تدخل دول الجوار في الشأن العراقي.. “التدخل الاستباقي”
::cck::2886::/cck::
::introtext::
قبل أن تشن الولايات المتحدة الأمريكية هجومها العسكري على العراق، وتعلن عن بداية (عملية حرية العراق)، كشفت وبشكل لا لبس فيه وعلانية عن مخططاتها المستقبلية، ليس في العراق وحده من خلال إقامة نظام سياسي (ديمقراطي) و(مطيع وغني)، وإنما عن إعادة رسم الخريطة الجيوبوليتيكية للمنطقة وتغير أنظمتها السياسية وإقامة أنظمة (الحكم الصالح)، ولاسيما أن الأنظمة القائمة، والحليفة منها بالتحديد، التي رأى فيها بول وولفويتز أنها تتسم بـ (الجمود السياسي) وتعكس حالة النزاع الاستراتيجي المتقادم بين بريطانيا وفرنسا، لا بد من إعادة تشكيلها وكذلك طريقة بناء السلطة.
::/introtext::
::fulltext::
قبل أن تشن الولايات المتحدة الأمريكية هجومها العسكري على العراق، وتعلن عن بداية (عملية حرية العراق)، كشفت وبشكل لا لبس فيه وعلانية عن مخططاتها المستقبلية، ليس في العراق وحده من خلال إقامة نظام سياسي (ديمقراطي) و(مطيع وغني)، وإنما عن إعادة رسم الخريطة الجيوبوليتيكية للمنطقة وتغير أنظمتها السياسية وإقامة أنظمة (الحكم الصالح)، ولاسيما أن الأنظمة القائمة، والحليفة منها بالتحديد، التي رأى فيها بول وولفويتز أنها تتسم بـ (الجمود السياسي) وتعكس حالة النزاع الاستراتيجي المتقادم بين بريطانيا وفرنسا، لا بد من إعادة تشكيلها وكذلك طريقة بناء السلطة.
إذا كانت وسائل الإعلام الأمريكية لم تخف شيئاً من أهداف استراتيجية الأمن القومي الأمريكية التي أعلنها الرئيس الأمريكي جورج بوش في الذكرى الأولى لتفجيرات منهاتن، إلا أن ريتشارد بيرل رئيس مجلس السياسة الدفاعية (سابقاً)، كان أكثر وضوحاً وصراحة عندما أعلن موجهاً كلامه إلى الأنظمة السياسية العربية: (جاء دوركم، مؤكداً أن العراق هدف تكتيكي، والسعودية هدف استراتيجي، ومصر الجائزة الكبرى. لا بل إن المحافظين الجدد في طرحهم لهذه الاستراتيجية ركزوا بشكل خاص على أن هذه الاستراتيجية لا يمكن تحقيقها إلا من خلال سياسة (الفوضى البناءة أو الخلاقة)، التي يمكن أن تقلب وتهز (الأنظمة الراكدة سياسيا) وتخلخل بنيتها، وسقوطها، ودحرجتها الواحدة بعد الأخرى طبقاً لنظرية (الدومينو)، ولا سيما بالنسبة للأنظمة الممانعة للسياسة الأمريكية التي وصفتها إدارة البيت الأبيض بـ (الدول المارقة) التي اتهمت بإيواء (المنظمات الإرهابية) أو سعيها لامتلاك أسلحة التدمير الشامل، حيث القائمة التي صنفها ريتشارد بيرل بعد أحداث 11 سبتمبر 2001، مؤكدا في تقريره الذي رفعه إلى الرئيس بوش، أن (الذين يعتقدون أن العراق يحتل صدارة قائمة الإرهابيين الذين ينبغي التصدي لهم، يجب أن يفكروا أيضاً في سوريا أو إيران أو السودان أو اليمن أو الصومال أو كوريا الشمالية أو لبنان أو سلطة الحكم الذاتي الفلسطيني، فهذه حكومات أو مؤسسات تسمح بالقيام بالأعمال الإرهابية وتحمي الإرهاب. وعندما أشير إلى هذه البلدان ثمة من يحاجج بأنه ينبغي علينا نحن الأمريكيين أن نخوض الحرب ضد عدد كبير من بلدان العالم، إلا أن الجواب الذي أقدمه هو أننا لو قمنا بإزاحة حكومة أو حكومتين إرهابيتين، فعندها سيعيد الباقون حساباتهم، ونكون قد أقنعنا الآخرين بالتوقف عن هذا العمل. إذ عندها نسوي أمراً، سنقول للبلدان الأخرى: الآن سيأتي دوركم، وإذا لم تكفوا أيديكم فسنتعامل معكم كما تعاملنا مع البلد الذي سبقكم).
وفي نشوة (انتصارها) في الحرب التكنولوجية المتقدمة وغير المتكافئة، وزهو جوقة المحافظين الجدد بأفكارهم وطروحاتهم، تجاهلت الولايات المتحدة حقائق التاريخ والجغرافية، وغاب عن تفكير قادتها الذين أغراهم (النصر العسكري) أنه من السهل جداً كسب الحرب، ولكنه من الصعوبة (بناء السلام)، وأن الدين ليس أفيون الشعوب، وإنما فيتامين الشعوب الفقيرة على حد تعبير ريجي دوبريه، وهذا ما أثبتته المقاومة الوطنية العراقية. فبدلا من أن تطمئن دول الجوار العراقي التي صنف قسم منها ضمن محور الشر وبالدول المارقة، وحتى تلك الأنظمة التي سهلت لها العبور لغزو العراق واحتلاله، وتبدد مخاوفهم من تداعيات الحدث المأساوي العراقي، فإن الولايات المتحدة تمادت في غطرستها، وأعلنت صراحة أن ما جرى في العراق يمكن أن يتكرر في دول أخرى مرشحة على قائمة الانتظار، وأن الأنظمة المعادية للسياسة الأمريكية ستتدحرج الواحدة بعد الأخرى. فاتجهت نحو سوريا في إثارة الملف اللبناني ومحاصرتها وعزلها بموجب قانون محاسبة سوريا الذي أصدره الكونغرس في نهاية 2003. وفي الوقت الذي صعّدت من حربها السياسية والإعلامية والدبلوماسية ضد سوريا وإجبارها على الانسحاب المذل من لبنان واتهامها بقتل الحريري، بدأت ملفات البرنامج النووي الإيراني تخرج من أدراج وزارة الخارجية الأمريكية إلى ساحة المواجهة الجدية والتحدي المكشوف بعد وصول الرئيس أحمدي نجاد إلى كرسي الرئاسة في طهران.
وإذا كانت الأمم المتحدة ومقر الوكالة الدولية للطاقة الذرية هي الميدان الدبلوماسي لمناقشة تداعيات استمرار إيران في تخصيب اليورانيوم وتطوير برنامجها النووي، فقد غدت الساحة العراقية ميدان تصفية الحسابات السياسية الحقيقية وتسوية هذا الملف بمنطق آخر وأسلوب يخفف من ضغوط الميدان الدبلوماسي واحتمالية فرض القرارات العقابية. والكويتيون، بدورهم لن ينسوا ما حصل لهم في (1990- 1991) من غزو وتدمير، وهذه فرصتهم للانتقام والعمل على جعل العراق يعيش في حالة من عدم الاستقرار وانعدام الأمن تحكمه الميليشيات والقبائل والطوائف والقوميات أفضل بكثير من عراق قوي موحد تحت ظل سلطة مركزية تعود للمطالبة مرة أخرى (بحقوقها التاريخية). وتركيا التي رفضت جعل أراضيها ممراً لغزو واحتلال العراق لا يمكن أن تسمح بـ(دولة كردية) مجاورة تهز كيانها الاجتماعي ووحدتها الوطنية والقومية، وتخشى من أي صيغة، وحتى الفيدرالية، من أن تصبح واقعاً دستورياً وسياسياً جديداً في المنطقة، ناهيك عن مراقبتها الحذرة لما يجري تجاه (جاليتها التركمانية) في مدينة كركوك التي تجثم على برميل من البارود ينتظر الانفجار بين لحظة وأخرى. والمملكة العربية السعودية التي تخشى من قيام نظام مجاور لها يهيمن عليه الشيعة أكثر مما تخشاه من مبادرات الإصلاح السياسي وإجبارها على التغير نحو إقامة الحكم الصالح بدلاً من نظام الحكم القائم. الدولة الوحيدة من دول الجوار التي ليست لديها حسابات سياسية في العراق، هي الأردن، على الرغم من التصريحات السياسية ذات الطبيعة الطائفية، إلا أن للحسابات الاقتصادية أولوية في الاهتمام السياسي الخارجي الأردني. ومن هنا، فإن مؤتمرات دول الجوار الدورية التي بدأتها أنقرة قبل الحرب وخلالها لم تكن تهدف في حقيقة الأمر إلا لاحتواء تداعيات سقوط النظام العراقي في بغداد وليس بهدف مساعدة الولايات المتحدة أو التخفيف من أعبائها العسكرية. وفي هذا الصدد فإن السؤال الذي يطرح هو: ماذا بوسع الأنظمة المدرجة على قائمة التغيير بالقوة العسكرية أو بالخيارات الأخرى ومن بينها القرارات الدولية أن تعمل في المحافظة على أمنها وإفشال أو التصدي إلى حين للمخططات التي تستهدفها؟
في الواقع، إن الدول المجاورة للعراق والمتهمة بالتدخل في شؤونه الداخلية، وطالما ترددت هذه التهم وفي أكثر من مناسبة، من خلال المؤتمرات الصحفية للمسؤولين الأمريكيين وكذلك العراقيين وكان آخرها تصريح رئيس الوزراء نوري المالكي خلال مؤتمره الصحفي خلال عيد الفطر المبارك الذي شدد على أن (العراق لا يزال يحتفظ بالصداقة والحكمة إزاء تدخل الدول المجاورة بالشأن العراقي) وإن لم يحدد من هي هذه الدول، فإن هذه الأخيرة أدركت وهذا منطق السياسة أنه لا خيار أمامها إلا باستخدام السياسية الأمريكية نفسها في (الحرب الاستباقية) وذلك من خلال (التدخل الاستباقي) ومنازلة الولايات المتحدة على الأرض العراقية، حيث الأوراق العديدة التي تمسك بها، سواء كان من خلال الميليشيات أو الأحزاب السياسية ذات التوجهات والبرامج الدينية الطائفية. فمفهوم الحرب الاستباقية ترجمته دول الجوار العراقي إلى التدخل الاستباقي والدفاع عن النفس طبقاً لما قدمته الإدارة الأمريكية من سابقة في تفسير المادة (51) من ميثاق الأمم المتحدة، على الرغم من أن هذه الدول تنفي جملة وتفصيلا هذه الاتهامات وفي أكثر من مناسبة.
وإذا كانت الولايات المتحدة قد ذهبت إلى الحرب من أجل أن يتحول العراق إلى الساحة المفتوحة لمواجهة (القوى الإرهابية)، فإنه في ظل غياب الدولة وسلطة القانون، والتي صاحبها انفلات أمني وعنف طائفي، فإن كل القوى المعادية للسياسة الأمريكية بضمنها منظمات وحركات غير (دولتية)، وجدت في الساحة العراقية المكان المناسب لتصفية الحسابات القديمة والجديدة مع الولايات المتحدة، وتحقيق أجندتها السياسية على حساب الشعب العراقي، واجتمع الكل تحت شعار: يا أعداء الولايات المتحدة اتحدوا.
ويلاحظ أنه بعد أكثر من ثلاث سنوات على الاحتلال الأمريكي، لم يعد هناك في الخطاب السياسي الأمريكي حديث عن الديمقراطية أو الإصلاح السياسي، وأن نظرية (الدومينو) وتدحرج الأنظمة أثبت فشلها واقع ميدان العراق السياسي والعسكري، وتدحرجت القوات الأمريكية نحو مستنقع الانهيار والخسائر البشرية التي وصلت في شهر أكتوبر 2006 إلى أكثر من مائة قتيل، وهو الرقم الذي هز أركان الإدارة الأمريكية التي كثفت من مؤتمراتها الصحفية إلى درجة أن التناقضات في الخطاب السياسي بين هذا المسؤول والآخر محل انتقاد من قبل وسائل الإعلام الأمريكية التي (اتهمت بمعاداة العراق).
ومن دون أدنى شك، فإن المقدمات الخاطئة لابد أن تؤدي إلى نتائج خاطئة، وهذا هو حال السياسة الأمريكية ليس في العراق وحده وإنما في المنطقة كلها، حيث لم تواجه قوة في الأرض حقداً وكراهية مثلما تواجهه القوة الأمريكية من شعوب المنطقة. وإذا كان هناك من مصالحة يجب أن تحصل فهي بين الولايات المتحدة وشعوب المنطقة، وبالتحديد مع دول الجوار العراقي، التي ليس لديها فقط أجندتها الخاصة، وإنما لأن الداخل العراقي أضحى أكثر ارتباطاً بالمحيط الإقليمي وعلى وفق قواعد اللعبة السياسية التي فرضتها الولايات المتحدة منذ أن قررت شن الحرب على العراق واحتلاله وفرض نظام سياسي على أساس المحاصصة الطائفية والعرقية. وأعتقد أن تشييد عراق آمن ومستقر لا يمكن أن يتحقق على حساب أمن واستقرار بعض دول الجوار لأن ما يحدث في العراق لم يعد شأناً عراقياً وإنما هو شأن إقليمي ودولي، وأن المقاربة السياسية والدبلوماسية تبدو أفضل المقاربات للحوار البنّاء بين جميع الأطراف، وأن الدروس المستخلصة منذ غزو العراق واحتلاله حتى الآن كافية لتضع جميع الدول أمام طريق واحد ألا وهو الجلوس على طاولة الحوار وتسوية كافة الملفات، بما فيها الملف العراقي الذي أصبح الكابوس المهيمن على عقلية إدارة البيت الأبيض الجمهورية التي خسرت في الانتخابات النصفية للكونغرس لصالح منافسيها الديمقراطيين.
::/fulltext::
|
Getting your Trinity Audio player ready...
|
::cck::2886::/cck::
::introtext::
قبل أن تشن الولايات المتحدة الأمريكية هجومها العسكري على العراق، وتعلن عن بداية (عملية حرية العراق)، كشفت وبشكل لا لبس فيه وعلانية عن مخططاتها المستقبلية، ليس في العراق وحده من خلال إقامة نظام سياسي (ديمقراطي) و(مطيع وغني)، وإنما عن إعادة رسم الخريطة الجيوبوليتيكية للمنطقة وتغير أنظمتها السياسية وإقامة أنظمة (الحكم الصالح)، ولاسيما أن الأنظمة القائمة، والحليفة منها بالتحديد، التي رأى فيها بول وولفويتز أنها تتسم بـ (الجمود السياسي) وتعكس حالة النزاع الاستراتيجي المتقادم بين بريطانيا وفرنسا، لا بد من إعادة تشكيلها وكذلك طريقة بناء السلطة.
::/introtext::
::fulltext::
قبل أن تشن الولايات المتحدة الأمريكية هجومها العسكري على العراق، وتعلن عن بداية (عملية حرية العراق)، كشفت وبشكل لا لبس فيه وعلانية عن مخططاتها المستقبلية، ليس في العراق وحده من خلال إقامة نظام سياسي (ديمقراطي) و(مطيع وغني)، وإنما عن إعادة رسم الخريطة الجيوبوليتيكية للمنطقة وتغير أنظمتها السياسية وإقامة أنظمة (الحكم الصالح)، ولاسيما أن الأنظمة القائمة، والحليفة منها بالتحديد، التي رأى فيها بول وولفويتز أنها تتسم بـ (الجمود السياسي) وتعكس حالة النزاع الاستراتيجي المتقادم بين بريطانيا وفرنسا، لا بد من إعادة تشكيلها وكذلك طريقة بناء السلطة.
إذا كانت وسائل الإعلام الأمريكية لم تخف شيئاً من أهداف استراتيجية الأمن القومي الأمريكية التي أعلنها الرئيس الأمريكي جورج بوش في الذكرى الأولى لتفجيرات منهاتن، إلا أن ريتشارد بيرل رئيس مجلس السياسة الدفاعية (سابقاً)، كان أكثر وضوحاً وصراحة عندما أعلن موجهاً كلامه إلى الأنظمة السياسية العربية: (جاء دوركم، مؤكداً أن العراق هدف تكتيكي، والسعودية هدف استراتيجي، ومصر الجائزة الكبرى. لا بل إن المحافظين الجدد في طرحهم لهذه الاستراتيجية ركزوا بشكل خاص على أن هذه الاستراتيجية لا يمكن تحقيقها إلا من خلال سياسة (الفوضى البناءة أو الخلاقة)، التي يمكن أن تقلب وتهز (الأنظمة الراكدة سياسيا) وتخلخل بنيتها، وسقوطها، ودحرجتها الواحدة بعد الأخرى طبقاً لنظرية (الدومينو)، ولا سيما بالنسبة للأنظمة الممانعة للسياسة الأمريكية التي وصفتها إدارة البيت الأبيض بـ (الدول المارقة) التي اتهمت بإيواء (المنظمات الإرهابية) أو سعيها لامتلاك أسلحة التدمير الشامل، حيث القائمة التي صنفها ريتشارد بيرل بعد أحداث 11 سبتمبر 2001، مؤكدا في تقريره الذي رفعه إلى الرئيس بوش، أن (الذين يعتقدون أن العراق يحتل صدارة قائمة الإرهابيين الذين ينبغي التصدي لهم، يجب أن يفكروا أيضاً في سوريا أو إيران أو السودان أو اليمن أو الصومال أو كوريا الشمالية أو لبنان أو سلطة الحكم الذاتي الفلسطيني، فهذه حكومات أو مؤسسات تسمح بالقيام بالأعمال الإرهابية وتحمي الإرهاب. وعندما أشير إلى هذه البلدان ثمة من يحاجج بأنه ينبغي علينا نحن الأمريكيين أن نخوض الحرب ضد عدد كبير من بلدان العالم، إلا أن الجواب الذي أقدمه هو أننا لو قمنا بإزاحة حكومة أو حكومتين إرهابيتين، فعندها سيعيد الباقون حساباتهم، ونكون قد أقنعنا الآخرين بالتوقف عن هذا العمل. إذ عندها نسوي أمراً، سنقول للبلدان الأخرى: الآن سيأتي دوركم، وإذا لم تكفوا أيديكم فسنتعامل معكم كما تعاملنا مع البلد الذي سبقكم).
وفي نشوة (انتصارها) في الحرب التكنولوجية المتقدمة وغير المتكافئة، وزهو جوقة المحافظين الجدد بأفكارهم وطروحاتهم، تجاهلت الولايات المتحدة حقائق التاريخ والجغرافية، وغاب عن تفكير قادتها الذين أغراهم (النصر العسكري) أنه من السهل جداً كسب الحرب، ولكنه من الصعوبة (بناء السلام)، وأن الدين ليس أفيون الشعوب، وإنما فيتامين الشعوب الفقيرة على حد تعبير ريجي دوبريه، وهذا ما أثبتته المقاومة الوطنية العراقية. فبدلا من أن تطمئن دول الجوار العراقي التي صنف قسم منها ضمن محور الشر وبالدول المارقة، وحتى تلك الأنظمة التي سهلت لها العبور لغزو العراق واحتلاله، وتبدد مخاوفهم من تداعيات الحدث المأساوي العراقي، فإن الولايات المتحدة تمادت في غطرستها، وأعلنت صراحة أن ما جرى في العراق يمكن أن يتكرر في دول أخرى مرشحة على قائمة الانتظار، وأن الأنظمة المعادية للسياسة الأمريكية ستتدحرج الواحدة بعد الأخرى. فاتجهت نحو سوريا في إثارة الملف اللبناني ومحاصرتها وعزلها بموجب قانون محاسبة سوريا الذي أصدره الكونغرس في نهاية 2003. وفي الوقت الذي صعّدت من حربها السياسية والإعلامية والدبلوماسية ضد سوريا وإجبارها على الانسحاب المذل من لبنان واتهامها بقتل الحريري، بدأت ملفات البرنامج النووي الإيراني تخرج من أدراج وزارة الخارجية الأمريكية إلى ساحة المواجهة الجدية والتحدي المكشوف بعد وصول الرئيس أحمدي نجاد إلى كرسي الرئاسة في طهران.
وإذا كانت الأمم المتحدة ومقر الوكالة الدولية للطاقة الذرية هي الميدان الدبلوماسي لمناقشة تداعيات استمرار إيران في تخصيب اليورانيوم وتطوير برنامجها النووي، فقد غدت الساحة العراقية ميدان تصفية الحسابات السياسية الحقيقية وتسوية هذا الملف بمنطق آخر وأسلوب يخفف من ضغوط الميدان الدبلوماسي واحتمالية فرض القرارات العقابية. والكويتيون، بدورهم لن ينسوا ما حصل لهم في (1990- 1991) من غزو وتدمير، وهذه فرصتهم للانتقام والعمل على جعل العراق يعيش في حالة من عدم الاستقرار وانعدام الأمن تحكمه الميليشيات والقبائل والطوائف والقوميات أفضل بكثير من عراق قوي موحد تحت ظل سلطة مركزية تعود للمطالبة مرة أخرى (بحقوقها التاريخية). وتركيا التي رفضت جعل أراضيها ممراً لغزو واحتلال العراق لا يمكن أن تسمح بـ(دولة كردية) مجاورة تهز كيانها الاجتماعي ووحدتها الوطنية والقومية، وتخشى من أي صيغة، وحتى الفيدرالية، من أن تصبح واقعاً دستورياً وسياسياً جديداً في المنطقة، ناهيك عن مراقبتها الحذرة لما يجري تجاه (جاليتها التركمانية) في مدينة كركوك التي تجثم على برميل من البارود ينتظر الانفجار بين لحظة وأخرى. والمملكة العربية السعودية التي تخشى من قيام نظام مجاور لها يهيمن عليه الشيعة أكثر مما تخشاه من مبادرات الإصلاح السياسي وإجبارها على التغير نحو إقامة الحكم الصالح بدلاً من نظام الحكم القائم. الدولة الوحيدة من دول الجوار التي ليست لديها حسابات سياسية في العراق، هي الأردن، على الرغم من التصريحات السياسية ذات الطبيعة الطائفية، إلا أن للحسابات الاقتصادية أولوية في الاهتمام السياسي الخارجي الأردني. ومن هنا، فإن مؤتمرات دول الجوار الدورية التي بدأتها أنقرة قبل الحرب وخلالها لم تكن تهدف في حقيقة الأمر إلا لاحتواء تداعيات سقوط النظام العراقي في بغداد وليس بهدف مساعدة الولايات المتحدة أو التخفيف من أعبائها العسكرية. وفي هذا الصدد فإن السؤال الذي يطرح هو: ماذا بوسع الأنظمة المدرجة على قائمة التغيير بالقوة العسكرية أو بالخيارات الأخرى ومن بينها القرارات الدولية أن تعمل في المحافظة على أمنها وإفشال أو التصدي إلى حين للمخططات التي تستهدفها؟
في الواقع، إن الدول المجاورة للعراق والمتهمة بالتدخل في شؤونه الداخلية، وطالما ترددت هذه التهم وفي أكثر من مناسبة، من خلال المؤتمرات الصحفية للمسؤولين الأمريكيين وكذلك العراقيين وكان آخرها تصريح رئيس الوزراء نوري المالكي خلال مؤتمره الصحفي خلال عيد الفطر المبارك الذي شدد على أن (العراق لا يزال يحتفظ بالصداقة والحكمة إزاء تدخل الدول المجاورة بالشأن العراقي) وإن لم يحدد من هي هذه الدول، فإن هذه الأخيرة أدركت وهذا منطق السياسة أنه لا خيار أمامها إلا باستخدام السياسية الأمريكية نفسها في (الحرب الاستباقية) وذلك من خلال (التدخل الاستباقي) ومنازلة الولايات المتحدة على الأرض العراقية، حيث الأوراق العديدة التي تمسك بها، سواء كان من خلال الميليشيات أو الأحزاب السياسية ذات التوجهات والبرامج الدينية الطائفية. فمفهوم الحرب الاستباقية ترجمته دول الجوار العراقي إلى التدخل الاستباقي والدفاع عن النفس طبقاً لما قدمته الإدارة الأمريكية من سابقة في تفسير المادة (51) من ميثاق الأمم المتحدة، على الرغم من أن هذه الدول تنفي جملة وتفصيلا هذه الاتهامات وفي أكثر من مناسبة.
وإذا كانت الولايات المتحدة قد ذهبت إلى الحرب من أجل أن يتحول العراق إلى الساحة المفتوحة لمواجهة (القوى الإرهابية)، فإنه في ظل غياب الدولة وسلطة القانون، والتي صاحبها انفلات أمني وعنف طائفي، فإن كل القوى المعادية للسياسة الأمريكية بضمنها منظمات وحركات غير (دولتية)، وجدت في الساحة العراقية المكان المناسب لتصفية الحسابات القديمة والجديدة مع الولايات المتحدة، وتحقيق أجندتها السياسية على حساب الشعب العراقي، واجتمع الكل تحت شعار: يا أعداء الولايات المتحدة اتحدوا.
ويلاحظ أنه بعد أكثر من ثلاث سنوات على الاحتلال الأمريكي، لم يعد هناك في الخطاب السياسي الأمريكي حديث عن الديمقراطية أو الإصلاح السياسي، وأن نظرية (الدومينو) وتدحرج الأنظمة أثبت فشلها واقع ميدان العراق السياسي والعسكري، وتدحرجت القوات الأمريكية نحو مستنقع الانهيار والخسائر البشرية التي وصلت في شهر أكتوبر 2006 إلى أكثر من مائة قتيل، وهو الرقم الذي هز أركان الإدارة الأمريكية التي كثفت من مؤتمراتها الصحفية إلى درجة أن التناقضات في الخطاب السياسي بين هذا المسؤول والآخر محل انتقاد من قبل وسائل الإعلام الأمريكية التي (اتهمت بمعاداة العراق).
ومن دون أدنى شك، فإن المقدمات الخاطئة لابد أن تؤدي إلى نتائج خاطئة، وهذا هو حال السياسة الأمريكية ليس في العراق وحده وإنما في المنطقة كلها، حيث لم تواجه قوة في الأرض حقداً وكراهية مثلما تواجهه القوة الأمريكية من شعوب المنطقة. وإذا كان هناك من مصالحة يجب أن تحصل فهي بين الولايات المتحدة وشعوب المنطقة، وبالتحديد مع دول الجوار العراقي، التي ليس لديها فقط أجندتها الخاصة، وإنما لأن الداخل العراقي أضحى أكثر ارتباطاً بالمحيط الإقليمي وعلى وفق قواعد اللعبة السياسية التي فرضتها الولايات المتحدة منذ أن قررت شن الحرب على العراق واحتلاله وفرض نظام سياسي على أساس المحاصصة الطائفية والعرقية. وأعتقد أن تشييد عراق آمن ومستقر لا يمكن أن يتحقق على حساب أمن واستقرار بعض دول الجوار لأن ما يحدث في العراق لم يعد شأناً عراقياً وإنما هو شأن إقليمي ودولي، وأن المقاربة السياسية والدبلوماسية تبدو أفضل المقاربات للحوار البنّاء بين جميع الأطراف، وأن الدروس المستخلصة منذ غزو العراق واحتلاله حتى الآن كافية لتضع جميع الدول أمام طريق واحد ألا وهو الجلوس على طاولة الحوار وتسوية كافة الملفات، بما فيها الملف العراقي الذي أصبح الكابوس المهيمن على عقلية إدارة البيت الأبيض الجمهورية التي خسرت في الانتخابات النصفية للكونغرس لصالح منافسيها الديمقراطيين.
::/fulltext::
::cck::2886::/cck::
