المصالحة بين القوى السياسية في العراق.. معضلة الواقع واحتمالات المستقبل
::cck::2887::/cck::
::introtext::
يصعب وضع تاريخ محدد للخلاف الاجتماعي-السياسي بين تكوينات الشعوب العراقية المختلفة، إذ تكاد المشكلات والأحقاد وشواهدها من تصفيات بشعة تبين هشاشة تركيبة هذا البلد، وأن قوة السلطة كانت هي المحافظ الرئيسي على وحدته، وإن أظهرت اختلالاً فاضحاً، إذ إنها لم تعمد إلى تكريس روح المواطنة، إنما كرست الولاء والطاعة للسلطة.
::/introtext::
::fulltext::
يصعب وضع تاريخ محدد للخلاف الاجتماعي-السياسي بين تكوينات الشعوب العراقية المختلفة، إذ تكاد المشكلات والأحقاد وشواهدها من تصفيات بشعة تبين هشاشة تركيبة هذا البلد، وأن قوة السلطة كانت هي المحافظ الرئيسي على وحدته، وإن أظهرت اختلالاً فاضحاً، إذ إنها لم تعمد إلى تكريس روح المواطنة، إنما كرست الولاء والطاعة للسلطة.
خلال أول عامين على دخول القوات الأمريكية أثيرت مشكلات عديدة، لعل أبرزها التعامل البشع مع بقايا تشكيلات المؤسسات السابقة، حيث أجازت عدة قوى سياسية تصفية كوادر حزب البعث العربي المنحل. وكوادر الأجهزة الأمنية الأخرى والقيادات في الجيش السابق (قبل أن يتحول الأمر وبفعل رؤى سياسية إلى الدمج بين تلك التشكيلات وبين السنة العرب لتتوجه عملية التصفية نحو الفئة الأخيرة)، وقطع أرزاق من تبقى منهم على قيد الحياة. ثم توسع الأمر مع استمرار فقدان الأمن وتشكيل أكثر من قوة سياسية لميليشيات ودخولها سباق تصفيات دموية وتهجير كبيرين لإيجاد واقع إقليمي-ديموغرافي- قومي مذهبي- سياسي محدد، نقول توسع ليضع إشكالية جديدة داخل البلد ألا وهي إشكالية الدم بين الأطراف المختلفة. ثم حاولت القوى المهيمنة على العمل الحكومي وضع دستور يلبي مصالحها، فكانت النتيجة أنه فصل وكتب دستور لمرجعيات دينية شيعية وللأكراد، وأريد به كإطار أن يكون دستوراً للعراق، وصارت تجرى باسمه من طلب الفيدرالية، والتصارع على توسيع السيطرة السياسية على المدن، والحق في استعراض القوى تحت مسميات الزيارات (المقدسة)، أبشع الجرائم، يقوم بها (شلة) من القتلة، تجهزهم القوى السياسية والدول الإقليمية، والحكومة العراقية تبرر وتسهل لهم ذلك، والمال مدفوع من بين ثنايا ما يجري تهريبه أو ما تجري سرقته بلا حسيب أو رقيب. والقوات الأمريكية تنظر لترى أي طرف سيخرج منتصراً (إن كان هناك منتصر) لتتفاوض معه. ولا يسأل عما غرس في الصدور حتى ضاقت بها الأرض ذعراً ومن تهتك عرى الأواصر الاجتماعية حتى بات كل جار يطلب جاره أكثر من ثأر، ثأر دماء الرجال والصبية التي سالت، وثأر الترحيل لمن بقي من النساء والأطفال، وثأر سرقة الموجودات والممتلكات، وثأر (تثليم) الروابط الأسرية للأسر المتعدد الارتباطات الطائفية، وثأر السب والشتم والقذف، فهل تسعف في هذا ترضية؟ ربما تحل مشكلة أو اثنتان أو حتى ثلاث إلا أنني أجد صعوبة في أن يحدث عفوا عن كلها، ويضاعف أثر ذلك أن أغلب العوائل لحقها ضيم.
لقد تدخلت جامعة الدول العربية في نوفمبر 2005 وعقدت مؤتمراً تحضيرياً للقوى العراقية المتقاتلة بقصد تحقيق وفاق مقبول يضمن استقرارا لهذا البلد، بعد ثبات عدم جدية القوى السياسية المختلفة في العراق (لم نستخدم كلمة قوى سياسية عراقية لكون أغلب القوى السياسية الفاعلة في العراق لا انتماء عراقياً لها، فهي تتوزع ما بين انتماءات وولاءات إقليمية ودولية، وبين ولاءات طائفية ضيقة. وما بينهما ضاع ولا يستطيع الوطنيون التعبير عن طروحاتهم، فهي تعني أن الدم هو المقابل) في تسوية المشكلات السياسية، أو في توزيع المغانم، إلا أنه وإزاء الرغبات السياسية بممارسة الإقصاء السياسي والعقائدي والاجتماعي الرسمي وتجذر الخلافات أصبح التعامل مع أي وفاق صعباً.
لقد جرى زرع الخلاف ثم جرى الحديث عن مصالحة فهل تنجح؟ وقبلها لنسأل عن أي مصالحة نتحدث؟ وما هي معضلات الواقع في العراق؟
أولاً- معضلات الواقع في العراق
هل نحن معنيون بالمصالحة بين تكوينات الشعوب العراقية؟ أم بين القوى السياسية الفاعلة في العراق؟ أم بين الاثنين معاً؟ المعنى للمصالحة هو ليس الوصول إلى توافق مرحلي، بقدر ما هو الوصول إلى مشروع طويل الأمد يحكم قواعد اللعبة السياسية وقبلها التعايش الاجتماعي، بما يعنيه ذلك من حل، أو في أدناه إيجاد علاجات محكومة بأطر قانونية لمسائل موضع خلافات غير قابلة للحل. ورصدنا للساحة العراقية يبين أن الخلاف يظهر في مناطق التماس الطائفي والعرقي حيث يزداد معدل الأمية والفقر، ويبرز تأثير أدوار رجالات الطوائف الذين يعتاشون على استمرار تعلق العوام بهم، يزيدون في ذلك التعلق عبر زرع ثقافة الخوف من الآخر المجهول الذي لا توجد قنوات حوار عقلانية شجعته بل غذاه التجهيل المتعمد، ويتعلق في الغالب بمسائل وتقاليد شخصية-اجتماعية، وألبس ثياباً سياسية بدافع ما مر به العراق ولوجود المشاريع الخارجية المؤثرة. أما في بقية المناطق، فالخلاف هو سياسي يتعلق حول أيهما أرفع منزلة؟ لتظهر إلى الساحة أسماء العشائر والقبائل، وزيادة في التركيز أعطيت الحظوة إلى أسماء عوائل وكأن القدسية مطبوعة بها وموروثة، والمسألة لا تتعلق بأكثر من احتكار للنفوذ السياسي وزيادة تركيز الوضع المالي.
إن أبرز المعضلات التي أريد للعراق أن يعاني منها هي الآتي:
1-الدستور: الذي يراوح بين نصوص الحريات المتفق عليه وبين المواد المعالجة للقضايا السياسية التي يتطلب حلها أو التعامل معها أو حتى تعديلها أنهاراً من الدماء، كونها لم تكتب للعراق بقدر ما فصل كل طرف مطالبه بين ثنايا فقراتها، والأدهى من كل ذلك أن كافة مواد الدستور لا تزال غير مطبقة رغم مضي نحو عام على إقراره، ولا حتى الحريات.
2-اجتثاث حزب البعث العربي الاشتراكي: حيث أسست هيئة عليا للاجتثاث لتتعامل مع قضية قانونية بفرز من تثبت عليهم تهم جنائية، وسياسية بحظر وجود فكر الحزب المذكور في العملية السياسية، إلا أن عملها انحرف نحو حظر وجود العرب السنة من دوائر الدولة العراقية، ثم زيد عليه إدراج هذه الهيئة في الدستور الدائم.3-الفيدرالية: فالقوى الكردية حصلت على مباركة تكوين إقليم، وبعض القوى السياسية الشيعية تصر على تكوين إقليم هي الأخرى، والمشكلة التي ترافقه هي أن الدستور لم يحدد حدوداً للأقاليم المقترحة، ويختلف السنة وبعض القوى الشيعية مثل حزب الفضيلة على توقيت إقامة أقاليم في بقية مناطق العراق، ويضغط الأكراد من أجل توسيع إقليمهم خارج دائرة المحافظات المتفق عليها سياسياً أثناء كتابة الدستور الدائم نحو الموصل وديالى، وفرض أمر واقع في كركوك لتسهيل تمرير الاستفتاء على مصيرها المزمع عقده نهاية العام 2007.
4-الميليشيات: فأي شخص يقرر التجول في العراق يكتشف ألا سلطة لحكومة في العراق، فأغلب تشكيلات وزارتي الدفاع والداخلية هم أعضاء منتمون إلى الميليشيات المختلفة، إما عن قناعة أيديولوجية-عقائدية أو دفع الضرر. ولهذا ليس مستغرباً أن يسمع المرء عن قتل أعداد قد تصل إلى 100 شخص في ظروف وجود حالة الطوارئ وحظر تجوال تام في مدينة ما! كما أن المواطن أصبح يخشى الذهاب إلى دائرة أمنية لكونها أقرب إلى مقر الحزب منها إلى أي شيء آخر (بدلالة الإعلام، الصور، اللافتات المؤيدة أو الرافضة لهذا الطرف أو ذاك). وفي أفضل الأحوال هو استخدام معدات وتسهيلات الأجهزة الأمنية في القيام بعمليات الإبادة الجماعية. أما في أطراف بغداد فإن وجود الدولة معدوم وتقوم الميليشيات بمهام التفتيش والمداهمات إلى المنازل والاعتقال والقتل وتنفيذ القصاص والتهجير.
5-المقاومة والإرهاب: وهذه من بين أبرز الإشكاليات التي نجح الأمريكان والقوى الشيعية في زرعها في الجسد العراقي، فمن خلال عمليات عنف محسوبة (لم يبت إلى هذه اللحظة بمعالم أي تحقيق) وكثرتها وتهيئة الإعلام لذلك، صار الخطاب السياسي للحكومة والقوى المؤيدة لها يرفض أي عمل مسلح يقع من الأطراف الأخرى المعارضة للعملية السياسية، بل تم وصفه بالإرهابي. وانكروا هذا الحق حتى في اجتماع القاهرة التحضيري، بل اعتبر المالكي في مبادرته ضمناً (ضرب القوات الأمريكية نوعاً من الاعتداء)، وأنكر حق جميع تلك الأطراف في المصالحة.
ما تقدم إلى أين سيقودنا؟ وبين من، ومع من ستجري المصالحة؟ لقد وقع العراق في دوامة الفوضى والعنف، وأشكاله عديدة منها، العمليات الانتحارية، الإعدامات الفردية والجماعية التي تقوم بها الميليشيات الشيعية بمباركة السلطات الحكومية وأحياناً بآلياتها وتجهيزاتها وأفرادها. وقد أحصى الباحث 176 حالة إعدام جماعي خارج القانون قامت بها الميليشيات بشكل معلن عنها للفترة من مايو 2005 إلى سبتمبر 2006، يتراوح أعداد المغدورين فيها من العرب السنة بين 30-74 شخصاً، في المنطقة الممتدة بين قضاء المحمودية جنوباً إلى الكوت شرقاً إلى قضاء بني سعد في محافظة ديالى شمالاً إلى حي الخضراء غرباً، وكانت بعض عمليات الإعدام قد تمت ضد أفراد جرى جلبهم من مدن سامراء وديالى، ونصفها ضد مسجونين لم تهيئ الحكومة إثباتات على وجودهم أو التهم الموجهة ضدهم فتتم تصفيتهم بين الحين والآخر كلما أريد توصيل رسالة بين القوى السياسية- أما عمليات القتل دون ذلك العدد (وأغلبه جماعي أقل من 30 إنساناً) فإنها وصلت أضعاف تلك المرصودة.
والقتل بعمليات الاغتيال الفردي أو أثناء التعذيب في سجون القوى السياسية والميليشيات وحتى سجون الحكومة أو لاعتبارات طائفية ومن كلا الأطراف، فقد وصلت إلى مئات الآلاف دون أي مواربة. وما قتلته القوات متعددة الجنسية فإنه لا إحصائيات رسمية تذكره، بل إن الأمر كله في باب التقدير، أما ما تسجله وزارة الصحة فهو إحصائيات لما يردها من جثث فقط، لذلك لا نجد في العراق استغراباً من قول أو إعلان مانفرد نوفاك المحقق الخاص لشؤون التعذيب في الأمم المتحدة غداة غزو العراق باسم الحرية والديمقراطية، أن (الوضع لا يمكن السيطرة عليه، وأن لجوء قوات الأمن والميليشيات المسلحة والمتمردين إلى العنف قد يكون أسوأ من أيام صدام).
وبعض ما نثبته هنا هو الآتي:
أ-أخليت أغلب مناطق العرب السنة في بغداد من السلاح، وسمح للميليشيات بحمل السلاح، ولا يسمح للعروبي وللمسلمين السنة بحمله، وإلا وقعوا تحت طائل الإرهاب ومن ثم مواجهة القوات الأمريكية والحكومية، والتهم الجاهزة هي أنهم إما تكفيريون أو صداميون أو إرهابيون.
ب-غزو المناطق المتبقية في بغداد من ذوات التبعية العروبية ومن العرب السنة بشكل شبه يومي، تساعدها القوات الحكومية، وفي أحيان يتجهون إلى اعتقال شباب العرب السنة، من دون أوامر قضائية لنجد خلال أيام أو أثناء طلب تنازلات في مواقف تفاوضية سياسية جثثهم على الطرقات وقد شوهت.
ج-تنقلت في نحو عشر مناطق داخل العاصمة العراقية، ووجدت أن المتبقي من مناطق العرب السنة يقصف يومياً بالهاون (عيار 81) وأغلبه صنع في إيران، وبعضه يجري إطلاقه من نقاط الدوريات للشرطة والحرس الحكوميين، ومن يقتل فيها يعلن أنه قد جرى قتل إرهابي.
د-أخليت مدينة الثورة وحي الزهور (الرصافة) والكاظمية والشعلة والشرطة الخامسة (الكرخ) من العرب السنة نهائياً، وكانت هذه في السابق تحوي عرباً سنة بنحو 15-20 في المائة، وأنا هنا أتحدث عن نحو 3 –4 ملايين إنسان، أما في مناطق التماس الأخرى في إجمالي مناطق الرصافة شرق بغداد فتقوم قوات للميليشيات وبمساعدة قوات الشرطة بأوسع عمليات تهجير قسري ولا يسمح بحمل أي ممتلكات، بل جرى وبعلم الأجهزة المعنية وبالتواطؤ معها وغياب الحيادية والنزاهة والمهنية الاستيلاء على ممتلكات العرب السنة بوصفهم (نواصب)، وأثناء حديث مع مواطن شيعي قال بالحرف إن هناك فتاوى يجري تمريرها شفاهاً تجيز ذلك، أما الحكومة فلا تتدخل.هـ-أنقل للقارئ جزءاً من الصورة في مناطق الشعب وبوب الشام والوزيرية وبغداد الجديدة والكرادة والدورة والمحمودية والمدائن وهي مناطق كان العرب السنة يشكلون فيها نحو 60 في المائة من نحو 1.5 إلى مليوني إنسان. ففي هذه المناطق يجري يومياً اعتقال نحو 50-60 إنساناً، كمعدل، وتظهر يومياً كمعدل نحو 50 – 60 جثة مشوهة. كيف يجري ذلك؟ بطريقتين اثنتين:
الطريقة الأولى، دهم المنازل واعتقال الشباب، في الفترة أيار 2005 إلى أيار 2006 كانوا يقومون بذلك عبر رداء الشرطة وآلياتها. أما منذ مايو 2006 فلا يتنكرون بل يلجأون مباشرة إلى دهم المنازل واعتقال شبابها في الوقت الذي تقوم فيه قوات حكومية بإغلاق الطرقات وتوفير الإمدادات، وتكون الحركة ضمن مجموعات مسلحة تقع بين 40-100 عنصر.
الطريقة الثانية، أن تقوم الميليشيات التابعة لجماعات سياسية شيعية بنصب الدوريات وإيقاف المارة والعجلات وبالقرب من مناطق الدوريات الرسمية أو مراكز الشرطة لتفادي الرد عليها من قبل الأهالي، ثم يجري اعتقال العدد المطلوب.
يرافق كلا الأسلوبين أسلوب ثالث في عمليات القتل تقوم به عناصر وزارة الداخلية والحرس الحكومي عبر إجراء تصفيات يومية منتظمة على المحتجزين الذين لا يوجد إثبات قانوني باعتقالهم سوى رؤية أهالي المجني عليه وأهالي المنطقة باعتقاله من دورية حكومية. وأنا أتحدث هنا عن مواطنين عاديين وليس عن أشخاص تمتعوا بمنصب إداري أو سياسي أو حزبي ضمن الفترة السابقة لحكم العراق، فهذا إن وجد فمصيره الهلاك لا محالة.
و-أما من يقتل أو يرتضي التهجير قسراً دون ممتلكات فيسلم منزله وممتلكاته إلى أسر يجري إغراؤها بالهجرة من جنوب العراق أو من إيران (وربما تستغربون) لتغيير التركيبة السكانية لمدينة بغداد. وتلك العوائل تمنح مبلغاً قدره 750 دولاراً وتجهيزات غذائية مستمرة وراتباً شهرياً قدره 100 دولار كإعانة، وتسهيلات في التوظيف وإدراجها في مشروعات الإسكان الدائم في بغداد، وكل ذلك يجري بوساطة مكاتب القوى السياسية الشيعية التي تدير مؤسسات الدولة وليس العكس. أما طلب المساعدة من قوات الحكومة فمعناه كارثة أخرى لأن طالبها يكون قد فضح نفسه بكونه من العرب السنة فيتعرض للقتل لا محالة.
ن-وهكذا خشية القتل الذي صار يداهم الأفراد في منازلهم، وأسبابه تتراوح بين إحدى التهم الجاهزة التي باتت تعد تهماً جنائية توجب القتل: كونك من العرب السنة، وتضاعف الجريمة في الحالات أدناه حيث تتطلب قصاصاً عاجلاً: كونك ترتاد جامعاً لأداء مناسك وعبادات، كونك شاباً ذكراً، كونك من عشائر محددة (عشائر المناطق الغربية والوسطى من العراق). أما أن تكون حاملاً لمؤهل أو منصب فهذا عذر آخر قوي للتصفية مادام هذا الشخص ينافس إنساناً شيعياً آخر وهذا التنافس غير مرغوب. وربما تستغربون فبعض المناصب يتولاها فرس!
إن الاعتراف بوجود المشكلة يشكل خطوة أولى في اتجاه إيجاد مخرج، في حين أن تجاهلها لا يمكن إلا أن يؤدي إلى تعميق المشكلة واستفحالها مع مرور الوقت. وما يستهدف المصالح والوجود الأمريكي أضعه (وهذه وجهة نظرنا الشخصية) في دائرة المباح إلى حين اعتماد جدول زمني واضح وصريح لانسحاب القوات الأمريكية من الأراضي العراقية في فترة 2ـ3 سنوات. وما يستوقفنا هو التوجه لضرب العراقيين المدنيين. فإلى ماذا نعزو ذلك؟ هناك ثلاثة عوامل تعلل العنف:
أولاً – عدم وجود دولة بالمعنى المتعارف عليه، من حيث القدرة على الإدارة وضمان حياديتها في توفير الأمن والفرص والواجبات والحقوق على أساس المساواة السياسية. واليوم، تحاول بقية تشكيلات الحكومة إدارة دولة من دون وزارات فعلية وإدارات. فلا يملك الموظفون أي نفوذ خارج الأسوار التي تحميهم. ويحاول العراقيون العاديون المضي في حياتهم بما تيسر من دون مساعدة دولتهم التي تركتهم للمجرمين والمسلحين والمتمردين والميليشيات وحكم رجالات الطوائف.
ثانياً – ضعف في أداء الولايات المتحدة لمسؤولياتها، فبعد أكثر من ثلاث سنوات لم تحاول إعادة بناء دولة. إنما نقلت السلطة إلى (شلة) من سياسيين هواة، ولاء أغلبهم ليس للعراق.
وثالثاً – تعثر النخبة الحاكمة في الاضطلاع بالإعمار. فمنذ يونيو 2004 توالى على رئاسة الحكومة ثلاثة، إياد علاوي وإبراهيم الجعفري فنوري المالكي، لا خبرة لهم في إدارة شؤون حكم، فكيف ببناء دولة؟ وتعاني الحكومة، اليوم، من الفساد والانشقاقات والتنافر. وهي أثبتت فشلها في بسط النظام في البلاد، ومساعدة العراقيين على إدارة شؤون حياتهم، بل كان للاثنين الأخيرين منهم دور في ذلك؟
هذه العوامل دفعت إلى تشجيع بروز التصفيات تحت غطاء الثأر، الصراعات السياسية، إساءة استخدام المسؤولين الرسميين لمراكزهم الوظيفية، رغبات خارجية في فرض أجندة سياسية معينة في البلاد أو إلباس العمل الرسمي العراقي رداء معيناً يتواءم ومصالح تلك الأطراف الخارجية، وتأتي في مقدمتها الولايات المتحدة وإيران.
لقد كانت تركة النظام السابق ثقيلة، لكنها لم تكن أبداً طائفية أو قومية بل كانت تركيبة قائمة على أساس إدامة بقاء نظام سياسي اشتملت على أشخاص من تركيبة الشعب من دون أن يمثلوا فئاتهم، وما جرى من تعميمات بشأن الوضع العراقي صار غير مقبول:
أ- سياسة اجتثاث البعث فيها من المثالب ما لا يحصى.
ب- نجح الأمريكيون والإيرانيون في إثبات زيف وطنية شرائح واسعة من العراقيين، غير الواعين أو المدركين لخطورة ما جرى ويجري. فهناك غرائز سلبية تثار عند القول إن شيعياً أو سنياً قتل أو تركمانياً. وهناك غرائز سلبية تثار عند القول إن كنائس قد جرى تفجيرها، أو أحاديث عن نسب التكوينات. وهناك جو عام لدى السنة العرب بأن هناك مخططاً يرمي إلى إقصائهم عن الحياة السياسية، وشعوراً عاماً لدى الشيعة أن أمامهم فرصة لا تعوض للاستيلاء على البلد وحكمه.
ج-إن خوف البعض ناجم عن الظلم الذي أخذوا يمارسونه، والخوف أخذ يدفع باتجاه مزيد من التطرف. وإذا كان هناك واقع لا مفر من الاعتراف به، فإنه يتمثل في التضييق على فرص عيش العراقيين عبر عدم فتح مجال متساو أمام التوظيف، وعدم توفير عادل لخدمات مثل الكهرباء والوقود والأمن والطرق السالكة لتمكين أصحاب الأعمال من مزاولة عملهم، كما أدى ازدياد معدلات الفقر إلى اتساع نشاط التنظيمات الإسلامية، وخاصة تلك التي تدعو إلى استخدام العنف في إحداث التغيير السياسي المطلوب سواء ضد القوات الأمريكية أو ضد المسؤولين العراقيين الذين يدينون بالولاء للولايات المتحدة أو إيران.
ثانياً: مبادرات المصالحة
مما تقدم نلاحظ أن المعضلة في العراق ظهرت نتيجة عدم اعتراف القوى ببعضها البعض، واعتمادها سياسة الإقصاء كمبدأ، بل وظهرت تطبيقات فكرة الإقصاء في التصفية، وظهرت دعوات المصالحة لما لم تستطع تلك القوى من استكمال أجندات إبادة الآخر دون إثارة المزيد من الانتقاد، وأقلها الظهور بدعاوى الطرف القادر. وإزاء الرغبة بالتمكن ظهرت عدة مبادرات، بعضها حمل أجندات بريئة في حل المعضلة في العراق، وأهمها ثلاث مبادرات هي:
المبادرة الأولى، مبادرة جامعة الدول العربية للوفاق بين القوى السياسية
عقد في جامعة الدول العربية في الفترة بين 20-22 نوفمبر 2005 الاجتماع التحضيري بين القوى السياسية المتنافرة، وكانت دعاوى كل طرف يصعب تعايشها مع دعاوى الأطراف الأخرى، ولا يوجد من بدائل إلا القلة. وأهم ما جرت مناقشته فيه هو: عودة حزب البعث العربي الاشتراكي والبعثيين إلى الحياتين السياسية والوظيفية، وضع جدول زمني لانسحاب القوات الأجنبية، احترام موقف جميع أطياف الشعب وعدم إعاقة العملية السياسية، والمقاومة والإرهاب. وظل بند المقاومة عقبة أمام لجنة اجتماع القاهرة في ظل تمسك كل طرف بوجهة نظره. فأحزاب الحكومة رفضت الاعتراف بهذه المقاومة باعتبارها عمليات عشوائية، ورأت أن الحوار السياسي مع القوات الأجنبية هو أفضل الطرق، خاصة أن وضع هذه القوات أصبح وفقاً (لمنظورها) قضية عراقية بموجب القرارات الدولية، وأنها ستخرج آجلاً أم عاجلاً بعد إكمال بناء القوات العراقية. أما القوى الرافضة للاحتلال وعلى رأسها هيئة كبار علماء المسلمين (العرب السنة) والمؤتمر الوطني التأسيسي الذي يضم 19 فصيلاًً وحزباً سياسياً فقد رأت ضرورة الاعتراف بوجود مقاومة مسلحة وأنها السبيل الوحيد لإنهاء الاحتلال.
واختلف الفرقاء في تعريف الحالة التي هم بصددها فهل هم مقبلون على مصالحة أم وفاق، فقرروا أنهم مقبلون على وفاق، أريد به تهيئة البلاد للخروج من أزماتها في ظل عدم غياب أو تغييب أغلب القوى في العراق. وكانت أهم محطاته تشكيل مجموعات عمل الأولى معنية بالإعداد لمؤتمر الوفاق لتحديد موعد ومكان وجدول أعمال مؤتمر القوى السياسية وآلية المتابعة. والثانية معنية بعمليات بناء الثقة بين الأطراف كافة. ولقد توصل اللقاء إلى عدد من النتائج التي ضمنها البيان الختامي، أهمها تحديد معايير لمشاركة الأطراف في المؤتمر المقبل بـ (التمثيل الموسع والمتوازن لمختلف مكونات الشعب ومؤسسات المجتمع المدني، التزام الحوار والنهج الديمقراطي ونبذ العنف). وقد حدد جدول أعمال المؤتمر مسبقاً بدراسة (توسيع العملية السياسية لتشمل جميع القوى، وحدة العراق وسيادته ووضع جدول زمني لإنهاء الوجود الأجنبي، الوضع الأمني ويشمل العلاقة مع دول الجوار، المساواة في المواطنة، البحث في مشكلة الديون العربية للعراق لإسقاطها أو خفضها ودور مؤسسات التمويل العربية في إعادة الإعمار). على أن تعمل كافة الأطراف عدداً من إجراءات بناء الثقة من قبيل الابتعاد عن تبادل الاتهامات، عدم استخدام المنابر الدينية والسياسية والإعلامية للتحريض على الكراهية والفرقة، إيجاد صيغة عملية لعمل لقاءات منتظمة بين القوى السياسية لتهيئة المناخ لتحقيق الوفاق، وضرورة مراجعة وضع المعتقلين في أسرع وقت ممكن وإطلاق سراح من لم تثبت إدانته ووقف المداهمات إلا بأمر قضائي موثق وإشاعة جو من الأمن والطمأنينة.
إن الإخفاق داهم نتائج اجتماع القاهرة بشكل مبكر، فالمعضلات التي يعاني منها البلد لها مظاهر، كما أن لها أسباباً. ولعل أهم مظاهر الأزمة التي يجري الاتفاق عليها هي: غياب الثقة بين القوى السياسية والرغبة بالحصول على أكبر قدر من الغنيمة السياسية والاقتصادية الرسمية، مع استرخاص إراقة الدم، وغياب المشروع الوطني لدى أغلب الأطراف الفاعلة. وعموماً علينا إدراك ما جابهته نتائج لقاء القاهرة، فالقضية العراقية شديدة التعقيد، بل هي داخلة مرحلة حرب أهلية بين القوى السياسية غير معلنة رسمياً، والأمر يحتاج لأكثر من مؤتمر، وجاء عقد الاجتماع التحضيري قبل وقت قريب من الانتخابات العراقية ليعطي رسالة خاطئة مفادها أن أغلب ما طرح في أعمال لجنة بناء الثقة كان لأغراض دعائية. وأن أغلب من توجه إلى القاهرة لم يكن راغباً في المصالحة بالقدر الذي رغب فيه في إبراز وجوده كطرف فاعل له حضور، ولعل واحدة من المفارقات أنه خلال أسبوع واحد فقط بعد اجتماع القاهرة جرت عمليات اغتيال واسعة لقيادات سياسية ودينية باستخدام مؤسسات الدولة الناشئة من جيش وشرطة من قبل أحزاب عدة، وتحديداً المجلس الأعلى والحزبين الكرديين، وكذلك اجتياح مناطق محددة، وزرع حالة عدم الاستقرار فيها، والبدء بمحاولة قسرية واسعة النطاق لتغيير التركيبة السكانية لمحافظة ديالى وأطراف بغداد، زاد عدد ضحاياها على الألفين خلال يومي29-30/11/2005، والذين فقدوا فيها زادوا على السبعة آلاف!
أما أسباب هذه المظاهر فهي ثلاثة: أولها، غلبة التأثير الخارجي على التكوين الداخلي ونتيجته غياب الوطنية، حيث يلاحظ أن أغلب الأطراف لا تزال وكل حسب انتمائه العرقي أو الطائفي أو الثقافي يمجد لطرف خارجي ويعمل على تحقيق أجندته في العراق، وثانيها، غياب التوافق الوطني بين الأطراف ونتيجته غياب المواطنة أيضاً، ويصعب تحقيقه في ظل بقاء أثر السبب السابق. وثالثها، غياب مفهوم التراضي أو الاندماج الاختياري في تشكيل الدولة. فالعراق يعاني من معضلة عدم تكون هوية وطنية مميزة.
المبادرة الثانية، مبادرة رئيس الوزراء نوري المالكي
لقد أراد المالكي طرح نفسه باعتباره رجل المرحلة الجديدة. ومهّد لذلك بإعلان مواقف متشددة من الميليشيات التي تفاقمت مشكلتها مؤكداً عزمه على حلها وإنهاء مشكلة التهجير الطائفي وفتح باب الحوار مع حاملي السلاح والتمييز بين المقاومة والإرهاب مع تعهد بضمان الأمن وتفكيك الشبكات الإرهابية، لكن تحركاته الأولى اصطدمت بمعوقات يمكن أن تدرج جميعها ضمن مخلفات أخطاء مرحلة ما بعد الاحتلال وتراكماتها الكارثية. فالميليشيات أكثر قوة من جسم الدولة، كما أن ساحة ائتلافه ليست سليمة أو حيادية فهي التي بنت ورسمت مسار عمل الميليشيات. والتداخل بين معسكرات الإرهاب والمقاومة صار أكثر تعقيداً ابتداء من أحداث سامراء، إذ إن الصراع أخذ منذ ذلك الحين طابع مواجهات وحروب وتصفيات سرية أو علنية بين الميليشيات والأهالي من السنة العرب وباستخدام ورقة قتل الأهالي من السنّة والشيعة، وصار الإرهاب عملياً لصيقاً بالميليشيات الشيعية أكثر منه لصيقاً بالتنظيمات السنية. وعلى هامش ذلك كانت العملية السياسية تجري بصورة متعثرة وفق تقليد تم تجذيره بوحي من الاستقطاب الطائفي، ويذهب إلى احتفاظ كل طرف سياسي بآرائه ومواقفه حتى بعد انضوائه في الحكومة. وصار من الدارج في حكومة المالكي كما كانت الحال في سابقاتها، أن يدلي أعضاؤها بآراء ومواقف متناقضة تماماً بل أن تستمر حملة تبادل الاتهامات بين الشركاء السياسيين وتصل إلى اتهام مسؤولين حكوميين زملاء لهم في الحكومة بالتورط بدعم الإرهاب أو قيادة فرق الموت. وجاء نص مبادرة المصالحة التي أطلقها المالكي بصياغات عامة خالية من بنود جرى تسريبها لوسائل الإعلام تضمنت اعترافاً بحق مقاومة الاحتلال والعمل على جدولة الانسحاب، بفعل ضغوط المجلس الأعلى رفض الاعتراف بالمقاومة أو السماح للبعثيين أو لفكر البعث بالوجود في العمل السياسي. ناهيك عن رفض جهات أخرى وصف الميليشيات الشيعية باعتبارها تنظيمات خارجة عن القانون والتمسك بضمان حقوق تلك الميليشيات مشابهة لتلك التي حصلت عليها ميليشيات البشمركة الكردية.
وكانت أولى الجماعات الرافضة للمبادرة عملياً هي ميليشيات جيش المهدي (ائتلاف قيادات تنظيمات المجلس الأعلى وقواعد الصدريين، وليس الصدريين فقط كما يوهم الإعلام بذلك). أما المجموعات المسلحة فإن الطيف الأوسع والأكثر تأثيراً في واقع العمل المسلح رفض المبادرة في بيانات مكتوبة. فمجلس شورى المجاهدين الذي يضم تنظيم قاعدة الجهاد في بلاد الرافدين لم يحفل بمناقشة المبادرة، خصوصاً أنها تزامنت مع مقتل زعيم التنظيم أبو مصعب الزرقاوي، بل وجه تحذيراً إلى الجهات التي يمكن أن تفكر بالتعامل معها وكثف من عمليات التفجير التي تخترق الخطط الأمنية وتحمل رسائل تصعيد من شأن تفاقمه تقويض أي آفاق محتملة للمصالحة. أما مجموعات مثل: الجيش الإسلامي، وكتائب ثورة العشرين، وجيش المجاهدين، والقيادة العامة للقوات المسلحة، وكتائب الناصر صلاح الدين، وعشرون مجموعة متوسطة أو صغيرة أخرى فإن مواقفها اتسمت بتحليل المبادرة وتحديد مناطق الضعف فيها معتبرة أنها لا تصلح لتكون مفتاحاً للحل. هذه المجموعات لم ترفض المصالحة من حيث المبدأ وإنما تفترض جملة من الثوابت التي تندرج ضمن نطاق الاعتراف بها كمقاومة شرعية وما يترتب على هذا الاعتراف من التزامات حكومية. إضافة إلى بحث حل نهائي لمشكلة الميليشيات مقابل هدنة تعلنها تلك المجموعات في تزامن مع تحديد جدول زمني للانسحاب الأمريكي. وفي ثنايا المواقف أراد صالح المطلك زعيم كتلة الحوار الوطني في المصالحة أن تكون (شاملة لكل العراقيين). أما محمود المشهداني رئيس مجلس النواب فيرى أن المصالحة تشمل (الأطراف التي ستقر بالآليات المعتمدة لإنشاء الدولة). وفي موقف تكتيكي، عبر زعيم الائتلاف الموحد عن طبيعة الحل الممكن عبر الدعوة إلى عفو عمن قاتلوا الاحتلال، لكن الخطوط العامة أبقاها ثابتة ألا وهي عدم وجود مقاومة، إذ يرى أن الاعتراف بوجود مقاومة شرعية سيرتب انتقاصاً من العملية السياسية، كما أنه سيعرقل آلية الحل النهائي عبر البحث عن أدوار تتناسب مع موقف المقاومة في الحكومة وخارج الدستور، وسيكون الاعتراف بداية لمرحلة جديدة في تعديله. وغير هذا وذاك فإن مشروع فيدرالية الوسط والجنوب الذي يعد ركيزة استراتيجية يصر عليها سيتعرض لهزة كبيرة خاصة إذا دخلت المقاومة المفاوضات كعامل مساومة لإلقاء السلاح. إضافة إلى ذلك هناك رغبة شيعية باستيعاب جيش المهدي ضمن المقاومة، لكن المجموعات المسلحة تصنفه باعتباره ميليشيا وتحمله مسؤولية عمليات القتل على الهوية نفذت بحق الأهالي العرب السنّة وتدعو إلى حل التنظيم والتعامل مع أفراده ضمن الحل النهائي للميليشيات. من جهة أخرى، أعلن مقتدى الصدر عدم قبوله الصلح مع من يسميهم البعثيين والصداميين والتكفيريين. فيما تجد المبادرة رفضاً مطلقاً من التيار الخالصي بزعامة جواد الخالصي وتيار الزعيم الشيعي أحمد الحسني البغدادي، والتياران الأخيران يكادان يتطابقان في وجهات النظر مع هيئة علماء المسلمين السنية التي رفضت المبادرة هي الأخرى واعتبرتها حملة للعلاقات العامة. أما الأكراد فقد لعبوا السياسة بمهارة عندما أخرجوا قضاياهم (كركوك والبشمركة) من نصوص مبادرة المصالحة، بل لجأ الطالباني إلى عرض وساطته بين الحكومة والمجموعات المسلحة.
إن العبارة التي باتت تنطلق مع كل مشروع وهي مع من نتصالح؟ لعلها أكثر تداولاً في أوساط أعضاء الائتلاف العراقي الموحد الذين يوردونها في معرض الحديث عن الحوار والمصالحة. وفي هذا السياق فإن الإجابة عن السؤال يجدها بعضهم لدى دول الجوار التي توجه إليها المالكي لتحقيق هدفين أساسيين: أولهما وضع خريطة لطبيعة المجموعات المسلحة العراقية التي تتلقى دعماً مالياً ولوجستياً من تلك الدول للمساعدة في الفصل بين قوى المقاومة وقوى الإرهاب، وحشد الدعم الإقليمي لقطع خطوط الإمداد عن هذه القوى، إلا أنه يبقى متعاملا مع الميليشيات باعتبارها أدوات شرعية من حيث الوجود والممارسات.
المبادرة الثالثة، مبادرة مكة لحقن دماء المسلمين في العراق
تضمنت (وثيقة مكة) التي وقعها فقهاء شيعة وعرب سُنَّة منتصف شهر أكتوبر 2006، والتي أدارها المجمع الفقهي الإسلامي ومنظمة المؤتمر الإسلامي، عشر وصايا، وهي: المسلم مَنْ شهد الشهادتين ظاهراً، حرمة دماء المسلمين، حرمة دور العبادة، القتل على الهوية فساد في الأرض، تجنب ما يذكي الطائفية، نصرة المظلوم، التعاون على البر، تذكير الحكومة بواجباتها، تأييد المصالحة الوطنية، المحافظة على استقلال العراق، وقد أوضح السفير مهدي فتح الله، مدير الإدارة السياسية في منظمة المؤتمر الإسلامي، أن (الوثيقة شاملة لكل عناصر الفتنة)، وأضاف (إن العلماء المشاركين في اللقاء تم اختيارهم من المراجع الدينية في العراق ولم يشارك أحد من هؤلاء العلماء بصفته الشخصية).
وبطبيعة الحال، لا تملك منظمة مثل المؤتمر الإسلامي أكثر من التذكير الأخلاقي، والدعم المعنوي. وأهم ما في الصحيفة أنها وقعت عند جدار الكعبة، وهي أقدس بقعة باتفاق المسلمين، وما تبقى يُترك للضمائر. إن الشهادتين وما يتعلق بهما من مسائل إيمانية، ناهيك عن تاريخ التعايش والشراكة بالوطن، تكفي لإطفاء نار الطائفية إن كان جوهرها طائفياً بالفعل! لكن الخلاف ليس بين الطائفتين، والذين حضروا، من العراقيين يعرفون جيداً أن القتل على الهوية يتم بفعل أحزاب وكيانات سياسية غلفت نوازعها السياسية بقشور الطائفية. ولا يخفى أن الهياج الطائفي بفعل سياسي أو طلب زعامة يمتد إلى قرون من الدس لتجنيد الأتباع تحت بيرق المذهب، وأولى الدسائس أتت من فقهاء الأحزاب، يوم تبنوا مصطلح الفرقة الناجية. لقد استمرت الأحزاب الطائفية في حشد الأتباع باسم المذهب، وتحت شعارات حقوق الشيعة وحقوق السُنَّة، والطائفتان لا حقوق لهما، سوى القتل على الهوية، وطلب الولاء. وكتحصيل حاصل لا يهم زعامات الطوائف أمرَ وثيقة، إذا ما تقاطعت مع مآربهم، فالطائفية أخصب الأرزاق في العراق. لذلك أوضح الناطق باسم منظمة المؤتمر عطاء المنان بخيت (أن المبادرة تقتصر على جانب النزاع الطائفي لإخماده). وأضاف (إن الأمر لا يتعلق بمبادرة للمصالحة بين العراقيين بل يتعلق الأمر بوقف الاقتتال المذهبي بين العراقيين). وأوضح (المبادرة ليست مؤتمرا ولا ندوة ولا نقاش فيها ولا جدال ولا مفاوضات فمداها الموضوعي يهدف إلى وقف الاقتتال المذهبي وخلفيتها الدينية مؤسسة على نظرة إسلامية موحدة، وهي مناسبة خاصة لإعلان هذه الثوابت الدينية الجامعة على السنة كبار المرجعيات الدينية وعلماء المسلمين).
ثالثاً: مستقبل المصالحة وقدرة أطراف المعضلة والقوى الوسيطة على التعامل معها
يا ترى لماذا عقد اجتماع القاهرة التحضيري؟ هل الدعوة والمبادرة للتعامل مع معضلات الوضع في العراق جاءت من قبل جامعة الدول العربية؟ ولماذا كانت مبادرة المالكي؟ هل هو استيقاظ ضمير؟ ولماذا سيعقد مؤتمر المصالحة بين القوى السياسية في العراق؟ وقبله هل الحكومة في العراق جادة في تسريع وتيرة المصالحة بين القوى الفاعلة في الساحة العراقية؟ الواضح أننا أمام حقائق، الحقيقة الأولى، أن الدور العربي في العراق ضعيف جداً، ولن يكون مؤثراً نظراً لوجود قاعدة مهمة ذات ولاءات إقليمية لإيران، وأخرى ذات توجه إقليمي-كردي. والطرفان هما المؤثران في تشكيل السياسة الرسمية لدولة العراق، ويجري تركيز معالم الثروة والسلطة بيدهما. والحقيقة الثانية، أن القوات الأمريكية تواجه ارتفاع التكلفة السياسية للمقاومة فبدأت تقدم تنازلات في مشروعها السياسي بعد فشل التحويل الشكلي للسلطة بإجراء انتخابات مقابل حصولها على شرعية البقاء.
إن حجم الخسائر الأمريكية دفع القادة الأمريكان إلى فتح قنوات اتصال مع القوى المسلحة في العراق، إلا أن هذه القوى لم ترض بأقل من خروج كامل للقوات الأمريكية من العراق، وهنا نظراً للخشية من الفشل وما قد ينعكس منه على هيبة الولايات المتحدة عالمياً، بدأت تبحث عن الوساطات الإقليمية، ولما كانت مطالب إيران بالقيام بتسوية في الشأن العراقي عالية في المحادثات التي قام بها السفير الأمريكي في بغداد منتصف شهر مارس 2006، ولما لم تستقر على وساطة جامعة الدول العربية التي تقبلت التكليف ظاهرياً حول الوفاق والمصالحة بين الفرقاء، اتجهت إلى توجيه المالكي لتحقيق استقرار مقبول يمكنها من سحب قواتها من المدن العراقية.
لقد انتهى اجتماع القاهرة إلى ضرورة وضع جدول زمني لانسحاب القوات الأمريكية، في حين خطب الرئيس الأمريكي بعد يومين من انتهاء الاجتماع بأن (الوجود الأمريكي تحكمه الظروف التي يقدرها القادة الميدانيون وليس السياسيين في واشنطن) هذا الأمر ينذر بوجود شك في إحدى الواقعتين: مطالب الفرقاء في مؤتمر الوفاق، تصريحات الرئيس الأمريكي، فما الذي يتوقع حدوثه؟ لندع بهرجة وتطبيل الحكومة في بغداد، وما سمي مبادرة (جواد المالكي)، ولندع أيضاً ما يدعى وزارة الحوار الوطني في حكومة المالكي ولندع هيئة الحوار والمصالحة، فمن يديرهما يمتلك أكبر ميليشيات بعد البشمركة، ومسؤول عن أكبر عمليات إبادة جماعية لا يزال ساسة العصر يطمرون فوقها الطين لكي لا تظهر روائحها التي فاقت النصف مليون من شباب وقادة أبناء السنة العرب، ونحو نصفهم لا يزال في السجون، وستة أضعافهم هجروا من مسكنهم وشردوا في محيط بغداد وديالى وبابل، وأربعة أضعافهم التجأوا حفاظاً على أرواحهم خارج العراق؟ ومن بقي منهم في كامل الجنوب وفي بغداد وضواحيها ينتظرون دورهم. نقول لندع ما تقدم ونقول بالتأكيد أن مؤتمر المصالحة إذا انعقد فسوف يطرح الغرماء سبل إنهاء الوجود الأمريكي في العراق. والاختلاف الحاصل اليوم هو في طريقة تحقق الانسحاب وزمنه. والمسألة المرتبطة به هو بناء الأجهزة الأمنية والشرطة العراقية. أما من الجانب الأمريكي فإن وزير الدفاع الأمريكي دونالد رامسفيلد (الذي استقال من منصبه مؤخراً) تحدث عن إجراء تخفيضات في القوات الأمريكية من العراق، وإن اختلفت التصريحات حول موعد إجراء تلك التخفيضات. والأمر هنا راجع بالطبع إلى ارتفاع التكلفة السياسية والبشرية لهذا الوجود. إذن ما نصل إليه من التحليل المتقدم هو أن الولايات المتحدة تواجه المتغيرات التالية:
أ-اتساع نطاق العمليات العسكرية تقابله تكلفة عالية واتساع قاعدة الرفض الشعبي الأمريكي ضد هذا الوجود، وهو ما لوحظ نوعاً ما في قضايا انتخابات التجديد النصفي للكونغرس يوم 7 نوفمبر الماضي.
ب-أكدت قوى عراقية مسلحة عدم استعدادها لوقف العمليات ما لم تعلن الإدارة الأمريكية برنامجاً لسحب قواتها.
ج-إن مؤتمر الغرماء الجاري تأجيله أكثر من مرة (من مارس 2006 إلى يونيو 2006، ثم إلى سبتمبر ومن ثم إلى مستهل أكتوبر وبعده إلى مستهل نوفمبر ثم إلى 15 نوفمبر 2006، وأخيراً إلى موعد غير محدد) لن يستثني هذه المسألة من المناقشة، وربما يقرر العراقيون خروج تلك القوات.
د-ما يعيق تنفيذ ذلك أن الأجهزة الأمنية والجيش في العراق غير مهيأة لحفظ الأمن والاستقرار. فوفقاً لدراسة عسكرية أمريكية من بين 90 وحدة من قوات الأمن توجد فقط واحدة من بينها قادرة على خوض عمليات عسكرية بنفسها، ولا يتجاوز أفرادها 5000 عنصر، ويغلب عليها كذلك عدم المهنية وغياب الحيادية.
يقابل ذلك تصريح لأكثر من مسؤول عراقي بأن القوى المسلحة قادرة على السيطرة على الوضع السياسي في البلد في حالة انسحاب القوات الأمريكية، وبالطبع هذه المسألة تؤرقهم ودفعتهم إلى العمل عبر اتجاهين: الأول عدم الموافقة على تحديد جدول زمني للانسحاب، وانما موافقة الجانب الأمريكي على ضرورة الاستمرار باعتماد سياسة بناء وتطوير القدرات الأمنية للقوى المشكلة. والاتجاه الثاني الدفع بقوة نحو تصفية كفاءات الغرماء (الضباط والأساتذة والأطباء والمحامون ورجال الدين من العرب السنة) من أجل حرق الساحة بما فيها في حالة ضغط الجانب الأمريكي باتجاه قبول عودة بعض القيادات السابقة إلى مواقع في إدارة الدولة العراقية. لهذا لا نتصور أن يستفيد من التشريع الذي صدر في 6 نوفمبر بتقليص عدد المشمولين بقضايا الاجتثاث من 35 ألفاً إلى 1500 شخص فقط.
لقد انتهى مؤتمر القاهرة إلى بعض المقررات، ولعل أهمها وضع أجندات لعملية المصالحة بين القوى السياسية، لكن هل تستطيع القوى المختلفة التي هي جزء من المشكلة التعامل معها؟ وهل تستطيع القوى الوسيطة ممثلة بجامعة الدول العربية ودول الجوار التعامل معها؟
إن دول الجوار ابتداء هي أطراف غير محايدة رغم أنها تسعى إلى جعل أعمال العنف (التي تقوم بها مباشرة أو عبر مريديها) تحت السيطرة السياسية. أما القوى السياسية في العراق فهي تتباين في مواقفها من هذه الأجندات، وقبلها كون معظم هذه القوى قبضت ثمن ما يجري أو أنها ارتهنت نفسها لتنفيذ مشاريع خارجية مقابل الحصول على دعم لتنفيذ مقاصد عقائدية سياسية واجتماعية ومزايا في الدولة التي قد تنشأ. كما أن كافة القوى الوطنية أضعفت على نحو خطير، ويجري إفشال بقية القوى الوطنية، تقابله صعوبة مشاركة القوى التي ارتضت حمل السلاح ضد الوجود الأمريكي. وحتى المعايير المحددة لمشاركة الأطراف المختلفة في عملية المصالحة: التمثيل المتوازن، نقول إنه من المشكوك فيه أن تكون فاعلة في التعامل مع المشكلات المطروحة كون قوى عديدة لا تزال، بل أصبحت نشطة في تصفية الآخر قبل الشروع بعملية المصالحة.
وأخيراً، صحيح أن كلامنا المتقدم قد يلاحظ القارئ عليه أو فيه نوعاً من الاستهجان بإمكانية تحقق مصالحة بين القوى والأطراف الموجودة، إلا أننا من رواد مدرسة تؤمن بوضع الفرضيات، ثم إن حكمة الأطراف وعقلانيتها هما اللتان ستدفعان نحو اعتماد تحقيق واحدة من هذه الفرضيات. والمرصود اليوم هو ثلاث فرضيات أساسية:
الفرضية الأولى، فشل المصالحة: والمظاهر العامة لهذه الفرضية ثلاثة، أولها زيادة معدلات العنف والقتل والتهجير على أسس عرقية وطائفية وعقائدية-سياسية واجتماعية. وثانيها تصاعد انفلات الأمن. وثالثها استمرار تفكك الدولة العراقية. وما قد يدفع إلى هذا الفرض متغيرات من قبيل:
أ-الإقصاء لأسباب سياسية أو فئوية.
ب-الجهد الفاعل لتقسيم العراق.
ج-غياب الحوار وسيادة لغة العنف.
د-وجود جهد إقليمي وعالمي داعم لزيادة أعمال العنف في العراق.
الفرضية الثانية، استمرار الوضع الراهن: وأبرز مظاهره وجود أعمال عنف أوقعت كمعدل للعامين (2005-2006 نحو 100 قتيل يومياً، ووجود أعمال تهجير طائفي وعرقي، يرافقهما ضعف وعدم حيادية وعدم مهنية الجهاز الأمني. ومع استمرار عدم الاستقرار الأمني ووجود ساعات لحظر التجول وفرض خطة الطوارئ يقابله استمرار أداء الميليشيات الفاعل على حساب فاعلية أداء مؤسسات الدولة وهيبتها. وإن ما يدفع إلى هذه المظاهر متغيرات أهمها:
أ-عدم جدية الأطراف المعنية بتقديم تنازلات عقلانية ومقبولة لصالح بناء الدولة.
ب-قوة المشاريع الإقليمية ورغبتها في استمرار وضع العراق ورهنه كأداة مساومة فعالة في إطار العلاقات الإقليمية.
ج-عدم جدية الولايات المتحدة في تحقيق المصالحة.
الفرضية الثالثة، نجاح المصالحة: وأهم مظاهره عودة الاستقرار إلى المدن العراقية ورجوع النازحين والمهجرين إلى ديارهم، وكذلك تفكيك الميليشيات وسيادة القانون في المحاسبة، والمهم حيادية الجهاز الأمني وانتهاء سياسة الإقصاء. وأخيراً ظهور هيبة الدولة. أما المتغيرات الدافعة إلى هذه المظاهر فهي:
أ-الرغبة الصادقة بتحقيق المصالحة من كافة الأطراف، أو على الأقل قبول الرغبة من الأطراف التي تبدي استعداداً لخفض نسبة طلباتها، ومحاولة التضييق على الفئات الرافضة للأفكار الوسطية.
ب-تقديم تنازلات جدية لصالح بناء الدولة من الأطراف كافة.
ج-تنفيذ سياسات حريصة على العراق كدولة.
د-وقف تنفيذ سياسات التبعية للقوى الإقليمية.
هـ-توعية العراقيين بأهمية المصالحة.
ن-وجود جهد إقليمي-دولي لوقف العنف في العراق.
إن أياً من هذه الاحتمالات عرضة للظهور، وكباحث أرجح استمرار فشل المصالحة خلال الأشهر المقبلة، ومع العام 2007 سيكون الوضع العراقي عرضة للاستمرار في تصاعد معدلات العنف والتهجير إلى حين تطبيق الفيدرالية في العراق وحدوث فرز حاد في توزيع مناطق بغداد، حيث ستسعى القوى المختلفة إلى ممارسة سياسة حرق الأرض للحصول على تنازلات أو مكاسب في الأقاليم التي قد يجري تشكيلها في الوسط والجنوب مع نهاية العام 2007، أما أمر الأرض موضع النزاع بين العرب والأكراد (شرق الموصل، كركوك، شمال شرق صلاح الدين، شمال وشرق ديالى) فنتوقع من الممارسات على الأرض أن تحسم بصفقة بين قوى الحكومة (القوى الكردية والشيعية) مفادها سكوت الحكومة عن عمليات (تكريد) تلك الأراضي سواء عبر القتل أو التهجير، ثم الإلحاق الإداري تحت صيغة الأمر القائم بإقليم كردستان، مقابل سكوت كردي عن سعي القوى الشيعية لتوزيع المغانم بينها في محافظات بغداد وديالى وبابل، والحديث جار عن سعي لاقتطاع جزء من محافظة الأنبار وإلحاقه بكربلاء وإعادة توطينه.
أما مع مستهل العام 2008 فأتوقع أنه سيشهد صراعاً لا يزال مستتراً ألا وهو اشتعال الصراعات بين الأقاليم والمحافظات وداخلها، كذلك رغبة من القوى السياسية في الحصول على أعلى المكتسبات السياسية على الأرض. ومع نهاية العام 2008 سيجري تقلص في أعمال العنف بين الأقاليم، وسيتصاعد العنف داخل الأقاليم نفسها وذلك رغبة من القوى السياسية في الحصول على العوائد المالية من الثروات والامتيازات السياسية من الحكم، وذلك على أساس التباين العقائدي السياسي بين أبناء الطائفة الواحدة والعرق الواحد.
ومما تقدم نرى أن احتمالات المصالحة من الصعب تصورها طوال الأعوام الثلاثة المقبلة نظراً لأعمال العنف والدم الذي سال، والذي من الصعب التحلل منه أو نسيانه بكلمات عابرة. وفي أفضل الأحوال بإمكان الولايات المتحدة عقد صفقة سياسية، بموجبها إما تغير قواعد الحكم داخل العراق أو تضمن عملية ضبط سياسي مقبول بين كافة الأطراف داخل بغداد، إذا اتجهت نحو استثمار العراق كدولة لصالح أداء أدوار بالإنابة في الإقليم- دون أن ينفي ذلك استمرار العنف، لكن دون المستويات الحرجة التي يشهدها العراق يومياً، التي هي أعمال شبه عسكرية واسعة النطاق تبين أنه لا وجود لدولة وفقاً لما ذكرناه أعلاه.
::/fulltext::
|
Getting your Trinity Audio player ready...
|
::cck::2887::/cck::
::introtext::
يصعب وضع تاريخ محدد للخلاف الاجتماعي-السياسي بين تكوينات الشعوب العراقية المختلفة، إذ تكاد المشكلات والأحقاد وشواهدها من تصفيات بشعة تبين هشاشة تركيبة هذا البلد، وأن قوة السلطة كانت هي المحافظ الرئيسي على وحدته، وإن أظهرت اختلالاً فاضحاً، إذ إنها لم تعمد إلى تكريس روح المواطنة، إنما كرست الولاء والطاعة للسلطة.
::/introtext::
::fulltext::
يصعب وضع تاريخ محدد للخلاف الاجتماعي-السياسي بين تكوينات الشعوب العراقية المختلفة، إذ تكاد المشكلات والأحقاد وشواهدها من تصفيات بشعة تبين هشاشة تركيبة هذا البلد، وأن قوة السلطة كانت هي المحافظ الرئيسي على وحدته، وإن أظهرت اختلالاً فاضحاً، إذ إنها لم تعمد إلى تكريس روح المواطنة، إنما كرست الولاء والطاعة للسلطة.
خلال أول عامين على دخول القوات الأمريكية أثيرت مشكلات عديدة، لعل أبرزها التعامل البشع مع بقايا تشكيلات المؤسسات السابقة، حيث أجازت عدة قوى سياسية تصفية كوادر حزب البعث العربي المنحل. وكوادر الأجهزة الأمنية الأخرى والقيادات في الجيش السابق (قبل أن يتحول الأمر وبفعل رؤى سياسية إلى الدمج بين تلك التشكيلات وبين السنة العرب لتتوجه عملية التصفية نحو الفئة الأخيرة)، وقطع أرزاق من تبقى منهم على قيد الحياة. ثم توسع الأمر مع استمرار فقدان الأمن وتشكيل أكثر من قوة سياسية لميليشيات ودخولها سباق تصفيات دموية وتهجير كبيرين لإيجاد واقع إقليمي-ديموغرافي- قومي مذهبي- سياسي محدد، نقول توسع ليضع إشكالية جديدة داخل البلد ألا وهي إشكالية الدم بين الأطراف المختلفة. ثم حاولت القوى المهيمنة على العمل الحكومي وضع دستور يلبي مصالحها، فكانت النتيجة أنه فصل وكتب دستور لمرجعيات دينية شيعية وللأكراد، وأريد به كإطار أن يكون دستوراً للعراق، وصارت تجرى باسمه من طلب الفيدرالية، والتصارع على توسيع السيطرة السياسية على المدن، والحق في استعراض القوى تحت مسميات الزيارات (المقدسة)، أبشع الجرائم، يقوم بها (شلة) من القتلة، تجهزهم القوى السياسية والدول الإقليمية، والحكومة العراقية تبرر وتسهل لهم ذلك، والمال مدفوع من بين ثنايا ما يجري تهريبه أو ما تجري سرقته بلا حسيب أو رقيب. والقوات الأمريكية تنظر لترى أي طرف سيخرج منتصراً (إن كان هناك منتصر) لتتفاوض معه. ولا يسأل عما غرس في الصدور حتى ضاقت بها الأرض ذعراً ومن تهتك عرى الأواصر الاجتماعية حتى بات كل جار يطلب جاره أكثر من ثأر، ثأر دماء الرجال والصبية التي سالت، وثأر الترحيل لمن بقي من النساء والأطفال، وثأر سرقة الموجودات والممتلكات، وثأر (تثليم) الروابط الأسرية للأسر المتعدد الارتباطات الطائفية، وثأر السب والشتم والقذف، فهل تسعف في هذا ترضية؟ ربما تحل مشكلة أو اثنتان أو حتى ثلاث إلا أنني أجد صعوبة في أن يحدث عفوا عن كلها، ويضاعف أثر ذلك أن أغلب العوائل لحقها ضيم.
لقد تدخلت جامعة الدول العربية في نوفمبر 2005 وعقدت مؤتمراً تحضيرياً للقوى العراقية المتقاتلة بقصد تحقيق وفاق مقبول يضمن استقرارا لهذا البلد، بعد ثبات عدم جدية القوى السياسية المختلفة في العراق (لم نستخدم كلمة قوى سياسية عراقية لكون أغلب القوى السياسية الفاعلة في العراق لا انتماء عراقياً لها، فهي تتوزع ما بين انتماءات وولاءات إقليمية ودولية، وبين ولاءات طائفية ضيقة. وما بينهما ضاع ولا يستطيع الوطنيون التعبير عن طروحاتهم، فهي تعني أن الدم هو المقابل) في تسوية المشكلات السياسية، أو في توزيع المغانم، إلا أنه وإزاء الرغبات السياسية بممارسة الإقصاء السياسي والعقائدي والاجتماعي الرسمي وتجذر الخلافات أصبح التعامل مع أي وفاق صعباً.
لقد جرى زرع الخلاف ثم جرى الحديث عن مصالحة فهل تنجح؟ وقبلها لنسأل عن أي مصالحة نتحدث؟ وما هي معضلات الواقع في العراق؟
أولاً- معضلات الواقع في العراق
هل نحن معنيون بالمصالحة بين تكوينات الشعوب العراقية؟ أم بين القوى السياسية الفاعلة في العراق؟ أم بين الاثنين معاً؟ المعنى للمصالحة هو ليس الوصول إلى توافق مرحلي، بقدر ما هو الوصول إلى مشروع طويل الأمد يحكم قواعد اللعبة السياسية وقبلها التعايش الاجتماعي، بما يعنيه ذلك من حل، أو في أدناه إيجاد علاجات محكومة بأطر قانونية لمسائل موضع خلافات غير قابلة للحل. ورصدنا للساحة العراقية يبين أن الخلاف يظهر في مناطق التماس الطائفي والعرقي حيث يزداد معدل الأمية والفقر، ويبرز تأثير أدوار رجالات الطوائف الذين يعتاشون على استمرار تعلق العوام بهم، يزيدون في ذلك التعلق عبر زرع ثقافة الخوف من الآخر المجهول الذي لا توجد قنوات حوار عقلانية شجعته بل غذاه التجهيل المتعمد، ويتعلق في الغالب بمسائل وتقاليد شخصية-اجتماعية، وألبس ثياباً سياسية بدافع ما مر به العراق ولوجود المشاريع الخارجية المؤثرة. أما في بقية المناطق، فالخلاف هو سياسي يتعلق حول أيهما أرفع منزلة؟ لتظهر إلى الساحة أسماء العشائر والقبائل، وزيادة في التركيز أعطيت الحظوة إلى أسماء عوائل وكأن القدسية مطبوعة بها وموروثة، والمسألة لا تتعلق بأكثر من احتكار للنفوذ السياسي وزيادة تركيز الوضع المالي.
إن أبرز المعضلات التي أريد للعراق أن يعاني منها هي الآتي:
1-الدستور: الذي يراوح بين نصوص الحريات المتفق عليه وبين المواد المعالجة للقضايا السياسية التي يتطلب حلها أو التعامل معها أو حتى تعديلها أنهاراً من الدماء، كونها لم تكتب للعراق بقدر ما فصل كل طرف مطالبه بين ثنايا فقراتها، والأدهى من كل ذلك أن كافة مواد الدستور لا تزال غير مطبقة رغم مضي نحو عام على إقراره، ولا حتى الحريات.
2-اجتثاث حزب البعث العربي الاشتراكي: حيث أسست هيئة عليا للاجتثاث لتتعامل مع قضية قانونية بفرز من تثبت عليهم تهم جنائية، وسياسية بحظر وجود فكر الحزب المذكور في العملية السياسية، إلا أن عملها انحرف نحو حظر وجود العرب السنة من دوائر الدولة العراقية، ثم زيد عليه إدراج هذه الهيئة في الدستور الدائم.3-الفيدرالية: فالقوى الكردية حصلت على مباركة تكوين إقليم، وبعض القوى السياسية الشيعية تصر على تكوين إقليم هي الأخرى، والمشكلة التي ترافقه هي أن الدستور لم يحدد حدوداً للأقاليم المقترحة، ويختلف السنة وبعض القوى الشيعية مثل حزب الفضيلة على توقيت إقامة أقاليم في بقية مناطق العراق، ويضغط الأكراد من أجل توسيع إقليمهم خارج دائرة المحافظات المتفق عليها سياسياً أثناء كتابة الدستور الدائم نحو الموصل وديالى، وفرض أمر واقع في كركوك لتسهيل تمرير الاستفتاء على مصيرها المزمع عقده نهاية العام 2007.
4-الميليشيات: فأي شخص يقرر التجول في العراق يكتشف ألا سلطة لحكومة في العراق، فأغلب تشكيلات وزارتي الدفاع والداخلية هم أعضاء منتمون إلى الميليشيات المختلفة، إما عن قناعة أيديولوجية-عقائدية أو دفع الضرر. ولهذا ليس مستغرباً أن يسمع المرء عن قتل أعداد قد تصل إلى 100 شخص في ظروف وجود حالة الطوارئ وحظر تجوال تام في مدينة ما! كما أن المواطن أصبح يخشى الذهاب إلى دائرة أمنية لكونها أقرب إلى مقر الحزب منها إلى أي شيء آخر (بدلالة الإعلام، الصور، اللافتات المؤيدة أو الرافضة لهذا الطرف أو ذاك). وفي أفضل الأحوال هو استخدام معدات وتسهيلات الأجهزة الأمنية في القيام بعمليات الإبادة الجماعية. أما في أطراف بغداد فإن وجود الدولة معدوم وتقوم الميليشيات بمهام التفتيش والمداهمات إلى المنازل والاعتقال والقتل وتنفيذ القصاص والتهجير.
5-المقاومة والإرهاب: وهذه من بين أبرز الإشكاليات التي نجح الأمريكان والقوى الشيعية في زرعها في الجسد العراقي، فمن خلال عمليات عنف محسوبة (لم يبت إلى هذه اللحظة بمعالم أي تحقيق) وكثرتها وتهيئة الإعلام لذلك، صار الخطاب السياسي للحكومة والقوى المؤيدة لها يرفض أي عمل مسلح يقع من الأطراف الأخرى المعارضة للعملية السياسية، بل تم وصفه بالإرهابي. وانكروا هذا الحق حتى في اجتماع القاهرة التحضيري، بل اعتبر المالكي في مبادرته ضمناً (ضرب القوات الأمريكية نوعاً من الاعتداء)، وأنكر حق جميع تلك الأطراف في المصالحة.
ما تقدم إلى أين سيقودنا؟ وبين من، ومع من ستجري المصالحة؟ لقد وقع العراق في دوامة الفوضى والعنف، وأشكاله عديدة منها، العمليات الانتحارية، الإعدامات الفردية والجماعية التي تقوم بها الميليشيات الشيعية بمباركة السلطات الحكومية وأحياناً بآلياتها وتجهيزاتها وأفرادها. وقد أحصى الباحث 176 حالة إعدام جماعي خارج القانون قامت بها الميليشيات بشكل معلن عنها للفترة من مايو 2005 إلى سبتمبر 2006، يتراوح أعداد المغدورين فيها من العرب السنة بين 30-74 شخصاً، في المنطقة الممتدة بين قضاء المحمودية جنوباً إلى الكوت شرقاً إلى قضاء بني سعد في محافظة ديالى شمالاً إلى حي الخضراء غرباً، وكانت بعض عمليات الإعدام قد تمت ضد أفراد جرى جلبهم من مدن سامراء وديالى، ونصفها ضد مسجونين لم تهيئ الحكومة إثباتات على وجودهم أو التهم الموجهة ضدهم فتتم تصفيتهم بين الحين والآخر كلما أريد توصيل رسالة بين القوى السياسية- أما عمليات القتل دون ذلك العدد (وأغلبه جماعي أقل من 30 إنساناً) فإنها وصلت أضعاف تلك المرصودة.
والقتل بعمليات الاغتيال الفردي أو أثناء التعذيب في سجون القوى السياسية والميليشيات وحتى سجون الحكومة أو لاعتبارات طائفية ومن كلا الأطراف، فقد وصلت إلى مئات الآلاف دون أي مواربة. وما قتلته القوات متعددة الجنسية فإنه لا إحصائيات رسمية تذكره، بل إن الأمر كله في باب التقدير، أما ما تسجله وزارة الصحة فهو إحصائيات لما يردها من جثث فقط، لذلك لا نجد في العراق استغراباً من قول أو إعلان مانفرد نوفاك المحقق الخاص لشؤون التعذيب في الأمم المتحدة غداة غزو العراق باسم الحرية والديمقراطية، أن (الوضع لا يمكن السيطرة عليه، وأن لجوء قوات الأمن والميليشيات المسلحة والمتمردين إلى العنف قد يكون أسوأ من أيام صدام).
وبعض ما نثبته هنا هو الآتي:
أ-أخليت أغلب مناطق العرب السنة في بغداد من السلاح، وسمح للميليشيات بحمل السلاح، ولا يسمح للعروبي وللمسلمين السنة بحمله، وإلا وقعوا تحت طائل الإرهاب ومن ثم مواجهة القوات الأمريكية والحكومية، والتهم الجاهزة هي أنهم إما تكفيريون أو صداميون أو إرهابيون.
ب-غزو المناطق المتبقية في بغداد من ذوات التبعية العروبية ومن العرب السنة بشكل شبه يومي، تساعدها القوات الحكومية، وفي أحيان يتجهون إلى اعتقال شباب العرب السنة، من دون أوامر قضائية لنجد خلال أيام أو أثناء طلب تنازلات في مواقف تفاوضية سياسية جثثهم على الطرقات وقد شوهت.
ج-تنقلت في نحو عشر مناطق داخل العاصمة العراقية، ووجدت أن المتبقي من مناطق العرب السنة يقصف يومياً بالهاون (عيار 81) وأغلبه صنع في إيران، وبعضه يجري إطلاقه من نقاط الدوريات للشرطة والحرس الحكوميين، ومن يقتل فيها يعلن أنه قد جرى قتل إرهابي.
د-أخليت مدينة الثورة وحي الزهور (الرصافة) والكاظمية والشعلة والشرطة الخامسة (الكرخ) من العرب السنة نهائياً، وكانت هذه في السابق تحوي عرباً سنة بنحو 15-20 في المائة، وأنا هنا أتحدث عن نحو 3 –4 ملايين إنسان، أما في مناطق التماس الأخرى في إجمالي مناطق الرصافة شرق بغداد فتقوم قوات للميليشيات وبمساعدة قوات الشرطة بأوسع عمليات تهجير قسري ولا يسمح بحمل أي ممتلكات، بل جرى وبعلم الأجهزة المعنية وبالتواطؤ معها وغياب الحيادية والنزاهة والمهنية الاستيلاء على ممتلكات العرب السنة بوصفهم (نواصب)، وأثناء حديث مع مواطن شيعي قال بالحرف إن هناك فتاوى يجري تمريرها شفاهاً تجيز ذلك، أما الحكومة فلا تتدخل.هـ-أنقل للقارئ جزءاً من الصورة في مناطق الشعب وبوب الشام والوزيرية وبغداد الجديدة والكرادة والدورة والمحمودية والمدائن وهي مناطق كان العرب السنة يشكلون فيها نحو 60 في المائة من نحو 1.5 إلى مليوني إنسان. ففي هذه المناطق يجري يومياً اعتقال نحو 50-60 إنساناً، كمعدل، وتظهر يومياً كمعدل نحو 50 – 60 جثة مشوهة. كيف يجري ذلك؟ بطريقتين اثنتين:
الطريقة الأولى، دهم المنازل واعتقال الشباب، في الفترة أيار 2005 إلى أيار 2006 كانوا يقومون بذلك عبر رداء الشرطة وآلياتها. أما منذ مايو 2006 فلا يتنكرون بل يلجأون مباشرة إلى دهم المنازل واعتقال شبابها في الوقت الذي تقوم فيه قوات حكومية بإغلاق الطرقات وتوفير الإمدادات، وتكون الحركة ضمن مجموعات مسلحة تقع بين 40-100 عنصر.
الطريقة الثانية، أن تقوم الميليشيات التابعة لجماعات سياسية شيعية بنصب الدوريات وإيقاف المارة والعجلات وبالقرب من مناطق الدوريات الرسمية أو مراكز الشرطة لتفادي الرد عليها من قبل الأهالي، ثم يجري اعتقال العدد المطلوب.
يرافق كلا الأسلوبين أسلوب ثالث في عمليات القتل تقوم به عناصر وزارة الداخلية والحرس الحكومي عبر إجراء تصفيات يومية منتظمة على المحتجزين الذين لا يوجد إثبات قانوني باعتقالهم سوى رؤية أهالي المجني عليه وأهالي المنطقة باعتقاله من دورية حكومية. وأنا أتحدث هنا عن مواطنين عاديين وليس عن أشخاص تمتعوا بمنصب إداري أو سياسي أو حزبي ضمن الفترة السابقة لحكم العراق، فهذا إن وجد فمصيره الهلاك لا محالة.
و-أما من يقتل أو يرتضي التهجير قسراً دون ممتلكات فيسلم منزله وممتلكاته إلى أسر يجري إغراؤها بالهجرة من جنوب العراق أو من إيران (وربما تستغربون) لتغيير التركيبة السكانية لمدينة بغداد. وتلك العوائل تمنح مبلغاً قدره 750 دولاراً وتجهيزات غذائية مستمرة وراتباً شهرياً قدره 100 دولار كإعانة، وتسهيلات في التوظيف وإدراجها في مشروعات الإسكان الدائم في بغداد، وكل ذلك يجري بوساطة مكاتب القوى السياسية الشيعية التي تدير مؤسسات الدولة وليس العكس. أما طلب المساعدة من قوات الحكومة فمعناه كارثة أخرى لأن طالبها يكون قد فضح نفسه بكونه من العرب السنة فيتعرض للقتل لا محالة.
ن-وهكذا خشية القتل الذي صار يداهم الأفراد في منازلهم، وأسبابه تتراوح بين إحدى التهم الجاهزة التي باتت تعد تهماً جنائية توجب القتل: كونك من العرب السنة، وتضاعف الجريمة في الحالات أدناه حيث تتطلب قصاصاً عاجلاً: كونك ترتاد جامعاً لأداء مناسك وعبادات، كونك شاباً ذكراً، كونك من عشائر محددة (عشائر المناطق الغربية والوسطى من العراق). أما أن تكون حاملاً لمؤهل أو منصب فهذا عذر آخر قوي للتصفية مادام هذا الشخص ينافس إنساناً شيعياً آخر وهذا التنافس غير مرغوب. وربما تستغربون فبعض المناصب يتولاها فرس!
إن الاعتراف بوجود المشكلة يشكل خطوة أولى في اتجاه إيجاد مخرج، في حين أن تجاهلها لا يمكن إلا أن يؤدي إلى تعميق المشكلة واستفحالها مع مرور الوقت. وما يستهدف المصالح والوجود الأمريكي أضعه (وهذه وجهة نظرنا الشخصية) في دائرة المباح إلى حين اعتماد جدول زمني واضح وصريح لانسحاب القوات الأمريكية من الأراضي العراقية في فترة 2ـ3 سنوات. وما يستوقفنا هو التوجه لضرب العراقيين المدنيين. فإلى ماذا نعزو ذلك؟ هناك ثلاثة عوامل تعلل العنف:
أولاً – عدم وجود دولة بالمعنى المتعارف عليه، من حيث القدرة على الإدارة وضمان حياديتها في توفير الأمن والفرص والواجبات والحقوق على أساس المساواة السياسية. واليوم، تحاول بقية تشكيلات الحكومة إدارة دولة من دون وزارات فعلية وإدارات. فلا يملك الموظفون أي نفوذ خارج الأسوار التي تحميهم. ويحاول العراقيون العاديون المضي في حياتهم بما تيسر من دون مساعدة دولتهم التي تركتهم للمجرمين والمسلحين والمتمردين والميليشيات وحكم رجالات الطوائف.
ثانياً – ضعف في أداء الولايات المتحدة لمسؤولياتها، فبعد أكثر من ثلاث سنوات لم تحاول إعادة بناء دولة. إنما نقلت السلطة إلى (شلة) من سياسيين هواة، ولاء أغلبهم ليس للعراق.
وثالثاً – تعثر النخبة الحاكمة في الاضطلاع بالإعمار. فمنذ يونيو 2004 توالى على رئاسة الحكومة ثلاثة، إياد علاوي وإبراهيم الجعفري فنوري المالكي، لا خبرة لهم في إدارة شؤون حكم، فكيف ببناء دولة؟ وتعاني الحكومة، اليوم، من الفساد والانشقاقات والتنافر. وهي أثبتت فشلها في بسط النظام في البلاد، ومساعدة العراقيين على إدارة شؤون حياتهم، بل كان للاثنين الأخيرين منهم دور في ذلك؟
هذه العوامل دفعت إلى تشجيع بروز التصفيات تحت غطاء الثأر، الصراعات السياسية، إساءة استخدام المسؤولين الرسميين لمراكزهم الوظيفية، رغبات خارجية في فرض أجندة سياسية معينة في البلاد أو إلباس العمل الرسمي العراقي رداء معيناً يتواءم ومصالح تلك الأطراف الخارجية، وتأتي في مقدمتها الولايات المتحدة وإيران.
لقد كانت تركة النظام السابق ثقيلة، لكنها لم تكن أبداً طائفية أو قومية بل كانت تركيبة قائمة على أساس إدامة بقاء نظام سياسي اشتملت على أشخاص من تركيبة الشعب من دون أن يمثلوا فئاتهم، وما جرى من تعميمات بشأن الوضع العراقي صار غير مقبول:
أ- سياسة اجتثاث البعث فيها من المثالب ما لا يحصى.
ب- نجح الأمريكيون والإيرانيون في إثبات زيف وطنية شرائح واسعة من العراقيين، غير الواعين أو المدركين لخطورة ما جرى ويجري. فهناك غرائز سلبية تثار عند القول إن شيعياً أو سنياً قتل أو تركمانياً. وهناك غرائز سلبية تثار عند القول إن كنائس قد جرى تفجيرها، أو أحاديث عن نسب التكوينات. وهناك جو عام لدى السنة العرب بأن هناك مخططاً يرمي إلى إقصائهم عن الحياة السياسية، وشعوراً عاماً لدى الشيعة أن أمامهم فرصة لا تعوض للاستيلاء على البلد وحكمه.
ج-إن خوف البعض ناجم عن الظلم الذي أخذوا يمارسونه، والخوف أخذ يدفع باتجاه مزيد من التطرف. وإذا كان هناك واقع لا مفر من الاعتراف به، فإنه يتمثل في التضييق على فرص عيش العراقيين عبر عدم فتح مجال متساو أمام التوظيف، وعدم توفير عادل لخدمات مثل الكهرباء والوقود والأمن والطرق السالكة لتمكين أصحاب الأعمال من مزاولة عملهم، كما أدى ازدياد معدلات الفقر إلى اتساع نشاط التنظيمات الإسلامية، وخاصة تلك التي تدعو إلى استخدام العنف في إحداث التغيير السياسي المطلوب سواء ضد القوات الأمريكية أو ضد المسؤولين العراقيين الذين يدينون بالولاء للولايات المتحدة أو إيران.
ثانياً: مبادرات المصالحة
مما تقدم نلاحظ أن المعضلة في العراق ظهرت نتيجة عدم اعتراف القوى ببعضها البعض، واعتمادها سياسة الإقصاء كمبدأ، بل وظهرت تطبيقات فكرة الإقصاء في التصفية، وظهرت دعوات المصالحة لما لم تستطع تلك القوى من استكمال أجندات إبادة الآخر دون إثارة المزيد من الانتقاد، وأقلها الظهور بدعاوى الطرف القادر. وإزاء الرغبة بالتمكن ظهرت عدة مبادرات، بعضها حمل أجندات بريئة في حل المعضلة في العراق، وأهمها ثلاث مبادرات هي:
المبادرة الأولى، مبادرة جامعة الدول العربية للوفاق بين القوى السياسية
عقد في جامعة الدول العربية في الفترة بين 20-22 نوفمبر 2005 الاجتماع التحضيري بين القوى السياسية المتنافرة، وكانت دعاوى كل طرف يصعب تعايشها مع دعاوى الأطراف الأخرى، ولا يوجد من بدائل إلا القلة. وأهم ما جرت مناقشته فيه هو: عودة حزب البعث العربي الاشتراكي والبعثيين إلى الحياتين السياسية والوظيفية، وضع جدول زمني لانسحاب القوات الأجنبية، احترام موقف جميع أطياف الشعب وعدم إعاقة العملية السياسية، والمقاومة والإرهاب. وظل بند المقاومة عقبة أمام لجنة اجتماع القاهرة في ظل تمسك كل طرف بوجهة نظره. فأحزاب الحكومة رفضت الاعتراف بهذه المقاومة باعتبارها عمليات عشوائية، ورأت أن الحوار السياسي مع القوات الأجنبية هو أفضل الطرق، خاصة أن وضع هذه القوات أصبح وفقاً (لمنظورها) قضية عراقية بموجب القرارات الدولية، وأنها ستخرج آجلاً أم عاجلاً بعد إكمال بناء القوات العراقية. أما القوى الرافضة للاحتلال وعلى رأسها هيئة كبار علماء المسلمين (العرب السنة) والمؤتمر الوطني التأسيسي الذي يضم 19 فصيلاًً وحزباً سياسياً فقد رأت ضرورة الاعتراف بوجود مقاومة مسلحة وأنها السبيل الوحيد لإنهاء الاحتلال.
واختلف الفرقاء في تعريف الحالة التي هم بصددها فهل هم مقبلون على مصالحة أم وفاق، فقرروا أنهم مقبلون على وفاق، أريد به تهيئة البلاد للخروج من أزماتها في ظل عدم غياب أو تغييب أغلب القوى في العراق. وكانت أهم محطاته تشكيل مجموعات عمل الأولى معنية بالإعداد لمؤتمر الوفاق لتحديد موعد ومكان وجدول أعمال مؤتمر القوى السياسية وآلية المتابعة. والثانية معنية بعمليات بناء الثقة بين الأطراف كافة. ولقد توصل اللقاء إلى عدد من النتائج التي ضمنها البيان الختامي، أهمها تحديد معايير لمشاركة الأطراف في المؤتمر المقبل بـ (التمثيل الموسع والمتوازن لمختلف مكونات الشعب ومؤسسات المجتمع المدني، التزام الحوار والنهج الديمقراطي ونبذ العنف). وقد حدد جدول أعمال المؤتمر مسبقاً بدراسة (توسيع العملية السياسية لتشمل جميع القوى، وحدة العراق وسيادته ووضع جدول زمني لإنهاء الوجود الأجنبي، الوضع الأمني ويشمل العلاقة مع دول الجوار، المساواة في المواطنة، البحث في مشكلة الديون العربية للعراق لإسقاطها أو خفضها ودور مؤسسات التمويل العربية في إعادة الإعمار). على أن تعمل كافة الأطراف عدداً من إجراءات بناء الثقة من قبيل الابتعاد عن تبادل الاتهامات، عدم استخدام المنابر الدينية والسياسية والإعلامية للتحريض على الكراهية والفرقة، إيجاد صيغة عملية لعمل لقاءات منتظمة بين القوى السياسية لتهيئة المناخ لتحقيق الوفاق، وضرورة مراجعة وضع المعتقلين في أسرع وقت ممكن وإطلاق سراح من لم تثبت إدانته ووقف المداهمات إلا بأمر قضائي موثق وإشاعة جو من الأمن والطمأنينة.
إن الإخفاق داهم نتائج اجتماع القاهرة بشكل مبكر، فالمعضلات التي يعاني منها البلد لها مظاهر، كما أن لها أسباباً. ولعل أهم مظاهر الأزمة التي يجري الاتفاق عليها هي: غياب الثقة بين القوى السياسية والرغبة بالحصول على أكبر قدر من الغنيمة السياسية والاقتصادية الرسمية، مع استرخاص إراقة الدم، وغياب المشروع الوطني لدى أغلب الأطراف الفاعلة. وعموماً علينا إدراك ما جابهته نتائج لقاء القاهرة، فالقضية العراقية شديدة التعقيد، بل هي داخلة مرحلة حرب أهلية بين القوى السياسية غير معلنة رسمياً، والأمر يحتاج لأكثر من مؤتمر، وجاء عقد الاجتماع التحضيري قبل وقت قريب من الانتخابات العراقية ليعطي رسالة خاطئة مفادها أن أغلب ما طرح في أعمال لجنة بناء الثقة كان لأغراض دعائية. وأن أغلب من توجه إلى القاهرة لم يكن راغباً في المصالحة بالقدر الذي رغب فيه في إبراز وجوده كطرف فاعل له حضور، ولعل واحدة من المفارقات أنه خلال أسبوع واحد فقط بعد اجتماع القاهرة جرت عمليات اغتيال واسعة لقيادات سياسية ودينية باستخدام مؤسسات الدولة الناشئة من جيش وشرطة من قبل أحزاب عدة، وتحديداً المجلس الأعلى والحزبين الكرديين، وكذلك اجتياح مناطق محددة، وزرع حالة عدم الاستقرار فيها، والبدء بمحاولة قسرية واسعة النطاق لتغيير التركيبة السكانية لمحافظة ديالى وأطراف بغداد، زاد عدد ضحاياها على الألفين خلال يومي29-30/11/2005، والذين فقدوا فيها زادوا على السبعة آلاف!
أما أسباب هذه المظاهر فهي ثلاثة: أولها، غلبة التأثير الخارجي على التكوين الداخلي ونتيجته غياب الوطنية، حيث يلاحظ أن أغلب الأطراف لا تزال وكل حسب انتمائه العرقي أو الطائفي أو الثقافي يمجد لطرف خارجي ويعمل على تحقيق أجندته في العراق، وثانيها، غياب التوافق الوطني بين الأطراف ونتيجته غياب المواطنة أيضاً، ويصعب تحقيقه في ظل بقاء أثر السبب السابق. وثالثها، غياب مفهوم التراضي أو الاندماج الاختياري في تشكيل الدولة. فالعراق يعاني من معضلة عدم تكون هوية وطنية مميزة.
المبادرة الثانية، مبادرة رئيس الوزراء نوري المالكي
لقد أراد المالكي طرح نفسه باعتباره رجل المرحلة الجديدة. ومهّد لذلك بإعلان مواقف متشددة من الميليشيات التي تفاقمت مشكلتها مؤكداً عزمه على حلها وإنهاء مشكلة التهجير الطائفي وفتح باب الحوار مع حاملي السلاح والتمييز بين المقاومة والإرهاب مع تعهد بضمان الأمن وتفكيك الشبكات الإرهابية، لكن تحركاته الأولى اصطدمت بمعوقات يمكن أن تدرج جميعها ضمن مخلفات أخطاء مرحلة ما بعد الاحتلال وتراكماتها الكارثية. فالميليشيات أكثر قوة من جسم الدولة، كما أن ساحة ائتلافه ليست سليمة أو حيادية فهي التي بنت ورسمت مسار عمل الميليشيات. والتداخل بين معسكرات الإرهاب والمقاومة صار أكثر تعقيداً ابتداء من أحداث سامراء، إذ إن الصراع أخذ منذ ذلك الحين طابع مواجهات وحروب وتصفيات سرية أو علنية بين الميليشيات والأهالي من السنة العرب وباستخدام ورقة قتل الأهالي من السنّة والشيعة، وصار الإرهاب عملياً لصيقاً بالميليشيات الشيعية أكثر منه لصيقاً بالتنظيمات السنية. وعلى هامش ذلك كانت العملية السياسية تجري بصورة متعثرة وفق تقليد تم تجذيره بوحي من الاستقطاب الطائفي، ويذهب إلى احتفاظ كل طرف سياسي بآرائه ومواقفه حتى بعد انضوائه في الحكومة. وصار من الدارج في حكومة المالكي كما كانت الحال في سابقاتها، أن يدلي أعضاؤها بآراء ومواقف متناقضة تماماً بل أن تستمر حملة تبادل الاتهامات بين الشركاء السياسيين وتصل إلى اتهام مسؤولين حكوميين زملاء لهم في الحكومة بالتورط بدعم الإرهاب أو قيادة فرق الموت. وجاء نص مبادرة المصالحة التي أطلقها المالكي بصياغات عامة خالية من بنود جرى تسريبها لوسائل الإعلام تضمنت اعترافاً بحق مقاومة الاحتلال والعمل على جدولة الانسحاب، بفعل ضغوط المجلس الأعلى رفض الاعتراف بالمقاومة أو السماح للبعثيين أو لفكر البعث بالوجود في العمل السياسي. ناهيك عن رفض جهات أخرى وصف الميليشيات الشيعية باعتبارها تنظيمات خارجة عن القانون والتمسك بضمان حقوق تلك الميليشيات مشابهة لتلك التي حصلت عليها ميليشيات البشمركة الكردية.
وكانت أولى الجماعات الرافضة للمبادرة عملياً هي ميليشيات جيش المهدي (ائتلاف قيادات تنظيمات المجلس الأعلى وقواعد الصدريين، وليس الصدريين فقط كما يوهم الإعلام بذلك). أما المجموعات المسلحة فإن الطيف الأوسع والأكثر تأثيراً في واقع العمل المسلح رفض المبادرة في بيانات مكتوبة. فمجلس شورى المجاهدين الذي يضم تنظيم قاعدة الجهاد في بلاد الرافدين لم يحفل بمناقشة المبادرة، خصوصاً أنها تزامنت مع مقتل زعيم التنظيم أبو مصعب الزرقاوي، بل وجه تحذيراً إلى الجهات التي يمكن أن تفكر بالتعامل معها وكثف من عمليات التفجير التي تخترق الخطط الأمنية وتحمل رسائل تصعيد من شأن تفاقمه تقويض أي آفاق محتملة للمصالحة. أما مجموعات مثل: الجيش الإسلامي، وكتائب ثورة العشرين، وجيش المجاهدين، والقيادة العامة للقوات المسلحة، وكتائب الناصر صلاح الدين، وعشرون مجموعة متوسطة أو صغيرة أخرى فإن مواقفها اتسمت بتحليل المبادرة وتحديد مناطق الضعف فيها معتبرة أنها لا تصلح لتكون مفتاحاً للحل. هذه المجموعات لم ترفض المصالحة من حيث المبدأ وإنما تفترض جملة من الثوابت التي تندرج ضمن نطاق الاعتراف بها كمقاومة شرعية وما يترتب على هذا الاعتراف من التزامات حكومية. إضافة إلى بحث حل نهائي لمشكلة الميليشيات مقابل هدنة تعلنها تلك المجموعات في تزامن مع تحديد جدول زمني للانسحاب الأمريكي. وفي ثنايا المواقف أراد صالح المطلك زعيم كتلة الحوار الوطني في المصالحة أن تكون (شاملة لكل العراقيين). أما محمود المشهداني رئيس مجلس النواب فيرى أن المصالحة تشمل (الأطراف التي ستقر بالآليات المعتمدة لإنشاء الدولة). وفي موقف تكتيكي، عبر زعيم الائتلاف الموحد عن طبيعة الحل الممكن عبر الدعوة إلى عفو عمن قاتلوا الاحتلال، لكن الخطوط العامة أبقاها ثابتة ألا وهي عدم وجود مقاومة، إذ يرى أن الاعتراف بوجود مقاومة شرعية سيرتب انتقاصاً من العملية السياسية، كما أنه سيعرقل آلية الحل النهائي عبر البحث عن أدوار تتناسب مع موقف المقاومة في الحكومة وخارج الدستور، وسيكون الاعتراف بداية لمرحلة جديدة في تعديله. وغير هذا وذاك فإن مشروع فيدرالية الوسط والجنوب الذي يعد ركيزة استراتيجية يصر عليها سيتعرض لهزة كبيرة خاصة إذا دخلت المقاومة المفاوضات كعامل مساومة لإلقاء السلاح. إضافة إلى ذلك هناك رغبة شيعية باستيعاب جيش المهدي ضمن المقاومة، لكن المجموعات المسلحة تصنفه باعتباره ميليشيا وتحمله مسؤولية عمليات القتل على الهوية نفذت بحق الأهالي العرب السنّة وتدعو إلى حل التنظيم والتعامل مع أفراده ضمن الحل النهائي للميليشيات. من جهة أخرى، أعلن مقتدى الصدر عدم قبوله الصلح مع من يسميهم البعثيين والصداميين والتكفيريين. فيما تجد المبادرة رفضاً مطلقاً من التيار الخالصي بزعامة جواد الخالصي وتيار الزعيم الشيعي أحمد الحسني البغدادي، والتياران الأخيران يكادان يتطابقان في وجهات النظر مع هيئة علماء المسلمين السنية التي رفضت المبادرة هي الأخرى واعتبرتها حملة للعلاقات العامة. أما الأكراد فقد لعبوا السياسة بمهارة عندما أخرجوا قضاياهم (كركوك والبشمركة) من نصوص مبادرة المصالحة، بل لجأ الطالباني إلى عرض وساطته بين الحكومة والمجموعات المسلحة.
إن العبارة التي باتت تنطلق مع كل مشروع وهي مع من نتصالح؟ لعلها أكثر تداولاً في أوساط أعضاء الائتلاف العراقي الموحد الذين يوردونها في معرض الحديث عن الحوار والمصالحة. وفي هذا السياق فإن الإجابة عن السؤال يجدها بعضهم لدى دول الجوار التي توجه إليها المالكي لتحقيق هدفين أساسيين: أولهما وضع خريطة لطبيعة المجموعات المسلحة العراقية التي تتلقى دعماً مالياً ولوجستياً من تلك الدول للمساعدة في الفصل بين قوى المقاومة وقوى الإرهاب، وحشد الدعم الإقليمي لقطع خطوط الإمداد عن هذه القوى، إلا أنه يبقى متعاملا مع الميليشيات باعتبارها أدوات شرعية من حيث الوجود والممارسات.
المبادرة الثالثة، مبادرة مكة لحقن دماء المسلمين في العراق
تضمنت (وثيقة مكة) التي وقعها فقهاء شيعة وعرب سُنَّة منتصف شهر أكتوبر 2006، والتي أدارها المجمع الفقهي الإسلامي ومنظمة المؤتمر الإسلامي، عشر وصايا، وهي: المسلم مَنْ شهد الشهادتين ظاهراً، حرمة دماء المسلمين، حرمة دور العبادة، القتل على الهوية فساد في الأرض، تجنب ما يذكي الطائفية، نصرة المظلوم، التعاون على البر، تذكير الحكومة بواجباتها، تأييد المصالحة الوطنية، المحافظة على استقلال العراق، وقد أوضح السفير مهدي فتح الله، مدير الإدارة السياسية في منظمة المؤتمر الإسلامي، أن (الوثيقة شاملة لكل عناصر الفتنة)، وأضاف (إن العلماء المشاركين في اللقاء تم اختيارهم من المراجع الدينية في العراق ولم يشارك أحد من هؤلاء العلماء بصفته الشخصية).
وبطبيعة الحال، لا تملك منظمة مثل المؤتمر الإسلامي أكثر من التذكير الأخلاقي، والدعم المعنوي. وأهم ما في الصحيفة أنها وقعت عند جدار الكعبة، وهي أقدس بقعة باتفاق المسلمين، وما تبقى يُترك للضمائر. إن الشهادتين وما يتعلق بهما من مسائل إيمانية، ناهيك عن تاريخ التعايش والشراكة بالوطن، تكفي لإطفاء نار الطائفية إن كان جوهرها طائفياً بالفعل! لكن الخلاف ليس بين الطائفتين، والذين حضروا، من العراقيين يعرفون جيداً أن القتل على الهوية يتم بفعل أحزاب وكيانات سياسية غلفت نوازعها السياسية بقشور الطائفية. ولا يخفى أن الهياج الطائفي بفعل سياسي أو طلب زعامة يمتد إلى قرون من الدس لتجنيد الأتباع تحت بيرق المذهب، وأولى الدسائس أتت من فقهاء الأحزاب، يوم تبنوا مصطلح الفرقة الناجية. لقد استمرت الأحزاب الطائفية في حشد الأتباع باسم المذهب، وتحت شعارات حقوق الشيعة وحقوق السُنَّة، والطائفتان لا حقوق لهما، سوى القتل على الهوية، وطلب الولاء. وكتحصيل حاصل لا يهم زعامات الطوائف أمرَ وثيقة، إذا ما تقاطعت مع مآربهم، فالطائفية أخصب الأرزاق في العراق. لذلك أوضح الناطق باسم منظمة المؤتمر عطاء المنان بخيت (أن المبادرة تقتصر على جانب النزاع الطائفي لإخماده). وأضاف (إن الأمر لا يتعلق بمبادرة للمصالحة بين العراقيين بل يتعلق الأمر بوقف الاقتتال المذهبي بين العراقيين). وأوضح (المبادرة ليست مؤتمرا ولا ندوة ولا نقاش فيها ولا جدال ولا مفاوضات فمداها الموضوعي يهدف إلى وقف الاقتتال المذهبي وخلفيتها الدينية مؤسسة على نظرة إسلامية موحدة، وهي مناسبة خاصة لإعلان هذه الثوابت الدينية الجامعة على السنة كبار المرجعيات الدينية وعلماء المسلمين).
ثالثاً: مستقبل المصالحة وقدرة أطراف المعضلة والقوى الوسيطة على التعامل معها
يا ترى لماذا عقد اجتماع القاهرة التحضيري؟ هل الدعوة والمبادرة للتعامل مع معضلات الوضع في العراق جاءت من قبل جامعة الدول العربية؟ ولماذا كانت مبادرة المالكي؟ هل هو استيقاظ ضمير؟ ولماذا سيعقد مؤتمر المصالحة بين القوى السياسية في العراق؟ وقبله هل الحكومة في العراق جادة في تسريع وتيرة المصالحة بين القوى الفاعلة في الساحة العراقية؟ الواضح أننا أمام حقائق، الحقيقة الأولى، أن الدور العربي في العراق ضعيف جداً، ولن يكون مؤثراً نظراً لوجود قاعدة مهمة ذات ولاءات إقليمية لإيران، وأخرى ذات توجه إقليمي-كردي. والطرفان هما المؤثران في تشكيل السياسة الرسمية لدولة العراق، ويجري تركيز معالم الثروة والسلطة بيدهما. والحقيقة الثانية، أن القوات الأمريكية تواجه ارتفاع التكلفة السياسية للمقاومة فبدأت تقدم تنازلات في مشروعها السياسي بعد فشل التحويل الشكلي للسلطة بإجراء انتخابات مقابل حصولها على شرعية البقاء.
إن حجم الخسائر الأمريكية دفع القادة الأمريكان إلى فتح قنوات اتصال مع القوى المسلحة في العراق، إلا أن هذه القوى لم ترض بأقل من خروج كامل للقوات الأمريكية من العراق، وهنا نظراً للخشية من الفشل وما قد ينعكس منه على هيبة الولايات المتحدة عالمياً، بدأت تبحث عن الوساطات الإقليمية، ولما كانت مطالب إيران بالقيام بتسوية في الشأن العراقي عالية في المحادثات التي قام بها السفير الأمريكي في بغداد منتصف شهر مارس 2006، ولما لم تستقر على وساطة جامعة الدول العربية التي تقبلت التكليف ظاهرياً حول الوفاق والمصالحة بين الفرقاء، اتجهت إلى توجيه المالكي لتحقيق استقرار مقبول يمكنها من سحب قواتها من المدن العراقية.
لقد انتهى اجتماع القاهرة إلى ضرورة وضع جدول زمني لانسحاب القوات الأمريكية، في حين خطب الرئيس الأمريكي بعد يومين من انتهاء الاجتماع بأن (الوجود الأمريكي تحكمه الظروف التي يقدرها القادة الميدانيون وليس السياسيين في واشنطن) هذا الأمر ينذر بوجود شك في إحدى الواقعتين: مطالب الفرقاء في مؤتمر الوفاق، تصريحات الرئيس الأمريكي، فما الذي يتوقع حدوثه؟ لندع بهرجة وتطبيل الحكومة في بغداد، وما سمي مبادرة (جواد المالكي)، ولندع أيضاً ما يدعى وزارة الحوار الوطني في حكومة المالكي ولندع هيئة الحوار والمصالحة، فمن يديرهما يمتلك أكبر ميليشيات بعد البشمركة، ومسؤول عن أكبر عمليات إبادة جماعية لا يزال ساسة العصر يطمرون فوقها الطين لكي لا تظهر روائحها التي فاقت النصف مليون من شباب وقادة أبناء السنة العرب، ونحو نصفهم لا يزال في السجون، وستة أضعافهم هجروا من مسكنهم وشردوا في محيط بغداد وديالى وبابل، وأربعة أضعافهم التجأوا حفاظاً على أرواحهم خارج العراق؟ ومن بقي منهم في كامل الجنوب وفي بغداد وضواحيها ينتظرون دورهم. نقول لندع ما تقدم ونقول بالتأكيد أن مؤتمر المصالحة إذا انعقد فسوف يطرح الغرماء سبل إنهاء الوجود الأمريكي في العراق. والاختلاف الحاصل اليوم هو في طريقة تحقق الانسحاب وزمنه. والمسألة المرتبطة به هو بناء الأجهزة الأمنية والشرطة العراقية. أما من الجانب الأمريكي فإن وزير الدفاع الأمريكي دونالد رامسفيلد (الذي استقال من منصبه مؤخراً) تحدث عن إجراء تخفيضات في القوات الأمريكية من العراق، وإن اختلفت التصريحات حول موعد إجراء تلك التخفيضات. والأمر هنا راجع بالطبع إلى ارتفاع التكلفة السياسية والبشرية لهذا الوجود. إذن ما نصل إليه من التحليل المتقدم هو أن الولايات المتحدة تواجه المتغيرات التالية:
أ-اتساع نطاق العمليات العسكرية تقابله تكلفة عالية واتساع قاعدة الرفض الشعبي الأمريكي ضد هذا الوجود، وهو ما لوحظ نوعاً ما في قضايا انتخابات التجديد النصفي للكونغرس يوم 7 نوفمبر الماضي.
ب-أكدت قوى عراقية مسلحة عدم استعدادها لوقف العمليات ما لم تعلن الإدارة الأمريكية برنامجاً لسحب قواتها.
ج-إن مؤتمر الغرماء الجاري تأجيله أكثر من مرة (من مارس 2006 إلى يونيو 2006، ثم إلى سبتمبر ومن ثم إلى مستهل أكتوبر وبعده إلى مستهل نوفمبر ثم إلى 15 نوفمبر 2006، وأخيراً إلى موعد غير محدد) لن يستثني هذه المسألة من المناقشة، وربما يقرر العراقيون خروج تلك القوات.
د-ما يعيق تنفيذ ذلك أن الأجهزة الأمنية والجيش في العراق غير مهيأة لحفظ الأمن والاستقرار. فوفقاً لدراسة عسكرية أمريكية من بين 90 وحدة من قوات الأمن توجد فقط واحدة من بينها قادرة على خوض عمليات عسكرية بنفسها، ولا يتجاوز أفرادها 5000 عنصر، ويغلب عليها كذلك عدم المهنية وغياب الحيادية.
يقابل ذلك تصريح لأكثر من مسؤول عراقي بأن القوى المسلحة قادرة على السيطرة على الوضع السياسي في البلد في حالة انسحاب القوات الأمريكية، وبالطبع هذه المسألة تؤرقهم ودفعتهم إلى العمل عبر اتجاهين: الأول عدم الموافقة على تحديد جدول زمني للانسحاب، وانما موافقة الجانب الأمريكي على ضرورة الاستمرار باعتماد سياسة بناء وتطوير القدرات الأمنية للقوى المشكلة. والاتجاه الثاني الدفع بقوة نحو تصفية كفاءات الغرماء (الضباط والأساتذة والأطباء والمحامون ورجال الدين من العرب السنة) من أجل حرق الساحة بما فيها في حالة ضغط الجانب الأمريكي باتجاه قبول عودة بعض القيادات السابقة إلى مواقع في إدارة الدولة العراقية. لهذا لا نتصور أن يستفيد من التشريع الذي صدر في 6 نوفمبر بتقليص عدد المشمولين بقضايا الاجتثاث من 35 ألفاً إلى 1500 شخص فقط.
لقد انتهى مؤتمر القاهرة إلى بعض المقررات، ولعل أهمها وضع أجندات لعملية المصالحة بين القوى السياسية، لكن هل تستطيع القوى المختلفة التي هي جزء من المشكلة التعامل معها؟ وهل تستطيع القوى الوسيطة ممثلة بجامعة الدول العربية ودول الجوار التعامل معها؟
إن دول الجوار ابتداء هي أطراف غير محايدة رغم أنها تسعى إلى جعل أعمال العنف (التي تقوم بها مباشرة أو عبر مريديها) تحت السيطرة السياسية. أما القوى السياسية في العراق فهي تتباين في مواقفها من هذه الأجندات، وقبلها كون معظم هذه القوى قبضت ثمن ما يجري أو أنها ارتهنت نفسها لتنفيذ مشاريع خارجية مقابل الحصول على دعم لتنفيذ مقاصد عقائدية سياسية واجتماعية ومزايا في الدولة التي قد تنشأ. كما أن كافة القوى الوطنية أضعفت على نحو خطير، ويجري إفشال بقية القوى الوطنية، تقابله صعوبة مشاركة القوى التي ارتضت حمل السلاح ضد الوجود الأمريكي. وحتى المعايير المحددة لمشاركة الأطراف المختلفة في عملية المصالحة: التمثيل المتوازن، نقول إنه من المشكوك فيه أن تكون فاعلة في التعامل مع المشكلات المطروحة كون قوى عديدة لا تزال، بل أصبحت نشطة في تصفية الآخر قبل الشروع بعملية المصالحة.
وأخيراً، صحيح أن كلامنا المتقدم قد يلاحظ القارئ عليه أو فيه نوعاً من الاستهجان بإمكانية تحقق مصالحة بين القوى والأطراف الموجودة، إلا أننا من رواد مدرسة تؤمن بوضع الفرضيات، ثم إن حكمة الأطراف وعقلانيتها هما اللتان ستدفعان نحو اعتماد تحقيق واحدة من هذه الفرضيات. والمرصود اليوم هو ثلاث فرضيات أساسية:
الفرضية الأولى، فشل المصالحة: والمظاهر العامة لهذه الفرضية ثلاثة، أولها زيادة معدلات العنف والقتل والتهجير على أسس عرقية وطائفية وعقائدية-سياسية واجتماعية. وثانيها تصاعد انفلات الأمن. وثالثها استمرار تفكك الدولة العراقية. وما قد يدفع إلى هذا الفرض متغيرات من قبيل:
أ-الإقصاء لأسباب سياسية أو فئوية.
ب-الجهد الفاعل لتقسيم العراق.
ج-غياب الحوار وسيادة لغة العنف.
د-وجود جهد إقليمي وعالمي داعم لزيادة أعمال العنف في العراق.
الفرضية الثانية، استمرار الوضع الراهن: وأبرز مظاهره وجود أعمال عنف أوقعت كمعدل للعامين (2005-2006 نحو 100 قتيل يومياً، ووجود أعمال تهجير طائفي وعرقي، يرافقهما ضعف وعدم حيادية وعدم مهنية الجهاز الأمني. ومع استمرار عدم الاستقرار الأمني ووجود ساعات لحظر التجول وفرض خطة الطوارئ يقابله استمرار أداء الميليشيات الفاعل على حساب فاعلية أداء مؤسسات الدولة وهيبتها. وإن ما يدفع إلى هذه المظاهر متغيرات أهمها:
أ-عدم جدية الأطراف المعنية بتقديم تنازلات عقلانية ومقبولة لصالح بناء الدولة.
ب-قوة المشاريع الإقليمية ورغبتها في استمرار وضع العراق ورهنه كأداة مساومة فعالة في إطار العلاقات الإقليمية.
ج-عدم جدية الولايات المتحدة في تحقيق المصالحة.
الفرضية الثالثة، نجاح المصالحة: وأهم مظاهره عودة الاستقرار إلى المدن العراقية ورجوع النازحين والمهجرين إلى ديارهم، وكذلك تفكيك الميليشيات وسيادة القانون في المحاسبة، والمهم حيادية الجهاز الأمني وانتهاء سياسة الإقصاء. وأخيراً ظهور هيبة الدولة. أما المتغيرات الدافعة إلى هذه المظاهر فهي:
أ-الرغبة الصادقة بتحقيق المصالحة من كافة الأطراف، أو على الأقل قبول الرغبة من الأطراف التي تبدي استعداداً لخفض نسبة طلباتها، ومحاولة التضييق على الفئات الرافضة للأفكار الوسطية.
ب-تقديم تنازلات جدية لصالح بناء الدولة من الأطراف كافة.
ج-تنفيذ سياسات حريصة على العراق كدولة.
د-وقف تنفيذ سياسات التبعية للقوى الإقليمية.
هـ-توعية العراقيين بأهمية المصالحة.
ن-وجود جهد إقليمي-دولي لوقف العنف في العراق.
إن أياً من هذه الاحتمالات عرضة للظهور، وكباحث أرجح استمرار فشل المصالحة خلال الأشهر المقبلة، ومع العام 2007 سيكون الوضع العراقي عرضة للاستمرار في تصاعد معدلات العنف والتهجير إلى حين تطبيق الفيدرالية في العراق وحدوث فرز حاد في توزيع مناطق بغداد، حيث ستسعى القوى المختلفة إلى ممارسة سياسة حرق الأرض للحصول على تنازلات أو مكاسب في الأقاليم التي قد يجري تشكيلها في الوسط والجنوب مع نهاية العام 2007، أما أمر الأرض موضع النزاع بين العرب والأكراد (شرق الموصل، كركوك، شمال شرق صلاح الدين، شمال وشرق ديالى) فنتوقع من الممارسات على الأرض أن تحسم بصفقة بين قوى الحكومة (القوى الكردية والشيعية) مفادها سكوت الحكومة عن عمليات (تكريد) تلك الأراضي سواء عبر القتل أو التهجير، ثم الإلحاق الإداري تحت صيغة الأمر القائم بإقليم كردستان، مقابل سكوت كردي عن سعي القوى الشيعية لتوزيع المغانم بينها في محافظات بغداد وديالى وبابل، والحديث جار عن سعي لاقتطاع جزء من محافظة الأنبار وإلحاقه بكربلاء وإعادة توطينه.
أما مع مستهل العام 2008 فأتوقع أنه سيشهد صراعاً لا يزال مستتراً ألا وهو اشتعال الصراعات بين الأقاليم والمحافظات وداخلها، كذلك رغبة من القوى السياسية في الحصول على أعلى المكتسبات السياسية على الأرض. ومع نهاية العام 2008 سيجري تقلص في أعمال العنف بين الأقاليم، وسيتصاعد العنف داخل الأقاليم نفسها وذلك رغبة من القوى السياسية في الحصول على العوائد المالية من الثروات والامتيازات السياسية من الحكم، وذلك على أساس التباين العقائدي السياسي بين أبناء الطائفة الواحدة والعرق الواحد.
ومما تقدم نرى أن احتمالات المصالحة من الصعب تصورها طوال الأعوام الثلاثة المقبلة نظراً لأعمال العنف والدم الذي سال، والذي من الصعب التحلل منه أو نسيانه بكلمات عابرة. وفي أفضل الأحوال بإمكان الولايات المتحدة عقد صفقة سياسية، بموجبها إما تغير قواعد الحكم داخل العراق أو تضمن عملية ضبط سياسي مقبول بين كافة الأطراف داخل بغداد، إذا اتجهت نحو استثمار العراق كدولة لصالح أداء أدوار بالإنابة في الإقليم- دون أن ينفي ذلك استمرار العنف، لكن دون المستويات الحرجة التي يشهدها العراق يومياً، التي هي أعمال شبه عسكرية واسعة النطاق تبين أنه لا وجود لدولة وفقاً لما ذكرناه أعلاه.
::/fulltext::
::cck::2887::/cck::
