الاستثمار في مجال الإسكان
::cck::2891::/cck::
::introtext::
تقدر السلطات العراقية حجم الحاجة للوحدات السكنية في العراق بأربعة ملايين وحدة سكنية يجب أن تنفذ خلال سنتين إلى أربع سنوات على الأقل كي تضع حداً لأزمة السكن الخانقة التي تعاني منها البلاد منذ نحو نصف قرن في البداية، ثم بعد ذلك إلى إنتاج ما لا يقل عن مائتين وخمسين ألف وحدة سكنية سنوياً ومن دون توقف، وعند ذاك يمكن القول بعدم وجود أزمة سكن كتلك التي يعاني منها العراق حالياً والتي تقتطع شهرياً ما هو أكبر من ميزانية الأسرة مجتمعة كبدلات إيجار للوحدة السكنية متوسطة المواصفات في المدن الرئيسية العراقية.
::/introtext::
::fulltext::
تقدر السلطات العراقية حجم الحاجة للوحدات السكنية في العراق بأربعة ملايين وحدة سكنية يجب أن تنفذ خلال سنتين إلى أربع سنوات على الأقل كي تضع حداً لأزمة السكن الخانقة التي تعاني منها البلاد منذ نحو نصف قرن في البداية، ثم بعد ذلك إلى إنتاج ما لا يقل عن مائتين وخمسين ألف وحدة سكنية سنوياً ومن دون توقف، وعند ذاك يمكن القول بعدم وجود أزمة سكن كتلك التي يعاني منها العراق حالياً والتي تقتطع شهرياً ما هو أكبر من ميزانية الأسرة مجتمعة كبدلات إيجار للوحدة السكنية متوسطة المواصفات في المدن الرئيسية العراقية.
يبدو أن هذه الحاجة التي تقرها السلطات الحكومية ويتناقلها المختصون العراقيون في مجالات الاستثمار تمثل بحد ذاتها دعوة مغرية لمن يرغب في الاستثمار من العرب والأجانب في مجالات الإسكان، ضمن أبواب الاستثمار الذي تدعو الحكومة الحالية المستثمرين من كل الجنسيات إلى دخوله على نطاق واسع .
وقبل أن نخوض في قضية الاستثمار في قطاع الإسكان بالعراق الذي تتفاقم فيه الحاجة إلى ما هو أكبر من الأرقام المذكورة، والذي توقفت فيه عجلة بناء مشاريع السكن منذ عقود لابد أن نتوقف بداية عند المزاج العراقي القديم والذي لا يزال على ما هو عليه في الميل إلى السكن الأفقي وعدم الميل إلى السكن العمودي، وهو مزاج جعل من العاصمة العراقية مثلاً تمتد إلى مئات أضعاف ما كانت عليه قبل خمسين أو حتى أربعين سنة مضت.
يقول الدكتور المهندس عبد الله جاسم محمد الأستاذ في كلية الهندسة بجامعة بغـــداد إن ميول الأسرة العراقية قضية مختلفة عن قضية الاستثمار العربي أو الأجنبي في قطاع الإسكان، ونحن إذ نناقش قضية حساسة بمثل هذه الأهمية لا بد أن نعود بالذاكرة إلى مطلع ستينات القرن الماضي حين شرعت الحكومة التي أعقبت سقوط النظام الملكي بأوسع عملية إسكان في العراق وذلك حين خصصت ما هو أكبر من حجم العاصمة الفعلية لذوي الدخول المحدودة والفقراء في منطقتين مهمتين في ضواحي شرق العاصمة – مدينة الثورة سابقاً وحالياً مدينة الصدر التي تضم 750 ألف وحدة سكنية مساحة الواحدة منها 144 متراً فقط – وفي شمال غرب العاصمة (مدينة الشعلة) التي تضم مثل هذا العدد تقريبا من الوحدات السكنية وبنفس المساحة لكل وحدة.. ولنا أن نتصور عائلة بدأت رحلة الحياة في مطلع ستينات القرن الماضي من أبوين وأولاد يسكنون الدار نفسها، وكيف أصبحت بعد أكثر من ستة وأربعين عاما وكم انشطرت وشهدت من زيجات وولادات، وكم تحتاج حالياً إلى وحدات سكنية جديدة؟
يضيف المهندس عبد لله إن الخطأ في إطار معالجة قضية السكن قديم وليس جديداً.. وهو خطأ تتحمله مناصفة العقول الهندسية القديمة والحكومات التي تعاقبت على حكم العراق منذ سقوط النظام الملكي في تموز من عام 1958 فقد عانى سكان هاتين المدينتين على سبيل المثال لا الحصر وكذلك غيرهما من سكان الوحدات السكنية التي أقيمت في العاصمة بعد ذلك أو في مدن العراق الأخرى وما زالوا يعانون من مشكلات مريرة في إيصال خدمات الماء والكهرباء والاتصالات والطرق ومجاري الصرف الصحي. تصوروا أن مشكلات من هذا النوع استمرت من دون حلول منذ ما يربو على نصف قرن، وأساس المشكلة هو الميل إلى السكن الأفقي.
ولو كان الرأي الهندسي الراجح والقرار الحكومي الصارم اتفقا على إقامة مشاريع سكنية عمودية (عمارات) منذ ذلك الحين لتقلصت أولاً المساحة الجغرافية للعاصمة وبما ينعكس إيجاباً على قضايا النقل والاتصالات وخدمات الكهرباء وغيرها وهي خدمات لم تعالج منذ أربعة عقود، ولتم توفير مثل هذه الخدمات بتكاليف أقل وسرعة أكبر. هذا من جهة، أما من الجهة الفنية فإن انتشار البيوت في مدينة واحدة أقيمت على طراز معماري بدائي واحد موزعة على أزقة ضيقة هو أمر أترك تقديره لرجال الاجتماع والسياسة والأمن، حيث أعتقد أن مردوداته السلبية لا بد أن تصطدم بواحد من هذه الاختصاصات. وخلاصة ما أراه أن العراق يحتاج إلى إقامة مجمعات سكنية من عمارات ذات طوابق متعددة يناط تنفيذها وتصميمها واختيار مواقعها بعقول هندسية راجحة.
وللمرة الأولى منذ عدة عقود تقترب الحكومة العراقية من الموافقة على السماح باستغلال أراض مخصصة للزراعة أصلا لأغراض سكنية. فقد جاء على لسان رئيس الوزراء نوري المالكي أن حكومته ستوافق على تخصيص أراض كانت معدة لأن تكون مساحات خضراء حول العاصمة العراقية وتحويلها لأغراض إقامة مجمعات سكنية لحل مشكلة السكن المتفاقمة في مدينة بغداد العاصمة وذلك أثناء تحدثه في اجتماع مع شيوخ عشائر في مدينة الصدر (الاسم الجديد لمدينة الثورة)، وأن الحكومة في الطريق إلى الموافقة على السماح لمستثمرين من مختلف الجنسيات في مجال بناء مجمعات سكنية، وذلك عندما كان المالكي يستمع إلى جوانب من مشكلة السكن في هذه المدينة المكتظة بالسكان.
ويقول عواد توفيق بدر – وزارة الإسكان العراقية – في سياق الحديث عن إمكانية السماح بالاستثمار في مجال قطاع الإسكان، وبعد أن وجه نقداً لأصحاب رؤوس الأموال من العراقيين الذين قال إنهم يفضلون الاستثمار في مجال إقامة مطاعم خارج بلادهم بدلاً من إقامة مشاريع سكنية مضمونة الأرباح في الداخل.
نعم، نحن على استعداد لأن نوفر لأي مستثمر التسهيلات التي تناسب إقامة مشاريع سكن عمودي على نطاق واسع في كل المدن العراقية، ولكن لماذا يعزف المستثمرون العراقيون على الأقل في مجال مشاريع الإسكان؟
السبب هو فقدان الأمن والتخوف من التقلبات الاقتصادية التي ترتبط بالتقلبات السياسية كما هو معروف، وأن من يرغب في الاستثمار في العراق تنتظره تسهيلات أقرها برلمان العراق المنتخب، ودعت إليها الحكومة للاستثمار ليس في مجال الإسكان فحسب، بل حتى في مجالات النفط التي تعتبر أكثر تعقيداً، وتحتاج إلى ميزانيات ضخمة. غير أن الإقبال على الاستثمار في العراق عموما لا يزال متوقفاً بسبب الوضع الأمني. هذا الوضع يصح في العاصمة بغداد، ولكن في النسبة الغالبة من المحافظات العراقية الأخرى بإمكان من يرغب في الاستثمار في مجال الإسكان على الأقل أن يعمل، وأن يستثمر ما يشاء من رؤوس أموال، خاصة أن بإمكان المستثمر أن يحصل على ضوابط مكفولة من الدولة في تحصيل أمواله.
لكن السؤال الذي يطرح هو هل هنالك سقف في الميزانية للمبالغ المخصصة للإسكان؟ يقول عواد بدر إذا كان الغرض من السؤال معرفة حجم المباني التي تريد الدولة تنفيذها لحسابها الخاص، نعم هناك مليارات من الدنانير في الميزانية المخصصة للسنة المالية الحالية 2006، ولكن الأمر مختلف في مجال الاستثمار، حيث يضع المستثمر نفسه الميزانية التي يقترحها لإقامة مشاريعه ومن ثم يطالب بالحصول على ضمانات حكومية أو أهلية.
ولأن العراق ترك قبل عقدين من الزمن النمط الاشتراكي، وتحول إلى الاقتصاد الحر وإعادة تفعيل القطاع الخاص فإن تغييرات كبرى لصالح القطاع لم تجر في البلاد. ويقول رئيس التجمع الصناعي العراقي عبد الحسن محي الشمري: يحتاج القطاع الخاص في العراق إلى إيجاد قاعدة جديدة لأجزائه الرئيسية الصناعة والزراعة والإعمار والإسكان وذلك بتقديم قروض ميسرة تطلبها الدولة من الدول المانحة لبناء نفيه. ولذلك فنحن نحتاج إلى بناء هذه القاعدة الصناعية ومن ثم يوضع لها قانون، وتأسيس اقتصاد جديد للبلاد.
وعن إشراك الدولة في الأفكار المطروحة يقول الشمري: ناقشنا قانون الاستثمار في ندوات والتقينا على هامش هذه الندوات بعدد من كبار المسؤولين، وقدمنا آراء لمجلس النواب، وكانت فرضياتنا التي نناقشها مع الكل، أننا لابد أن ننظر إلى تجارب الدول الأخرى التي استطاعت بناء اقتصاد متين ومتطور من خلال مشاركة وتفعيل دور القطاع الخاص وبناء قاعدة خاصة في مجال مشاريع الإسكان. ووجه الشمري انتقادات لقانون العراقي الجديد واصفاً إياه بأنه (قصير النظر لأنه ينظر إلى المستثمر العراقي بعين المستثمر الأجنبي من دون أن يعطيه ميزة التشجيع).
أما رئيس اتحاد الصناعات العراقية هاشم ذنون علي الأطرقجي فيقول إننا كاتحاد صناعات نشجع المستثمر الأجنبي، ولكن الوضع الحالي لا يسمح للاستثمار الأجنبي بالقدوم إلينا، ثم إن وضع القطاع الخاص غير مهيئ في الوقت الحاضر لأخذ دور الاقتصادي في البناء وفقا لما يتطلبه قانون الاستثمار الجديد. ونحن نطالب بأن يلتفت قانون الاستثمار إلى القطاع الخاص ودعمه وتنميته ورفده وتوسيع مشاريعه وتقديم الإمكانيات والتكنولوجيا المتطورة له التي سيجلبها المستثمر الأجنبي معه.
وحول مشاريع القطاع الخاص التي كانت متوقفة في زمن النظام السابق، وهل شهدت تطوراً نحو الأحسن بعد أربع سنوات على سقوط ذلك النظام؟ يقول رئيس اتحاد الصناعات العراقية: كانت مشاريع القطاع الخاص المتوقفة في زمن النظام السابق تشكل 70 في المائة حتى يوم (9/3/2003) أما الآن فقد بلغت نسبة المشاريع المتوقفة عن العمل 90 في المائة. وأود أن أوضح أمراً مهماً وهو أن عدد المشاريع في العراق بلغ (120000 مشروع) وكل هذه المشاريع تحتاج إلى دعم وتطوير وتفعيل من أجل إعادة عجلة القطاع الخالص، حيث يشهد العراق تهميشاً كبيراً لدور هذا القطاع برغم كل الدعوات التي تحاول إعادة بنائه من جديد. كما أن قانون الاستثمار الجديد أهمل الأخذ في الاعتبار إدخال المشاريع الاستثمارية القائمة في العراق ومعاملتها معاملة المستثمر الأجنبي وعدم تحديد الأفق أو المجال المسموح به الذي أدرجته الدولة في خطتها للمستثمر الأجنبي، لكي يستثمر في هــذه المجالات دون غيرها.
ورغم هذا التفاوت في آراء المختصين من مسؤولين حكوميين وغيرهم فإن الاستثمار برمته في العراق لا يزال بعيداً عن أن يطرق أبواب تلك البلاد قريباً، إضافة إلى أن الإسكان برغم كونه من أكثر القطاعات ربحاً أمام المغامرين من المستثمرين إلا أن ما يؤخر قدوم الاستثمارات على نطاق واسع هو التردي الأمني الذي يشهده العراق، ولكن ما يثير الاستغراب هو أن القسم الأكبر من العراق (الفرات الأوسط وجنوب العراق) يتمتع باستقرار أمني يختلف اختلافاً كبيراً عما يسمونه (المثلث السني) ثلاث محافظات فقط. هذا الاستقرار يمكن أن يكون حافزاً للمستثمرين العرب والأجانب وكذلك العراقيين لبناء وحدات سكنية ضمن المساحات الواسعة من الأراضي داخل قصبات المدن الكبيرة والصغيرة، أما ضمان التسديد بالنسبة للمستثمرين فإن الحصول عليه بواسطة الدولة أمر يسير وسهل للغاية.
::/fulltext::
|
Getting your Trinity Audio player ready...
|
::cck::2891::/cck::
::introtext::
تقدر السلطات العراقية حجم الحاجة للوحدات السكنية في العراق بأربعة ملايين وحدة سكنية يجب أن تنفذ خلال سنتين إلى أربع سنوات على الأقل كي تضع حداً لأزمة السكن الخانقة التي تعاني منها البلاد منذ نحو نصف قرن في البداية، ثم بعد ذلك إلى إنتاج ما لا يقل عن مائتين وخمسين ألف وحدة سكنية سنوياً ومن دون توقف، وعند ذاك يمكن القول بعدم وجود أزمة سكن كتلك التي يعاني منها العراق حالياً والتي تقتطع شهرياً ما هو أكبر من ميزانية الأسرة مجتمعة كبدلات إيجار للوحدة السكنية متوسطة المواصفات في المدن الرئيسية العراقية.
::/introtext::
::fulltext::
تقدر السلطات العراقية حجم الحاجة للوحدات السكنية في العراق بأربعة ملايين وحدة سكنية يجب أن تنفذ خلال سنتين إلى أربع سنوات على الأقل كي تضع حداً لأزمة السكن الخانقة التي تعاني منها البلاد منذ نحو نصف قرن في البداية، ثم بعد ذلك إلى إنتاج ما لا يقل عن مائتين وخمسين ألف وحدة سكنية سنوياً ومن دون توقف، وعند ذاك يمكن القول بعدم وجود أزمة سكن كتلك التي يعاني منها العراق حالياً والتي تقتطع شهرياً ما هو أكبر من ميزانية الأسرة مجتمعة كبدلات إيجار للوحدة السكنية متوسطة المواصفات في المدن الرئيسية العراقية.
يبدو أن هذه الحاجة التي تقرها السلطات الحكومية ويتناقلها المختصون العراقيون في مجالات الاستثمار تمثل بحد ذاتها دعوة مغرية لمن يرغب في الاستثمار من العرب والأجانب في مجالات الإسكان، ضمن أبواب الاستثمار الذي تدعو الحكومة الحالية المستثمرين من كل الجنسيات إلى دخوله على نطاق واسع .
وقبل أن نخوض في قضية الاستثمار في قطاع الإسكان بالعراق الذي تتفاقم فيه الحاجة إلى ما هو أكبر من الأرقام المذكورة، والذي توقفت فيه عجلة بناء مشاريع السكن منذ عقود لابد أن نتوقف بداية عند المزاج العراقي القديم والذي لا يزال على ما هو عليه في الميل إلى السكن الأفقي وعدم الميل إلى السكن العمودي، وهو مزاج جعل من العاصمة العراقية مثلاً تمتد إلى مئات أضعاف ما كانت عليه قبل خمسين أو حتى أربعين سنة مضت.
يقول الدكتور المهندس عبد الله جاسم محمد الأستاذ في كلية الهندسة بجامعة بغـــداد إن ميول الأسرة العراقية قضية مختلفة عن قضية الاستثمار العربي أو الأجنبي في قطاع الإسكان، ونحن إذ نناقش قضية حساسة بمثل هذه الأهمية لا بد أن نعود بالذاكرة إلى مطلع ستينات القرن الماضي حين شرعت الحكومة التي أعقبت سقوط النظام الملكي بأوسع عملية إسكان في العراق وذلك حين خصصت ما هو أكبر من حجم العاصمة الفعلية لذوي الدخول المحدودة والفقراء في منطقتين مهمتين في ضواحي شرق العاصمة – مدينة الثورة سابقاً وحالياً مدينة الصدر التي تضم 750 ألف وحدة سكنية مساحة الواحدة منها 144 متراً فقط – وفي شمال غرب العاصمة (مدينة الشعلة) التي تضم مثل هذا العدد تقريبا من الوحدات السكنية وبنفس المساحة لكل وحدة.. ولنا أن نتصور عائلة بدأت رحلة الحياة في مطلع ستينات القرن الماضي من أبوين وأولاد يسكنون الدار نفسها، وكيف أصبحت بعد أكثر من ستة وأربعين عاما وكم انشطرت وشهدت من زيجات وولادات، وكم تحتاج حالياً إلى وحدات سكنية جديدة؟
يضيف المهندس عبد لله إن الخطأ في إطار معالجة قضية السكن قديم وليس جديداً.. وهو خطأ تتحمله مناصفة العقول الهندسية القديمة والحكومات التي تعاقبت على حكم العراق منذ سقوط النظام الملكي في تموز من عام 1958 فقد عانى سكان هاتين المدينتين على سبيل المثال لا الحصر وكذلك غيرهما من سكان الوحدات السكنية التي أقيمت في العاصمة بعد ذلك أو في مدن العراق الأخرى وما زالوا يعانون من مشكلات مريرة في إيصال خدمات الماء والكهرباء والاتصالات والطرق ومجاري الصرف الصحي. تصوروا أن مشكلات من هذا النوع استمرت من دون حلول منذ ما يربو على نصف قرن، وأساس المشكلة هو الميل إلى السكن الأفقي.
ولو كان الرأي الهندسي الراجح والقرار الحكومي الصارم اتفقا على إقامة مشاريع سكنية عمودية (عمارات) منذ ذلك الحين لتقلصت أولاً المساحة الجغرافية للعاصمة وبما ينعكس إيجاباً على قضايا النقل والاتصالات وخدمات الكهرباء وغيرها وهي خدمات لم تعالج منذ أربعة عقود، ولتم توفير مثل هذه الخدمات بتكاليف أقل وسرعة أكبر. هذا من جهة، أما من الجهة الفنية فإن انتشار البيوت في مدينة واحدة أقيمت على طراز معماري بدائي واحد موزعة على أزقة ضيقة هو أمر أترك تقديره لرجال الاجتماع والسياسة والأمن، حيث أعتقد أن مردوداته السلبية لا بد أن تصطدم بواحد من هذه الاختصاصات. وخلاصة ما أراه أن العراق يحتاج إلى إقامة مجمعات سكنية من عمارات ذات طوابق متعددة يناط تنفيذها وتصميمها واختيار مواقعها بعقول هندسية راجحة.
وللمرة الأولى منذ عدة عقود تقترب الحكومة العراقية من الموافقة على السماح باستغلال أراض مخصصة للزراعة أصلا لأغراض سكنية. فقد جاء على لسان رئيس الوزراء نوري المالكي أن حكومته ستوافق على تخصيص أراض كانت معدة لأن تكون مساحات خضراء حول العاصمة العراقية وتحويلها لأغراض إقامة مجمعات سكنية لحل مشكلة السكن المتفاقمة في مدينة بغداد العاصمة وذلك أثناء تحدثه في اجتماع مع شيوخ عشائر في مدينة الصدر (الاسم الجديد لمدينة الثورة)، وأن الحكومة في الطريق إلى الموافقة على السماح لمستثمرين من مختلف الجنسيات في مجال بناء مجمعات سكنية، وذلك عندما كان المالكي يستمع إلى جوانب من مشكلة السكن في هذه المدينة المكتظة بالسكان.
ويقول عواد توفيق بدر – وزارة الإسكان العراقية – في سياق الحديث عن إمكانية السماح بالاستثمار في مجال قطاع الإسكان، وبعد أن وجه نقداً لأصحاب رؤوس الأموال من العراقيين الذين قال إنهم يفضلون الاستثمار في مجال إقامة مطاعم خارج بلادهم بدلاً من إقامة مشاريع سكنية مضمونة الأرباح في الداخل.
نعم، نحن على استعداد لأن نوفر لأي مستثمر التسهيلات التي تناسب إقامة مشاريع سكن عمودي على نطاق واسع في كل المدن العراقية، ولكن لماذا يعزف المستثمرون العراقيون على الأقل في مجال مشاريع الإسكان؟
السبب هو فقدان الأمن والتخوف من التقلبات الاقتصادية التي ترتبط بالتقلبات السياسية كما هو معروف، وأن من يرغب في الاستثمار في العراق تنتظره تسهيلات أقرها برلمان العراق المنتخب، ودعت إليها الحكومة للاستثمار ليس في مجال الإسكان فحسب، بل حتى في مجالات النفط التي تعتبر أكثر تعقيداً، وتحتاج إلى ميزانيات ضخمة. غير أن الإقبال على الاستثمار في العراق عموما لا يزال متوقفاً بسبب الوضع الأمني. هذا الوضع يصح في العاصمة بغداد، ولكن في النسبة الغالبة من المحافظات العراقية الأخرى بإمكان من يرغب في الاستثمار في مجال الإسكان على الأقل أن يعمل، وأن يستثمر ما يشاء من رؤوس أموال، خاصة أن بإمكان المستثمر أن يحصل على ضوابط مكفولة من الدولة في تحصيل أمواله.
لكن السؤال الذي يطرح هو هل هنالك سقف في الميزانية للمبالغ المخصصة للإسكان؟ يقول عواد بدر إذا كان الغرض من السؤال معرفة حجم المباني التي تريد الدولة تنفيذها لحسابها الخاص، نعم هناك مليارات من الدنانير في الميزانية المخصصة للسنة المالية الحالية 2006، ولكن الأمر مختلف في مجال الاستثمار، حيث يضع المستثمر نفسه الميزانية التي يقترحها لإقامة مشاريعه ومن ثم يطالب بالحصول على ضمانات حكومية أو أهلية.
ولأن العراق ترك قبل عقدين من الزمن النمط الاشتراكي، وتحول إلى الاقتصاد الحر وإعادة تفعيل القطاع الخاص فإن تغييرات كبرى لصالح القطاع لم تجر في البلاد. ويقول رئيس التجمع الصناعي العراقي عبد الحسن محي الشمري: يحتاج القطاع الخاص في العراق إلى إيجاد قاعدة جديدة لأجزائه الرئيسية الصناعة والزراعة والإعمار والإسكان وذلك بتقديم قروض ميسرة تطلبها الدولة من الدول المانحة لبناء نفيه. ولذلك فنحن نحتاج إلى بناء هذه القاعدة الصناعية ومن ثم يوضع لها قانون، وتأسيس اقتصاد جديد للبلاد.
وعن إشراك الدولة في الأفكار المطروحة يقول الشمري: ناقشنا قانون الاستثمار في ندوات والتقينا على هامش هذه الندوات بعدد من كبار المسؤولين، وقدمنا آراء لمجلس النواب، وكانت فرضياتنا التي نناقشها مع الكل، أننا لابد أن ننظر إلى تجارب الدول الأخرى التي استطاعت بناء اقتصاد متين ومتطور من خلال مشاركة وتفعيل دور القطاع الخاص وبناء قاعدة خاصة في مجال مشاريع الإسكان. ووجه الشمري انتقادات لقانون العراقي الجديد واصفاً إياه بأنه (قصير النظر لأنه ينظر إلى المستثمر العراقي بعين المستثمر الأجنبي من دون أن يعطيه ميزة التشجيع).
أما رئيس اتحاد الصناعات العراقية هاشم ذنون علي الأطرقجي فيقول إننا كاتحاد صناعات نشجع المستثمر الأجنبي، ولكن الوضع الحالي لا يسمح للاستثمار الأجنبي بالقدوم إلينا، ثم إن وضع القطاع الخاص غير مهيئ في الوقت الحاضر لأخذ دور الاقتصادي في البناء وفقا لما يتطلبه قانون الاستثمار الجديد. ونحن نطالب بأن يلتفت قانون الاستثمار إلى القطاع الخاص ودعمه وتنميته ورفده وتوسيع مشاريعه وتقديم الإمكانيات والتكنولوجيا المتطورة له التي سيجلبها المستثمر الأجنبي معه.
وحول مشاريع القطاع الخاص التي كانت متوقفة في زمن النظام السابق، وهل شهدت تطوراً نحو الأحسن بعد أربع سنوات على سقوط ذلك النظام؟ يقول رئيس اتحاد الصناعات العراقية: كانت مشاريع القطاع الخاص المتوقفة في زمن النظام السابق تشكل 70 في المائة حتى يوم (9/3/2003) أما الآن فقد بلغت نسبة المشاريع المتوقفة عن العمل 90 في المائة. وأود أن أوضح أمراً مهماً وهو أن عدد المشاريع في العراق بلغ (120000 مشروع) وكل هذه المشاريع تحتاج إلى دعم وتطوير وتفعيل من أجل إعادة عجلة القطاع الخالص، حيث يشهد العراق تهميشاً كبيراً لدور هذا القطاع برغم كل الدعوات التي تحاول إعادة بنائه من جديد. كما أن قانون الاستثمار الجديد أهمل الأخذ في الاعتبار إدخال المشاريع الاستثمارية القائمة في العراق ومعاملتها معاملة المستثمر الأجنبي وعدم تحديد الأفق أو المجال المسموح به الذي أدرجته الدولة في خطتها للمستثمر الأجنبي، لكي يستثمر في هــذه المجالات دون غيرها.
ورغم هذا التفاوت في آراء المختصين من مسؤولين حكوميين وغيرهم فإن الاستثمار برمته في العراق لا يزال بعيداً عن أن يطرق أبواب تلك البلاد قريباً، إضافة إلى أن الإسكان برغم كونه من أكثر القطاعات ربحاً أمام المغامرين من المستثمرين إلا أن ما يؤخر قدوم الاستثمارات على نطاق واسع هو التردي الأمني الذي يشهده العراق، ولكن ما يثير الاستغراب هو أن القسم الأكبر من العراق (الفرات الأوسط وجنوب العراق) يتمتع باستقرار أمني يختلف اختلافاً كبيراً عما يسمونه (المثلث السني) ثلاث محافظات فقط. هذا الاستقرار يمكن أن يكون حافزاً للمستثمرين العرب والأجانب وكذلك العراقيين لبناء وحدات سكنية ضمن المساحات الواسعة من الأراضي داخل قصبات المدن الكبيرة والصغيرة، أما ضمان التسديد بالنسبة للمستثمرين فإن الحصول عليه بواسطة الدولة أمر يسير وسهل للغاية.
::/fulltext::
::cck::2891::/cck::
