هجرة الكفاءات العراقية
::cck::2892::/cck::
::introtext::
الكفاءات وهجرتها موضوع حظي بالكثير من الاهتمام من قبل العديد من الكتاب والباحثين كونه مشكلة ذات أبعاد واسعة ومتعددة الأوجه، إذ تعاني جميع الدول النامية من مشكلة هجرة أبنائها المؤهلين دراسياً إلى الدول المتقدمة بدرجة أساسية أو إلى الدول النامية الغنية مثل أقطار مجلس التعاون الخليجي وغيرها، حيث فرص العمل أكثر وفرة.
::/introtext::
::fulltext::
الكفاءات وهجرتها موضوع حظي بالكثير من الاهتمام من قبل العديد من الكتاب والباحثين كونه مشكلة ذات أبعاد واسعة ومتعددة الأوجه، إذ تعاني جميع الدول النامية من مشكلة هجرة أبنائها المؤهلين دراسياً إلى الدول المتقدمة بدرجة أساسية أو إلى الدول النامية الغنية مثل أقطار مجلس التعاون الخليجي وغيرها، حيث فرص العمل أكثر وفرة.
تختلف الإحصائيات عن أعداد المهاجرين من دولة لأخرى وفق عوامل عديدة منها اقتصادية وعلمية وما إلى ذلك، إلا أن المؤكد أن الدوافع المادية هي المحرك الأساسي لهذه العملية، وإن كانت عوامل أخرى ومنها عوامل ومؤثرات سياسية تطغى في هذه الدولة أو تلك ولكنها أقل تأثيراً وشيوعاً.
وتتسبب هجرة الكفاءات والعقول في الكثير من الخسائر المادية والمعنوية على الصعيدين العلمي والتربوي للدول التي تعاني منها، رغم أن العديد من هذه الدول عمل على احتواء مثالب هذه الهجرة وتحويلها إلى إيجابيات-أو هكذا يصور لهم- فمنهم من يدعي أن لهذه الهجرة فائدة اقتصادية تتجلى من خلال ما يبعثه هؤلاء من عملة صعبة إلى أوطانهم وهذا صحيح إلى حد ما، ويذهب آخرون مذاهب فلسفية أبعد بادعاء أن الأدمغة المهاجرة إنما تتدرب في دول متقدمة ومن ثم تعمل على تطوير الكفاءات الوطنية عند عودتها، ما إلى ذلك، وما بين هذين الشكلين هناك تبريرات أخرى لا حاجة للدخول فيها في هذه المقالة المكرسة لموضوع هجرة الكفاءات العراقية التي تختلف في نظري الشخصي اختلافا بيناً عن بقية دول العالم، فالعراق دولة غنية نسبياً أو هكذا كانت في مطلع النصف الثاني من القرن الماضي، وفرص العمل متاحة فيه، وكانت هناك رغبة جامحة في استمرار التطور العلمي والتكنولوجي وتأسيس الجامعات والمعاهد البحثية، ومع ذلك فقد كانت فيه نسبة معينة من الكفاءات التي غادرت إلى دول العالم الأخرى، من هؤلاء الكفاءات من تمتع ببعثات أو زمالات دراسية ثم لم يعد إلى وطنه بعد حصوله على الشهادة المتعاقد عليها. وبدأت ملاحظة هذه الحالات في الستينات والسبعينات من القرن الماضي، ثم تزايدت على مر السنين.
وللاختصار يمكن القول إن هناك أربعة أنماط من الهجرة من العراق على مدى النصف الثاني من القرن الماضي وإلى يومنا هذا، مع ضرورة الإشارة إلى أن ما نقصده بالكفاءات في هذا المقال هم الملاكات الحاصلة على مؤهل عالٍ بعد الدراسة الجامعية الأولية كشهادة الماجستير والدكتوراه والتخصصات الطبية والهندسية، وهذه الأنماط هي:
1- الهجرة بحثاً عن حالة حضارية أفضل: هذه الحالة معروفة ليس في العراق فحسب، بل في جميع دول العالم النامية، وتتمثل في انبهار الموفد من دول العالم النامية بالتقدم الحضاري والعمراني والثقافي في الدول الأوروبية أو القارة الأمريكية أو غيرها، الأمر الذي يدفعه إلى البقاء والاستقرار في تلك الدولة بعد حصوله على الشهادة، ولدينا زملاء كثيرون ممن تنطبق عليهم هذه الحالة منهم من انقطع عن التواصل معنا ومنهم لا يزال على اتصال. وهناك عدد من العوامل المساعدة على تحقق هذا النمط من الهجرة لعل في مقدمتها ضعف ارتباط المبعوث بوطنه أو ما يخلقه من علاقات في دولة الدراسة بما في ذلك الارتباطات العاطفية أو الزوجية أو المالية وغيرها. وشاعت هذه الحالة في العراق في عقد السبعينات وفي مطلع الثمانينات من القرن الماضي، كما ساعد هذا النوع من الهجرة على تخلص الكثير من المبعوثين من الخدمة العسكرية التي كانت إلزامية وطويلة الأمد في ظل الحرب العراقية-الإيرانية آنذاك فكان سبباً يضاف إلى ما تقدم من أسباب ومسوغات.
2- الهجرة لأسباب سياسية: هاجر البعض من الكفاءات إلى دول عربية أو أجنبية بدوافع الهرب من ملاحقة السلطة الحاكمة لهم آنذاك، وكان البعض منهم من العلماء المرموقين ممن عزلوا عن مواقعهم التدريسية لسبب ما وغالباً ما يكون لمعتقدات فكرية أو سياسية يحملونها حتى إن لم ينتموا، وكان في ذلك العزل إجحاف بحقهم بالطبع، فغادروا العراق بحثاً عن الاستقرار في مكان آخر، وتنطبق الحالة نفسها على بعض الزملاء بسبب انحدارهم العرقي. بالإضافة إلى هجرة البعض ممن عمل فعلياً أو رغب في العمل في نشاط سياسي مباشر ضد النظام السابق فتعرض للإساءة أو الملاحقة هو أو أفراد عائلته مما دعاه إلى مغادرة العراق، وهم في الحقيقة ليسوا فئة كبيرة في العدد بالمقارنة مع الأعداد الحالية ممن يترك العراق. وشاعت هذه الحالات في عقدي الثمانينات والتسعينات من القرن الماضي.
3- الهجرة هرباً من الحصار الاقتصادي: شاع في عقد التسعينات من القرن الماضي وبسبب ظروف الحصار الاقتصادي الذي فرض على العراق بعد غزوه الكويت، مغادرة لفيف من الأساتذة الجامعيين وكذلك الفنيين والأطباء والمهندسين بهدف تحسين مدخولاتهم الشهرية، وتميزت ليبيا واليمن عن غيرهما من الدول العربية في استقطاب مثل هذه الكفاءات العراقية والترحيب بهم، كما شهد الأردن هجرة عدد من العلماء العراقيين الذي وجدوا مجالات رحبة للعمل في الجامعات الأهلية الأردنية التي كانت قد فتحت في عقد التسعينات، وتم العديد من تلك الحالات بموافقة الجهات العراقية المسؤولة لمدة زمنية معينة وتعرف بإعارة الخدمات.4- الهجرة طلباً للسلامة الشخصية أو العائلية: يعد هذا النمط من الهجرة من أخطر الأنواع نظراً للعدد الكبير من المدرسين والعناصر الكفؤة الأخرى التي تركت العراق بسبب تردي الأوضاع الأمنية خلال السنوات الثلاث الأخيرة، فبدت الحالة وكأنها متعمدة لإفراغ العراق من ملاكاته المؤهلة لغايات معينة، وقد اعترف رئيس لجنة التربية والتعليم في مجلس النواب العراقي الحالي قبل مدة وجيزة بوجود نقص حاد بالمدرسين في الجامعات العراقية وذلك بعد هجرة أعداد كبيرة منهم إلى الخارج لاسيما إلى الدول المجاورة كنتيجة طبيعية لتردي الأوضاع الأمنية والمعيشية والأكاديمية في العراق، فضلاً عن هجرة أعداد أخرى إلى جامعات كردستان في شمال العراق.
وتشير صحيفة (كريستيان ساينس مونيتر) إلى أن عدد الأساتذة العراقيين في الفترة ما بين (1995-2000) كان قد بلغ نحو 2000 مدرس، إلا أنه من المؤكد أن هذا الرقم تضاعف في السنوات الثلاث الماضية، وقد تكون الإحصائيات من هذا النوع لم تخلص بعد إلى نتائج نهائية لا سيما في ظل استمرار الهجرة وتزايد العدد، ولكن لو أخذنا الإحصائيات الخاصة بالانتخابات العراقية الأخيرة مؤشراً- وهي الإحصائيات الوحيدة من هذا النوع والمتاحة في الوقت الحاضر- لوجدنا أن هناك ما لا يقل عن مليون عراقي ممن يمتلك المؤهلات الكافية للتصويت يقيمون خارج العراق حالياً وهم موزعون على الوجه الآتي: سوريا 250 ألف شخص، الولايات المتحدة الأمريكية 230 ألف شخص، الأردن 180 ألف شخص، بريطانيا 150 ألف شخص، أما النسبة المتبقية فهي لعراقيين ينتشرون في بقية دول العالم، ومما لا شك فيه أن نسبة كبيرة من هذه الأعداد هي إما لمدرسين من حملة الشهادات العليا أو لمهندسين أو أطباء أو تخصصات أخرى، حيث إن افتراض وجود الملاكات العلمية بأي نسبة منهم مهما تكن ضئيلة بينهم يعني عدداً ضخماً جداً لا يستهان به، ويمثل خسارة فادحة لحقت بالعملية التعليمية في العراق.
ويمكن حصر الأسباب التي أدت إلى هذه الهجرة في ما يأتي من العوامل:
أ- تردي الأوضاع الأمنية والمعيشية في العراق وتعذر الاستمرار في العمل اليومي الطبيعي بما في ذلك حرية التنقل من كان لآخر.
ب- تلقي العديد من الأساتذة رسائل تهديد بالقتل، وقد قتل فعلاً جراء ذلك عدد كبير منهم حين لم يكترثوا بتلك التهديدات، وكان البعض من التهديدات ذا مبعث سياسي أو طائفي، والبعض الآخر ذا مبعث إجرامي صرف، والبعض الثالث بدوافع شخصية تكمن في نفوس بعض الطلبة المريضة التي يمكن أن تنضوي تحت الفعل الإجرامي أيضاً والذي وجد متنفساً في ظل غياب القانون.
وبدأت أولى حالات اغتيال الأساتذة العراقيين في 27 تموز 2003 عند مقتل الدكتور محمد الراوي، وكان قد شغل منصب رئيس جامعة بغداد في زمن النظام السابق، وآخرها (إلى حين إعداد هذا المقال) كان مقتل كل من الدكتور عصام الراوي الأستاذ في جامعة بغداد في سبتمبر من هذا العام 2006 أعقبه بأيام مقتل عميد كلية الإدارة والاقتصاد في الجامعة نفسها. ولا شك في أن مثل هذه الحالة تزعزع انتماء الأستاذ الجامعي، وتقضي على أي شعور بالأمان لديه، وتعيقه عن خدمة المجتمع، فيلجأ إلى العمل في دول أخرى.
ج- انخفاض الدخل الفردي للأستاذ الجامعي في العراق بالمقارنة مع أقرانه في الدول المجاورة. وأكد هذه الحقيقة عدد من المسؤولين في وزارة التعليم العالي العراقية ومنهم رئيس جامعة بغداد في حديث له، إذ أهاب بالكفاءات المهاجرة العودة إلى الوطن، ولكنه حذر في الوقت نفسه من انخفاض المردود المالي في العراق، مما يستوجب التضحية.
د- انعدام حرمة الأستاذ الجامعي وحريته الأكاديمية في ظل الانفتاح الخطير بعد طول كبت لا سيما في ظل هيمنة الأحزاب بمختلف أشكالها التي يسعى كل منها لتنفيذ برامجه من جهة وفرض آرائه على الآخرين ومراقبة كل صغيرة وكبيرة في سلوك ونمط تفكير الأستاذ أو الدخول في إرهاصات كلامية تنعكس في نهاية الأمر بصورة سلبية على الوضع العام.
هـ- نقص الكتب والمصادر والأجهزة والمستلزمات التعليمية والمختبرية التي تسهل عملية التدريس أو البحث العلمي، بالإضافة إلى وجود نقص حاد في الأثاث اللازم في المكاتب، وساعدت عمليات النهب التي حدثت إثر سقوط النظام مباشرة في تردي هذه الأوضاع وتخريب المباني ونهب الموجودات التي لا يمكن أن تعوض بسهولة.
و- في الفترة التي أعقبت سقوط النظام السابق جرت انتخابات لتسمية رؤساء الأقسام في الكليات وأخرى لاستلام مهام عمادات الكليات ورئاسة الجامعات. وبغض النظر عن مصداقية الانتخابات رغم أن أغلبها قد جرى بصورة لا غبار عليها، إلا أن الكفاءات الجيدة لم تشأ الدخول في الترشيح ما أدى إلى وصول عناصر غير كفؤة إلى مراكز صنع القرار، وانعكس ذلك على الوضع العام وعلى قناعة البعض من الأساتذة فزاد من مسوغات مغادرة العراق.
أخيراً نقول إن الحالة تبدو قاتمة ولا شك، وقد خسر العراق الكثير من أبنائه وبناه الارتكازية وصروحه العلمية، وأصبح ساحة مفتوحة لتصفية الحسابات السياسية والأحقاد القديمة، فالكل يهدد ويتوعد بما فيهم دول أقليمية فضلاً عن الدولة العبرية التي أعلنت في عام 1991، حين قام العراق بضرب تل أبيب بالصواريخ، أنها ستحتفظ بحق الرد وبالشكل الذي تقرره، والضحية في كل الأحوال هو المواطن العراقي والعقل العراقي الذي أثار الإعجاب في أكثر من مناسبة.
::/fulltext::
|
Getting your Trinity Audio player ready...
|
::cck::2892::/cck::
::introtext::
الكفاءات وهجرتها موضوع حظي بالكثير من الاهتمام من قبل العديد من الكتاب والباحثين كونه مشكلة ذات أبعاد واسعة ومتعددة الأوجه، إذ تعاني جميع الدول النامية من مشكلة هجرة أبنائها المؤهلين دراسياً إلى الدول المتقدمة بدرجة أساسية أو إلى الدول النامية الغنية مثل أقطار مجلس التعاون الخليجي وغيرها، حيث فرص العمل أكثر وفرة.
::/introtext::
::fulltext::
الكفاءات وهجرتها موضوع حظي بالكثير من الاهتمام من قبل العديد من الكتاب والباحثين كونه مشكلة ذات أبعاد واسعة ومتعددة الأوجه، إذ تعاني جميع الدول النامية من مشكلة هجرة أبنائها المؤهلين دراسياً إلى الدول المتقدمة بدرجة أساسية أو إلى الدول النامية الغنية مثل أقطار مجلس التعاون الخليجي وغيرها، حيث فرص العمل أكثر وفرة.
تختلف الإحصائيات عن أعداد المهاجرين من دولة لأخرى وفق عوامل عديدة منها اقتصادية وعلمية وما إلى ذلك، إلا أن المؤكد أن الدوافع المادية هي المحرك الأساسي لهذه العملية، وإن كانت عوامل أخرى ومنها عوامل ومؤثرات سياسية تطغى في هذه الدولة أو تلك ولكنها أقل تأثيراً وشيوعاً.
وتتسبب هجرة الكفاءات والعقول في الكثير من الخسائر المادية والمعنوية على الصعيدين العلمي والتربوي للدول التي تعاني منها، رغم أن العديد من هذه الدول عمل على احتواء مثالب هذه الهجرة وتحويلها إلى إيجابيات-أو هكذا يصور لهم- فمنهم من يدعي أن لهذه الهجرة فائدة اقتصادية تتجلى من خلال ما يبعثه هؤلاء من عملة صعبة إلى أوطانهم وهذا صحيح إلى حد ما، ويذهب آخرون مذاهب فلسفية أبعد بادعاء أن الأدمغة المهاجرة إنما تتدرب في دول متقدمة ومن ثم تعمل على تطوير الكفاءات الوطنية عند عودتها، ما إلى ذلك، وما بين هذين الشكلين هناك تبريرات أخرى لا حاجة للدخول فيها في هذه المقالة المكرسة لموضوع هجرة الكفاءات العراقية التي تختلف في نظري الشخصي اختلافا بيناً عن بقية دول العالم، فالعراق دولة غنية نسبياً أو هكذا كانت في مطلع النصف الثاني من القرن الماضي، وفرص العمل متاحة فيه، وكانت هناك رغبة جامحة في استمرار التطور العلمي والتكنولوجي وتأسيس الجامعات والمعاهد البحثية، ومع ذلك فقد كانت فيه نسبة معينة من الكفاءات التي غادرت إلى دول العالم الأخرى، من هؤلاء الكفاءات من تمتع ببعثات أو زمالات دراسية ثم لم يعد إلى وطنه بعد حصوله على الشهادة المتعاقد عليها. وبدأت ملاحظة هذه الحالات في الستينات والسبعينات من القرن الماضي، ثم تزايدت على مر السنين.
وللاختصار يمكن القول إن هناك أربعة أنماط من الهجرة من العراق على مدى النصف الثاني من القرن الماضي وإلى يومنا هذا، مع ضرورة الإشارة إلى أن ما نقصده بالكفاءات في هذا المقال هم الملاكات الحاصلة على مؤهل عالٍ بعد الدراسة الجامعية الأولية كشهادة الماجستير والدكتوراه والتخصصات الطبية والهندسية، وهذه الأنماط هي:
1- الهجرة بحثاً عن حالة حضارية أفضل: هذه الحالة معروفة ليس في العراق فحسب، بل في جميع دول العالم النامية، وتتمثل في انبهار الموفد من دول العالم النامية بالتقدم الحضاري والعمراني والثقافي في الدول الأوروبية أو القارة الأمريكية أو غيرها، الأمر الذي يدفعه إلى البقاء والاستقرار في تلك الدولة بعد حصوله على الشهادة، ولدينا زملاء كثيرون ممن تنطبق عليهم هذه الحالة منهم من انقطع عن التواصل معنا ومنهم لا يزال على اتصال. وهناك عدد من العوامل المساعدة على تحقق هذا النمط من الهجرة لعل في مقدمتها ضعف ارتباط المبعوث بوطنه أو ما يخلقه من علاقات في دولة الدراسة بما في ذلك الارتباطات العاطفية أو الزوجية أو المالية وغيرها. وشاعت هذه الحالة في العراق في عقد السبعينات وفي مطلع الثمانينات من القرن الماضي، كما ساعد هذا النوع من الهجرة على تخلص الكثير من المبعوثين من الخدمة العسكرية التي كانت إلزامية وطويلة الأمد في ظل الحرب العراقية-الإيرانية آنذاك فكان سبباً يضاف إلى ما تقدم من أسباب ومسوغات.
2- الهجرة لأسباب سياسية: هاجر البعض من الكفاءات إلى دول عربية أو أجنبية بدوافع الهرب من ملاحقة السلطة الحاكمة لهم آنذاك، وكان البعض منهم من العلماء المرموقين ممن عزلوا عن مواقعهم التدريسية لسبب ما وغالباً ما يكون لمعتقدات فكرية أو سياسية يحملونها حتى إن لم ينتموا، وكان في ذلك العزل إجحاف بحقهم بالطبع، فغادروا العراق بحثاً عن الاستقرار في مكان آخر، وتنطبق الحالة نفسها على بعض الزملاء بسبب انحدارهم العرقي. بالإضافة إلى هجرة البعض ممن عمل فعلياً أو رغب في العمل في نشاط سياسي مباشر ضد النظام السابق فتعرض للإساءة أو الملاحقة هو أو أفراد عائلته مما دعاه إلى مغادرة العراق، وهم في الحقيقة ليسوا فئة كبيرة في العدد بالمقارنة مع الأعداد الحالية ممن يترك العراق. وشاعت هذه الحالات في عقدي الثمانينات والتسعينات من القرن الماضي.
3- الهجرة هرباً من الحصار الاقتصادي: شاع في عقد التسعينات من القرن الماضي وبسبب ظروف الحصار الاقتصادي الذي فرض على العراق بعد غزوه الكويت، مغادرة لفيف من الأساتذة الجامعيين وكذلك الفنيين والأطباء والمهندسين بهدف تحسين مدخولاتهم الشهرية، وتميزت ليبيا واليمن عن غيرهما من الدول العربية في استقطاب مثل هذه الكفاءات العراقية والترحيب بهم، كما شهد الأردن هجرة عدد من العلماء العراقيين الذي وجدوا مجالات رحبة للعمل في الجامعات الأهلية الأردنية التي كانت قد فتحت في عقد التسعينات، وتم العديد من تلك الحالات بموافقة الجهات العراقية المسؤولة لمدة زمنية معينة وتعرف بإعارة الخدمات.4- الهجرة طلباً للسلامة الشخصية أو العائلية: يعد هذا النمط من الهجرة من أخطر الأنواع نظراً للعدد الكبير من المدرسين والعناصر الكفؤة الأخرى التي تركت العراق بسبب تردي الأوضاع الأمنية خلال السنوات الثلاث الأخيرة، فبدت الحالة وكأنها متعمدة لإفراغ العراق من ملاكاته المؤهلة لغايات معينة، وقد اعترف رئيس لجنة التربية والتعليم في مجلس النواب العراقي الحالي قبل مدة وجيزة بوجود نقص حاد بالمدرسين في الجامعات العراقية وذلك بعد هجرة أعداد كبيرة منهم إلى الخارج لاسيما إلى الدول المجاورة كنتيجة طبيعية لتردي الأوضاع الأمنية والمعيشية والأكاديمية في العراق، فضلاً عن هجرة أعداد أخرى إلى جامعات كردستان في شمال العراق.
وتشير صحيفة (كريستيان ساينس مونيتر) إلى أن عدد الأساتذة العراقيين في الفترة ما بين (1995-2000) كان قد بلغ نحو 2000 مدرس، إلا أنه من المؤكد أن هذا الرقم تضاعف في السنوات الثلاث الماضية، وقد تكون الإحصائيات من هذا النوع لم تخلص بعد إلى نتائج نهائية لا سيما في ظل استمرار الهجرة وتزايد العدد، ولكن لو أخذنا الإحصائيات الخاصة بالانتخابات العراقية الأخيرة مؤشراً- وهي الإحصائيات الوحيدة من هذا النوع والمتاحة في الوقت الحاضر- لوجدنا أن هناك ما لا يقل عن مليون عراقي ممن يمتلك المؤهلات الكافية للتصويت يقيمون خارج العراق حالياً وهم موزعون على الوجه الآتي: سوريا 250 ألف شخص، الولايات المتحدة الأمريكية 230 ألف شخص، الأردن 180 ألف شخص، بريطانيا 150 ألف شخص، أما النسبة المتبقية فهي لعراقيين ينتشرون في بقية دول العالم، ومما لا شك فيه أن نسبة كبيرة من هذه الأعداد هي إما لمدرسين من حملة الشهادات العليا أو لمهندسين أو أطباء أو تخصصات أخرى، حيث إن افتراض وجود الملاكات العلمية بأي نسبة منهم مهما تكن ضئيلة بينهم يعني عدداً ضخماً جداً لا يستهان به، ويمثل خسارة فادحة لحقت بالعملية التعليمية في العراق.
ويمكن حصر الأسباب التي أدت إلى هذه الهجرة في ما يأتي من العوامل:
أ- تردي الأوضاع الأمنية والمعيشية في العراق وتعذر الاستمرار في العمل اليومي الطبيعي بما في ذلك حرية التنقل من كان لآخر.
ب- تلقي العديد من الأساتذة رسائل تهديد بالقتل، وقد قتل فعلاً جراء ذلك عدد كبير منهم حين لم يكترثوا بتلك التهديدات، وكان البعض من التهديدات ذا مبعث سياسي أو طائفي، والبعض الآخر ذا مبعث إجرامي صرف، والبعض الثالث بدوافع شخصية تكمن في نفوس بعض الطلبة المريضة التي يمكن أن تنضوي تحت الفعل الإجرامي أيضاً والذي وجد متنفساً في ظل غياب القانون.
وبدأت أولى حالات اغتيال الأساتذة العراقيين في 27 تموز 2003 عند مقتل الدكتور محمد الراوي، وكان قد شغل منصب رئيس جامعة بغداد في زمن النظام السابق، وآخرها (إلى حين إعداد هذا المقال) كان مقتل كل من الدكتور عصام الراوي الأستاذ في جامعة بغداد في سبتمبر من هذا العام 2006 أعقبه بأيام مقتل عميد كلية الإدارة والاقتصاد في الجامعة نفسها. ولا شك في أن مثل هذه الحالة تزعزع انتماء الأستاذ الجامعي، وتقضي على أي شعور بالأمان لديه، وتعيقه عن خدمة المجتمع، فيلجأ إلى العمل في دول أخرى.
ج- انخفاض الدخل الفردي للأستاذ الجامعي في العراق بالمقارنة مع أقرانه في الدول المجاورة. وأكد هذه الحقيقة عدد من المسؤولين في وزارة التعليم العالي العراقية ومنهم رئيس جامعة بغداد في حديث له، إذ أهاب بالكفاءات المهاجرة العودة إلى الوطن، ولكنه حذر في الوقت نفسه من انخفاض المردود المالي في العراق، مما يستوجب التضحية.
د- انعدام حرمة الأستاذ الجامعي وحريته الأكاديمية في ظل الانفتاح الخطير بعد طول كبت لا سيما في ظل هيمنة الأحزاب بمختلف أشكالها التي يسعى كل منها لتنفيذ برامجه من جهة وفرض آرائه على الآخرين ومراقبة كل صغيرة وكبيرة في سلوك ونمط تفكير الأستاذ أو الدخول في إرهاصات كلامية تنعكس في نهاية الأمر بصورة سلبية على الوضع العام.
هـ- نقص الكتب والمصادر والأجهزة والمستلزمات التعليمية والمختبرية التي تسهل عملية التدريس أو البحث العلمي، بالإضافة إلى وجود نقص حاد في الأثاث اللازم في المكاتب، وساعدت عمليات النهب التي حدثت إثر سقوط النظام مباشرة في تردي هذه الأوضاع وتخريب المباني ونهب الموجودات التي لا يمكن أن تعوض بسهولة.
و- في الفترة التي أعقبت سقوط النظام السابق جرت انتخابات لتسمية رؤساء الأقسام في الكليات وأخرى لاستلام مهام عمادات الكليات ورئاسة الجامعات. وبغض النظر عن مصداقية الانتخابات رغم أن أغلبها قد جرى بصورة لا غبار عليها، إلا أن الكفاءات الجيدة لم تشأ الدخول في الترشيح ما أدى إلى وصول عناصر غير كفؤة إلى مراكز صنع القرار، وانعكس ذلك على الوضع العام وعلى قناعة البعض من الأساتذة فزاد من مسوغات مغادرة العراق.
أخيراً نقول إن الحالة تبدو قاتمة ولا شك، وقد خسر العراق الكثير من أبنائه وبناه الارتكازية وصروحه العلمية، وأصبح ساحة مفتوحة لتصفية الحسابات السياسية والأحقاد القديمة، فالكل يهدد ويتوعد بما فيهم دول أقليمية فضلاً عن الدولة العبرية التي أعلنت في عام 1991، حين قام العراق بضرب تل أبيب بالصواريخ، أنها ستحتفظ بحق الرد وبالشكل الذي تقرره، والضحية في كل الأحوال هو المواطن العراقي والعقل العراقي الذي أثار الإعجاب في أكثر من مناسبة.
::/fulltext::
::cck::2892::/cck::
