عنها لمعرفة جذور المشكلة وأسبابها والنتائج المتوقعة لها.أسباب تعثر عمليات إعادة إعمار العراق
تجتمع عدة أسباب لتشكل مجموعة من العوامل لها أثر في تعثر عمليات إعادة الإعمار ويمكن تأشير أبرزها كما يأتي:
1- استمرار تدهور الوضع الأمني في البلاد:
لايزال العراق يعيش تداعيات الاضطراب والتدهور الأمني الذي سيؤثر بالتأكيد في الوضع الاقتصادي وعمليات إعادة الإعمار، ويقول في هذا الشأن الدكتور خالد حسين من كلية الإدارة والاقتصاد-جامعة بابل (إن الاقتصاد العراقي دخل حالياً مرحلة جديدة متمثلة بالحلقة المفرغة من الوضع الأمني المتردي). وهناك عدة شواهد تدعم ما توصل إليه الأكاديمي العراقي السابق ذكره سلفاً، حيث يستمر مسلسل السيارات المفخخة، وعمليات العنف ضد المدنيين في الوقت الذي بدأت فيه حملات التهجير القسري للعوائل من مناطقها، وهذه الأحداث تجري في الوقت الذي تزداد في بغداد والمحافظات الكثير من النقاط الأمنية للتفتيش التي تصاحبها (الحملات) المسلحة، وتفاقمت الأمور سوءاً بعد ذيوع حادثة اختطاف الجندي الأمريكي من أصول عراقية في عيد الفطر المبارك لعام 2006، حيث وضعت في بغداد المزيد من الحواجز، ويتم تفتيش سيارة تلو أخرى في مختلف الأحياء، وأغلقت نقاط العبور من وإلى بعض المدن منها مدينة الصدر والكرادة، مما سبب حدوث اختناقات مرورية ضخمة ولم يلتحق الكثير من المواطنين بدوائرهم والطلاب بجامعاتهم ومدارسهم بسبب انقطاع الشوارع والأزقة بالحواجز (الكونكريتية) وصعوبة التنقل بسبب قلة وسائط النقل.
ويقول تقرير حكومي أمريكي أعده ستورات بوين المفتش العام الأمريكي لإعادة إعمار العراق صدر في أكتوبر 2006 (إن تدهور الوضع الأمني لا يزال يعرقل إعادة البناء، ويتسبب في تأخير عدد من المشاريع، ويمنع زيارة العديد من المواقع، ويزيد في النفقات الأمنية، ويعرض حياة المقاولين للخطر).
2- عدم وجود استراتيجية شاملة للتنمية الاقتصادية في العراق:
يؤكد بعض المسؤولين العراقيين عدم وجود استراتيجية شاملة لتنمية المشاريع العمرانية في العراق، ومن هؤلاء علي غالب حسين بابان وزير التخطيط والتعاون الإنمائي حيث يقول في هذا الصدد: (إلى الآن لا توجد استراتيجية شاملة للتنمية في العراق وجزء من مهمة وزارتنا أن نعيد هيكلة هذه الاستراتيجية، كما أن قضية القطاعين العام والخاص لم يتم البت فيها الآن إذ كم يمكننا أن نأخذ لاقتصاد السوق؟ وكم للإبقاء على التخطيط المركزي؟ فهذه القضية ليست محسومة ومهمتنا حسم هذه الأوضاع المعلقة، وأن نضع استراتيجية للتنمية والتطوير تأخذ في الاعتبار المتغيرات التي جرت في ما يتعلق بموقف الدولة واقتصاد السوق). إلا أنه من جانب آخر توجد تأكيدات مناقضة للرأي السابق من بعض دوائر الدولة العراقية ومنها وزارة المالية على دعم برنامج التنمية لتحقيق الاستقرار الاقتصادي بما يخدم السياسات المالية ويعيد التعامل الدولي ضمن برنامج الحكومة العراقية لعام 2006، إذ قال الدكتور كمال البصري وكيل وزارة المالية إن وزارته (استطاعت الإيفاء بكل متطلبات الاتفاقيات المبرمة مع الدول بكافة المعايير والشروط التي تضمنتها تلك الاتفاقيات والخاصة بإسقاط الديون عن العراق مع نهاية عام2006 والوصول إلى عراق خال من الديون عام 2007).
3- ضعف الاستثمار المحلي والأجنبي في العراق:
يعاني العراق من ضآلة الاستثمار المحلي والأجنبي لإعمار مشاريعه، إلا أن العديد من المسؤولين العراقيين يؤكدون أن لدى العراق نية في جعل أبوابه مفتوحة أمام المستثمرين لاستقطاب الأموال والشركات للمشاركة في عمليات إعادة الإعمار، ومن هؤلاء وزير التخطيط والتعاون الإنمائي حيث يقول في هذا الشأن (لدينا توجه كبير لفتح الأبواب أمام المستثمرين سواء كانوا أجانب أو محليين، بشرط عدم تهديد السيادة الوطنية وألا يهيمن المستثمرون على القرار الاقتصادي الوطني، وهذا شامل لكل القطاعات عدا قطاع إنتاج النفط الذي سيبقى قطاعاً وطنياً عراقياً وما عداه فكل القطاعات ستكون متاحة للاستثمار وحتماً سيكون بضوابط يشترط في أولها مصلحة المواطن والبلد). وأضاف المسؤول العراقي نفسه (ستسعى وزارة التخطيط لإيجاد بيئة استثمارية مناسبة تشجع المستثمرين على أن يأتوا بأموالهم للعراق سواء كانت هذه البيئة تشريعات وتسهيلات في الإجراءات الاستثمارية وحوافز. أوإعفاءات ضريبية وإدارة متعاونة).
4- تعرض المشاريع الخدمية لعمليات مسلحة:
تنقل وسائل الإعلام كل يوم تصريحات لمسؤولين حكوميين عراقيين تبرر انقطاع خدمات الماء والكهرباء والهاتف نتيجة لتعرضها لعمليات مسلحة، وتعرض منتسبيها لعمليات عنف والأمثلة كثيرة على ذلك، فعلى سبيل المثال لا الحصر قال محافظ واسط لطيف حمد الطرفة (إن إحدى الشركات المحلية المنفذة لمشروع ماء الكوت المركزي الذي يعتبر أحد مشاريع تصفية مياه الشرب العملاقة في العراق عاودت عملها بتنفيذ المشروع بعد أن أوقفته في شهر أكتوبر2006 بسبب تهديدات تلقاها مكتبها في بغداد).5- انتشار الفساد المالي والإداري في حملات الإعمار:
أصبح الفساد المالي يفتك بأموال الشعب، وتهدر ملايين لا بل مليارات الدولارات جراء خيانة الأمانة أو السطو عليها بصورة علنية أو خلاف ذلك، حيث لجأ الكثير من الموظفين الحكوميين من درجات وظيفية مختلفة خاصة القيادية منها إلى التعاقد وإبرام العقود لإنجاز مشاريع وهمية باسم إعمار العراق فتبين لاحقاً عدم صحة ذلك. وأوضح القاضي راضي الراضي رئيس الهيئة العامة للنزاهة المسؤولة عن قضايا الفساد في أجهزة الدولة (أن الهيئة تسلمت أكثر من 1400 قضية فساد في مختلف مؤسسات الدولة ودوائرها، 45 منها تخص وزراء ووكلاء الوزراء ومديرين عامين). وأوضح الراضي (أن الفساد المالي والإداري في أجهزة الدولة وعموم مرافقها الحيوية هو السبب الرئيسي في تدهور المصالح والخدمات العامة في جميع المجالات الاجتماعية لاسيما الأمن، والصحة، والتربية، والخدمات الأخرى).
من جانب آخر أبلغت وكالة اتحادية أمريكية للمراقبة والإشراف الكونغرس الأمريكي (تحول مشروع لإعادة بناء مقر لقيادة الشرطة العراقية في مدينة الموصل شمال العراق يتم تمويله من قبل الولايات المتحدة الأمريكية من مشروع يمثل المدخل الجديد لعملية إعادة الإعمار ليصبح بدلاً من ذلك مثالاً لرداءة البناء التي قد تعرض القوات الأمنية العراقية لخطر لا داعي له) كما قالت الوكالة الاتحادية.
وقالت صحيفة (كرستيان سانيس مونيتور) الأمريكية إن مركز التحقيقات الشاملة الذي ينظر في قضايا الفساد المالي في العراق وجد أن التهم المنسوبة إلى فيليب بلوم أحد رجال الأعمال الأمريكيين بخصوص غسل أموال ودفعه رشى لغرض الحصول على صفقات بملايين الدولارات كانت صحيحة، حيث أشارت الصحيفة إلى وجود أدلة تثبت تورط مسؤولين كبار في ما يسمى سابقاً (سلطة التحالف) أي سلطات الاحتلال التي تتخذ من فندق بابل في مدينة الحلة مقراً لها. وأشارت إلى أن التقارير أوضحت استخدام (بلوم) الرشوة والجنس والسهرات الخاصة لغرض الحصول على عقود بـ (8 ملايين دولار)، حيث دفع لمقاول أمريكي آخر يدعى روبرت ستاين يسيطر على عقود بقيمة 12 مليون دولار تتعلق بتمويل مشاريع الإعمار لكونه يراقب المشاريع في محافظة بابل. وقد أدين ستاين بتهمة تلقي الرشى والفساد، حيث وزع النقود التي استلمها من بلوم على مسؤولين آخرين في المحافظة.
6- هدر الأموال العراقية على الاستهلاك المحلي:
شهدت الساحة العراقية بعد الاحتلال حدوث أزمات خانقة في توفير المشتقات النفطية، وعالجت الحكومات المتعاقبة هذه الحالة باستيراد تلك المواد من خارج العراق، وهذا يتطلب توفير عملات صعبة لهذا الغرض، التي يمكن أن تكون مسخرة لأغراض إعمار العراق.
وأكد وكيل وزارة المالية العراقي (أن هناك تناقضاً بين نسبة الصرف على الاستثمارات وهي قليلة تصل إلى نسبة 18 في المائة فيما ينفق من الإيرادات 82 في المائة على الاستهلاك)، وأضاف المسؤول العراقي (أن هناك هدراً كبيراً من خزينة الدولة العراقية يذهب إلى جيوب المهربين والمتجاوزين الذين يهربون هذه المواد إلى دول مجاورة بقصد الربح بسبب الفارق في سعر المشتقات النفطية بين العراق وبقية البلدان). وأشار إلى أن (6 آلاف مليار دينار عراقي على الأقل تقدم سنوياً من خزينة الدولة العراقية لدعم أسعار المشتقات النفطية التي لا يستفيد منها العراقيون وخصوصا الفقراء منهم).
7- عدم حسم ملف الديون العراقية:
تعتبر الديون العراقية على العراق ومن ضمنها التعويضات التي يدفعها إلى الكويت منذ عام 1991 وإلى الآن عبئاً اقتصادياً عليه، حيث إنها تؤثر وتعيق عمليات إعمار العراق لأنها ستسحب الموارد المالية من خزينة الدولة لإيفاء الالتزامات بملف الديون والتي كان من الأجدى تسخيرها لمشاريع إعمار العراق. وأكد برهم صالح نائب رئيس الوزراء العراقي (أن إلغاء الديون العراقية المتراكمة عليه منذ أيام النظام السابق سيساعد العراق على تنفيذ الكثير من المشاريع). وأكد أيضاً أن (العراق في أمس الحاجة إلى الدعم المالي لمعالجة النقص الحاصل في الميزانية العراقية)، إلا أن مصدراً مسؤولاً في وزارة المالية العراقية أكد في مايو 2006 اقتراب العراق من التخلص من ديونه الخارجية وحدد نهاية عام 2006 موعداً لشطبها.
8- ضعف التزام الدول المانحة بالتزاماتها المالية تجاه العراق:
عقدت مؤتمرات دولية عدة حضرتها دول متنفذة في العالم لتخصيص منح وموارد مالية لإعادة إعمار العراق منها المؤتمر الدولي الخاص للمانحين في أكتوبر 2003 في مدريد، وتم فيه الإعلان عن تعهدات مالية سخية تبلغ حوالي 33 مليار دولار للعراق وأخرها اجتماع المجموعة التحضيرية لاعتماد مبادرة العهد (العقد) الدولي مع العراق نهاية أكتوبر 2006 في الكويت بمشاركة 14 دولة و7 مؤسسات دولية من بينها الأمم المتحدة. إلا أن ما وصل إلى الخزينة العراقية لا يكاد يذكر بسبب عدم صرف الأموال المعدة لهذه المشاريع من قبل الأجهزة المختصة أو المانحة أو التأخير أو التباطؤ الممل أو عدم الصرف بشكل كامل، حيث ذهبت تلك الأموال ووظفت لأغراض الأمن وبناء القوات المسلحة والإدارية وهذا بدوره لا يشجع على الإقدام على العمل وإعمار العراق، كما أشارت إليه إحدى الدراسات التي نشرت في الصحف العراقية.9- ضعف الموارد المالية المحلية لإنجاز المشاريع:
يؤكد أحد الخبراء والمتخصصين أن من العوامل التي ساهمت في تعثر عمليات إعادة إعمار العراق ضعف الموارد المالية المحلية، ويقول الدكتور مهدي الحافظ وزير التخطيط العراقي السابق وعضو مجلس النواب العراقي في ورقة قدمها في اجتماع خبراء التنمية الذي نظمته اللجنة الاقتصادية الاجتماعية التابعة للأمم المتحدة (ESCWA) الذي انعقد في بيروت في 27-28 يونيو 2006 (تكاد تنحصر الموارد المالية في العوائد الناجمة عن صادراته النفطية إذ تبلغ نسبة القطاع النفطي أكثر من 62 في المائة من إجمالي الناتج المحلي كما تشكل هذه العائدات أكثر من 90 في المائة من موارد الموازنة العامة بما في ذلك موازنة البرنامج الاستثماري وهي حالة فريدة من نوعها، وتحتاج إلى معالجة جدية تعيد التوازن إلى هيكل الاقتصاد العراقي وتنويع مصادره ومداخيله، أي تحرير الاقتصاد من طابعه الريعي وتحويله إلى اقتصاد متنوع ومتوازن المقومات الهيكلية).
ويضيف حافظ (أن الموارد المالية الناجمة عن عائدات النفط لا تفي بالحاجات التمويلية لمشاريع التنمية المستدامة وإعادة الإعمار، لاسيما أن حجم الخراب والتدمير الذي تعاني منه البنى التحتية وهياكل الاقتصاد يستلزم مبالغ مالية كبيرة). وقال يونادم كنة من لجنة الاقتصاد والاستثمار والإعمار في البرلمان العراقي (إن العراق يحتاج إلى 300 مليار دولار لإعادة تأهيله وإعماره ومشاريع السكن فقط بحاجة إلى 200 مليار دولار).
أما الدكتور ثائر الفيلي من وزارة الإسكان والإعمار العراقية فيؤكد (أن العراق بحاجة إلى نحو 420 مليار دولار للنهضة بالبنية التحتية، في الوقت الذي يحتاج إلى نحو 120 مليار دولار لتعديل الأوضاع الأساسية).
النتائج المترتبة على تعثر إعادة عمليات الإعمار
يمكن أن يرشح عن تعثر إعادة عمليات إعمار العراق عدد من النتائج والتداعيات التي يمكن أن تكون لها تأثيرات في مستقبل الاقتصاد العراقي، ويمكن إدراج أبرزها فيما يلي:
1- هجرة الكفاءات العلمية وأصحاب رؤوس الأموال إلى خارج العراق:
إن من التداعيات المتوقعة لتوقف عمليات إعمار العراق انعدام الاستفادة من الكفاءات العراقية العلمية ذات المؤهلات المتقدمة كالمهندسين والفنيين الذين سيحاولون الهجرة إلى خارج الوطن لغرض إيجاد فرص عمل لهم في ظل انعدام الوضع الأمني. فضلا عن ذلك سيحفز هذا الأمر أصحاب رؤوس الأموال على مغادرة العراق إلى الدول المجاورة لنقل أعمالهم هناك في ظل الاستقرار الأمني هناك.
2- تدهور الوضع الصحي والنفسي والاقتصادي والاجتماعي للمواطن العراقي:
لاشك في تدهور الخدمات المقدمة للمواطن العراقي من ماء وكهرباء وخدمات صحية ستكون له تأثيرات في المواطن العراقي نفسه، لأن شربه الماء الملوث سيفتح باب الصرف على الأدوية التي تعالج حالات تلوث المياه، لاسيما أن هناك نقصاً في الأدوية داخل المستشفيات الحكومية وارتفاع أسعارها في الصيدليات الأهلية، كما أن استمرار انقطاع التيار الكهربائي سيكلف المواطن تكاليف باهظة هو في غنى عنها نظراً لاستمرار شرائه للطاقة الكهربائية من المولدات الأهلية وشراء البنزين لعمل المولدات داخل المنازل في ظل انخفاض المستوى المعاشي للعوائل العراقية، ناهيك عن أن استمرار انقطاع التيار الكهربائي سيؤثر في العوائل الفقيرة التي لا تملك قدرة مالية لتوفير الكهرباء لها وتأثر أولادها وبناتها الذين يدرسون في المدارس والكليات، حيث ستتوقف متابعة واجباتهم المدرسية واللاصفية فضلاً عن إصابة شرائح المجتمع بالتوتر النفسي جراء هذه الأزمات التي تعج بالساحة العراقية.
3- انعكاس تعثر إعمار العراق على الاستقرار السياسي:
إن استمرار تعثر إعادة إعمار المشاريع سيترك أثراً سلبياً في الاستقرار السياسي، لأنه سيخلق فجوة بين الشعب والحكومة وتهديد مصداقيتها للوفاء بوعودها للمواطنين لتحسين الخدمات الأساسية المخصصة لهم، ناهيك أن هذا الأمر سيؤدي إلى استياء الشعب والجمهور من أداء الحكومة ونفورهم جراء استمرار تدني الخدمات المقدمة لهم.
9- ازدياد نسب البطالة في العراق:
إن توقف أو تعثر عمليات إعمار العراق سيؤدي إلى الاستغناء عن تشغيل الأيدي العاملة التي لا يوجد لها مورد مالي مما يمكن أن يؤدي إلى تفكك الأسرة والمجتمع وظهور أمراض وأوبئة اجتماعية. وقدرت بعض منظمات المجتمع المدني المهتمة بالاقتصاد والتوظيف أن نسبة البطالة في العراق تقدر بـ (59 في المائة) من حجم قوة العمل و(31 في المائة) بطالة مؤقتة و(43 في المائة) بطالة مقنعة، بينما قدرت نسبة البطالة لدى النساء بـ (85 في المائة) من قوة العمل. وقد بينت دراسة أعدها المركز العراقي للشفافية ومكافحة الفساد أن أكثر من 5 ملايين عراقي يعيشون في حالة فقر أو تحت خط الفقر، وازداد عددهم ما بين عامي (1993 – 2006) بسبب عدم توفر فرص عمل للطبقة الفقيرة في الريف والمدينة.
::/fulltext::
::cck::2885::/cck::
