عراق القرن الحادي والعشرين.. ضرورات “الأقلمة”.. واحتمالات “الأسلمة”
::cck::2890::/cck::
::introtext::
مثلما كان الجدال ساخناً في شأن قبول (دستور جمهورية العراق) والتصويت عليه في مجلس النواب العراقي، والذي في النهاية تمَّ إقراره من قبل البرلمانيين العراقيين، كذلك كان الجدال أكثر سخونة بل أكثر مدعاة لمناقشات خلافية حادَّة حول قانون تكوين الأقاليم في العراق، والذي هو الآخر تمَّ إقراره من قبل البرلمانيين في جلسة يوم الأربعاء الموافق 11/10/2006 مع الفارق بين التصويتين وهو أن الأخير قُبل على مضض أكثر من جانب البرلمانيين الذين اجتهدوا في سبيل إلغائه من أجندة المهام الاستراتيجية التي اضطلع بها مجلس النواب العراقي في دورته الحالية.
::/introtext::
::fulltext::
مثلما كان الجدال ساخناً في شأن قبول (دستور جمهورية العراق) والتصويت عليه في مجلس النواب العراقي، والذي في النهاية تمَّ إقراره من قبل البرلمانيين العراقيين، كذلك كان الجدال أكثر سخونة بل أكثر مدعاة لمناقشات خلافية حادَّة حول قانون تكوين الأقاليم في العراق، والذي هو الآخر تمَّ إقراره من قبل البرلمانيين في جلسة يوم الأربعاء الموافق 11/10/2006 مع الفارق بين التصويتين وهو أن الأخير قُبل على مضض أكثر من جانب البرلمانيين الذين اجتهدوا في سبيل إلغائه من أجندة المهام الاستراتيجية التي اضطلع بها مجلس النواب العراقي في دورته الحالية.
لكن الكُتل العراقية لم تحصل على شيء في مسعاها سوى أنها نجحت في إرجاء دخول هذا القانون حيز التنفيذ الميداني إلى ثمانية عشر شهراً أملاً منها ألاّ يعود إليه العراقيون إذا ما وجدوا فرصة مناسبة لذلك. ولكن مهما كانت خيبات الأمل تلك قاسية على غير الراغبين في هذا القانون، فإنَّ هذا الأخير سرعان ما تحوَّل إلى واقع حال يمكن لأي عراقي الآن أن يتأمله بروية، بل ومساءلتهِ فيما إذا كان سيتركُ أثراً إيجابياً أم سلبياً في حراك الواقع العراقي الجديد وفي مستقبله السياسي والمجتمعي؟ ذلك أنَّ حال هذا القانون هو حال أي قانون مماثل يصدر في أي مكان بالعالم، يمكن أن تكون فيه عناصر إيجابية تمثلُ الباعث على إيجاده، وعناصر أخرى سلبية يتضمنها ولا تروق لغير أهله ودُعاته مقارنة بمرجعيات ورؤى فكرية مغايرة.
وعادةً ما يُصنَّف العراق بأنه من بلدان العالم الثالث، ومن بلدان الشرق الأوسط، مثلما هو أيضاً من بلدان الوطن العربي. ومعلوم أنَّ نمط الحياة والتنمية في هذه المجتمعات إنما هو نمط يفتقر إلى الكثير من مستويات إحراز التقدم المأمول رغم وجود أسبابه المادية، خصوصاً الثروات الطبيعية والموارد البشرية. ومعروف أيضاً أنَّ السياسات الاستعمارية وما تبعها من سياسات وطنية زائفة، سياسات ما عُرفَ بحكومات الاستقلال الوطني، التي مرَّت على العراق، شأنها شأن ما مرَّ على دول المنطقة العربية برمتها من هذه الحكومات، كانت قد كرَّست تنميات منقوصة وأخرى عرجاء بل وثالثة تدميرية!
وفي العراق لعبت العوامل الأيديولوجية التسلُّطية وما فيها من بواعث جهويَّة؛ كالباعث المناطقي والعرقي والمذهبي، فضلاً عن التوجُّهات الاستبدادية والدكتاتورية والتطلُّعات السُّلطوية، إلى جانب سياسات الحروب الخاسرة، ومركزية الحُكم حيث اللاعدالة، دوراً كبيراً في حرمان مناطق كثيرة في العراق من ضرورات التقدُّم التنموي الشامل والحقيقي والعادل.
ومن هنا يعتقد دُعاة هذا القانون أنَّ الحُكم اللامركزي أو حكُم الأقاليم نفسها بنفسها سيوفِّر فرصة تعويضية لأن تنهضَ مجتمعات الأقاليم، التي ستُشكَّل وفق هذا القانون، بمهمة التنمية التعويضية الشاملة والحقيقية والعادلة جرّاء ما مرَّ على محافظات العراق من عجزٍ في إحداث أي تقدُّم تنمويٍّ مجتمعيٍّ يشمل الجوانب العمرانية والحضارية والخدمية والسياسية والاقتصادية والاجتماعية.
ولم يتطرَّق قانون الأقاليم إلى الجوانب التفصيلية إنما بقي عند المفاهيم الكُلية، ولكن تلك المفاهيم تعكس قيماً جديدة يأمل هذا القانون بتكريسها في المجتمع العراقي الجديد؛ فعلى الصعيد السياسي سيوفِّر القانون بنية إدارية جديدة لمجتمعات الأقاليم الجديدة (Regions Societies New) من خلال دعوته إلى وجود (مجلس تشريعي انتقالي)، و(ورئاسة إقليم مع نائبين)، و(ورئيس وزراء للإقليم)، و(مجلس وزراء للإقليم). كما أنه يوفِّر فرصة لثقافة ديمقراطية وسياسية جديدة قوامها آليات عدَّة منها: (الانتخابات)، و(التصويت)، و(الاستفتاء)، وأيضاً يحدِّد بقدر ما سيعمل بمرجعيات تلك الثقافة، ومنها (قانون الانتخابات الاتحادي)، و(الدستور الدائم للإقليم)، و(المناهج الوزارية)، فضلاً عن (الدستور الاتحادي).
إلى جانب ذلك، يوفِّر هذا القانون فرصة لتعزيز حراك المجتمع الأهلي في صناعة إرادته الذاتية وتطلُّعاته المجتمعية، ويعزِّز الأبعاد الحوارية بين أفراده وجماعاته، ويضع رؤاه الأيديولوجية التي يؤمن بها على محكِّ التجربة الميدانية، ويعمِّق ثقافة التعبير عن الرأي، وثقافة المطالبة بالحقوق المدنية والتنموية والشخصية والاستراتيجية، ويتوافر المجتمع من خلال هذا القانون أيضاً على ثقافة المنافسة الحقَّة، ويؤصِّل عنده الباعث على حب الوطن والأرض، ويوسِّع عنده مدارك البحث عمَّا هو خلاّق في إعمار الإقليم / الأقاليم بما يعوِّض على أهله أزمنة الخسارة التنموية بل وفداحة الخسارات البشرية والوجودية، وفداحة نسيان البناء والتعمير الخلاّق، ويُنسيه كذلك أزمنة الحروب الخاسرة والمؤامرات الكونية المدمِّرة التي عاثت بأهله قتلاً وإفساداً؛ كسنوات الحصار الاقتصادي الدولي، وسنوات عزلة المجتمع العراقي عن تطورات العالم التقنية والعلمية والإنتاجية، وسنوات حرمانه من التواصل الحضاري والثقافي مع الشعوب والأمم والحواضر العالمية الجديدة. هذا وأكثر منه من العناصر الإيجابية يمكن أن يقدِّمه تحقيق قانون الأقاليم على الأرض، إلا أن هناك وجهة أخرى يمكن أن تكون في حال أخذ هذا القانون طريقه إلى مجال التداول التطبيقي؛ فالقانون يُشير في موادَّ عدَّة وردت فيه إلى البُعد الانتخابي، ويشير أيضاً إلى الورقة الانتخابية، وهذا يعني عدم تغييب التحرك المجموعاتي في مجتمع الأقاليم لتحقيق الفوز ضمن منافسة ممكنة.
جاء في الفقرة (أ) من المادة (19) ما نصُّه: (يكلَّف رئيس الإقليم مرشَّح الكتلة الأكثر عدداً في المجلس التشريعي بتشكيل مجلس الوزراء خلال خمسة عشر يوماً من تاريخ انتخابه). وما يهمُّنا هنا في هذا النص هي عبارة (الكتلة الأكثر عدداً في المجلس التشريعي). وعن تكوين هذا المجلس جاء في الفقرة (أ) من المادة (13) ما نصُّه: (مقعد واحد لكل خمسين ألف نسمة من نفوس الإقليم المشكَّل من محافظة واحدة على ألا يقلُّ عن خمسة وعشرين عضواً). والمهم هنا هو تعبير (الكتلة الأكثر عدداً)، أي صعود الأغلبية إلى المجلس التشريعي، وستنعكس قوة الأغلبية على تكوين (رئاسة مجلس الوزراء). ولا ضير في ذلك من حيث الحراك الديمقراطي ما دامت الديمقراطية خياراً لا بأس به في العراق الجديد بعد عقود من الاستبداد ودكتاتورية القائد الضرورة، ولكن منْ هي تلك الأغلبية؟
ما هو معروف أنَّ كل إقليم سيتحرَّك وفق بنيته السكانية (محافظات مليونية)، وسيتحرَّك أيضاً وفق مناطقيته (جنوب / جنوب مشترك، وسط / وسط مشترك، شمال / شمال مشترك)، ووفق عرقيته (عرب، أكراد، تُركمان، آشور)، ووفق مذهبيته (سُنَّة، شيعة)، ووفق تراتبيته العشائرية (دليم، بني مالك، جبور، بني تميم، شمَّر، بني عامر)، والأهم في ذلك بل وربما الأخطر، وفق الميول الأيديولوجية، خصوصاً الميول الأيديولوجية المركَّبة ذات التأثير المزدوج، فعلى سبيل المثال تجتمع لدى شرائح من المجتمع الشِّيعي العراقي عناصر عدَّة كلها فاعلة في إيجاد حراك واحد يلتقي فيه المذهب مع المنطقة مع العمل الإسلامي ليشكَّل هذا النسيج المتراكب بوضوح في الجنوب وفي الوسط العراقي إلى حدٍّ ما، على سبيل المثال، كُلاً أيديولوجياً مركباً ومتضافراً يبقى ميسمهُ العام مذهبياً قابلاً لأن يتخثَّر فيما هو (إسلامي / إسلاموي) تنصهرُ فيه كل القيم المناطقية والعشائرية ليتحوَّل إلى قوة فاعلة في مجتمع الإقليم الجديد تدفع بالرموز الإسلامية التي تنتمي إلى أحزاب العمل الإسلامي العراقي (الشِّيعية) إلى واجهة الإدارة السياسية، وهي رموز سوف لا تني تبذل مزيد جهد لأسلمة (Islamlaization) الحياة الإقليمية وفق تعبئة أيديولوجية ناضلت، تلك الرموز، من أجل ترسيخها في مجتمعها الإسلامي المأمول أو المتخيَّل بالعراق لتتحوَّل تلك الأقاليم، بعد عَقدٍ إنْ لم يكُن أقل، إلى حواضنَ مجتمعية ذات تعبئة إسلامية مؤدلجة سيكون من الصعب التحوُّل عنها إلا بتحوِّل دراماتيكي أو بمتغير استراتيجي تأتي فاعليته من الداخل العراقي أو من المحيط الإقليمي أو الدولي، ولا أحد يعلم ما هو حجم الثمن الذي سيدفعه العراقيون حينها كما هم الآن يدفعونه بدمائهم التي تُراق بلا رحمة منذ أنْ دخلوا في رحاب عصر جديد هو عصر ما بعد دولة البعث الصدّامية؟
وإذا كنّا نتحدَّث هنا عما ستتعرَّض له أقلمة (Regionalization) مدن الجنوب العراقي، وفق هذا القانون، من أنماط أسلمة ستؤثر بدورها في بنية الإقليم الإدارية وفي بنية ثقافته المجتمعية، فإنَّ الأمر لا يكاد يختلف عما ستكون عليه عملية أقلمة مدن غرب العراق التي من المرجَّح أن تكون الأنبار إقليماً مستقلاً برأسه، وهو إقليم كثيراً ما سعت الجماعات الإسلامويَّة التكفيرية إلى أسلمته وفق أيديولوجيتها الراديكالية المتطرِّفة (أنموذج الإمارة الطالباني) أو وفق أيديولوجية البعث البراجماتية التي تلبس رداء الإسلاميين لتعود إلى السلطة من جديد (أنموذج الجيش الإسلامي في العراق، وأنموذج دولة العراق الإسلامية). وربما يشهد إقليم الأنبار، وبسبب سلطة الورقة الانتخابية وهيمنة كتلة الأغلبية في مناطقه، عملية صعود إسلاميين سنَّة لا تختلف أيديولوجيتهم عن أيديولوجية الإسلاميين الشِّيعة في أقاليم / إقليم الجنوب، وهنا ستتعرَّض الأقلمة في الأنبار إلى نمط مماثل من الأسلمة الشِّيعية لبنية الإدارة السياسية وثقافتها. على أنَّ هناك ما هو أفدح وراء هذه المماثلة بين نمطي الأسلمة، فبعد صدور قانون الأقاليم أشار نوري المالكي، رئيس وزراء العراق، إلى مماثلة تصادُميَّة يمكن أن تحصل بين إسلاميي مذهب واحد ينتج عنها صراع وتصادم بين الإسلاميين الشِّيعة أنفسهم أو بين الإسلاميين السُّنة أنفسهم أيضاً، وذلك عندما قال في مقابلة لـ (وكالة رويترز) نشرتها الصحف منها جريدة (الاتحاد) الظبيانية في 27 أكتوبر 2006 إنَّ الصراع في الأقاليم سيكون بين شيعة وشيعة وبين سُنَّة وسُنَّة. وأضاف قائلاً إنه سيتخلّى عن مشروع الفيدرالية بالكامل إذا أثار مثل ذلك العنف وحارب الناس بعضهم بعضاً.
إن أسلمة الأقاليم، إنْ جرت وفق أُسس التطرف الجهوي، ستشكِّلُ نمطاً لا يزال غير محسوب التبعات في عراق القرن الحادي والعشرين، لكنها ستكون ذات جدوى إذا توسّلت الاعتدال، وراعت رؤى الآخرين ممن لا يحبذونها منهجاً في الحياة. أما الأقلمة فهي من الممكن أن تصبح خياراً إيجابياً إذا ما صارت أسلوباً من شأنه جذب العراقيين إلى بوتقة إنسانية واحدة تنأى بهم عن التمزُّق على أساس عرقي أو مذهبي أو مناطقي أو ثقافي لتقيهم شرّ تقسيم بلادهم و(شبرقته) إلى أجزاء ضعيفة، ولتنقلهم إلى مستوى تنموي تعويضي يحقق لهم ما فقدوه في عقود التأخر الحضاري والتحديثي والإنمائي.
::/fulltext::
|
Getting your Trinity Audio player ready...
|
::cck::2890::/cck::
::introtext::
مثلما كان الجدال ساخناً في شأن قبول (دستور جمهورية العراق) والتصويت عليه في مجلس النواب العراقي، والذي في النهاية تمَّ إقراره من قبل البرلمانيين العراقيين، كذلك كان الجدال أكثر سخونة بل أكثر مدعاة لمناقشات خلافية حادَّة حول قانون تكوين الأقاليم في العراق، والذي هو الآخر تمَّ إقراره من قبل البرلمانيين في جلسة يوم الأربعاء الموافق 11/10/2006 مع الفارق بين التصويتين وهو أن الأخير قُبل على مضض أكثر من جانب البرلمانيين الذين اجتهدوا في سبيل إلغائه من أجندة المهام الاستراتيجية التي اضطلع بها مجلس النواب العراقي في دورته الحالية.
::/introtext::
::fulltext::
مثلما كان الجدال ساخناً في شأن قبول (دستور جمهورية العراق) والتصويت عليه في مجلس النواب العراقي، والذي في النهاية تمَّ إقراره من قبل البرلمانيين العراقيين، كذلك كان الجدال أكثر سخونة بل أكثر مدعاة لمناقشات خلافية حادَّة حول قانون تكوين الأقاليم في العراق، والذي هو الآخر تمَّ إقراره من قبل البرلمانيين في جلسة يوم الأربعاء الموافق 11/10/2006 مع الفارق بين التصويتين وهو أن الأخير قُبل على مضض أكثر من جانب البرلمانيين الذين اجتهدوا في سبيل إلغائه من أجندة المهام الاستراتيجية التي اضطلع بها مجلس النواب العراقي في دورته الحالية.
لكن الكُتل العراقية لم تحصل على شيء في مسعاها سوى أنها نجحت في إرجاء دخول هذا القانون حيز التنفيذ الميداني إلى ثمانية عشر شهراً أملاً منها ألاّ يعود إليه العراقيون إذا ما وجدوا فرصة مناسبة لذلك. ولكن مهما كانت خيبات الأمل تلك قاسية على غير الراغبين في هذا القانون، فإنَّ هذا الأخير سرعان ما تحوَّل إلى واقع حال يمكن لأي عراقي الآن أن يتأمله بروية، بل ومساءلتهِ فيما إذا كان سيتركُ أثراً إيجابياً أم سلبياً في حراك الواقع العراقي الجديد وفي مستقبله السياسي والمجتمعي؟ ذلك أنَّ حال هذا القانون هو حال أي قانون مماثل يصدر في أي مكان بالعالم، يمكن أن تكون فيه عناصر إيجابية تمثلُ الباعث على إيجاده، وعناصر أخرى سلبية يتضمنها ولا تروق لغير أهله ودُعاته مقارنة بمرجعيات ورؤى فكرية مغايرة.
وعادةً ما يُصنَّف العراق بأنه من بلدان العالم الثالث، ومن بلدان الشرق الأوسط، مثلما هو أيضاً من بلدان الوطن العربي. ومعلوم أنَّ نمط الحياة والتنمية في هذه المجتمعات إنما هو نمط يفتقر إلى الكثير من مستويات إحراز التقدم المأمول رغم وجود أسبابه المادية، خصوصاً الثروات الطبيعية والموارد البشرية. ومعروف أيضاً أنَّ السياسات الاستعمارية وما تبعها من سياسات وطنية زائفة، سياسات ما عُرفَ بحكومات الاستقلال الوطني، التي مرَّت على العراق، شأنها شأن ما مرَّ على دول المنطقة العربية برمتها من هذه الحكومات، كانت قد كرَّست تنميات منقوصة وأخرى عرجاء بل وثالثة تدميرية!
وفي العراق لعبت العوامل الأيديولوجية التسلُّطية وما فيها من بواعث جهويَّة؛ كالباعث المناطقي والعرقي والمذهبي، فضلاً عن التوجُّهات الاستبدادية والدكتاتورية والتطلُّعات السُّلطوية، إلى جانب سياسات الحروب الخاسرة، ومركزية الحُكم حيث اللاعدالة، دوراً كبيراً في حرمان مناطق كثيرة في العراق من ضرورات التقدُّم التنموي الشامل والحقيقي والعادل.
ومن هنا يعتقد دُعاة هذا القانون أنَّ الحُكم اللامركزي أو حكُم الأقاليم نفسها بنفسها سيوفِّر فرصة تعويضية لأن تنهضَ مجتمعات الأقاليم، التي ستُشكَّل وفق هذا القانون، بمهمة التنمية التعويضية الشاملة والحقيقية والعادلة جرّاء ما مرَّ على محافظات العراق من عجزٍ في إحداث أي تقدُّم تنمويٍّ مجتمعيٍّ يشمل الجوانب العمرانية والحضارية والخدمية والسياسية والاقتصادية والاجتماعية.
ولم يتطرَّق قانون الأقاليم إلى الجوانب التفصيلية إنما بقي عند المفاهيم الكُلية، ولكن تلك المفاهيم تعكس قيماً جديدة يأمل هذا القانون بتكريسها في المجتمع العراقي الجديد؛ فعلى الصعيد السياسي سيوفِّر القانون بنية إدارية جديدة لمجتمعات الأقاليم الجديدة (Regions Societies New) من خلال دعوته إلى وجود (مجلس تشريعي انتقالي)، و(ورئاسة إقليم مع نائبين)، و(ورئيس وزراء للإقليم)، و(مجلس وزراء للإقليم). كما أنه يوفِّر فرصة لثقافة ديمقراطية وسياسية جديدة قوامها آليات عدَّة منها: (الانتخابات)، و(التصويت)، و(الاستفتاء)، وأيضاً يحدِّد بقدر ما سيعمل بمرجعيات تلك الثقافة، ومنها (قانون الانتخابات الاتحادي)، و(الدستور الدائم للإقليم)، و(المناهج الوزارية)، فضلاً عن (الدستور الاتحادي).
إلى جانب ذلك، يوفِّر هذا القانون فرصة لتعزيز حراك المجتمع الأهلي في صناعة إرادته الذاتية وتطلُّعاته المجتمعية، ويعزِّز الأبعاد الحوارية بين أفراده وجماعاته، ويضع رؤاه الأيديولوجية التي يؤمن بها على محكِّ التجربة الميدانية، ويعمِّق ثقافة التعبير عن الرأي، وثقافة المطالبة بالحقوق المدنية والتنموية والشخصية والاستراتيجية، ويتوافر المجتمع من خلال هذا القانون أيضاً على ثقافة المنافسة الحقَّة، ويؤصِّل عنده الباعث على حب الوطن والأرض، ويوسِّع عنده مدارك البحث عمَّا هو خلاّق في إعمار الإقليم / الأقاليم بما يعوِّض على أهله أزمنة الخسارة التنموية بل وفداحة الخسارات البشرية والوجودية، وفداحة نسيان البناء والتعمير الخلاّق، ويُنسيه كذلك أزمنة الحروب الخاسرة والمؤامرات الكونية المدمِّرة التي عاثت بأهله قتلاً وإفساداً؛ كسنوات الحصار الاقتصادي الدولي، وسنوات عزلة المجتمع العراقي عن تطورات العالم التقنية والعلمية والإنتاجية، وسنوات حرمانه من التواصل الحضاري والثقافي مع الشعوب والأمم والحواضر العالمية الجديدة. هذا وأكثر منه من العناصر الإيجابية يمكن أن يقدِّمه تحقيق قانون الأقاليم على الأرض، إلا أن هناك وجهة أخرى يمكن أن تكون في حال أخذ هذا القانون طريقه إلى مجال التداول التطبيقي؛ فالقانون يُشير في موادَّ عدَّة وردت فيه إلى البُعد الانتخابي، ويشير أيضاً إلى الورقة الانتخابية، وهذا يعني عدم تغييب التحرك المجموعاتي في مجتمع الأقاليم لتحقيق الفوز ضمن منافسة ممكنة.
جاء في الفقرة (أ) من المادة (19) ما نصُّه: (يكلَّف رئيس الإقليم مرشَّح الكتلة الأكثر عدداً في المجلس التشريعي بتشكيل مجلس الوزراء خلال خمسة عشر يوماً من تاريخ انتخابه). وما يهمُّنا هنا في هذا النص هي عبارة (الكتلة الأكثر عدداً في المجلس التشريعي). وعن تكوين هذا المجلس جاء في الفقرة (أ) من المادة (13) ما نصُّه: (مقعد واحد لكل خمسين ألف نسمة من نفوس الإقليم المشكَّل من محافظة واحدة على ألا يقلُّ عن خمسة وعشرين عضواً). والمهم هنا هو تعبير (الكتلة الأكثر عدداً)، أي صعود الأغلبية إلى المجلس التشريعي، وستنعكس قوة الأغلبية على تكوين (رئاسة مجلس الوزراء). ولا ضير في ذلك من حيث الحراك الديمقراطي ما دامت الديمقراطية خياراً لا بأس به في العراق الجديد بعد عقود من الاستبداد ودكتاتورية القائد الضرورة، ولكن منْ هي تلك الأغلبية؟
ما هو معروف أنَّ كل إقليم سيتحرَّك وفق بنيته السكانية (محافظات مليونية)، وسيتحرَّك أيضاً وفق مناطقيته (جنوب / جنوب مشترك، وسط / وسط مشترك، شمال / شمال مشترك)، ووفق عرقيته (عرب، أكراد، تُركمان، آشور)، ووفق مذهبيته (سُنَّة، شيعة)، ووفق تراتبيته العشائرية (دليم، بني مالك، جبور، بني تميم، شمَّر، بني عامر)، والأهم في ذلك بل وربما الأخطر، وفق الميول الأيديولوجية، خصوصاً الميول الأيديولوجية المركَّبة ذات التأثير المزدوج، فعلى سبيل المثال تجتمع لدى شرائح من المجتمع الشِّيعي العراقي عناصر عدَّة كلها فاعلة في إيجاد حراك واحد يلتقي فيه المذهب مع المنطقة مع العمل الإسلامي ليشكَّل هذا النسيج المتراكب بوضوح في الجنوب وفي الوسط العراقي إلى حدٍّ ما، على سبيل المثال، كُلاً أيديولوجياً مركباً ومتضافراً يبقى ميسمهُ العام مذهبياً قابلاً لأن يتخثَّر فيما هو (إسلامي / إسلاموي) تنصهرُ فيه كل القيم المناطقية والعشائرية ليتحوَّل إلى قوة فاعلة في مجتمع الإقليم الجديد تدفع بالرموز الإسلامية التي تنتمي إلى أحزاب العمل الإسلامي العراقي (الشِّيعية) إلى واجهة الإدارة السياسية، وهي رموز سوف لا تني تبذل مزيد جهد لأسلمة (Islamlaization) الحياة الإقليمية وفق تعبئة أيديولوجية ناضلت، تلك الرموز، من أجل ترسيخها في مجتمعها الإسلامي المأمول أو المتخيَّل بالعراق لتتحوَّل تلك الأقاليم، بعد عَقدٍ إنْ لم يكُن أقل، إلى حواضنَ مجتمعية ذات تعبئة إسلامية مؤدلجة سيكون من الصعب التحوُّل عنها إلا بتحوِّل دراماتيكي أو بمتغير استراتيجي تأتي فاعليته من الداخل العراقي أو من المحيط الإقليمي أو الدولي، ولا أحد يعلم ما هو حجم الثمن الذي سيدفعه العراقيون حينها كما هم الآن يدفعونه بدمائهم التي تُراق بلا رحمة منذ أنْ دخلوا في رحاب عصر جديد هو عصر ما بعد دولة البعث الصدّامية؟
وإذا كنّا نتحدَّث هنا عما ستتعرَّض له أقلمة (Regionalization) مدن الجنوب العراقي، وفق هذا القانون، من أنماط أسلمة ستؤثر بدورها في بنية الإقليم الإدارية وفي بنية ثقافته المجتمعية، فإنَّ الأمر لا يكاد يختلف عما ستكون عليه عملية أقلمة مدن غرب العراق التي من المرجَّح أن تكون الأنبار إقليماً مستقلاً برأسه، وهو إقليم كثيراً ما سعت الجماعات الإسلامويَّة التكفيرية إلى أسلمته وفق أيديولوجيتها الراديكالية المتطرِّفة (أنموذج الإمارة الطالباني) أو وفق أيديولوجية البعث البراجماتية التي تلبس رداء الإسلاميين لتعود إلى السلطة من جديد (أنموذج الجيش الإسلامي في العراق، وأنموذج دولة العراق الإسلامية). وربما يشهد إقليم الأنبار، وبسبب سلطة الورقة الانتخابية وهيمنة كتلة الأغلبية في مناطقه، عملية صعود إسلاميين سنَّة لا تختلف أيديولوجيتهم عن أيديولوجية الإسلاميين الشِّيعة في أقاليم / إقليم الجنوب، وهنا ستتعرَّض الأقلمة في الأنبار إلى نمط مماثل من الأسلمة الشِّيعية لبنية الإدارة السياسية وثقافتها. على أنَّ هناك ما هو أفدح وراء هذه المماثلة بين نمطي الأسلمة، فبعد صدور قانون الأقاليم أشار نوري المالكي، رئيس وزراء العراق، إلى مماثلة تصادُميَّة يمكن أن تحصل بين إسلاميي مذهب واحد ينتج عنها صراع وتصادم بين الإسلاميين الشِّيعة أنفسهم أو بين الإسلاميين السُّنة أنفسهم أيضاً، وذلك عندما قال في مقابلة لـ (وكالة رويترز) نشرتها الصحف منها جريدة (الاتحاد) الظبيانية في 27 أكتوبر 2006 إنَّ الصراع في الأقاليم سيكون بين شيعة وشيعة وبين سُنَّة وسُنَّة. وأضاف قائلاً إنه سيتخلّى عن مشروع الفيدرالية بالكامل إذا أثار مثل ذلك العنف وحارب الناس بعضهم بعضاً.
إن أسلمة الأقاليم، إنْ جرت وفق أُسس التطرف الجهوي، ستشكِّلُ نمطاً لا يزال غير محسوب التبعات في عراق القرن الحادي والعشرين، لكنها ستكون ذات جدوى إذا توسّلت الاعتدال، وراعت رؤى الآخرين ممن لا يحبذونها منهجاً في الحياة. أما الأقلمة فهي من الممكن أن تصبح خياراً إيجابياً إذا ما صارت أسلوباً من شأنه جذب العراقيين إلى بوتقة إنسانية واحدة تنأى بهم عن التمزُّق على أساس عرقي أو مذهبي أو مناطقي أو ثقافي لتقيهم شرّ تقسيم بلادهم و(شبرقته) إلى أجزاء ضعيفة، ولتنقلهم إلى مستوى تنموي تعويضي يحقق لهم ما فقدوه في عقود التأخر الحضاري والتحديثي والإنمائي.
::/fulltext::
::cck::2890::/cck::
